الفصل 1 - أين أنا؟
استيقظ فجأةً.
لم يكن صحوةً هادئةً تتسلل إليك بلطف، كما تفعل شمس الصباح حين تدغدغ جفنيك بخيوطها الذهبية الناعمة. بل كانت استيقاظاً عنيفاً، مفاجئاً، كمن اقتُلع من أعماق النوم وأُلقي على سطح صخري صلب. رمشت عيناه مرات عدة، يحاولان استيعاب ذلك الضوء الساطع الذي اخترقهما كشفرة حادة.
السماء.
صافية. نقية. زرقاء بلا نهاية، حتى لو بحثت بعينيك الاثنتين لن تجد فيها غيمة واحدة شاردة تعترض مسارها.
حدّق أمامه طويلاً.
مروجٌ خضراء تمتد إلى ما لا نهاية، كأن الأرض قررت أن تكون خضراء إلى الأبد، لا صخر ولا رمل ولا حجر. ريحٌ خفيفة تعبر الأعشاب فتجعلها تتموج كأمواج بحر لا صوت له. هدوء تام. هدوء مقلق.
لا شيء غير ذلك.
لا بناء. لا طريق. لا وجه مألوف. لا حتى صوت بعيد يدل على وجود حياة في مكان ما.
حاول أن يتذكر.
فراغ.
حاول أن يستحضر اسم شخص ما، صورة وجه، لحن أغنية، رائحة مكان… أي شيء يمسك به.
لا شيء.
فراغ كامل، مُطبق، كأن ذاكرته كانت بيتاً فخماً يوماً ما، ثم جاء أحدهم في غفلة من الليل فسرق كل ما فيه وأغلق الأبواب.
“اسمي…”
توقف. مدّ يده إلى عمق ذلك الفراغ، يبحث عن شيء واحد.
“…دارون.”
الكلمة خرجت ببطء شديد، متثاقلة، وكأنها الشيء الوحيد الذي نجا من حطام ذاكرته. وكأن جزءاً منه تمسّك بهذا الاسم كما يتمسك الغريق بقطعة خشب وحيدة في بحر لا شاطئ له.
عبس.
لماذا يشعر بهذا الثقل في صدره؟ هذا الانقباض الغريب الذي لا سبب واضحاً له، هذا القلق الذي يلف روحه كضباب كثيف لا يرى ما وراءه. كأن جسده يتذكر شيئاً لم تتذكره العقل.
أين هو؟
من يكون؟
لا إجابة.
فقط الفراغ… يعلو ويهبط داخله مع كل نفس، ينهشه من الداخل بأسنان صامتة لا تتوقف.
فجأةً—
صوت.
ناعمٌ، واضح، لكنه يحمل في طياته قوةً خفية لا يمكن تجاهلها. صوتٌ اعتاد على أن يُسمع، على أن يُطاع، لكنه لم يفقد دفأه.
“يا هذا… ماذا تفعل هناك؟”
استدار على مضض.
هناك—
فتاة.
في مقتبل العمر، ربما في منتصف عقدها الثاني أو في آخره، تقف بثبات وكأنها تنتمي إلى هذه المروج أكثر بكثير منه. أقدامها راسخة على الأرض، كمن وُلد هنا ونشأ هنا.
كانت متوسطة الطول، بنية رشيقة لكنها لا تخلو من صلابة خفية تكشف عن عضلات مدرّبة تحت ملابسها. شعرها البني الغني في لونه كان مربوطاً في ذيل حصان قصير يمتد حتى عنقها، بعض خصلاته الصغيرة تطير بحرية مع النسيم. عيناها… بنيتان، حادتان، تحملان عمقاً يكشف عن ذكاء حاضر وعزماً لا يتزعزع.
كانت ترتدي درعاً جلدياً خفيفاً، قاتم اللون، يعلوه طراز بسيط لا زخرفة فيه. قميص داكن من تحته، وسروال مريح للتحرك. وقد استقر سيفٌ متوسط الطول في غمده عند خصرها الأيسر، كأنه امتداد طبيعي لها، كأنه معها منذ الأزل لا يحق لأحد أن يفصل بينهما.
رمش ببطء…
ثم نظر إلى نفسه.
نفس الملابس. نفس الدرع الجلدي الداكن. نفس السيف عند الخصر. حتى طراز الحذاء… مشابه.
عبس أكثر.
ما الذي يحدث؟
جاء صوتها مجدداً، هذه المرة بنبرة يغلّفها فضول خفيف، كمن يدرس أمراً غريباً لم يره من قبل:
“ماذا تفعل هناك؟ نحن على وشك المغادرة… هيا، ساعد.”
نغادر؟
نحن؟
إلى أين؟
تراكمت الأسئلة في رأسه كأوراق خريف تتساقط دفعةً واحدة. لا إجابات. لا سياق. لا شيء يمسك به سوى هذا الاسم: دارون.
تردد لثانية كاملة.
ثم قرر أن يساير الأمر، لأن ثمة شيئاً ما يخبره بأنه لا خيار آخر أمامه.
“حسناً… أنا قادم.”
نهض بسرعة. ساقاه أكثر استقراراً مما توقع، جسده يستجيب بشكل طبيعي حتى لو أن عقله مشوّش. وما زال ذلك الفراغ الثقيل يلاحقه كظل لا يفارق.
ثم لحق بها.
سارا معاً عبر المروج. الصمت بينهما واضح، لكنه ليس صمتاً مزعجاً. هي تسير بخطى واثقة، تعرف إلى أين تتجه. هو يسير خلفها بفضول ممزوج بقلق خافت.
بعد دقائق من المشي، كان كل خطوة تبدو أطول وأثقل بسبب ذلك الفراغ الذي يعيش بداخله، أخيراً وصلا.
كان المكان مكتظاً بشكل لم يتوقعه.
وجوه لا تُحصى، في كل اتجاه، تتحرك وتتحدث وتُعدّ. وكلهم يرتدون نفس الملابس العملية، نفس الدروع الجلدية الداكنة، نفس السيوف. كأن أحداً قرر في لحظة ما أن يصبغ العالم كله بلون واحد.
عددهم كبير، أكبر من أن يكونوا مجرد مجموعة عابرة، وأقل من أن يُدعوا جيشاً كاملاً. كانوا في مكان ما بين الأمرين.
عقد حاجبيه، ثم سألها بفضول حذر:
“كم عددنا؟”
أجابت ببساطة، دون أن تلتفت إليه:
“أكثر من ألفين بقليل.”
نظر إليها… ثم إلى الحشود التي بدأت تتحرك في مجموعات منظمة، كل مجموعة تسير باتجاه محدد، كأن ثمة أوامر صدرت من قبل وصوله بوقت طويل.
“إلى أين نحن ذاهبون… حقاً؟”
رمقته بنظرة غريبة. نظرةٌ يختلط فيها الاستغراب بشيء آخر لم يستطع تحديده. ثم قالت بنبرة مستنكرة:
“وإلى أين تظن أن يذهب أشخاص مسلحون مدرعون في تشكيل كهذا؟”
صمتت لحظة، وكأنها ترحمه من نفسها، ثم أضافت بنبرة أهدأ:
“أليس واضحاً؟ إنها حرب.”
اتسعت عيناه قليلاً.
حرب؟
الآن؟
وهو… جزء منها؟
زفرت بضيق خفيف، وكأنها تراجعت قليلاً عن حدتها حين رأت الصدمة في عينيه:
“حسناً… ليست حرباً كاملة. مجرد صراع مسلح بين مقاطعتين.”
ثم تابعت ببرود لكنه لم يخلُ من حزم:
“مقاطعتنا—فيرون. ومقاطعة سبارك، أولئك الأوغاد.”
تجمّد في مكانه.
الخوف تسلل إليه ببطء، كرذاذ بارد في يوم شتائي، يصل إلى الجلد قبل أن تدركه. لا يعرف أين هو. لا يعرف من يكون. لا يعرف تاريخاً ولا سياقاً ولا وجهاً مألوفاً. وفجأة… عليه أن يقاتل في حرب لا يعلم عنها شيئاً.
ساروا طويلاً.
في صمت إلى حد ما. كان يحاول ترتيب ما تبقى من أفكاره، لكن ذلك الفراغ في داخله لم يترك له شيئاً يمسك به. كل ما كان يعرفه هو اسمه، وأن هذه الفتاة التي لا يعرف اسمها تعرف على الأقل إلى أين تسير.
وفجأةً—
ظهروا.
في الأفق البعيد… جيش. صغير في مظهره لكنه يشبههم تماماً في تنظيمه، في ملابسه، في هيأته. جيش منتظر، واثق، كمن يعرف أنهم قادمون.
لم يحتج أن يسأل.
كانوا الأعداء.
تسلل إليه شعور بارد، ثم تحوّل إلى رهبة خانقة تمسك بصدره وتضغط عليه. اشتدّ قبضه على مقبض سيفه دون أن يشعر، أصابعه تنقبض بإرادة تسبق التفكير.
كان ذلك الإحساس سيئاً. سيئاً بما يكفي ليجعله يتشبث بأي شيء ثابت.
بعد دقائق، تم اختيار موقع المعسكر. وعلى مسافة عدة كيلومترات في الأفق، اختار الأعداء مكانهم أيضاً. وبينهما، أرض فارغة. ساحة قتال… لم تبدأ بعد.
نُصبت الخيام، وفُرّغت الإمدادات، ونُشرت مجموعات الحراسة. ومع حلول الليل، تجمّع الجنود في مجموعات صغيرة، تحيط بكل مجموعة شعلة نار ترقص في الظلام.
غداً… ستبدأ الحرب.
جلس قريباً من إحدى النيران. نظر في لهبها، يحاول أن يجد في تموجاته شيئاً، أي شيء. ثم أدرك فجأةً شيئاً بسيطاً بشكل محرج…
لا يعرف اسمها.
التفت إليها وهي تجلس بجانبه، عيناها تتابعان حركة اللهب بهدوء. قال بتردد خفيف يشوبه شيء من الإحراج:
“آسف على التأخير… لكن، هل يمكنني معرفة اسمك؟”
ضحكت.
ضحكة صادقة، حقيقية، تتصاعد من مكان حميمي داخلها وتملأ الهواء بدفء غير متوقع. خففت من ثقل الجو للحظة، كأن أحداً فتح نافذة في غرفة كانت مغلقة.
“أخيراً سألت… ظننت أنك لن تفعل أبداً.”
ثم أضافت وهي لا تزال تبتسم:
“اسمي… إيمي.”
نظر إليها، وشعر بشيء من الخجل يتسلل إليه.
“دارون… تشرفت بمعرفتك.”
نظرت إليه—
ثم ابتسمت.
ابتسامة مشرقة، واسعة، كأن فيها ضوء خافت لا مصدر له. لدرجة أنه، لوهلة قصيرة، ظن أن الظلام من حوله قد تراجع خطوة.
“وأنا أيضاً… تشرفت بمعرفتك.”
* * *