الفصل 47 - حرب العصابات (03)
عاد الصمت المطبق ليخيم على الغرفة بعد أن بسط يوليوس الخريطة النهائية فوق الطاولة.
كانت اللحظة تشبه توزيع قطع الشطرنج قبل بدء المجزرة. كل فريق يختار رقعته التي سيقامر فيها بما لا يمكن استعادته إذا خُسر.
تقدمت كيرا أولاً. أشارت بإصبعها نحو السهول الحجرية المترامية في الشرق على الخريطة، خطوط أصابعها المعتادة على مقبض سيفها كانت اليوم على حافة الطاولة.
“الشرق. تلك المنطقة مكشوفة، لكننا اعتدنا عليها كمنطقة صيد. نعرف كيف نختفي خلف الصخور ونستغل تباين الظلال.”
رين، ببروده المعتاد الذي لا يتزعزع حتى في أثقل اللحظات، لم ينتظر طويلاً. وضع يده ببساطة على المنطقة الجنوبية الغربية كأنه يضع ختماً لا يُناقش.
“الجنوب الغربي. الجبال الوعرة هناك تناسبنا. التضاريس القاسية هي أفضل حليف لمن يريد الاختفاء.”
بقينا نحن.
تبادلتُ نظرة سريعة مع نور وكارل. لم نحتج لكلام. الجواب كان مكتوباً في أعيننا قبل أن تنطق به أفواهنا، تلك اللغة التي تتشكل بين أشخاص قاتلوا وهربوا معاً كثيراً حتى أصبحوا يفكرون بقلب واحد.
“الغابة الغربية.”
قلتُها بحزم وأنا أضع يدي على تلك المنطقة الخضراء المشبوكة على الخريطة.
“لقد نفذنا معظم مهماتنا هناك. الأشجار تعرف خطواتنا، ونحن نعرف أسرارها. إنها المكان الوحيد الذي نملك فيه أفضلية حقيقية.”
أومأ يوليوس موافقاً، ثم أشار بيده نحو الظل الخلفي للغرفة حيث كان خمسة من الفرسان المتدربين يقفون منتظرين، خلفهم الجدار الرطب وأمامهم مصيرهم.
“سيرافقونكم. هم النخبة بين أقرانهم، مهاراتهم القتالية لا تشوبها شائبة. لكنهم بحاجة لخبرتكم في البقاء.”
تقدموا نحونا، وكان القائد بينهم رجلاً يدعى محمد.
بشرته مرمرية شاحبة تتناقض بشدة مع شعره الأسود المشدود إلى الخلف وعينيه الداكنتين كالفحم المطفأ، عيونٌ تقيس ولا تُبدي. لحية قصيرة بسيطة تُحدد وجهه الصارم الذي لا يُسرف في التعبير. كان يحمل سيفاً منحني الرأس، تصميم غريب لا تراه كثيراً، يوحي بأن صاحبه تدرّب على الاشتباك القريب والقطع السريع في مساحات ضيقة. كان من الواضح أنه أمهرهم، نظراته كانت تُقيّمنا بهدوء لا يُخفي شيئاً بل يُضمر كل شيء.
بجانبه وقف عمر وخالد، شابان مفتولا العضلات في أواخر العشرينيات، يحملان سيوفاً ثقيلة وعلى جسديهما دروع خفيفة من الجلد المقوى المطوق بحلقات حديدية. أجسادهما تُخبر عن سنوات من التدريب لا تجميل فيه، وإن كان في وجه عمر شيء من الشباب لم تمحه التدريبات بعد.
ثم كيم، امرأة نحيلة متوسطة القامة، شعرها مربوط بحزام جلدي خلف رقبتها، كانت تتفحص وتر قوسها بأصابع تعرف ما تبحث عنه. في نظرتها تركيز حاد لا تشويش فيه، كمن لا يرى شيئاً آخر حين يُركّز على هدف.
وخلفها لارا، الأطول بينهم، تمسك برمحها الطويل ذي الرأس المزدوج كأنه امتداد طبيعي لذراعها، لا أداة تحملها بل جزء منها.
رغم مهاراتهم الواضحة، كان الانزعاج بادياً على وجوههم. ليس خوفاً، بل شيء أقسى من الخوف: ذلك الشعور بالتنازل. أُمروا بنزع دروعهم الحديدية اللامعة التي تصرخ بهويتهم فرساناً، وارتداء بدلاً منها دروعاً جلدية رخيصة داكنة تكاد تختفي في الظل.
لكن الأسوأ كان ما طلبناه بعد ذلك.
“الطين.”
قالها كارل بنبرة لا تحتمل الجدل وهو يُمسك بعلبة الطين الداكن.
“غطّوا كل ما يعكس الضوء. الدرع، الجلد، الوجه إن لزم.”
نظروا إليه. ثم نظروا إلى الطين. ثم نظروا إليه مرة أخرى.
تمتم خالد وهو يُلطّخ ذراعه بيدٍ مُكرَهة:
“هذا الطين المقرف سيفسد نصل السيف.”
لكن محمد قاطعه بنظرة واحدة حادة، صامتة كسكين. لم يقل شيئاً. ولم يحتج إلى شيء. صمت الجميع وأكملوا ما طُلب منهم.
جنود منضبطون. حتى وإن كانت أساليبنا تبدو لهم قذرة.
‘القذارة التي تبقيك حياً أشرف من اللمعة التي تدلّ عليك.’
تحركنا نحو الغابة الغربية عند الغسق.
السماء كانت في تلك اللحظة بين لونين، لا نهار كامل ولا ليل تام، ذلك التوقيت الذي تُذاب فيه الظلال وتصبح الأشكال مبهمة حدودها. التوقيت الأفضل لمن يريد أن يتحول إلى جزء من المكان.
كانت وتيرتنا سريعة وناعمة في آنٍ واحد، أشبه بمرور الرياح بين الأغصان حين لا يريد أحد أن يسمعها. لم يكن هناك مجال للكلام. استخدمنا إشارات اليد التي صقلناها على مدى أشهر حتى أصبحت لغة ثانية. كنا نتحرك ككتلة واحدة تتنفس بإيقاع موحد، نُخفف وقع خطواتنا، نختار الفرش النباتي الكثيف والتراب الرطب الذي يبتلع الأصوات بدلاً من إعادتها.
الغابة في الليل كيان مختلف تماماً عنها في النهار. الأشجار تكتسب عمقاً لا تراه تحت الشمس، والأصوات تسافر بطرق تخدع الأذن المُتعبة. لكننا عرفناها. عرفنا أين تنحني الأغصان وأين تُخفق، وأين يتوقف صوت صرصار الليل حين يشعر بوجود غريب.
الغابة تتكلم لمن يعرف كيف يُنصت.
سرعان ما اختبرت الغابة رفاقنا الجدد بأول اختبار.
ظهرت مجموعة من ذئاب الغابة المشوهة من بين الأشجار، تلك التي تنشط في الظلام وتتحرك بصمت مخيف لا يتناسب مع حجمها. كانت ثلاثة، جلودها فاحمة السواد مع خطوط رمادية فاتحة على الجانبين، عيونها تلمع بلون كالجمر المُطفأ.
لكن التنسيق كان مذهلاً لا يحتاج إلى كلمة واحدة.
تحرك كارل للجانب الأيسر بخطوات مدروسة واضحة بالقدر الكافي لجذب انتباه الوحش الأوسط دون إطلاق غريزة المطاردة الكاملة فيه، توازن دقيق بين الإغراء والسيطرة. وفي اللحظة التي استدار فيها الوحش نحو كارل وكشف الجانب الأيمن من رقبته، انقض محمد من الظل انقضاضاً خاطفاً، سيفه المنحني يخترق المنطقة بين الفقرة الأخيرة والجمجمة بدقة جراحية.
لم يصدر صوت.
لا صرخة ألم، لا صليل معدني. الوحش انهار ببطء كأن ساقيه نسيتا وظيفتهما.
تكرر الأمر مع الثاني والثالث بنفس الهدوء الذي يحمله الليل في أعمق ساعاته.
أبهرني الفرسان المتدربون. رغم استيائهم المبدئي من “التنكر” ومن الطين ومن كل شيء يتعارض مع تدريبهم التقليدي، كانت دقة ضرباتهم وسرعة استجابتهم تفوق ما توقعتُه. والأعجب أنهم راحوا يراقبوننا بين الضربات، يلاحظون كيف نقرأ الغابة وكيف نتحسس نبضها قبل أن نتحرك.
كانوا يتعلمون. الجنود الحقيقيون دائماً يتعلمون.
مع اقترابنا من عمق الغابة، توقفتُ فجأة ورفعتُ يدي بإشارة واضحة لا تحتمل تأويلاً.
تجمّد الجميع في أماكنهم كأن الزمن نفسه أُوقف.
أغمضتُ عيني للحظة وفتحتُ حاسة أخرى، تلك التي تعلمتُ الاستناد إليها أكثر من عيني أحياناً. من خلف الشجيرات الكثيفة أمامنا شممتُ ما لم يكن ينتمي لهذا المكان.
دخان تبغ رخيص حرقه شخص لا يهتم إن شمّه أحد. وعرق بشري يحمل طابع التعب الطويل، تعب من ينام على الأرض ويقضي نهاره واقفاً. هاتان الرائحتان معاً تعنيان شيئاً واحداً.
بشر. وليسوا من الغابة.
زحفتُ ببطء على ركبتيّ وراحتيّ نحو الأمام بضعة أمتار، أُقلّل ظلي وأجعل حضوري في مستوى الأرض، حتى وصلتُ إلى الشجيرة الكثيفة ونظرتُ عبر فجوة بين أغصانها.
معسكر صغير مؤقت منتشر في خضم شجرات البلوط الكبيرة. خيام خفيفة الوزن بألوان ترابية، نيران صغيرة مُخمَدة يكاد لا يُرى لهبها، أسلحة مُرتّبة بعناية على الأرض بمتناول أيديهم.
أحصيتُ بسرعة وهدوء، عيني تتنقل من مجموعة إلى أخرى.
سبعة وعشرون.
ملابسهم رثة بالية، لكن أسلحتهم نظيفة ولامعة، مصقولة بعناية تُناقض مظهرهم الخارجي. هذا التناقض وحده يقول الكثير. من توزيعهم في المعسكر وطريقة وضع الحراسة على الأطراف وتباعد مسافاتها المُحسوبة، كان من الواضح جلياً أنهم ليسوا مجرد قطاع طرق جائعين. هؤلاء كشافة، أمام العصابات الكبرى، يمشطون هذه المنطقة تحديداً بشكل منهجي.
يوليوس حذّرنا منهم. وها هم.
تراجعتُ بنفس البطء الذي تقدمتُ به، ثم جلسنا دائرة ضيقة بعيداً بما يكفي عن أذن متيقظة.
همستُ لمحمد والآخرين وعيني تدور بينهم:
“سبعة وعشرون. يمشطون هذه المنطقة بشكل منظم. إذا حاولنا تجاوزهم، سيكتشفون أثرنا لا محالة. وإذا تراجعنا إلى الوراء، سنجد أنفسنا محاصرين بين هذه المجموعة وأي دورية تأتي من الخلف.”
شدّت لارا قبضتها على رمحها حتى ابيضّت مفاصلها. سحبت كيم سهماً من كنانتها ببطء لا يُحدث صوتاً وأمسكته بين أصابعها دون أن تضعه على الوتر بعد، استعداد لا تسرع.
‘تجاوزهم مستحيل. التراجع يعني إخفاق المهمة قبل أن تبدأ. الطريق الوحيد هو عبرهم.’
نظر إليّ محمد، وعيناه السوداوان تلمعان تحت ضوء القمر الشحيح الذي يتسرب بين الأغصان كخيوط فضية رقيقة. لم يحتج لسؤال. القرار كان قد اتّخذ بالفعل في عقولنا جميعاً في اللحظة التي رأينا فيها المعسكر، وكلنا كنا نعلم ذلك.
في هذه الغابة، الصمت سلاح. لكن أحياناً الهجوم هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على ذلك الصمت.
أومأتُ برأسي نحو الغابة ببطء، ثم نحو المعسكر.
“الهجوم.”
كانت الكلمة الوحيدة التي دارت بيننا بالإشارة. كلمة واحدة تحمل ما لا تستطيع الجمل الطويلة حمله في هذا الصمت المشحون.
بدأنا نتوزع في الظلام كالماء يجد مساراته بين الصخور. محمد وعمر وخالد انحنوا ونسلّوا نحو الجانب الأيمن حيث الحراسة أخف. كيم وضعت سهمها على وتر قوسها بحركة نسيت أن تُحدث صوتاً. لارا أمسكت رمحها أفقياً وانزلقت نحو اليسار بخطوات تعلّمت من الغابة كيف تكون.
كارل نظر إليّ، ونور نظرت إليّ.
‘هذه أول مرة نقاتل بشراً يعرفون كيف يقاتلون.’
أمسكتُ بمقبض سيفي وأحسستُ بالمعدن البارد تحت أصابعي.
الغابة تنفسّت.
والمعركة كانت على وشك أن تتنفس معها.