الفصل 46 - حرب العصابات (02)
لم يكن الاستدعاء بوقر الطبول ولا بحفاوة المراسيم.
جاء بهمسة باردة من مرسال وقف أمام باب غرفتي وكأنه خرج من الجدار نفسه. كان رجلاً نحيلاً في عباءة رمادية داكنة، وعيناه… عيناه كانتا كأنهما رأتا جثثاً لم تُدفن بعد، تلك النوع من العيون التي تفقد قدرتها على الاندهاش بعد أن رأت ما يكفي.
“القائد يوليوس ينتظركم. أنتم، وفريق رين، وفريق كيرا. الآن.”
لم يقل “من فضلكم”. لم يذكر كلمة “اجتماع”. نبرته كانت تحمل طابع الأوامر النهائية، تلك التي تُعطى قبل اقتحام خندق لا يعود منه الجميع.
عندما عبرنا بوابة مقر الفرسان، لم نجد الاستعراضات المعتادة. لا حرس بخطوات منتظمة، لا راية ترفرف بفخر فوق البوابة. كان هناك رائحة نفاذة لزيت التزييت المختلط بصدأ الدروع القديمة، وصوت رتيب مستمر لسنّ السيوف يطغى على كل شيء آخر، كأنه نبضة قلب المكان.
الجنود لم يكونوا يتدربون. كانوا يستعدون.
الفرق دقيق لكنه ضخم. التدريب يحمل خفة الروتين. الاستعداد يحمل ثقل ما هو قادم.
رأيتُ فارساً شاباً في درع جلدي بني يربط ضمادة حول معصمه المرتجف، أصابعه تُخطئ الربطة مرتين قبل أن تنجح في الثالثة. ورأيتُ آخر يُحدّق في خريطة مهترئة الأطراف مثبّتة على جدار رطب، يُحدّق فيها بعيون لا تقرأ بل تبحث، كأنه يبحث فيها عن مخرج من كابوس.
‘الضغط لا يولد دائماً أبطالاً. أحياناً يولد تصدعات.’
تمتمتُ لنفسي وأنا ألاحظ ارتباكاً طفيفاً في حركة الخيول خلف الإسطبلات، تلك الارتباكات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد لكنها تقول الحقيقة أكثر من أي تقرير رسمي.
قادنا الفارس المرتجف العصب عبر ممرٍ سفلي لم أسلكه من قبل. الجدران هنا كانت ترشح بالرطوبة، والهواء ثقيل كأنه يُقاوم دخولنا. صوت وقع أقدامنا لم يكن له صدى، كأن الجدران تمتص أي أثر للحياة، تبتلع الأصوات واحداً واحداً حتى يصل الصمت كاملاً.
توقفنا أمام باب خشبي عتيق، خشبه داكن من الرطوبة والسنين. لم يفتحه المرافق بحفاوة ولا باندفاع، بل دفعه ببطء مدروس أظهر صرير مفاصله الصدئة، وكأن الغرفة نفسها كانت تتردد في كشف أسرارها.
في الداخل، كان الهواء مشبعاً برائحة التبغ الرخيص وشمع العسل. رائحة غريبة لا تنسجم، كأنها تمثيل لكل شيء في هذا المكان: بسيط في الظاهر، ثقيل في الجوهر.
خلف الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب بلوط داكن، تناثرت عليها خرائط وأوراق وشمعتان تحتضران، جلس يوليوس.
لكنه لم يكن يوليوس الفارس الذهبي المتألق الذي نعرفه. لم يكن فيه شيء من تلك الهيبة الهادئة التي تملأ الفراغ حوله عادة. كان رجلاً يبدو أن وزر المدينة قد حفر تجاعيد جديدة في جبهته خلال ليلة واحدة، تجاعيد لم تكن موجودة آخر مرة رأيته فيها.
خلفه وقف العشرة الكبار منتشرين على طول الجدار، وجوههم أقنعة من الحياد المُتعَب.
لكن عيني استقرت على الغريب.
رجل في الزاوية اليمنى، لم أره في هذا المكان من قبل. لم يرتدِ درعاً كاملاً كبقية الفرسان، بل سترة جلدية سوداء معززة بقطع معدنية داكنة اللون لا تعكس الضوء، كأنها صُنعت لامتصاصه لا لإظهاره. قامته متوسطة لكن وقفته لم تكن متوسطة، كانت وقفة رجل يعيش في الظلال أكثر من الساحات المضاءة، واثق لكن بهدوء خطير، لا يشغل مساحة أكثر مما يحتاج.
‘فارس استخبارات؟ أم قاتل مأجور بلقب رسمي؟’
كان يمسح وجوهنا بنظرة خالية من أي تعبير بشري، كأنه يُقيّم بضاعة لا أشخاصاً.
“اجلسوا.”
قالها يوليوس. لم تكن نبرته مهيبة ولا غاضبة. كانت مرهقة. وهذا أمر أكثر رعباً من الغضب بكثير.
جلسنا. فريقي، وفريق رين، وفريق كيرا. ثلاثة عشر شخصاً في غرفة تضغط عليك جدرانها بأسرارها.
نظرتُ بطرف عيني نحو رين. كان يجلس منتصب القامة، وجهه محفوظ في تعبير مدروس، لكن يده اليمنى كانت تشد ببطء على ذراع الكرسي. وكيرا، تلك القوة الصغيرة المُشرق وجهها عادةً، كانت تُحدّق في الطاولة بنظرة لا ألف فيها ولا ابتسامة.
وضع يوليوس خريطة المنطقة على الطاولة ودفعها نحو المنتصف. لكنها لم تكن خريطة نظيفة، كانت مغطاة بعلامات حمراء في كل مكان، كأنها تنزف.
“لن أضيع وقتكم في الخطابات.”
قالها ببرود عسكري لا يحتاج إلى تزيين.
“نحن نخسر.”
الكلمتان وقعتا في الغرفة كحجرين في بئر، وترددت أصداؤهما في الصمت الذي تلاهما.
“تأكد لنا وجود تنسيق بين سبع عصابات كبرى. هذا ليس مجرد تمرد ولا غضب عشوائي، هناك عقل مدبر يمنحهم السلاح والخرائط. ومن غير ستارك ليدعمهم؟ إنهم يضربون قوافل المؤن بجراحة عسكرية، لا يتركون أثراً ولا شهوداً أحياء.”
رفع إصبعه ومرره على خطوط الطرق التجارية الحمراء المشطوبة على الخريطة:
“نصف واردات المدينة من الحبوب والطعام وحتى الدواء فُقدت في الأيام الثلاثة الماضية. السوق ليس فارغاً فحسب، بل بدأت تظهر بوادر سوق سوداء يديرها أتباع تلك العصابات من داخل أسوارنا. نحن نُخنق من الخارج والداخل في آنٍ واحد.”
صمت لحظة وهو يُحدّق في الخريطة، ثم رفع رأسه.
قاطعت نور الصمت بصوت لم يكن مرتفعاً لكنه كان حاداً كحد السيف:
“وماذا عن الفرسان؟ لماذا نكتفي برد الفعل؟”
نظر يوليوس إليها، وفي عينيه انكسار حاول إخفاءه خلف ثبات متعمد، لكنني رأيته. رأيتُه قبل أن يختفي.
“لأننا أهداف كبيرة جداً. الفرسان بجيادهم ودروعهم اللامعة صيد سهل في الغابات الكثيفة. لقد خسرنا عشرين متدرباً، ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم حوصروا في تضاريس لا ترحم هذا النوع من القتال. العصابات تستخدم تكتيك اضرب واهرب، وهم يعرفون كل شجرة وكل ممر، ونحن مثقلون بدروعنا وتكتيكاتنا المصممة للساحات لا للغابات.”
تنهّد، وفي ذلك التنهد ثقل رجل يحمل ما لا يستطيع إنزاله.
“أنا مقيّد هنا. وجودي في المدينة هو الخيط الأخير الذي يمنع ذعر السكان وتحوّلهم إلى غوغاء. إذا خرجتُ، ستسقط المدينة من الداخل قبل أن أصل إلى الغابة.”
‘وهذا ما يكسره من الداخل. ليس الحرب، بل العجز عن الانطلاق.’
وجّه يوليوس نظره نحونا، نحن الفرق الثلاثة.
“أنتم لستم هنا لأنكم أقوى من الفرسان.”
قالها بوضوح لا يحتمل التأويل.
“أنتم هنا لأنكم أصغر. أنتم صيادون، معتادون على التسلل، وتعرفون كيف تقرأون أثر الأقدام دون أن تُحدثوا ضجيجاً. الفرسان المتدربون الخمسون المتبقون سيعملون كغطاء لكم. لكنكم أنتم العيون.”
سأل كارل بحدة، وفي صوته شيء يشبه رفض مبدئي قبل أن يسمع الإجابة:
“تريدنا أن نكون كشافة؟”
“أريدكم أن تكونوا أشباحاً.”
ردّ يوليوس.
“مهمتكم هي تحديد مراكز القيادة لتلك العصابات. لا تقاتلوا. إذا رآكم العدو، فقد فشلت المهمة قبل أن تبدأ. نحن بحاجة لمعرفة الرؤوس التي تحرك هذه الأطراف. بعدها نحن من نتصرف.”
تحرك الرجل الغريب الصامت في زاويته، تلك الحركة البطيئة لمن اعتاد ألا يُحدث صوتاً حين يتحرك. ونطق بصوت يشبه حفيف الأفاعي في العشب الجاف، صوت لا يرفع ولا يخفض نبرته لأنه لا يحتاج إلى ذلك:
“ستُعطى لكل فريق منكم مجموعة من خمسة فرسان متدربين. وظيفتهم ليست حمايتكم.”
توقف. للتأثير لا للتردد.
“بل تأمين طريق عودتكم بالمعلومات إذا كُشفتم. هم التضحية التي ستسمح لكم بالهروب بالخبر.”
ساد صمت ثقيل.
كان الكلام قاسياً، عارياً من أي مثالية بطولية، مجرداً من كل ما يجعل الحرب تبدو نبيلة في الروايات. خمسة رجال بالأسماء والدروع والأمهات، وظيفتهم الرسمية أن يموتوا في الوقت المناسب.
‘نحن لسنا أبطالاً في مهمة إنقاذ. نحن أدوات في معادلة بقاء باردة لا تُعنى بأسمائنا.’
نهض يوليوس، منهياً الاجتماع قبل أن يبدأ عقلنا في استيعاب حجم ما سمعناه.
“الانطلاق عند الغسق. لا تودّعوا أحداً.”
توقف لحظة قبل الجملة الأخيرة، ونظر إلينا بعيون لم تعد فيها شيء من الهدوء المعتاد.
“الحرب لا تحب الوداع.”
عندما خرجنا، كانت السماء قد بدأت تكتسي بذلك اللون الأرجواني الكئيب الذي يظهر حين يتردد النهار في الرحيل ولا يُريد الليل التأخر.
وقفتُ لحظة عند عتبة الباب وأنا أُحدّق في الأفق المُلوّن بالحزن. نظرتُ نحو رين، كان يشد قبضته على مقبض سيفه بصمت لم يُخفِ شيئاً، إصبع إبهامه يدور ببطء على نقطة واحدة من المعدن البارد. وكيرا كانت تُحدّق في الأفق بنظرة خالية من ذلك المرح الذي اعتدتُه فيها، كأن الضوء الذي كانت تحمله في وجهها قد أُطفئ بإصبع واحد.
همستُ لنور وكارل اللذين كانا يسيران بجانبي:
“سبع عصابات، ونحن العيون. هذه ليست مهمة استطلاع. هذه محاولة يائسة لترقيع درعٍ تداعى بالفعل.”
لم يردّ أحد منهما.
لم يكن هناك ما يُردّ به.
‘أنا لا أخاف الخطر. أخاف ذلك الحساب البارد الذي يجعل من البشر أرقاماً ويُقرّر أيها يُمحى أولاً.’
لم يكن هناك شعور بالبطولة، لا ذلك الدفء الذي تشعر به حين تفعل شيئاً عظيماً وتعرف أنك تفعله. كان هناك فقط ذلك البرد القارس الذي يسكن في أجساد من يعلمون أنهم يسيرون نحو فك المفترس، حاملين شمعة صغيرة في مهب ريح عاتية لا تعرف الرحمة.
الغسق كان يقترب.
والحرب لم تبدأ اليوم فحسب.
بل بدأت تلتهمنا منذ اللحظة التي دخلنا فيها تلك الغرفة. قبل أن نصل إلى ساحتها.