الفصل 45 - حرب العصابات
في صباحٍ بدا مختلفاً على نحوٍ غير مريح، استيقظتُ على صمتٍ لم أعتد عليه.
لم يكن ذلك الصمت المريح الذي يُلفّ الغرفة قبل يوم هادئ، ولا ذلك الهدوء الناعم الذي يجعلك تتمدد في فراشك وتُغمض عينيك مرة أخرى. كان صمتاً من نوع آخر تماماً، صمتٌ ثقيل كالرصاص، كأن المدينة نفسها تحبس أنفاسها، تنتظر شيئاً لا يمكن رؤيته ولا تسميته، لكنه حاضر في كل زاوية وفي كل زقاق، مختبئ خلف الجدران وتحت البلاط البارد.
جلستُ على حافة سريري لثوانٍ طويلة، أُحدّق في الفراغ أمامي، أُحاول استيعاب ذلك الشعور الغريب الذي يضغط على صدري دون سبب واضح يمكنني تسميته. كان كأن شيئاً ما قد تغيّر في الليل بينما كنتُ نائماً، كأن العالم من حولي أدار ظهره لنسخته الأمس وأصبح شيئاً آخر.
نهضتُ ببطء. ارتديتُ قميصي الرمادي الداكن وسروالي الأسود المعتاد، وأحكمتُ ربط الحزام حول خصري دون أن أفكر، وكأن يديّ تعملان مستقلتين عن رأسي المشغول بذلك الإحساس. ثم توجهتُ نحو الشرفة الصغيرة وفتحتُ بابها.
ما رأيته أكّد لي أن إحساسي لم يكن وهماً.
الشارع الذي كان يعج بالحياة في هذه الساعة بدا شبه فارغ. لا أصوات تجار يُنادون على بضاعتهم بأصوات متنافسة، لا ضحكات أطفال تتناثر من الأزقة الجانبية، لا حتى جدالات عابرة بين جارين على حدود دكانيهما. فقط خطوات قليلة هنا وهناك، سريعة ومتوترة، كأن كل شخص يريد إنهاء ما لديه والاختفاء إلى داخل جدرانه في أقل وقت ممكن. وجوه منحنية، أعين تتجنب الالتقاء، أكتاف مرفوعة تحت أثقال غير مرئية.
عبستُ دون وعي وأنا أُمسك بدرابزين الشرفة البارد.
هناك خطب ما.
همستُ بها لنفسي قبل أن أتنهد وأُغلق باب الشرفة ورائي. لم يكن لديّ إجابة، لكنني كنتُ أعلم أنني سأحصل عليها قريباً، وأن تلك الإجابة لن تكون مريحة.
عند نزولي إلى الطابق السفلي من نزل سارة، كان المشهد مختلفاً أيضاً. المكان الذي اعتدنا أن نراه في هذه الساعة مزدحماً بالمرتزقة والتجار وأبناء الحي، مليئاً بصخب الأحاديث ورائحة الخبز الطازج وقهقهات من نامت على ما يريد، بدا هادئاً على نحو غير مريح. بعض الطاولات مشغولة، لكن الأحاديث كانت خافتة كهمسات، والنظرات تنزلق بحذر من وجه إلى وجه دون أن تستقر على أي منها.
لكن رغم كل ذلك، كان هناك شيء واحد لم يتغير.
فريقي.
كارل بقامته الطويلة وكتفيه العريضتين، يرتدي سترته الجلدية البنية الداكنة المعتادة التي تحمل ندباً خفية من معارك قديمة. إيمي إلى جانبه بشعرها المضفور الفاتح وعيونها الزرقاء اليقظة التي لا تفوتها تفصيلة. جين الهادئ كعادته، منتصب القامة، يدور قدح الشاي بين أصابعه الطويلة بحركة آلية. ونور، صغيرة الحجم كبيرة الحضور، جالسة بظهر مستقيم كأنها تستعد لشيء لا تعرفه بعد.
كانوا جميعاً يجلسون حول طاولتنا المعتادة في الزاوية، ينتظرون. وبمجرد أن رأتني إيمي لوّحت بيدها مع ابتسامة خفيفة لم تخفِ شيئاً من الإرهاق الكامن خلفها.
— “أخيرًا استيقظتَ.”
ابتسمتُ وأنا أتجه نحوهم وسحبتُ الكرسي وجلستُ، ونظرتُ إليهم واحداً تلو الآخر، محاولاً قراءة ما لم يقولوه بعد.
— “ما هذا الجو؟”
لم أكن أتوقع إجابة فورية، لكن ما فاجأني أنهم تبادلوا النظرات بسرعة، تلك النظرات الخاطفة التي تقول من يبدأ؟ كارل هو من تحدث أولاً، لكن ليس عن سؤالي.
— “قبل أي شيء، لدينا خبر.”
رفعتُ حاجبيّ.
— “خبر؟”
ابتسم جين، هذه المرة بابتسامة حقيقية تُضيء وجهه الهادئ.
— “تمت ترقيتنا.”
توقفتُ للحظة. الكلمة وصلت لكنها لم تجد مكانها في الحال.
— “ماذا؟”
أومأت نور بهدوء، وفي عيونها بريق دافئ نادراً ما رأيته فيها.
— “إلى المرتبة الرابعة.”
لثانية كاملة لم أستوعب. ثم، كأن شيئاً ما انفتح داخلي فجأة:
— “حقاً؟!”
لم أستطع إخفاء دهشتي. نظرتُ إليهم بسرعة، واحداً تلو الآخر، وأنا أشعر بشيء دافئ يتوسع في صدري لا أعرف له اسماً دقيقاً، مزيج من الفرح والفخر والامتنان.
— “هذا… هذا رائع!”
ضحك كارل بخفة، لكن الفخر كان واضحاً في طريقة رفع كتفيه ولو قليلاً.
— “بفضل عملنا في الفترة الأخيرة، والقتال في موجة الوحوش. لم يكن القرار صعباً عليهم.”
أضافت إيمي وهي تُحكم ضفيرتها بحركة معتادة:
— “الآن نحن رسمياً، لسنا مجرد مبتدئين.”
نظرتُ إليهم بعينين جادتين، وقلتُ بصدق لا تجمّل فيه:
— “مبروك لكم. أنتم تستحقون ذلك.”
ابتسموا. لم يكن هناك الكثير ليقال في تلك اللحظة، لكن الصمت الذي تلا الكلمات كان مليئاً بشيء حقيقي. فخر مشترك. راحة مكتسبة. وتقدم لا يمكن إنكاره.
لكن ذلك الشعور الغريب لم يختفِ.
عاد يضغط على صدري بمجرد أن التفتّ نحو نافذة النزل، فرأيتُ الشارع الفارغ من جديد. نظرتُ إليهم مرة أخرى.
— “حسناً، هذا رائع. لكن… ماذا يحدث في المدينة؟”
هذه المرة اختفت الابتسامات. ليس دفعة واحدة، بل ببطء، كضوء يتلاشى حين تُغلق النافذة.
تنهّد كارل ببطء وأسند ظهره إلى الكرسي بحركة رجل يستعد لكلام ثقيل.
— “كنتُ أعلم أنك ستلاحظ.”
شبكت إيمي يديها أمامها ونظرت إليّ مباشرة بتلك النظرة التي تعني أنها ستقول الحقيقة كاملة دون تلطيف.
— “الوضع سيء.”
انقبض شيء في صدري.
— “كم هو سيء؟”
تبادلوا النظرات مرة أخرى. ثم بدأ جين، بصوت منضبط كعادته لكن بثقل غير معتاد فيه.
— “الأمر يتعلق بمقاطعة ستارك.”
تجمّدتُ للحظة.
— “ماذا عنها؟”
أكملت نور بصوت هادئ، كأنها تُقيّد كلماتها حتى لا تُحدث أكثر مما ينبغي.
— “هناك مشاكل سياسية بينها وبين مقاطعتنا، فيرون.”
أضاف كارل بنبرة مسطّحة خالية من أي حكم:
— “بعد الحرب الأخيرة نحن من فزنا. وأخذنا تعويضات كبيرة منهم.”
— “ضخمة.”
قالتها إيمي بوضوح لا يحتاج إلى تأكيد.
— “أكبر مما كانوا يتوقعون أو يتحملون.”
بدأت الصورة تتشكل في رأسي، قطعة قطعة، كلوحة سوداء توضح ملامحها ببطء.
— “وهم غاضبون.”
— “غاضبون؟”
ضحك كارل بسخرية جافة، وفي تلك الضحكة كل تعليقه على الكلمة.
— “هذا أقل ما يمكن قوله.”
صمت لحظة، أخذ رشفة من قدحه، ثم تابع:
— “فارسهم الكبير استقال.”
اتسعت عيناي.
— “ماذا؟!”
أومأت نور.
— “نعم. وهذا دمّرهم.”
مدّ جين يده وشبّك أصابعه، وقال بصوت يشرح لا يُلقي:
— “فارس كبير ليس مجرد مقاتل. إنه رمز. دعامة. وجوده يُحافظ على التوازن الداخلي للمقاطعة، على الروح قبل القوة.”
أكمل كارل:
— “وبمجرد أن اختفى، كل شيء انهار. ليس دفعة واحدة بل كالجدار حين تسحب منه حجره الأساسي.”
نظرت إيمي إليّ بجدية، وعيناها تُحصيان الأضرار كأنها خريطة ميدان.
— “اقتصادهم تأثر. قوتهم العسكرية ضعفت. معنوياتهم انهارت. وحمّلوا اللوم لنا.”
— “وحمّلوا اللوم لنا.”
همستُ بها بعدها.
— “بالضبط.”
قالها كارل.
— “كل غضبهم، كل حقدهم المتراكم منذ نهاية الحرب، وجّهوه نحونا.”
شعرتُ بشيء بارد يمر في ظهري، تلك القشعريرة التي لا تأتي من البرد بل من الفهم.
— “ماذا فعلوا؟”
صمت. ثم:
— “قطعوا الطريق.”
قالها جين.
— “الطريق الرئيسي الذي يربط المقاطعتين.”
تجمّدتُ.
— “هذا يعني…”
أكملت نور بهدوء مُحكم كأنها تُطوّق الكلمة لئلا تفرّ أبعد مما ينبغي:
— “أن نصف واردات مدينتنا توقف.”
صمت.
ثقيل كحجر أُلقي في بئر عميقة ولم يُسمع له قرع.
نظرتُ نحو النافذة مرة أخرى. الشارع الفارغ. الوجوه المتوترة. الخطوات السريعة.
— “لهذا السوق فارغ.”
— “ولهذا الناس خائفون.”
أضافت إيمي.
انحنى كارل قليلاً نحو الأمام، وعيونه الرمادية مثبّتة عليّ.
— “لكن هذا ليس كل شيء.”
رفعتُ رأسي ببطء.
— “ماذا أيضاً؟”
نظر إليّ مباشرة.
— “بدأوا باستخدام طرق أخرى.”
— “أي نوع من الطرق؟”
صمت. ثم:
— “جماعات إجرامية.”
قالها بهدوء تام. لكن الكلمة كانت كافية.
— “ماذا؟!”
أومأ جين ببطء.
— “نعم. تآمروا مع مجموعات خارجية، عصابات، قتلة مأجورون، أي شيء يمكنه إحداث فوضى بعيداً عن توقيع رسمي. بدأت هجمات على القرى القريبة، سطو ونهب وقتل.”
شدّ كارل على قبضته، والعروق بارزة على ظاهر يده.
— “ليس هجوماً مباشراً يمكن التصدي له، بل استنزاف. يُنزفونك حتى تنهار من الداخل.
شعرتُ بشيء يتقلص داخلي، يشتد كحبل يُشد من طرفيه.”
— “حرب.”
— “حرب من نوع مختلف.”
قالتها إيمي.
— “ليست مواجهة مفتوحة تعرف فيها وجه عدوك. بل فوضى مستمرة. اليوم قرية، غداً تاجر، بعد غد طريق. لا نمط واضح، لا أهداف ثابتة.”
أضاف جين:
— “ولا أحد يعرف متى ستنتهي. هذا النوع من الحروب لا تنتهي بمعركة فاصلة، بل تنتهي حين ينهار أحد الطرفين تماماً.”
عاد الصمت. لكنه هذه المرة كان أثقل وأوسع، كأنه أكل ما تبقى من هواء في الغرفة.
نظرتُ إلى الطاولة أمامي.
— “والمدينة؟”
أجابت نور بصوت لا يرتفع ولا ينخفض، صوت من أحصى الأضرار وقبلها دون أن يُخفيها:
— “دخلت في حالة انغلاق شبه كامل. الفرسان في حالة تأهب دائم. الدوريات زادت. والتجارة تنهار ببطء كجسر يتآكل من تحته الماء.”
أضافت إيمي:
— “الأسعار بدأت ترتفع.”
— “كم؟”
نظر إليّ كارل بعيون جادة لا تُلطّف ما تُوصله.
— “الخبز ارتفع بنسبة مئة وخمسين بالمئة.”
تجمّدتُ.
— “ماذا؟”
— “وهذا فقط البداية.”
قالها جين بهدوء أشد وطأة من أي صراخ.
شعرتُ بشيء يضغط على صدري كيد غير مرئية. هذا ليس مجرد توتر سياسي بين مقاطعتين. هذا ليس خلافاً على حدود أو تعويضات. هذا كارثة بطيئة، تزحف كالنار في الهشيم، لا تستعجل لأنها تعرف أنها ستصل في النهاية.
نظرتُ إليهم.
— “وماذا بعد؟”
الصمت. ثم:
قالت إيمي بهدوء يحمل يقيناً لا تفاؤلاً:
— “سيحتاجوننا.”
رفعتُ رأسي.
— “نحن؟”
أومأ كارل.
— “المرتزقة. في مثل هذه الحروب، في هذه الفوضى المُنظَّمة، نحن عنصر أساسي لا غنى عنه.”
أضاف جين:
— “لن يمر وقت طويل قبل أن يبدأوا بتجنيدنا. ليس كأفراد فقط.”
نظرت إليّ نور بعيون تقيس لا تُخمّن.
— “بل كفرق.”
شعرتُ بشيء يتحرك داخلي، ليس خوفاً. ربما كان توقعاً. ذلك الإحساس الذي يسبق شيئاً تعرف أنه قادم ولا يمكنك إيقافه، فتقف وتنتظره واقفاً لا جالساً.
— “حرب استنزاف.”
همستُ بها.
ابتسم كارل بسخرية خفيفة لا تعني رضا.
— “بالضبط.”
صمت.
نظرتُ إلى يدي على الطاولة. شددتُ قبضتي ببطء حتى ابيضّت مفاصلي قليلاً. ثم رفعتُ رأسي.
— “يبدو أن الأمور لن تهدأ قريباً.”
لم يجب أحد.
لم يكن هناك حاجة لذلك.
الجميع كان يعرف. كنا نجلس حول طاولة واحدة وننظر كلنا في نفس الاتجاه نحو شيء قادم لا نراه بعد لكننا نشعر بحرارته من بعيد.
العاصفة لم تبدأ بعد.
لكنها كانت تقترب. وفي هذا العالم، الاقتراب أحياناً أشد فتكاً من الوصول.