الفصل 44 - مفهوم القدرات
مضت الأسابيع كنهر هادئ يجري دون أن تسمع له صوتاً، غير أن في أعماقه تياراً عنيفاً لا يهدأ.
كان التدريب يومياً بلا انقطاع، لا يكسره إلا أيام المهمات، تلك المهمات التي كانت تُصنَّف لفِرَق من المرتبة الخامسة. وبفضل تناسق فريقنا وتكامل أساليبنا في القتال، كانت معظمها تمر بسلاسة تكاد تكون مُخجِلة، كأن العالم لم يُرِد أن يُقدّم لنا تحدياً حقيقياً. نادراً ما صادفنا موقفاً يُجبرنا على استنزاف أنفسنا، وهذا بحد ذاته منحني وقتاً ثميناً أنفقته كله في الصالة، وعلى أرض التدريب، وبين أفكاري.
مرّ أسبوعان في لمح البصر.
لكنهما لم يكونا أسبوعين عاديين.
كنت قد بدأتُ أفهم. لا أقصد أنني قرأتُ وحفظتُ، بل أقصد ذلك الفهم العميق الذي يسكن العظام لا الذاكرة، حين يصبح جسدك يعرف ما يجب أن يفعله قبل أن يأذن له عقلك. كنتُ أشعر به في كل ضربة، في كل خطوة إلى الخلف، في كل نفَس أخذته في وسط المعركة.
بنيتُ أسلوبي على ركيزتين لا تنفصلان:
الهجوم بقائم على قراءة الخصم، لا على سرعتي أو قوتي الخام. أستشعر حركاته، أتتبع ثقل جسده، أرصد اللحظة التي تخونه فيها قدمه أو يرتخي فيها ساعده، ثم أضرب. طعنات قوية ودقيقة بالسيف، مع تلويحات قصيرة ثقيلة تستهدف نقاط الضعف لا مواطن القوة. لا أتصادم بالقوة، بل أسلك الفجوات.
الدفاع كان أصعب. كثيراً ما أسيء فهمه من يسمع عنه أول مرة، لأن اسمه يوحي بالهجوم وهدفه الصد. الفكرة أنني لا أستخدم الإرادة العادية في توقع حركات الخصم، بل أستشعر إرادته ذاتها، تلك الرغبة العميقة التي تسبق الحركة بلحظة. أبني توقعاً، تنبؤاً يشبه السؤال المعلّق في الهواء: ماذا سيفعل؟ ثم أصدّه بهجوم يعاكسه في الاتجاه وفي القوة تماماً.
الكلام كان أسهل من الفعل بكثير. كان علي في آنٍ واحد أن أتحمل ألم استخدام قدرتي، وأن أتحكم في طريقة تحرك جسدي الخام، وأن أقرأ المحيط بدقة لا تتسامح مع أي تشتت. ثلاثة أشياء معاً، في نفس اللحظة، تحت ضغط خصم لا يرحم.
كان دمجها معاً أعظم ما أنجزته في حياتي حتى تلك اللحظة.
لن أُنكر أنني نزفتُ أكثر مما نزفتُ في كل تدريباتي السابقة مجتمعة، فقط من محاولة دمجها. كانت أصابعي ترتعش بعد كل جلسة، وظهري يؤلمني أحياناً حتى في نومي، ودمي يُلوّن القماش الذي أضغط به على رسغي بعد كل محاولة فاشلة.
لكن المدة كانت قصيرة، والتدريب لم يكتمل. مستواي الحالي لا يسمح لي باستخدام هذا الأسلوب إلا ضد من هم أضعف مني. خصم في نفس مستواي؟ قد ينتهي الأمر بخسارة مُذِلة. أعرف ذلك، وأعترف به، وأحمله دافعاً لا عبئاً.
كانت حالتي المزاجية خلال تلك الأسابيع تشبه السماء في موسم الخريف: لا تثبت على حال. حين أفشل يعتصرني الضيق، تلك الكآبة الصامتة التي تجلس على الصدر وترفض أن تقوم. وحين أنجح تشتعل فيّ بهجة حقيقية، خفيفة وصافية كنور الفجر الأول.
لكن ذلك اليوم كان مختلفاً.
لم يكن لقائي بالفارس الذهبي صدفةً، لن أدّعي ذلك. بعد كل شيء، كان ستارك قد أخبرني بموعد عودته من مهمته قبل أيام، ونقلت تلك المعلومة بهدوء إلى مكان في ذاكرتي، وظللتُ أطل عليها كل صباح.
يوليوس فارس الذهب، الرجل الذي تهابه المقاطعة وتحترمه، له انشغالات تجعل انشغالات كل شخص آخر في هذه المدينة تبدو كهواية وقت فراغ. معظم وقته خارج المقاطعة، يتحرك بين عالم وعالم، بين مهمة وأخرى، كأنه لا يعرف التوقف أو لا يريده. أوقات راحته نادرة كالمطر في الصيف، وهذه كانت إحداها.
وجدته جالساً في الحديقة الجانبية للمبنى الرئيسي، في ظل شجرة كبيرة، يرتدي ملابس مدنية بعيدة عن أي دلالة على مرتبته أو مكانته. قميص أبيض ناصع بياضه يُبرز عرض كتفيه، بنطلون داكن بسيط، لا شارات ولا نجوم، لا زخارف ولا ألوان صارخة. ومع ذلك كانت تلك الملابس البسيطة تحمل لمحة من الرقي الهادئ الذي لا يصرخ بل يُلمّح، ذلك النوع من الأناقة الذي لا يأتي من المال بل من الإنسان ذاته.
جلستُ بجانبه على المقعد الخشبي البارد، وحاولتُ أن أرتب كلماتي قبل أن أُخرجها. أخيراً قلت، بفضول لم أُحاول إخفاءه:
— “سيد يوليوس، أعلم أنني وقح بسؤالي هذا، ولكن… هل يمكنك وصف مقدار قوتك لي؟”
أدار وجهه نحوي ببطء، ثم ابتسم. تلك الابتسامة الراقية التي تجمع بين الود والهدوء، كأنها تقول إنه لم يُفاجأ بالسؤال ولا استثقله.
— “لو وُجِد عشرة آلاف منك، لما خسرتُ أبداً.”
لم يقلها بتفاخر. قالها كحقيقة جغرافية، كأنه يصف ارتفاع جبل لا يتبدل. ثم أضاف بنبرة أكثر دفئاً:
— “أنت تمر بمرحلة صعبة يا دارون. السعي نحو القوة له مصاعبه وأعباؤه، وكل من سلك هذا الطريق يعرف ما تشعر به الآن.”
نظر إليّ بعينيه الخضراوين الزاهيتين، تلك العينان اللتان تشعر حين تنظران إليك أنهما تقرآن شيئاً خلفك لا فيك. ثم قال بنبرة معلّم لا يلقي محاضرة بل يفتح باباً:
— “دارون، هذا العالم تحكمه المفاهيم. والطريقة الوحيدة للسيطرة على هذه المفاهيم هي الإرادة.”
أكمل بوجه خالٍ من التعبير، هادئ كسطح بحيرة في فجر ساكن:
— “اعلم يا دارون أن القدرات ليست شيئاً عشوائياً في حياتنا. كل شخص يُولد بقدرة خاصة به، مُنسوجة من داخله، لا تُعطى ولا تُستعار.”
توقف لحظة، كأنه يُعطي الكلمات مساحتها كي تستقر.
— “هناك من يُصنّفها حسب ندرتها أو قوتها، ويقيس بها البشر ويُرتّبهم. لكن هذا كله هراء.”
— “كل قدرة لها مزاياها. ولا يمكن لقدرتين أن تتشابها أبداً، حتى لو بدتا في ظاهرهما واحدة. ربما يُولد شخصان بنفس القدرة، لكن مع الوقت، ومع التطور، ستتحور وتتشكل لتُناسب صاحبها أكثر وأكثر، حتى تصبح امتداداً لروحه لا مجرد أداة في يده.”
نظرتُ إليه بتعجب، وقبل أن أُصيغ سؤالي قال كأنه قرأه:
— “نعم يا دارون. القدرات تتطور مع تطورنا، مع ازدياد مستوانا في الإرادة.”
— “كل قدرة في هذا العالم تملك إمكانيات لا حدود لها. أما حالتها الراهنة فهي مجرد واجهة ابتدائية، البداية لا النهاية.”
نظر إليّ، وفي عينيه بريق حاد لا يُشبه الحماس ولا يُشبه الحدة، بريق من يرى أبعد مما يرى غيره.
— “الإرادة تتكون من خمسة مستويات.”
رفع أصابعه الخمسة ببطء وأنا أُصفّي عقلي استعداداً:
الأول: الإحساس.
الثاني: الفهم.
الثالث: التحكم.
الرابع: التجلّي.
الخامس: التجسيد.
ثم أضاف على مضض، كأن الكلمات تكلّفه شيئاً:
— “هذه معلومة ثابتة لا تتغير. لكن ما يجهله الكثيرون، وحتى أنا لا أُحيط به إحاطة كاملة، هو وجود مستويات أعلى من هذه. مستويات لا يصلها كثيرون، ولا يُصدّق بها أكثرهم.”
ثم قال بنبرة خفّت منها صلابة المعلم وعاد إليها شيء من الدفء:
— “أنت تبحث عن طريقة لبلوغ مستوى الفهم، أليس كذلك؟ لا بد أن هناك الكثير من الأسئلة داخل رأسك. اسمح لي بمساعدتك.”
فتحتُ أذنيّ وصفّيتُ عقلي، وأنصتّ بكل ما فيّ.
— “الإرادة هي تحوُّر الرغبات العميقة داخلنا. نحن نعيش بإرادة خاملة لا نستشعر بها، لكن كل فعل نقوم به يحمل شرارة من الإرادة فيه، حتى أبسط الأفعال. إرادتنا نحن من نسير في طريقها، هي انعكاس لذاتنا ووجودنا، لا شيء خارجنا.”
صمت. ثم نظر إليّ بعينين هادئتين وقال:
— “ما هو سبب وجودك يا دارون؟ لماذا تسعى للقوة؟ ما هي القوة في نظرك؟ ما هو هدفك الأسمى؟”
نهض يوليوس من مكانه بحركة هادئة وسلسة، كأن جسده لا يعرف العجلة. ثم غادر دون أن يُضيف شيئاً، تاركاً أسئلته معلّقة في الهواء من حولي كدخان لا يتبدد.
جلستُ وحدي مع الهواء والصمت وأسئلته.
ما هو سبب وجودي؟
فكرت. غريب. لماذا أنا موجود؟ لأنني أريد ذلك. أريد البقاء. وجودي ليس حادثة طارئة بل اختيار أُجدّده كل يوم.
لماذا أسعى للقوة؟
لأن القوي هو من له الحق في البقاء والوجود. في هذا العالم لا مكان للضعفاء إلا في ظل الأقوياء، وأنا لستُ من يقبل الظلال.
ما هي القوة في نظري؟
القوة هي القدرة على فرض وجودي في هذا العالم رغماً عنه. أن أكون هنا، وأن يعرف العالم أنني هنا.
ما هو هدفي الأسمى؟
أريد بلوغ ذاتي الكاملة. أريد أن أبقى على قيد الحياة. وأريد أن أحمي رفاقي.
في تلك اللحظة، شعرتُ بها. شرارة طفيفة، خافتة كجمرة تحت الرماد، لكنها كانت هناك، حقيقية لا أُتوهّمها. ثم انكفأت بسرعة كأن ريحاً خفيفة أطفأتها قبل أن تتسع.
لكن فكرة واحدة ظلت تتردد في أعماقي، تنبض كنبضة قلب ثانية:
سأبقى. سأبقى وأصبح أقوى.