الفصل 37 - ميثاق الروح
كلما توغلنا أكثر… كلما تغير كل شيء.
لم يعد الأمر مجرد غابة. لم تعد مجرد أشجار عملاقة وضوء متسلل بين الأغصان وجنيات صغيرة تطير. بل مكان. مكان حي بمعنى يتجاوز المجاز. شيء يدرك وجودك ويستجيب له.
كنت أشعر به في كل خطوة. كأن الأرض نفسها تسجل وجودي وتُعيد بثه في كل اتجاه. كأن هذا المكان يعرف من أنت قبل أن تعرّف عن نفسك.
“اقتربنا.”
صوت ستارك جاء منخفضًا. لم يرفعه لأنه لم يحتج. الجميع كان يشعر بالشيء نفسه.
تلك الإرادة التي لاحظتها منذ دخلنا لم تعد مجرد همس بعيد يلامس حواف الوعي. أصبحت أوضح. أعمق. هادئة كما كانت دائمًا، لكن بعمق يجعل الصدر يثقل دون سبب واضح. كأنك تقف أمام بحر لا ترى نهايته ولا تسمع ضجيجه لكنك تشعر بثقله.
توقفت. وضعت يدي على صدري.
“هذه…”
لم أستطع إكمال الجملة.
“أعرف.”
نور. بصوت خافت ينتقي كلماته.
“إنها أكبر من أن تُفهم.”
أومأت.
لكن في داخلي كنت أدرك شيئًا واحدًا بوضوح تام: هذا المكان ليس لنا. نحن هنا بإذن. وذلك الإذن لم يُكتب في وثيقة ولم يُقل في كلمات. كان مكتوبًا في الهواء نفسه.
ثم رأيناه.
بين الأشجار العملاقة، في فجوة طبيعية تبدو كأنها خُلقت لهذا الغرض تحديدًا، ظهر.
منزل.
لكنه لم يكن منزلًا بالمعنى الذي اعتدت عليه. كان مصنوعًا من الخشب نعم، لكن ذلك الخشب لم يكن مادة بناء بقدر ما كان مادة حياة. عتيق بطريقة تجعلك تتساءل كم قرنًا مضى عليه، لكنه لا يحمل أثرًا واحدًا للتدهور. كأن الزمن تحاشاه بقرار مدروس لا بإهمال. ضخم ومرتفع ومصمم بعناية لا تُستعجل، كل تفصيلة فيه تقول إنها لم تُوضع لأنها ضرورية بل لأنها تستحق وضعها.
توقفت أقدامنا تلقائيًا.
أحد لم يتكلم. لأن الكلام كان سيحتاج مبررًا وما رأيناه لم يكن يحتاج إضافة.
“انتظروا هنا.”
قالها ستارك بهدوء واضح. ثم تقدم خطوة.
لكنه لم يكمل.
لأن الهواء تغير.
في لحظة واحدة. بدون إنذار. بدون صوت يسبق التغيير.
توقفت الريح. توقفت الأصوات. حتى الضوء بدا وكأنه أعاد توجيه نفسه نحو نقطة واحدة.
ثم ظهرت.
لم تمشِ نحونا. لم تخرج من باب أو تأتِ من بين الأشجار. كانت هناك. فجأة وببساطة، كما يكون الضوء موجودًا حين تفتح نافذة.
امرأة.
لكن كلمة امرأة لم تكن كافية لوصف ما كان أمامنا.
شعرها أخضر. ليس اللون الأخضر العادي لأوراق الشجر، بل أخضر عميق متدرج كاللون الذي يكون في قلب الغابة حيث لا تصله الشمس مباشرة. طويل بطول لا يُحسب بسهولة، ينساب خلفها وحولها كتيار حي يتحرك بإيقاعه الخاص بغض النظر عن الهواء.
بشرتها نقية بطريقة تجعلك تسأل هل هذا جسد أم أنه شيء آخر يأخذ شكل الجسد.
وعيناها…
لا أعرف لأي وصف أذهب.
كانتا تلمعان بنور خافت، لكن ذلك النور لم يكن مجرد وميض. كان يحمل شيئًا. راحة. طمأنينة. شيء يدخل عيناك ويجعلك تريد فقط أن تبقى تنظر وألا تفكر في شيء آخر.
كأن النظر إليهما كان كافيًا للنسيان.
همست دون أن أقرر:
“ما هذا…”
لكنني شعرت بإرادتها.
بوضوح مذهل. بأوضح ما شعرت به بأي شيء في حياتي. لم تكن مرعبة. لم تحمل تلك الحدة المفترسة التي يحملها الوحش. ولم تكن تلك الشبكة الهائلة الظلامية للرجس.
كانت مهيبة. هادئة. كأنها ليست قوة تُمارَس بل قوة تكون.
“مرحبًا أيها البشر.”
صوتها.
لم أكن مستعدًا لصوتها.
لم يكن صوتًا بالمعنى الذي يخرج من الحنجرة ويسافر في الهواء ليصل الآذان. كان لحنًا أولًا. تردد في صدري قبل أن يصل إلى أذني. كأن الجسد سمعه قبل أن تسمعه العقول.
“أنا…”
ابتسمت. ابتسامة المكان الذي وصلت إليه بعد طريق طويل.
“سيسيليا.”
توقفت.
“روح الحياة.”
“روح…؟”
الكلمة جاءت في ذهني دون أن أقررها. لماذا روح وليس جنية؟ الفرق في التسمية. الفرق في المرتبة.
“لأن الروح…”
نظرت إليّ مباشرة. مباشرة بطريقة تجعلك تتساءل إن كانت سمعت ما لم تقله.
“هو ما يُطلق على الجنيات التي بلغت مرتبة عظيمة.”
تجمدت.
“أنتِ…”
“نعم. أستطيع سماعك.”
وقع الصمت بعدها وقوعًا ثقيلًا لكنه لم يكن مخيفًا. كان من نوع الصمت الذي يكون حين تكون الأمور في مكانها الصحيح.
انحنى ستارك بعمق.
ليس انحناء المجاملة. انحناء التعظيم الحقيقي.
“يا سيدة الغابة… جئنا بطلب إذنك للتأكد من سلامة الغابة.”
نظرت إليه بهدوء. ثم ابتسمت بطريقة فيها شيء قديم.
“تشبهه.”
قالتها.
“أباك.”
ثم ضحكت بخفة. ضحكة ليست ساخرة بل حنينية.
“ذلك الطفل.”
تجمد ستارك للحظة. شيء مرّ على وجهه بسرعة ثم اختفى. ثم انحنى أكثر.
“يشرفني ذلك.”
كنت أنظر إليها دون أن أستطيع التوقف.
ثم جاءت فكرة. فكرة غبية في توقيتها، واضحة السخافة، لكنها جاءت على أي حال.
كم عمرها؟
قبل أن تتشكل كلمة:
“من الوقاحة…”
قالتها. مباشرة. بنبرة فيها شيء بين العتاب والتسلية.
“أن تسأل امرأة عن عمرها.”
ثم نظرت إليّ.
“أليس كذلك يا دارون؟”
“أنا…”
“لا بأس.”
ابتسمت.
“فضولك واضح.”
أدارت نظرها بهدوء.
“الغابة بخير. لم يحدث شيء. على الأقل خلال الأشهر الستة الماضية.”
تنفس ستارك بعمق.
“نشكر لكِ تعاونك.”
لكن المحادثة لم تنته.
لأنها عادت إليّ.
نظرتها تغيرت. أصبحت أعمق. كأنت تتحرك من مستوى الكلام العادي إلى مستوى آخر.
“أنت…”
تقدمت خطوة واحدة نحوي.
“الفتى الذي يحمل إرادة البطل على كتفيه.”
تجمدت.
“ماذا؟”
“أراك.”
قالتها بهدوء تام.
“أكثر مما ترى نفسك.”
شعرت بشيء ينقبض في صدري. ليس ألمًا. بل ذلك الإحساس الذي يأتي حين يقول أحد شيئًا تعرف أنه صحيح ولا تريد أن تعترف بأنه صحيح.
“أنا لا…”
“لا حاجة للإنكار.”
ابتسمت.
ثم:
“هناك من يهتم بك. بشدة.”
نظرت إليها بحذر.
“من؟”
الهواء اهتز.
لم أسمعه. شعرت به. كاهتزاز خفيف يمر في الهواء نفسه قبل أن يصل الجسد.
ومن بين الظلال تحت الأشجار الضخمة، خرج.
فهد.
أسود. لكن أسوده لم يكن الأسود العادي. كأن جلده يحمل ذلك الأسود الذي يكون في قلب الليل الحقيقي، حين لا يكون هناك قمر. وعيناه… تلمعان بلون بين الذهبي والأخضر. لمعة لا تشبه لمعة عيون القطط العادية.
ارتفاعه يصل لنصف طولي تقريبًا. جسده نحيل لكن في تلك النحافة كثافة لا تخطئها عين. كل عضلة تحت جلده الناعم واضحة المكان محكمة الشكل.
وقف أمامي.
ينظر إليّ.
ليس بنظرة الحيوان الذي يقيّم الخطر. بنظرة أخرى. تركيز هادئ واثق، كأنه يعرفني من قبل أن أعرفه.
“هي.”
قالت سيسيليا.
“تريدك أن تعقد ميثاقًا معها.”
تجمدت.
“ميثاق؟”
“عقد. بين البشري والجنية. يدعم كل منهما الآخر طوال مسيرتهما. يعطي كل منهما للآخر شيئًا لا يستطيع الوصول إليه وحده.”
نظرت إلى الفهد. ثم إلى سيسيليا.
“ولماذا أنا؟”
“لأنها اختارتك.”
توقف.
“ولأنك تستحق.”
صمت.
“لن تخسر شيئًا.”
أضافت بهدوء.
“بل قد تربح أكثر مما تتخيل.”
نظرت إلى الفهد مرة أخرى.
عيناه لا تزالان ثابتتين عليّ. فيهما شيء يصعب وصفه. ليس عدوانية. ليس خوفًا. ثبات. يقين. كأنه ينتظر قرارًا يعرف مسبقًا أنه سيكون نعم.
تنفست ببطء.
“حسنًا.”
“أوافق.”
ابتسمت سيسيليا.
“جيد.”
ثم نظرت إليّ بجدية مختلفة.
“اقترب.”
اقتربت.
“والآن…”
“دمك. اسكبه. عليه.”
رفعت حاجبي.
“ماذا؟”
“اسكبه عليه.”
صمت.
أخرجت خنجري. ترددت لحظة. وزنت ما أقدم عليه. ثم قررت.
جرح صغير في راحة يدي اليسرى. ألم خفيف. قطرات حمراء تبرز.
انحنيت نحو الفهد ومددت يدي.
قطرات الدم سقطت.
على جلده الأسود.
وفي اللحظة التالية، انفجر كل شيء.
ألم.
لم يكن ألمًا عاديًا. لم يكن الألم الجسدي الذي يأتي من ضربة أو جرح. كان اختراقًا. كأن شيئًا من الخارج دخل إلى الداخل بقوة لم تستأذن. كأن شيئًا في جسدي بدأ يتغير بطريقة لا يعرفها ولا اعتاد عليها.
“آاااه!!”
سقطت على ركبتي.
الأرض الباردة تحتي حقيقية. هذا واحد مما بقي واضحًا.
“هذا طبيعي.”
قالتها سيسيليا بهدوء يبدو في غير محله.
لم يكن طبيعيًا.
دمي… شعرت به من الداخل. يجري في عروقه بطريقة مختلفة. أسرع. أكثر حرارة. كأنه يجري لأنه يريد لا لأن القلب يضخه.
رأسي انفجر.
ليس ألمًا فحسب. رؤى. صور. أصوات. تصل جميعها في نفس اللحظة. لحظة واحدة تملأ فيها كل شيء كل شيء.
“توقف…!”
صرختها لأن صوتي بقي.
لكن لم يتوقف.
جسدي ارتجف. لم أستطع السيطرة عليه. يرتجف وأنا لا أعطيه الأمر. الأرض استقبلتني حين سقطت عليها كاملًا.
أنفاسي تقطعت. كل نفس جزئي لا يكفي ويحتاج نفسًا آخر فورًا.
“لا أستطيع…”
اقتربت سيسيليا.
ببطء. بهدوء لا يتعجل.
وضعت يدها على رأسي.
يدها كانت باردة. ليس البرودة التي تؤلم. بل برودة الماء النقي. برودة الشيء الذي لم تمسه حرارة الأذى.
وفي لحظة واحدة…
اختفى كل شيء.
الألم. الضغط. الصوت. الرؤى. كل شيء.
كأن قرارًا اتُّخذ وطُبِّق في نفس الوقت.
سكون.
تام.
“انتهى.”
فتحت عيني ببطء.
السقف من الأشجار فوقي. الضوء المتسلل بين الأغصان. والجنيات الصغيرة المضيئة تطير في الخلفية بإيقاعها الهادئ المستمر.
أنفاسي ثقيلة. جسدي منهك كمن خرج من قتال.
لكن…
شيء تغير.
لا أعرف كيف أصفه بدقة. لكنه موجود. مثل شيء أُضيف لا مثل شيء أُزيل.
“تم العقد.”
قالتها سيسيليا.
“مبروك يا دارون.”
نظرت إلى الفهد.
كان لا يزال هناك. لم يتحرك من مكانه. لكن كل شيء في طريقة وقوفه تغير. لم يعد يقف كأنه ينتظر قرارًا.
كان يقف كأنه في بيته.
وحين نظرت إليه…
شعرت به.
ليس كما تشعر بكائن منفصل تراقبه. بل بطريقة أخرى. أعمق. كأن هناك خيطًا رقيقًا بيننا. ليس حبلًا يقيد. خيطًا يربط.
جزء مني. أو أنا جزء منه. أو ربما لا فرق بين الصياغتين.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى سيسيليا.
“ماذا فعلتِ بي؟”
ابتسمت.
“أعطيتك بداية جديدة.”
ثم استدارت. ببطء. بهدوء من انتهى من شيء وترك الباقي لما سيأتي.
“والباقي…”
“ستكتشفه بنفسك.”
بقيت على الأرض لثوانٍ.
الجميع من حولي صامتون. إيمي بجانبي، يدها ممتدة نحوي لكنها لم تمسني. كأنها تنتظر أن أكون جاهزًا.
كارل للمرة الثانية في هذه الغابة لا يتكلم.
جين ونور يتبادلان نظرة لا تحتاج كلمات.
وستارك ينظر إليّ بتلك النظرة التي تقرأ ولا تُظهر ما وجدت.
مددت يدي نحو الفهد.
توقف لحظة. ثم تقدم. وضع رأسه تحت يدي بحركة بطيئة واثقة.
جلده كان ناعمًا بطريقة لا تشبه فراء الحيوانات العادية.
ودافئًا.
دافئًا بشكل يشعرك أن ما تلمسه حي بطريقة أعمق مما تراه.
تنفست.
ووقفت.
ببطء. بجسد منهك. لكن بشيء آخر لم يكن موجودًا قبل أن أدخل هذه الغابة.
شيء يشبه…
البداية.