الفصل 36 - غابة الجنيات
كان الصباح مختلفًا هذه المرة.
ليس لأنه كان أكثر إشراقًا أو أكثر هدوءًا من غيره. بل لأنه كان يحمل شيئًا غير مألوف. شيئًا هادئًا بشكل مريب. ذلك النوع من الهدوء الذي لا يطمئنك بل يجعلك تنتبه أكثر.
وقفت أمام بوابة المدينة، أتنفس ببطء، أراقب أنفاسي وهي تتصاعد في الهواء البارد كبخار خفيف. الرحلات السابقة كانت دائمًا تحمل توترًا واضحًا، خطرًا مرسومًا يمكن تسميته وتحديد شكله. لكن هذه المرة… كان شيء آخر. غموض من نوع مختلف.
“تبدو شاردًا.”
التفت.
إيمي كانت تقف بجانبي بذراعين متشابكتين. شعرها البني مربوط خلف أذنها اليسرى. عيناها تحملان مزيجًا من الفضول والشيء الآخر الذي تحمله عيناها أحيانًا دون أن تسميه.
“مجرد تفكير.”
“في الجنيات؟”
صمتت لحظة.
“في كل شيء.”
لم تجب. لكنها لم تبتسم أيضًا. فقط أبقت نظرتها على الطريق أمامنا.
ثم جاء الصوت.
“يبدو أنكم وصلتم.”
هادئ. واضح. لا يستعجل.
استدرنا.
ستارك.
شعره الذهبي مرتب بعناية تحت ضوء الصباح البارد. درعه الفضي يلمع بلمعة خافتة. ووقفته تلك التي تحمل ثقلًا أكبر من حجمها.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
إلى جانبه الأيمن…
رجل ضخم بطريقة تتجاوز ما تتوقعه حين تسمع الكلمة. ضخامته لم تكن من نوع الضخامة المتراكمة. كانت بنية. كأن الجسد نفسه بُني على معيار مختلف. أكتافه تشغل حيزًا من الهواء أوسع من المعتاد. درعه السميك الداكن يحمل آثارًا… ليست أثار صناعة بل آثار استخدام. خدوش وتشققات صغيرة على الحواف تحكي قصصًا دون أن تتكلم.
في يده سلاح… فأس عملاق، لكن ليس من النوع الذي يُحمل للاستعراض. رأسه عريض وثقيل وحوافه محكمة. سلاح مَن يريد أن ينهي لا أن يُظهر.
“هذا جون.”
قالها ستارك بهدوء.
جون لم يتكلم. أومأ برأسه بحركة واحدة بطيئة. لكن في تلك الإيماءة البسيطة كان هناك شيء. شيء يقول إنه لا يرى حاجة لأكثر من ذلك لأن من يحتاج إلى الكلام لإثبات وجوده لا يملك ما يكفي بدونه.
ثم خطوة خفيفة من خلف ستارك.
امرأة.
رشيقة بطريقة تختلف عن رشاقة إيمي. إيمي رشاقتها حركية، تراها في طريقة وقوفها. هذه… رشاقة من تتحرك بشكل لا يريد أن يُلاحَظ. شعرها بني قصير يكاد يلامس جانبي رقبتها. عيناها حادتان بطريقة العيون التي تحسب قبل أن تسمح لنفسها بالتعبير. وحركتها… كانت صامتة بشكل يجعلك تسأل هل كانت هناك قبل لحظة أم لا.
سيف نحيف عند خصرها الأيسر. وسكاكين صغيرة موزعة بعناية على الساق اليمنى والساعد الأيسر.
“بيث.”
قالها ستارك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“تشرفت.”
لكن في تلك الابتسامة… كان هناك شيء. شيء يشبه الخطر المُحكم خلف مظهر مُسالم.
نظرت إليهم جميعًا.
وأدركت.
هذه الرحلة لن تكون سهلة.
“سأدخل في صلب الموضوع.”
تقدم ستارك خطوة.
“الوجهة تبعد ثلاثة أيام من هنا. غابة الجنيات.”
صمت قصير أعطى الاسم مساحته.
“مكان قديم. قديم جدًا. تسكنه الجنيات منذ قرون.”
رفعت حاجبي.
“الجنيات…”
ترددت.
“كيف تبدو؟”
ابتسم ستارك. لكن ابتسامته كانت مختلفة هذه المرة. ليست ابتسامة لها إجابة جاهزة.
“لا توجد إجابة واحدة.”
اقترب خطوة.
“الجنيات لا تملك شكلًا ثابتًا. بعضها يتخذ شكل حيوانات. بعضها أشكالًا غريبة لا يمكن وصفها بسهولة.”
توقف.
“وهناك… جنيات عظيمة. تتخذ أشكالًا بشرية أو شبه بشرية.”
شعرت بشيء غريب في صدري.
“كائنات واعية؟”
“أكثر مما تتخيل.”
صمت.
“هم ليسوا مجرد كائنات. إنهم امتداد للطبيعة.”
نظر إليّ بتركيز.
“يستشعرون الإرادة. بل النوايا. الخير والشر. قبل أن تتحرك حتى.”
الكلمات وقفت في الهواء.
“يستشعرون الإرادة…”
وضعت يدي على رأسي دون وعي.
هل سيشعرون بي؟
هل سيشعرون بما بداخلي؟ بتلك القدرة التي لا أفهمها بالكامل بعد؟ بذلك الباب الذي تحرك في أعماقي لحظة واحدة ثم عاد إلى مكانه؟
لم أجد إجابة.
“سننطلق الآن.”
قالها ستارك.
“كلما أسرعنا كان أفضل.”
وهكذا بدأت الرحلة.
اليوم الأول كان طويلًا.
الطريق كان ممتدًا عبر تضاريس لا تحب المشاة. أرض غير مستوية مليئة بالحجارة والجذور البارزة والمنعطفات التي لا تبشر بانفراج قريب. الأشجار بدأت تكثف تدريجيًا كلما ابتعدنا عن المدينة حتى أصبح ضوء الشمس يتسلل بزوايا ضيقة بدلًا من أن ينتشر.
جون يسير بثبات في المقدمة. خطواته بطيئة لكنها واسعة، تقطع مسافة لا تتناسب مع بطئها الظاهر. بيث تتحرك بالقرب منه لكن بطريقة مختلفة تمامًا، كظل ينتقل من موضع لموضع، بالكاد تُصدر صوتًا حتى على الأوراق الجافة. وستارك يسير ويراقب. دائمًا يراقب.
“هذا مرهق.”
تمتم كارل.
“لم نصل حتى لمنتصف الطريق.”
“توقف عن الشكوى.”
جين. بالنبرة التي لا تحتاج رفع الصوت لتُسمع.
“على الأقل لا يوجد قتال.”
“هذا أسوأ.”
تنهد كارل بمبالغة.
ابتسمت إيمي بخفة.
وأنا… كنت أفكر.
“يستشعرون الإرادة.”
الكلمات تعود. قدرتي تستشعر الإرادة أيضًا. بطريقتها الخاصة. فهل هذا يعني أن ما بيني وبين هذه الكائنات شيء مشترك؟ أم أنه على العكس، أن وجودي في مكانهم سيكون أكثر إزعاجًا مما أتخيل؟
اليوم الثاني أصعب.
الإرهاق تراكم كما يتراكم الرمل في الحذاء. ببطء. دون أن تلاحظ بالضبط متى بدأ. الأقدام أثقل. الأنفاس أقصر. الحديث أقل.
“استمروا.”
قالها ستارك بهدوء.
“لم يتبق الكثير.”
تبادلنا النظرات. كلنا نعرف أنه يكذب قليلًا. لكن لا أحد اعترض. لأن الاعتراض لا يختصر المسافة.
نمنا تلك الليلة بسرعة غير معتادة. الجسد حين يبلغ حدًا معينًا لا يسأل عن الوسادة.
اليوم الثالث كان الأقسى.
الجسد يرفض. العقل يتعب. لكن كان هناك شيء يختلف عما كان في اليومين السابقين.
شعور.
خافت جدًا في البداية. كنت أحاول تحديده، تحديد مصدره، لكنه كان بعيدًا ومبهمًا كصوت موسيقى من أقصى الطريق.
“هل تشعرون…؟”
قلت ببطء دون أن أكمل.
نظر إليّ جين.
“بماذا؟”
“لا أعلم.”
لم أكذب. فعلًا لم أكن أعلم كيف أسميه. لكنه كان موجودًا. شيء في الهواء. شيء في الأرض تحت أقدامنا. كأن الغابة التي لم نصلها بعد كانت تتنفس وبعض من نَفَسها يصلنا هنا.
اليوم الرابع. وصلنا.
لكن الوصول لم يكن عاديًا.
توقفت خطواتي تلقائيًا.
تجمدت.
أمامنا…
غابة. لكن ليست كأي غابة رأيتها. الأشجار عملاقة بطريقة تجعل عملاق مثل جون يبدو صغيرًا أمامها. ارتفاعها يتجاوز العشرين مترًا، بعضها أكثر. جذوعها عريضة لدرجة أن خمسة رجال يمكنهم الوقوف حولها دون أن تلتقي أيديهم. أغصانها تمتد فوقنا كأعمدة كاتدرائية طبيعية تحمل سقفًا من الأوراق الخضراء الكثيفة.
والضوء…
الضوء يتسلل بينها بطريقة لا تشبه الضوء العادي. يبدو وكأنه مصدره ليس الشمس فقط. كأن شيئًا في الغابة نفسها يُضيء خفيفًا من الداخل.
“هذه…”
“غابة الجنيات.”
قالها ستارك. لكن صوته كان مختلفًا. منخفضًا. محترمًا. كأنه يحرص ألا يؤذي المكان بصوت مرتفع.
دخلنا.
خطوة واحدة فقط خلف خط الأشجار الأول.
وكان كل شيء… مختلفًا.
الهواء. الصوت. الإحساس. كل شيء تبدّل في خطوة واحدة كأنك عبرت حدًا غير مرئي.
الهواء داخله أنقى بطريقة غير طبيعية. كأنه لم يشهد ما شهده العالم خارجه. رائحة خضراء عميقة تختلف عن رائحة الغابات الأخرى. وهدوء… هدوء حقيقي لا يشبه صمت الغابة العادية التي تسمع فيها الحشرات والريح. هذا كان هدوء حضور.
وضعت يدي على صدري.
أغمضت عيني.
وشعرت بها.
إرادة.
لكن ليست كأي إرادة شعرت بها من قبل. إرادة الوحوش كانت حادة ومفترسة ومركّزة في الهجوم والفريسة. إرادة الرجس كانت هائلة ومظلمة كجدار لا تعرف نهايته.
هذه…
كانت هادئة. متزنة. نقية. كأنها ليست نقطة واحدة بل مساحة. كماء ساكن يمتد في كل اتجاه بهدوء لا يُحسب. أو نسمة هواء دافئة تلف كل شيء من حولك دون أن تضغط على أي شيء.
“هل تشعر بها؟”
همست إيمي.
فتحت عيني.
“نعم…”
“إنها مختلفة.”
“ليست مثل أي شيء شعرنا به.”
حتى جون، الصخرة الصامتة طوال ثلاثة أيام، رفع رأسه قليلًا ونظر حوله بعيون تقيّم بطريقة مختلفة عن تقييم الميدان.
وبيث توقفت عن الحركة تمامًا للمرة الأولى منذ انطلقنا. ساكنة. تستمع لشيء لا يُسمع بالآذان.
ستارك ابتسم.
“إنها الغابة. أو… ما يسكنها.”
تقدمنا ببطء.
خطوة. خطوة. ثلاث. عشر.
لم يتكلم أحد.
كأن الكلام كان سيكسر شيئًا يستحق البقاء.
الأشجار من حولنا تصبح أكثف. الضوء بينها يأتي من زوايا غير متوقعة. وعلى الأرض نبات لم أرَ مثله، أوراق دائرية صغيرة تلمع من الداخل بلون يقع بين الأخضر والأزرق.
ثم…
ضوء.
خفيف. سريع. مرّ من أمامي كشعلة صغيرة لم تنتظر.
تجمدت.
“رأيتم ذلك؟”
“نعم.”
قالت نور بصوت منخفض. وفي نظرتها شيء يشبه الدهشة الحارسة.
ثم آخر.
ثم خمسة. عشرة.
ثم…
عشرات.
ظهروا.
من بين الأشجار. من الهواء نفسه. من الضوء المتسلل.
سرب من الجنيات.
صغيرة. أصغر مما تخيلت. بعضها بحجم الكف. بعضها أكبر قليلًا. كلها تحمل نورها الخاص. ليس نورًا ثابتًا بل نورًا متنفسًا، يتمدد ويتقلص بإيقاع حي.
بعضها يشبه طيورًا لكن بأجنحة شفافة ترى من خلالها الضوء. بعضها أشكال غريبة متغيرة لا تستقر على صورة ثانيتين متتاليتين. وبعضها… أشبه بشرارات نار هادئة تطير.
أصواتها لم تكن أصواتًا بالمعنى الكامل. كانت همسات. ناعمة. دافئة. مثل كلام لغة لا تعرفها لكنك تشعر بمعناها دون أن تسمع الكلمات.
إيمي وضعت يدها على فمها.
عيون نور كانت تلمعان.
جين توقف في مكانه تمامًا.
وكارل… كارل الذي لم يصمت حرفيًا منذ غادرنا المدينة. صمت. فقط نظر بانبهار لم يحاول إخفاءه.
أما أنا…
شعرت بشيء لم أشعر به منذ وقت طويل.
لم يكن هناك خوف. ولا توتر. ولا ألم. ولا ذلك الضغط الثابت الذي اعتدت حمله خلف الأضلاع.
فقط هدوء.
هدوء من النوع الذي يجعلك تتذكر أن الهدوء كان ممكنًا دائمًا.
لكن…
في أعماقي، تحت كل ذلك الهدوء الجميل، كانت هناك معرفة.
هذا المكان ليس بسيطًا. أبدًا.
الجنيات التي تطير من حولنا الآن تستشعر ما بداخلنا. تستشعر نواياي وإرادتي وكل ذلك الشيء الغامض الذي لا أفهمه بعد.
وهي تقرر. الآن. أثناء ما تطير.
تقرر ماذا نكون في هذا المكان.
ضيوفًا. أو شيئًا آخر.