الفصل 35 - العودة
مرت سبعة أيام كلحظة عابرة.
لم تكن سبعة أيام عادية بأي معنى. كانت فراغًا ممتدًا. هدوءًا غير مألوف. كأن العالم قرر أن يمنحنا هدنة صغيرة بعد كل ما حدث، وأن يتركنا نلتقط أنفاسنا دون أن يطالبنا بشيء في المقابل.
لا قتال. لا مهام. لا دماء ولا صرخات ولا ذلك الثقل المتراكم الذي يجلس على الصدر حين تعرف أن شيئًا ما ينتظر.
فقط صمت. وسكون. ووقت.
وقت كافٍ للتفكير. وقت كافٍ لاستعادة الأنفاس… أو محاولة ذلك على الأقل.
قضيت معظم ذلك الأسبوع بين التأمل والتمدد الصباحي البطيء. كنت أراقب أنفاسي. أراقب جسدي وهو يتعافى ببطء من داخله. أحاول فهم ذلك الشيء الذي بداخلي بطريقة مختلفة عن الطريقة التي حاولت بها فهمه في خضم القتال.
القدرة.
لم أستخدمها خلال تلك الأيام. لم أحاول حتى. كنت أخشاها. أو ربما… كنت أحترمها. الفرق بين الاثنين لم يكن واضحًا دائمًا، لكنني كنت أشعر أن المسافة التي أتركها منها ليست هروبًا. بل شيء أقرب إلى منح الجرح وقته.
النوم في تلك الأيام كان عميقًا بطريقة مختلفة. ليس فقط عمق الجسد المتعب الذي يطلب الراحة. بل شيء أعمق. كأن الذهن نفسه قرر أن يغلق كل الأبواب المفتوحة ويبدأ من جديد كل صباح.
وطعام سارة…
كان أفضل ما في تلك الأيام بلا منافس.
لم يكن مجرد وجبات. كان طمأنينة تُقدَّم على طبق. حساء الصباح الذي كانت تضعه أمامك وعيناها تقولان شيئًا قبل أن تفتح فمها. الخبز الدافئ في المساء. كل لقمة كانت تعيد شيئًا تفتت خلال تلك المعارك. شيئًا لا اسم واضحًا له لكنك تعرف حين يعود.
كنت أراقب نفسي.
كيف أعود ببطء. كيف تتلاشى آثار ذلك الضغط العقلي الذي جلس داخل رأسي منذ ليلة الاجتماع حتى اللحظة التي فقدت فيها الوعي. كيف تهدأ تلك الهمسات الخافتة التي كانت في أعماق وعيي، تلك الخيوط من الشبكة التي رأيتها.
لكنها لم تختفِ تمامًا.
كانت هناك. بعيدة. صامتة. كأنها في سبات لا في غياب. فرق دقيق لكنه مهم.
تنتظر.
وحين انتهى الأسبوع… شعرت به بوضوح.
كنت مستلقيًا على سريري في الصباح الباكر، أحدق في السقف، أمدد جسدي ببطء تلقائي. الألم الذي كان يملأ كل حركة في الأسابيع الأولى لم يكن كما كان. خف حتى أصبح كذكرى. كأثر يذكرك بشيء مر دون أن يؤلمك في الحاضر.
تنفست بعمق.
ونهضت.
اليوم مختلف. اليوم… سأعود.
ارتديت ملابسي ببطء. القميص الداكن. السراويل. الحزام. السيف في مكانه المألوف. كل شيء جلس في مكانه كأنه لم يذهب. وأنا في مكاني كأنني لم أذهب.
نزلت إلى الطابق السفلي.
وهناك كانت إيمي.
جالسة على مائدة الإفطار، كوب أمامها بين يديها، شعرها البني مربوط بعناية أكبر من المعتاد. بمجرد أن سمعت خطواتي على الدرج رفعت نظرها.
وابتسمت.
ابتسامة خفيفة. هادئة. مختلفة عن تلك الابتسامة المكسورة التي رأيتها حين استيقظت. هذه كانت ابتسامة شخص استعاد شيئًا كان قد أعد نفسه لفقدانه.
جلست أمامها.
لم نتكلم فورًا. فقط بدأنا بالأكل. الصمت بيننا كان من النوع الذي لا يطلب ملءً. مريح بطريقة لا تحتاج تفسيرًا.
بعد دقائق قالت بهدوء:
“هل أنت مستعد؟”
نظرت إليها.
ثم أومأت.
“نعم.”
ولم يكن فيها تردد.
بمجرد أن انتهينا من الإفطار، تحركنا.
لم نتكاسل. لم نتباطأ. كان هناك شيء في الهواء هذا الصباح يجعل التباطؤ غير منطقي.
خرجنا من النزل والهواء البارد استقبلنا دفعة واحدة. بارد وحاضر. نوع الهواء الذي ينبّه لا يخدّر.
المدينة بدت كما هي دائمًا. الأزقة. الناس. الباعة. الأصوات المتداخلة. كل شيء طبيعي بشكل غريب.
بعد كل ما حدث… كان هذا الهدوء العادي يبدو غير منطقي تقريبًا. كأن المدينة لا تعلم. أو تعلم وقررت أن تستمر على أي حال لأن هذا ما تفعله المدن.
سرنا عبر الشوارع. وصلنا إلى نقابة المرتزقة.
المكان كان حيًا.
أكثر من المعتاد بطريقة يصعب تحديد مصدرها. بمجرد دخولنا، التفتت الأنظار. ثم بدأت التحيات.
بعضهم لوّح بيد.
بعضهم ابتسم.
بعضهم اكتفى بنظرة. لكنها نظرة معينة. نظرة من يرى شخصًا رآه يفعل شيئًا لم ينسه.
لم أكن معتادًا على هذا بالطريقة التي يصبح فيها مألوفًا. لكنني لم أرفضه. أومأت لهم بهدوء وتقدمت مع إيمي نحو مكتب الاستقبال.
وهناك كانت ماري.
غارقة في عالمها المعتاد. أوراق وسجلات وقوائم. لكن بمجرد أن لاحظت حضورنا توقفت. رفعت رأسها بسرعة. ثم نهضت.
“مرحبًا بعودتك مرة أخرى أيها المرتزق دارون.”
نفس الابتسامة. نفس الهدوء المحكوم. لكن خلفه هذه المرة شيء إضافي. شيء يشبه الارتياح الذي يأتي بعد قلق لم يُعلَن.
“شكرًا.”
لم تضع الوقت. كما هو دائمًا.
“دارون، هناك طلب شخصي لك.”
توقفت. نظرت إليها.
“طلب مرافقة لك ولفريقك… بثمن خمس عملات ذهبية.”
رفعت حاجبي.
“خمس؟”
رقم يحتاج إلى توقف.
“من سيطلب خدماتي فجأة بعد تعافيي مباشرة؟”
نظرت إليّ ماري بتلك النظرة المعتادة التي تعطي المعلومة دون تعليق.
“تم تقديم الطلب من الفارس المدعو ستارك.”
تجمدت للحظة.
ستارك.
“وغابة الجنيات؟”
إيمي تكلمت بجانبي.
“غابة الجنيات تقع على بعد ثلاثة أيام من هنا. ومن اسمها يمكنك أن تعرف أنها موطن الجنيات منذ قرون.”
توقفت قليلًا. ثم أضافت بنبرة من يشرح ما يعرفه بدقة:
“الفرسان يقومون بدوريات هناك مرتين سنويًا. للتأكد من سلامة المكان وحدوده.”
غرقت في التفكير لثوانٍ.
غابة الجنيات. مكان قديم. غامض. ليس ساحة قتال بالمعنى الذي عرفناه. ليس مجرد غابة تسكنها وحوش يمكن تصنيفها.
ثم ستارك.
لماذا ستارك تحديدًا؟ ولماذا يطلبني بعد تعافيي مباشرة؟ المرافقة قد تكون بريئة. لكن الثمن وخمس عملات ذهبية في مقابل مرافقة لا يجعلها بريئة.
هناك سبب. والسبب ليس بسيطًا.
رفعت رأسي.
“حسنًا.”
نظرت إلى ماري.
“سنقبل المهمة.”
ابتسمت.
“الانطلاق بعد الغد، مع إشراقة الشمس مباشرة.”
أومأت.
“سنكون في الوقت والمكان المناسب.”
خرجنا من النقابة.
والكلام بدأ.
“خمس ذهبيات؟”
كارل. طبعًا كارل.
“الفرسان مبذرون حقًا.”
ابتسمت بخفة.
“ربما هناك سبب آخر.”
نظر إليّ جين بتلك النظرة الهادئة المحكومة.
“ربما لأنك نلت محبتهم.”
ضحكت بخفة.
“لا أعتقد أن الأمر بهذه البساطة.”
لم يكن كذلك. أبدًا.
عدنا إلى النزل حين ارتفعت الشمس.
بمجرد الدخول، الرائحة المألوفة استقبلتنا. خشب قديم وطعام وذلك الدفء الخاص بالأماكن التي يسكنها ناس يعتنون بها.
الغداء كان جاهزًا.
جلسنا جميعًا. وبدأنا بالأكل. الأصوات المعتادة، كارل يعلق على طعامه بالطريقة التي يعلق بها على كل شيء، جين يأكل بصمت هادئ، نور تتحدث بهدوء عن شيء لاحظته في السوق أثناء العودة.
وأنا…
لاحظت شيئًا.
نظرات.
بين جين وسارة.
ليست عابرة. ليست من النوع الذي تمر دون أن تتركها. كانت أبطأ من ذلك. أعمق. كأن كل واحد منهما يلاحظ الآخر بطريقة مختلفة عن طريقة ملاحظة أي شخص آخر.
ابتسمت في داخلي.
يبدو أن سارة… لن تبقى وحدها طويلًا.
نظرت حولي.
المائدة. هؤلاء الوجوه. هذا المكان الذي صار يشبه شيئًا لا أعرف اسمًا دقيقًا له لكنه يشعر كالبيت.
فكرت في عرض يوليوس.
الفرسان. التدريب. المكانة. المستقبل الواضح الخطوط.
كل ذلك كان حقيقيًا وموجودًا وقابلًا للأخذ.
لكن هذه المائدة. هذه الأصوات. هذا الهدوء المؤقت الذي يعرف نفسه على أنه مؤقت ومع ذلك لا يفقد شيئًا من قيمته بسبب ذلك.
كل شيء… بدا ثمينًا.
لأنني أعلم أنه لن يدوم.
المهمة القادمة لن تكون عادية. وغابة الجنيات ليست مجرد وجهة. هذا واضح. ستارك لم يطلبني بخمس ذهبيات لمجرد مرافقة روتينية يمكن لأي مرتزق القيام بها.
هناك شيء هناك.
شيء لا أفهمه بعد.
لكنني سأكتشفه قريبًا.
وهذا… كان كافيًا الآن.
أن أعرف أن ما أمامي غير معروف. وأن أكون مستعدًا له بالطريقة التي أستطيعها. وأن يكون هؤلاء… بجانبي.
تنفست ببطء.
ووضعت الملعقة.
والهدوء في تلك اللحظة لم يكن هدوء من لا يعرف ما ينتظره.
بل كان هدوء من يعرف… ويختار الاستعداد بدلًا من الخوف.