الفصل 34 - العرض المغري
طلب الفارس الكبير أن يبقى على انفراد معي.
لم يكن طلبًا يمكن رفضه. ولا حتى التفكير في رفضه بالطريقة التي تفكر بها في رفض الأشياء العادية. كان طلبًا من نوع آخر. النوع الذي يحمل في نبرته الهادئة ثقلًا يكفي وحده.
الغرفة هدأت.
الأصوات التي كانت تملؤها قبل لحظات، ضحكات كارل ودهشة جين وهدوء نور المعتاد وكل ذلك الضجيج الدافئ الذي جاء مع دخولهم جميعًا، اختفى بسرعة أشبه بإطفاء شمعة. واحدًا تلو الآخر غادروا. دون مقاومة. دون سؤال.
إيمي كانت آخر من خرج.
توقفت عند الباب للحظة طويلة. التفتت إليّ. في عينيها البنيين ذلك المزيج الذي لا يُترجَم بسهولة. شيء بين الحذر والاطمئنان والشيء الثالث الذي تحمله العيون حين لا تجد الكلمات كافية.
لم تقل شيئًا.
أغلقت الباب ببطء.
الصمت عاد.
لكنه لم يكن الصمت ذاته الذي كنت فيه قبل لحظات. كان صمتًا مختلفًا. أكثف. كأن الهواء في الغرفة تبدّل بهواء آخر لا يُرى لكنه يُحسّ.
الفارس الكبير كان لا يزال واقفًا.
لم يتحرك حين خرج الجميع. لم يستعجل. وقف هناك بثبات من اعتاد الانتظار ولا يجده ثقيلًا. نظر إليّ بتلك النظرة التي لاحظتها منذ دخل. ليست نظرة تقييم طبي، وليست نظرة قلق. شيء آخر. شيء يرى ويقرأ ويفهم في آنٍ واحد.
ثم تحرك. خطا نحوي ببطء مقصود، وجلس على الكرسي الخشبي بجانب السرير بالبساطة التي يجلس بها شخص في بيته.
“مرحبًا دارون…”
صوته هادئ. لكن الهدوء فيه ليس هدوء الفراغ. هدوء الامتلاء.
“أنا سعيد لاستيقاظك على خير.”
توقف لحظة. كأن يعطي الكلمة وزنها قبل أن يواصل.
“اسمي يوليوس.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“يدعونني الفارس الذهبي.”
الاسم لم يكن جديدًا.
يوليوس. الفارس الذهبي. سمعت الاسم في الحديث في النقابة وبين المرتزقة وفي كلام الناس في المدينة. اسم يأتي مصحوبًا دائمًا بشيء من الاحترام غير المعلن.
لكن سماعه منه مباشرة… كان مختلفًا.
أشار يوليوس إلى من كان واقفًا خلفه طوال الوقت بهدوء.
“وهذا ستارك.”
توقف. وفي الوقفة القصيرة تلك شيء يشبه الفخر الهادئ المكتنز.
“ابني الذي أفخر به.”
ستارك تقدم خطوة واحدة. وقف باستقامة لا تستعرض نفسها. في وجهه ملامح شباب تحمل شيئًا أكبر من سنواتها. هيبة موجودة لكنها أخف وطأة من هيبة أبيه. أكثر صفاءً. أقل تراكمًا.
أومأ نحوي بهدوء.
يوليوس نظر إليّ مجددًا.
“لقد أخبرني عن شجاعتك في القتال.”
قالها بنبرة من يتحدث عن شيء رآه لا عن شيء نُقل إليه. ثم:
“أنا لا أضيع المواهب.”
كانت الجملة مباشرة بشكل غير متوقع.
“وخصوصًا المواهب النادرة.”
شعرت بشيء داخلي يتوتر.
ليس خوفًا. بل ذلك الشعور الذي يأتي حين تعرف أن الجملة التالية ستحمل شيئًا يغير شيئًا.
“شخص مثلك يا دارون…”
نظر إليّ نظرة مباشرة لا تتملص.
“سيغدو عظيمًا في المستقبل.”
توقف.
“ربما أعظم مني حتى.”
اتسعت عيناي قليلًا دون أن أقرر ذلك.
لم يكن هذا مدحًا من النوع العادي. المدح العادي يُقال ليُسمَع. هذا قيل لأنه مقتنع به.
ثم جاءت الكلمة.
“أريد أن أعرض عليك منصبًا.”
صمت قصير أعطى الجملة مساحتها.
“ما رأيك… في الانضمام للفرسان؟”
عقلي توقف.
ليس ارتباكًا. توقفًا حقيقيًا. كأن المعالج في الداخل وصل إلى كلمة لا يعرف كيف يتعامل معها.
“أنا…؟”
خرجت الكلمة بصعوبة. لم تكن سؤالًا بالمعنى الكامل. كانت محاولة للتثبت من أن ما سمعته كان حقيقيًا.
ابتسم يوليوس. بطريقة شخص رأى هذه الردة فعل من قبل ولم تفاجئه.
“نعم. أنت.”
أخذ نفسًا هادئًا ثم بدأت الكلمات تتدفق بإيقاع محسوب.
“انضمامك للفرسان يمنحك مزايا عديدة…”
عقلي كان يحاول اللحاق.
“تدريب مفصل خصيصًا لك… فرص لاكتساب خبرة لن تجدها في أي مكان آخر…”
توقف للحظة.
“سكن. طعام.”
ثم:
“وراتب. خمس عملات ذهبية شهريًا.”
توقفت أنفاسي.
خمس عملات ذهبية. في شهر واحد. كل عملة ذهبية تساوي عشرة فضية. كل ما جنيناه من مهمة الغيلان كانت أربع فضيات للشخص. الفرق كان بالغًا بشكل يصعب حتى على العقل استيعابه في ثانية واحدة.
“بالإضافة إلى مكافآت منفصلة لكل مهمة.”
لم يكن عرضًا.
كان بابًا مفتوحًا على طريق لم أكن أعرف أن له هذا الحجم.
نظرت إلى الأرض.
الفرسان.
التدريب. القوة. المكانة. المستقبل الذي يبدو مرسومًا بخطوط أكثر وضوحًا مما اعتدت رؤيته أمامي.
كل شيء… كان هناك.
لكن صورة جاءت دون أن تستأذن.
ساحة المعركة. الدم على الأرض. صرخات الجنود وصرير أسنان الوحوش والثقل الذي كان يضغط على الإرادة من مجرد وجود ذلك الشيء.
والرجس. الذي لا يزال هناك. في عمق تلك الغابة. ينتظر.
تنفست ببطء.
رفعت رأسي.
“أنا…”
توقفت. تأكدت من نفسي. ثم:
“لم يمضِ وقت طويل منذ استقراري في هذه المدينة.”
نظرت إليه مباشرة.
“هل يمكنني… أن أحصل على بعض الوقت؟”
ترددت.
“حتى أعتاد… وأفكر في عرضك.”
صمت.
ثم ابتسم. أوسع هذه المرة.
“بالطبع.”
قالها فورًا. بلا تردد. بلا محاولة للضغط.
“لم أنوِ الحصول على إجابتك اليوم.”
مال قليلًا إلى الخلف بالراحة الطبيعية.
“يمكنك الاستمرار كمرتزق كما تريد. لكن…”
نظر إليّ.
“تذكر أن عرضي قائم دائمًا. وبابي مفتوح لك في أي وقت.”
شيء ارتاح داخلي.
لم يكن لأن العرض كبير، وإن كان. ولم يكن لأن الرجل أمامي يحمل ثقلًا يجعل وجوده في الغرفة مختلفًا. بل لأنه لم يضغط. لأنه ترك الاختيار حيث ينبغي أن يكون.
نهض يوليوس بهدوء. استدار.
ثم نظر إليّ مرة أخرى، وفي عينيه شيء يشبه الدعابة الخفيفة المحسوبة.
“أعتذر على الإزعاج…”
“خصوصًا بعد استيقاظك مؤخرًا…”
توقف.
“ومقاطعة لقائكم العاطفي.”
لم أستطع الرد على ذلك بأي شيء معقول.
فقط راقبته وهو يغادر. خطواته الهادئة التي تصنع صدًى يبقى بعدها.
أُغلق الباب.
وبقيت أنا وستارك.
الصمت بيننا لم يكن محرجًا. لكنه كان مليئًا بشيء لم يُقَل بعد.
ستارك لم يتكلم فورًا. نظر إليّ للحظة بنظرة تقيّم لكنها ليست باردة. ثم تحرك خطوة للأمام.
“لقد أبهرتني.”
قالها بهدوء. بنبرة لا تبالغ.
“حقًا.”
“ما قدمته في ساحة المعركة…”
توقف للحظة.
“لم يكن عاديًا.”
نظر إليّ بثبات.
“بل كان بمستوى فارس.”
“قناعتك في مستوى الفرسان حقا”
اتسعت عيناي.
“بل ربما… أفضل من بعض الفرسان.”
“أنا لم…”
رفع يده بلطف. حركة بسيطة لكنها كانت كافية لإيقاف الكلمة في منتصفها.
ثم انحنى.
بأدب حقيقي. ليس استعراضًا.
“أشكرك. من صميم قلبي. على جهودك. دارون.”
تجمدت.
لم أكن مستعدًا لهذا. لم يكن في توقعاتي أن يأتي هذا الشيء من هذا الشخص في هذه اللحظة.
رفع رأسه.
“لك كامل احترامي… كرفيق يسير في طريق المقاتل.”
تنفست ببطء.
“لا تقلق. لقد قمت بما أردت القيام به.”
نظرت إليه.
“ولا تنسَ…”
“أنك أنقذت حياتي أيضًا. في تلك اللحظة.”
ابتسم.
ثم مد يده وسلمني كيسًا صغيرًا. الجلد بني داكن، مربوط بخيط مزدوج. ثقيل بشكل غير متناسب مع حجمه.
فتحته بحذر.
لمعان.
ذهب.
نظرت إليه.
“هذا ثمن جهودك.”
قالها بثقة.
“قد يكون أعلى من المتوقع…”
ابتسم.
“لكن ماذا نفعل؟ إنه الثمن الذي يليق ببطل.”
“بطل…”
الكلمة لم تجلس في مكانها بشكل مريح.
“أنا لست…”
توقفت.
لم أكمل.
نظرت إلى الكيس في يدي. ثقله الحقيقي. اللمعان الذي يرى من الفتحة الصغيرة.
كنت أريد الرفض. كنت أريد أن أقول إنني لا أستحق. أن ما فعلته كان لأنني لم أجد خيارًا آخر. أن البطولة كلمة تنتمي لمكان آخر لا لشخص كان مستلقيًا على الأرض عاجزًا في آخر تلك اللحظات.
لكن تذكرت.
القتال. الدم. الألم الذي تجاوز حد الشعور. الشبكة التي رأيتها. وتلك النقطة الفارغة التي أوصلت سيفي إليها.
كل ذلك كان حقيقيًا.
“شكرًا.”
أومأ.
“اعتنِ بنفسك.”
واستدار.
وغادر.
الصمت.
عاد.
لكنه لم يدم.
الباب انفتح بسرعة تختلف اختلافًا كاملًا عن السرعة التي دخل بها يوليوس وستارك.
“داروووون!”
كارل.
اندفع من الباب كأن أحدًا كان يحبسه خارجًا وأُطلق فجأة. خلفه جين ونور وإيمي ورين وكيرا. الغرفة التي كانت خالية من أي صوت قبل لحظات امتلأت في ثوانٍ.
“ماذا قال لك؟!”
كارل.
“هل ضربك؟! هل هددك؟! هل تبناك؟!”
“اصمت.”
جين. بالنبرة التي لا تحتاج إلى رفع الصوت.
ضحكت بهدوء. كان أول ضحك حقيقي منذ استيقظت. شيء خفيف في صدري.
“عرض عليّ الانضمام للفرسان.”
صمت.
لحظة واحدة.
ثم:
“ماذاااا؟!”
انفجرت الغرفة. أسئلة متداخلة. صدمة حقيقية من كارل. وجه جين المعتاد الهادئ تغيرت زاوية حاجبيه بشكل يدل على أن المعلومة وصلت ولم تمر بسهولة. نور ابتسمت بهدوئها المعتاد لكن في عيني فضول حقيقي. رين أومأ برأسه بطريقة من يجمع معلومة. كيرا علق شيء بين الدهشة والتسلية على وجهها.
والكلام كله في نفس الوقت.
لكنني نظرت إليها.
إيمي.
لم تضحك. لم تصرخ. لم تنضم إلى الفوضى الصاخبة الدافئة من حولها.
فقط ابتسمت.
ابتسامة صغيرة. هادئة. من تلك الابتسامات التي لا تحتاج إلى تفسير لكنها تقول شيئًا لا تستطيع الكلمات الضخمة قوله.
وفي تلك الابتسامة كان شيء يشبه الارتياح الحقيقي.
وضعت الكيس الجلدي على الطاولة بجانب السرير.
ونظرت إليهم.
كل واحد منهم. كارل بضحكته وفضوله. جين بثباته وعمقه. نور بهدوئها وذكائها. رين وكيرا اللذان جلسا معنا في غرفة بعد معركة واستمعا وتكلما وقاتلا. وإيمي التي انتظرت عشرين يومًا.
الفرسان.
القوة. المكانة. المستقبل الواضح الخطوط.
كل ذلك كان في عرض يوليوس.
لكن هؤلاء…
هؤلاء الذين ملأوا هذه الغرفة الآن بأصواتهم وحضورهم وكل ثقل ما مررنا به معًا…
“هذا فريقي.”
لم أقلها بصوت عالٍ. بل همستها لنفسي.
ليس الفرسان. ليس القوة وحدها. ليس المكانة. بل هؤلاء.
تنفست ببطء.
واستندت للخلف.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل…
لم يكن هناك شيء يضغط.
لم يكن هناك شيء ينتظر.
فقط هذه الغرفة. وهذا الضوء الذي يدخل من النافذة. وهذه الأصوات المتداخلة من حولي.
وشعور غريب وهادئ ومريح بشكل لم أتوقعه.
شعور بأن هذا المكان…
يشبه البيت.