الفصل 33 - نهاية الكابوس
شعرت بخمول غريب يختلجني.
لم يكن مجرد تعب. الإنسان يعرف التعب. يعرف ثقله المألوف الذي يأتي بعد جهد كبير ويوحي بأن النوم سيحله. هذا كان شيئًا مختلفًا. أعمق. أثقل. كأن الجسد نفسه قرر أن يبتعد عن الوعي بشكل كامل مؤقتًا ريثما يعرف ماذا يفعل بكل ما مر به.
الظلام كان كثيفًا. خانقًا بطريقة لا تؤلم لكنها تحضر. كأنني غارق في بحر بلا قاع، لا أعلو ولا أهبط، فقط معلق في مكانه ليس له اسم.
لا صوت. لا إحساس. لا زمن.
حاولت التذكر.
فشلت.
كأن الذاكرة نفسها ترفض العمل. كأن عقلي اتخذ قرارًا من تلقاء نفسه بأن التذكر ليس آمنًا بعد، فأغلق الباب وأحكم القفل.
ضغطت. مرة. ثم أخرى. ثم مرة ثالثة بعناد لا يستمد طاقته من مكان واضح.
حتى بدأ شيء يتشكل.
صورة مشوشة. دماء. صرخات. ذلك الشيء الضخم الشاهق بستة عيون وأربعة أذرع وابتسامة لا ينبغي أن تكون ابتسامة.
الرجس.
“كنت أقاتل…”
الفكرة ظهرت فجأة. حادة ومقاطِعة.
ثم الألم.
ليس في الجسد. في الرأس. كأن عقلي نفسه يتصدع من مكان مركزي ويمتد التصدع إلى كل اتجاه.
“قدرتي…”
همستها داخليًا.
“لقد فعلتها…”
ثم انقطع كل شيء مرة أخرى.
بدأ العالم يعود.
ببطء شديد، كأنه يجرب أولًا قبل أن يلتزم بالعودة الكاملة.
صوت. بعيد في البداية. ثم أقرب. ضوضاء غير واضحة تتشكل تدريجيًا.
ثم رائحة.
مزيج من الأعشاب الطبية والبخور المحروق بهدوء. رائحة لها طابع خاص. رائحة الأماكن التي تجتمع فيها محاولة الشفاء مع الانتظار.
تنفست.
بصعوبة. الهواء يدخل لكنه يجد مقاومة في مكان ما في منتصف الطريق.
“أنا… حي.”
الفكرة كانت ثقيلة. لكنها حقيقية. وهذا كان كافيًا في تلك اللحظة.
حاولت تحريك جسدي.
لم يتحرك.
كأنني مقيد داخل نفسي. كأن الإرادة والجسد انفصلا في مكان ما خلال ما مررت به ولم يعودا إلى البعض بعد.
“انهض…”
أمرت نفسي.
لا استجابة.
ضغطت أكثر. مرة أخرى. ثم ثالثة.
حتى بدأ الإحساس يعود ببطء مؤلم. ثقل في الصدر كأن شيئًا ثقيلًا موضوع فوقه. خدر في الأطراف، ذلك الخدر الذي يأتي حين يكون الجسد في وضعية واحدة وقتًا طويلًا جدًا. ونبض في الرأس. إيقاع منتظم لكنه حاضر.
ثم فتحت عيني.
الضوء اخترقني بقوة حين لم تكن عيناي مستعدتين له. أغلقتهما ثانية. ثم فتحتهما مجددًا ببطء أكثر.
السقف.
حجري. مرتفع. بنقوش بسيطة في الزوايا. غريب لم أره من قبل.
لم أكن في النزل.
لم أكن في أي مكان عرفته.
تنفست بعمق. الرائحة أكثر وضوحًا الآن. أعشاب طبية. بخور. مكان علاج. لكن ليس خيمة الطوارئ التي نُقلنا إليها بعد المعركة الأولى. هذا أكبر. أكثر ثباتًا.
“أين أنا…”
خرجت بصوت همسة ضعيفة. صوتي لم يكن صوتي تمامًا. كان متكسرًا بطريقة من استخدمه في غير أوانه بعد غياب طويل.
حاولت النهوض.
الثقل كان هائلًا. كأن جسدي لا ينتمي لي بالكامل. لكنني لم أتوقف.
رفعت يدي.
ارتجفت بشكل واضح. لكنها تحركت. وهذا كان تقدمًا.
دفعت نفسي. ببطء. بألم في كل مرحلة من مراحل الارتفاع. حتى جلست.
أنفاسي تسارعت من مجرد ذلك الجهد.
رأسي دار.
لكنني بقيت جالسًا.
نظرت حولي.
غرفة واسعة. سرير كبير من خشب داكن تحتي بفراش أثخن مما اعتدته. طاولة على الجانب الأيسر عليها قوارير زجاجية ذات ألوان مختلفة، أعشاب مجففة، وأدوات لا أعرف تحديدًا وظيفة بعضها. بخور يشتعل ببطء في زاوية بعيدة، دخانه الرقيق يتصاعد في خط مستقيم قبل أن يتفرق. ونافذة على الجانب الآخر يدخل منها ضوء الشمس بزاوية مائلة توحي بأن النهار في منتصفه أو بعده قليلًا.
ضوء حقيقي. دافئ. حي.
“أنا… عدت…”
لم أكن متأكدًا إن كانت راحة أم مجرد بداية لألم جديد يأخذ وقته في الظهور.
انفتح الباب.
ببطء. كأن من خلفه يتردد لحظة قبل أن يدفعه.
ثم توقف كل شيء.
إيمي.
وقفت عند العتبة. جسدها ثابت. عيناها تتحرك نحوي ثم تتوقف. كأنها ترى شيئًا لم تكن متأكدة أنها ستراه.
عيناي التقتا بعينيها.
لحظة صمت.
ثم ارتجف جسدها.
ارتجافة واحدة. خفيفة. لكنها كانت إشارة لشيء يتحرر.
اندفعت.
لم تمشِ. اندفعت. وصلت إليّ قبل أن تكمل عقلها أي قرار واحتضنتني بقوة لم أتوقعها من جسد بحجمها. قوة تبدو نابعة من مكان أعمق من العضل.
“دارون!”
صوتها مكسور. متقطع. يحمل ألمًا متراكمًا لم يجد مكانًا للخروج منه حتى الآن.
“أيها الوغد…!”
الدموع كانت ساخنة على رقبتي.
“لقد وعدتني…!”
شدّتني أكثر.
“لقد وعدتني أن تنجو!”
لم أستطع الرد فورًا. ليس لأنني لم أجد الكلمات. بل لأن الكلمات كلها بدت صغيرة بالقياس.
“اهدئي… إيمي…”
قلتها بصعوبة. صوتي لا يزال لا يطيع تمامًا.
“لماذا؟!”
صوتها ارتفع. ليس غضبًا. شيء أكثر تعقيدًا من الغضب.
“لماذا أوصلت نفسك لهذه الحالة؟!”
تراجعت قليلًا. ليس للابتعاد. لتنظر إليّ بشكل كامل. وفي عينيها الخضراوين اللتين أعرفهما جيدًا، كانت الدموع لم تتوقف.
“عشرون يومًا…”
توقفت.
العدد ضربني أكثر مما توقعت. عشرون يومًا.
“عشرون يومًا وأنا أنتظرك…!”
“كل يوم…”
“كل لحظة…”
“كنت مستلقيًا هنا بلا حراك…”
“كأنك… ميت!”
صمتت بعدها.
لكن دموعها لم تصمت.
“لقد أعددت نفسي…”
صوتها انخفض حتى كاد يتلاشى.
“لخبر موتك.”
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
ليس الألم الجسدي. شيء آخر. في مكان آخر.
خفضت رأسي.
“أنا… آسف.”
قلتها بهدوء.
“كنت أنانيًا… بقراراتي.”
صمت.
تنفست ببطء. ثم مسحت دموعها بيدها. تلك الحركة المألوفة التي تأتي حين يقرر الشخص أن يضع نفسه معًا.
ثم ابتسمت.
لكن تلك الابتسامة كانت مكسورة من طرف ما. الطرف الذي يظهر كل ما مر خلال عشرين يومًا ظلت فيها تنتظر خبرًا لم تكن تريد سماعه.
“لقد استيقظت أخيرًا…”
قالت بهدوء.
“لا يمكنني أن أظل حزينة بعد الآن.”
نظرت إليها.
تلك الابتسامة المكسورة… كانت أثقل من دموعها.
وهذا آلمني بطريقة لم تؤلمها أي ضربة تلقيتها.
دوى صوت خطوات.
سريعة. متعددة. قادمة من الممر خارج الغرفة.
ثم انفتح الباب بقوة لا تحتمل الانتظار.
“دارون!”
جين.
وخلفه كارل ونور. ثم رين وكيرا. وأخيرًا امرأة في ثياب بيضاء بعيني من لا تهدر وقتًا.
الطبيبة، إينا، تقدمت أولًا. دفعت الجميع جانبًا بحركة يدها دون أن ترفع صوتها. انحنت نحوي وبدأت فحصًا لا يستأذن. يدها على رقبتي تتحسس النبض. عيناها في عيني تقيسان ردود الفعل. أصابعها تتحرك باطراد احترافي.
الجميع صامتون بينما تعمل.
ثم تراجعت.
نظرت للجميع بنظرة تعطيهم جوابًا قبل أن تفتح فمها.
“إنه بخير.”
صمت.
“على الأقل… سيعيش.”
انفجرت الأجواء.
كارل اندفع أولًا. احتضنني باحتضان يفوق حجم الشخص الذي اعتدت أن أراه هادئًا لاه.
“أيها الوغد!”
صوته كان فيه شيء لم يكن فيه من قبل. شيء خشن وصريح.
جين جاء خلفه. أقل اندفاعًا لكن أشد عمقًا.
“كيف لك أن تنام مرتاحًا؟!”
“ونحن هنا نموت قلقًا؟!”
نور وقفت على مسافة أقل. ابتسامتها كانت هادئة كما هي دائمًا. لكن في عينيها شيء يختلف. شيء يشبه الارتياح الذي يأتي بعد قلق طال أكثر مما ينبغي.
رين أومأ برأسه ببطء. إيماءة شخص يؤدي اعترافًا بهدوء.
وكيرا ابتسمت بخفة كأنها كانت تعرف أنني سأصحو دائمًا.
“عنيد… كما توقعت.”
ثم التفتت إينا إليّ. في عينيها شيء يختلف عن بقية الوجوه.
“أنت…”
توقفت. كأنها تختار الكلمة الصحيحة.
“لست طبيعيًا.”
ثم بنبرة طبية مجردة لا تعرف المجاملة:
“أنت مجنون بحق! ألم أخبرك بأنك ستموت لو فعلتها مرة أخرى؟!”
تنهدت بعمق. ثم استدارت نحو الجميع.
“اعتنوا به.”
وغادرت.
الصمت عاد بعدها.
لكنه لم يدم طويلًا.
لأن الباب انفتح مرة أخرى.
دخل الفارس ذو الشعر الذهبي.
ذراعه اليمنى في ضمادة بيضاء مربوطة بعناية من المرفق حتى الكتف. لكن وقفته كانت مستقيمة. كأن الجرح جزء من شيء يحمله ولا يُكنّه.
خلفه دخل الفارس الضخم. جسده يملأ المدخل بشكل مختلف حين يكون غير مدرّع. أثقل وأبطأ لكن لا يزال ذلك الجبل الذي يتذكره الجسد.
وقفا.
نظرا إليّ.
ثم ابتسم الفارس ذو الشعر الذهبي.
ليست ابتسامة ترحيب. ليست ابتسامة انتصار. شيء بين الإقرار والارتياح وشيء آخر لا أملك له وصفًا دقيقًا.
أراد أن يتكلم. لكن قبل أن يفعل…
دخل شخص ثالث.
الخطوات كانت مختلفة. ليس في سرعتها أو وزنها. بل في شيء في طبيعتها. كأن كل خطوة تسبق الصمت وليس الصوت.
الجميع في الغرفة تبدلت أوضاعهم بشكل طفيف. ليس خوفًا. شيء أقرب إلى الاستقامة التلقائية التي تأتي حين يدخل شخص يحمل ثقلًا تعترف به الأجساد قبل العقول.
الفارس الكبير.
رجل في عمر يصعب تحديده بدقة، الوجه يقترح سنوات لكن العيون تقترح شيئًا أقدم. شعر رمادي فضي مربوط خلف الرأس. درع خفيف هذه المرة، درع الشخص في مكان آمن لا درع ميدان المعركة. وعلى يده اليسرى خاتم ذو نقش لم أستطع قراءته من مسافتي.
نظر إليّ.
لم يكن فيه الفحص الطبي الذي في عيني إينا. ولا القلق الذي في عيني الجميع الآخرين. كان فيه شيء آخر. شيء يشبه القراءة. شيء يشبه أن يرى الشخص أمامه ويرى في الوقت ذاته شيئًا خلفه.
“استيقظت أخيرًا.”
صوته كان هادئًا. لكن الهدوء فيه لم يكن من نوع الهدوء الفارغ. كان من نوع الهدوء الذي يحمل وزنًا يختار الوقت المناسب لإظهاره.
شعرت بشيء غريب.
راحة مؤقتة. كأن وجود هذا الشخص في الغرفة يعني شيئًا لا أستطيع صياغته الآن.
ثم نظر حول الغرفة. إلى إيمي. إلى كارل وجين ونور. إلى رين وكيرا. ثم إلى الفارس ذي الشعر الذهبي.
“دعوه يرتاح.”
قالها ببساطة. ثم أضاف:
“لكن ليس لوقت طويل.”
في صوته عند هذه الجملة الأخيرة… كان هناك شيء.
ليس تهديدًا. ليس إلحاحًا.
بل إخبارًا.
نظرت إلى السقف بعد أن خف عدد من في الغرفة.
إيمي لا تزال هناك. جالسة على الكرسي بجانب السرير. يدها على ركبتها. عيناها على النافذة.
شعرت بشيء في داخلي.
ليس الراحة وحدها. ليس الألم وحده.
شيء مركب. يشبه الوعي بأن شيئًا ما قد انتهى. وأن شيئًا آخر قد بدأ.
عشرون يومًا.
عشرون يومًا مضت وأنا في ذلك الظلام الثقيل الخانق الذي لا قاع له.
والعالم تحرك. واستمر. وانتظر.
الرجس. المعركة. الفارس الذهبي الذي وقف بيني وبين النهاية في اللحظة التي كانت فيها يدي لا تستطيع الحركة.
كل شيء بقي في مكانه ينتظر استيقاظي.
وأنا…
لا أعرف بعد ماذا يعني ذلك.
لكنني في أعماقي كنت أعلم شيئًا واحدًا بوضوح لا يقبل الشك:
هذا لم ينتهِ.
ما جرى في تلك الغابة. ما رأيته في تلك الشبكة الهائلة. ما شعرت به حين نظر إليّ بعيونه الست وابتسم.
ذلك الشيء لا يزال هناك.
وهو يعرف أنني لا أزال هنا.
وهذا… كان بداية. لا نهاية.
بل…
بدأ الآن.