الفصل 32 - موجة الوحوش-جزء9
الألم لم يكن مجرد إحساس.
لم يكن مجرد جرح في الصدر يمكن تحديده ووصفه وانتظار نهايته.
كان اختراقًا. كأن عشرات الشفرات المغروسة في صدري لم تكتفِ بتمزيق اللحم والعضل، بل كانت تبحث عن شيء أعمق من ذلك. شيء لا اسم تشريحي له. شيء في الداخل تريد الوصول إليه وتدميره.
كل نفس كان يأتي متقطعًا وثقيلًا، كأن الهواء نفسه أصبح شيئًا يرفضه جسدي. ركبتاي كادتا تنهاران مرة أخرى تحت وزن كل شيء يتراكم.
لكنني رفضت.
رفضت السقوط.
رفضت الاستسلام.
ليس لأن لدي خطة. ليس لأن رأيت مخرجًا. بل لأن شيئًا في أعماقي رفض فكرة الانتهاء بهذه الطريقة. بهذا الشكل. أمام هذا الشيء الذي يقف هناك شامخًا كأنه يعلم سلفًا النتائج.
رفعت رأسي بصعوبة.
وعيناي بالكاد تركزان على أي شيء ثابت.
ورأيته.
ذلك المخلوق. ذلك الرجس. ذلك الشيء الذي لا ينبغي أن يوجد بهذا الشكل في هذا العالم. يقف هناك، ستة عيون لا تُغمض، شامخًا بثقل وجوده لا بغطرسة الصغار، وكأنه يعلم. يعلم أنه لا يُهزم لأن الهزيمة ببساطة ليست في قاموسه.
شيء اشتعل داخلي.
غضب.
ليس ذلك النوع من الغضب الذي يُعمي. بل نوع آخر. أنقى. أشد حدة. كاشتعال الوقود لا كاشتعال القش.
ضغطت على أسناني بقوة حتى شعرت بالفكين يرتجفان تحت هذا الضغط.
“لن… أخسر…”
همستها.
لا. بل أقسمتها.
سحقت اليأس في اللحظة التي حاول فيها الزحف إليّ. ذلك الاستسلام البارد الذي يأتي في لحظات كهذه كضيف غير مدعو يطرق الباب برفق ثم يدفعه بقوة.
نهضت.
أو حاولت.
جسدي لم يطاوعني في البداية. كل عضلة تحت وطأة ما جرى فعلته ومر عليّ. كل مفصل يذكّرني بكل ضربة تلقيتها ولم أتجنبها.
لكنني ضغطت.
أجبرت نفسي.
وقفت.
ببطء مؤلم. بثقل يشعرك أن كل سنتيمتر من الارتفاع عن الأرض تكلف أكثر مما ينبغي.
الدماء كانت تنزف من صدري. دافئة بطريقة غريبة مخيفة. لكنني لم أعد أشعر بها. الألم تجاوز حد الشعور المعتاد ووصل إلى مكان آخر. لم يعد ألمًا. أصبح فراغًا. كأن كل مركز الحس في جسدي قرر أن يأخذ استراحة من ذلك الثقل.
ما بقي داخلي كان شيئًا واحدًا فقط.
رغبة.
أردت قتله.
بأي طريقة. بأي ثمن. حتى لو كان هذا الثمن…
أنا.
أغلقت عيني لجزء من الثانية.
وفعلتها.
قدرتي.
لكن هذه المرة لم تكن ككل مرة. لم تكن تلك القدرة الحذرة التي تفعّلها بوعي كامل وتراقب الحد الذي تقف عنده. لم تكن المحكومة المنضبطة. كانت اندفاعًا. كان دفعًا لكل ما يمكن دفعه دون أن أسأل ما الثمن.
ضغطت على عقلي بكل ما أملك.
كل ما تبقى. كل ما يمكن أن يُستنزف.
“اشعر به…”
“إرادته…”
“يجب أن أشعر بها…”
“إرادته!”
في البداية… لا شيء.
ثم خيط.
رفيع كخيط العنكبوت. بعيد. ضعيف. يمكن أن يُخطئه من لا يبحث عنه بيأس.
لكنني تمسكت به بكل ما أملك.
ركزت. أكثر. أعمق. أشد.
بدأ رأسي يؤلمني.
لا. ينفجر.
كأن شيئًا داخل الجمجمة يتمزق بسبب الضغط الذي أضعه عليه. كأن ما بُني ليتحمل شيئًا معينًا يُجبَر على حمل ضعفه.
الدم بدأ ينزل من أنفي. لم أشعر به إلا حين ذاقت شفتاي طعمه المعدني.
لم أهتم. لم أتراجع. لم أتوقف.
“المزيد…”
“أحتاج المزيد…”
دفعت. كسرت الحد الذي اعتدت الوقوف عنده. تجاوزته. تجاوزت ما ينبغي ألا يُتجاوز.
ثم رأيتها.
بوضوح لم أره من قبل. بشكل لا يشبه أي شيء جاء إليّ من قدرتي حتى الآن.
إرادته.
لكنها لم تكن بسيطة كما تخيلت.
لم تكن خطًا. ولا موجة. ولا حتى شبكة بالمعنى الذي تتخيله.
كانت شيئًا هائلًا. واسعًا. حية بطريقتها الخاصة. مئات من الخيوط، بل آلاف، تمتد منه في كل اتجاه. تنتشر عبر ساحة المعركة. تزحف بين الوحوش المتناثرة. تغطي كل شيء بطبقة غير مرئية لكنها موجودة بوضوح حين تستطيع رؤيتها.
كل وحش كان مرتبطًا بها.
كل حركة. كل اندفاع. كل هجوم. كل قرار صغير اتخذه أي وحش في ساحة المعركة كان يمر عبر هذه الشبكة. كان يأتي منه. كان جزءًا من إرادته الممتدة.
لم يكن يقاتلنا وحده.
كان يتحكم بكل شيء. بكل وحش. بكل حركة. بالساحة بأسرها.
“هذا… ليس قتالًا…”
همستها لنفسي.
“هذا سيطرة كارثة.”
لكن ذلك لم يكن كل شيء.
كانت هناك خيوط أخرى. مختلفة عن بقية الشبكة. ملتفة حوله بطريقة أقرب وأكثف. تتحرك بإيقاع خاص بها. لم أفهمها. لم أستطع تفسيرها. لكنني أدركت شيئًا.
فيها نقاط.
نقاط التقاء تتكثف فيها الخيوط بدرجة تجعلها أكثف من بقية الشبكة. وبين تلك النقاط…
فراغ.
نقطة واحدة خالية. وسط كل تلك الفوضى المنظمة. مكان لا تمر عبره خيوط. مكان لا يغطيه شيء.
“هناك…”
“هناك فقط…”
“سأنهيه.”
لم يكن هناك وقت للتفكير. ولا للتحليل. ولا حتى للخوف.
أفرغت عقلي من كل شيء إلا شيئًا واحدًا.
إرادة واحدة.
قرار واحد.
واندفعت.
الخيوط تحركت نحوي فورًا. كأنها رأتني. كأن الشبكة نفسها نبّهت صاحبها أن هناك شيئًا يتحرك نحو النقطة التي لا ينبغي الوصول إليها.
لكن جسدي تحرك قبل أن يفكر.
تفاديت بشكل غريزي لا واعٍ. انحرفت. خطوة. ثم أخرى. كل خيط كان يصبح واضحًا قبل أن يصلني، كأن المسافة الزمنية بين رؤيته والتعامل معه صارت قابلة للاستخدام.
وفجأة فهمت.
“هذه ليست مجرد خيوط…”
“هذه نواياه.”
كل هجوم يريده. كل حركة يقررها. تمر عبرها قبل أن تحدث.
وهذا يعني…
“يمكنني رؤيتها قبل أن تحدث.”
لأول مرة في هذه المعركة… لم أكن متأخرًا.
تفاديت هجومه. ثم آخر. ثم ثالث. كل مرة بفارق ضئيل مؤلم لكن كافٍ. كافٍ لأبقى قائمًا.
الخيوط ازدادت. أكثر وأعقد وأسرع.
لكنني تكيفت.
بدأت أتحرك بينها. كأنني أتعلم لغة حركة كتبها هو وأجبر على قراءتها بسرعة تفوق سرعة ما كتبه.
كأنني أرقص وسط الموت.
ثم رأيتها.
النقطة الفارغة.
وسط تلك الفوضى المنسجمة. وسط تلك الشبكة التي تغطي كل شيء. كانت هناك. فراغ صغير. خالٍ. لا حراشف فوقه. لا خيوط تحميه.
“هناك…”
جمعت كل ما تبقى لدي. كل قطرة من الوعي. كل ذرة مما يمكن أن يُستخدم.
وصرخت.
ليس بصوت. بكياني. بكل ما بقي مما أنا عليه.
وغرست سيفي في تلك النقطة.
الاختراق.
شعرت به كما لم أشعر بأي اختراق من قبل. ليس فقط السيف في الجسد. بل شيء آخر. كأن الشبكة من حوله ارتجفت. كأن الخيوط كلها تقلصت للحظة.
“أصبت!”
لكن لم يكن هناك وقت.
الوحش تحرك.
هجوم مضاد بسرعة لا تتوقعها من شيء بهذا الحجم. وأنا في منتصف الضربة. جسدي في أسوأ وضعية دفاعية ممكنة. مكشوف بالكامل من ثلاثة جوانب.
“انتهيت…”
لكن…
ريح.
هادئة ودافئة بطريقة غريبة في وسط كل هذا الحريق.
ثم اصطدام.
الفارس ذو الشعر الذهبي.
تدخل.
ذراعه امتدت وصدّت الهجوم المضاد بجسده. ليس بدرعه فقط. بجسده.
الدم تناثر من ذراعه. لكنه لم يتراجع خطوة واحدة. قدماه ثبتتا في الأرض بإحكام يختلف عن الإحكام الجسدي وحده.
“تراجع!”
صرخها إليّ.
تراجعت. أو حاولت. خطوة. ثم ارتطمت ركبتاي بالأرض.
جسدي أنهى ما لديه.
ليس مجازًا. كل مخزون. كل احتياطي. كل ما كنت أعتقد أنني سأحتفظ به لحظة أخرى.
انتهى.
رأسي كان يغلي من الداخل. عيناي تحترقان بشيء يشبه الحرارة الحقيقية. بدأ الدم ينزل منهما وهذا جعل الرؤية تتحول إلى لون لا أعرف اسمه يقع بين القرمزي والسواد.
أنفاسي تنهار.
كل شيء ينهار.
“لا…”
“ليس الآن…”
حاولت النهوض.
جسدي رفض. بشكل قاطع. بدون جدال. بدون منح فرصة ثانية.
“اهرب يا فتى!”
صوت الفارس.
مشوش. بعيد. كأنه يأتي من خلف ستار سميك.
رفعت رأسي.
ببطء مؤلم. ببطء من يرفع شيئًا ثقيلًا جدًا لكنه يرفضه على أي حال.
ورأيت ظله.
فوقي.
ذلك الرجس. يقف هناك وينظر إليّ من ارتفاعه الذي يجعل كل شيء تحته يبدو صغيرًا.
ثم ابتسم.
ابتسامة مشوهة في وجه لم يُصنع للابتسام. مقرفة ومرعبة ومحسوبة في آنٍ واحد.
فتح فمه.
وخرج الصوت.
مشوه. كأن الكلمات البشرية تأتي من حنجرة لم تُبنَ لها. مثير للاشمئزاز بطريقة تتجاوز الصوت.
“انظر إلى حالك…”
وقفة.
“ضعيف. صغير. مثير للشفقة.”
ضحكة. لم تكن ضحكة. كانت شيئًا يؤدي وظيفة الضحكة لكنه أبعد ما يكون عنها.
“ومع ذلك…”
رفع رأسه قليلًا. وفي الستة العيون شيء يشبه الاهتمام الحقيقي.
“تمكنت من جرحي.”
صمت قصير.
“أشيد بك.”
اقترب. ببطء لا يستعجل. ذراعه ارتفعت.
“ارقد بسلام…”
“أيها البطل.”
لم أستطع التحرك. لم أستطع التفكير. كل ما كنت أستطيع فعله هو أن أكون شاهدًا على ما يحدث.
“هكذا ينتهي الأمر…”
أغمضت عيني.
استسلمت.
للمرة الأولى منذ سقطت على هذه الأرض… استسلمت.
ثم…
نسمة هواء.
هادئة. دافئة بشكل لا ينتمي إلى هذه اللحظة. كأنها من مكان آخر. من وقت آخر. من تلك الأمكنة التي تشعر فيها أن العالم لا يريد بك سوءًا.
مرّت بجانبي.
ثم صرخة.
ليست لي. بل له.
لأول مرة…
صرخة له.
فتحت عيني.
ببطء. بصعوبة. كأن حتى الجفنين ينتظران إذنًا لم يكونا متأكدين من منحه.
ورأيت…
ذراعه.
تسقط.
مقطوعة من المنشأ. نظيفة القطع بطريقة لم أتوقعها. الدم الداكن الثقيل يسيل من المكان الذي كانت فيه.
الوحش تراجع.
صرخ.
بألم. وبغضب مضاف إلى الألم. وبشيء ثالث لم أسمعه منه من قبل في كل هذا الوقت.
مفاجأة.
وبيننا، بيني وبين ذلك الشيء الذي كان سيجعل هذه اللحظة آخر لحظاتي…
وقف.
الفارس ذو الشعر الذهبي.
واضح الملامح الآن من مسافة قريبة. الشعر الأشقر المضفر خلف رأسه. العينان الخضراوتان اللتان تشبهان في عمقهما شيئًا أقدم من ما يوحي به مظهره. والريح… الريح التي تدور حوله لم تخفت. بل صارت أكثر حضورًا.
درعه الفضي لا يزال في مكانه. لكن ذراعه اليمنى تنزف.
لم يلتفت إليّ فورًا.
نظر إلى الوحش. وفي نظرته شيء لا أستطيع وصفه بدقة. شيء بين الهدوء والحدة. بين الوعي والتركيز. كأنه وصل إلى مكان داخله يكون فيه الخوف والهدوء والتصميم شيئًا واحدًا.
ثم التفت إليّ.
“لا تقلق يا فتى…”
صوته. هادئ. ثابت. كأنه يقول شيئًا بسيطًا واضحًا لا يحتمل الجدل.
“اترك الباقي لي الآن.”
شيء انكسر داخلي.
لكن ليس بالطريقة التي ينكسر بها شيء حين يتضرر.
بل بالطريقة التي ينكسر بها جدار لم تكن تعرف أنك كنت تبنيه طوال الوقت.
طمأنينة.
غريبة. غير متوقعة. لا تنتمي إلى هذا الوقت وهذا المكان. لكنها حقيقية بشكل لا يقبل الشك.
لأول مرة منذ بدأت كل هذه المعركة… منذ رأيت القافلة المدمرة… منذ شعرت بوجود ذلك الشيء في الغابة… لأول مرة لم أشعر بالخوف.
لم أشعر بأن كل شيء يعتمد عليّ.
لم أشعر بأنني وحدي في هذا.
أغمضت عيني.
هذه المرة بإرادتي.
والظلام جاء.
لكنه لم يكن الظلام الفارغ المخيف. كان ظلامًا هادئًا. دافئًا بطريقته الخاصة. كأن الجسد الذي أعطى كل ما لديه أخيرًا وجد من يقول له بهدوء وثقة:
يكفي. استرح الآن.
وسقطت.
سقوطًا عميقًا بلا قاع مرئي.
وفي ذلك السقوط… لم يكن هناك خوف.
فقط…
هدوء.
وصمت.
وشيء يشبه الثقة بأن ما لم أستطع إنهاءه…
لم يترك بلا من يُنهيه.