الفصل 31 - موجة الوحوش-جزء8
كان عقلي يحترق.
ليس مجازًا.
كان إحساسًا حقيقيًا خامًا لا يشبه أي ألم عرفته من قبل. كأن شيئًا داخلي يُشعَل من الداخل، كأن الأفكار نفسها تتحول إلى رماد قبل أن تكتمل، كأن كل محاولة للتفكير الواضح تصطدم بجدار من الحرارة ترتد منه منكسرة.
قدرتي كانت لا تزال فعّالة.
لكنني لم أكن مستنزفًا بالكامل.
وهذا كان أسوأ.
لأن الألم لم يكن نتيجة النهاية. كان نتيجة الاستمرار. الاستمرار في إبقاء شيء مفتوحًا لا ينبغي أن يبقى مفتوحًا طويلًا.
حين ظهر ذلك الرجس الهائل…
لم تمر إلا لحظات.
لحظات قليلة كانت كافية لتغيير كل شيء.
اندفع الفرسان.
تسعة… لا. ثمانية.
أحدهم سقط قبل أن تبدأ المواجهة. وقف في مكانه ثم ارتجف. ثم نزف. دم تدفق من أنفه كسيل لا يُوقَف. عيناه اتسعتا بشكل يقول كل شيء دون أن يتفوه بكلمة واحدة. ثم سقط كجثة قبل أن تُطلق يده أي ضربة.
لم يكن هناك وقت للحزن.
لكن المشهد ثبت في ذهني بطريقة لم يثبتها أي مشهد آخر.
هجوم عقلي.
نفس الشيء الذي تعرضت له في ليلة الاجتماع. لكن أقوى بكثير. وأسرع. وأعمق.
الفرسان الباقون أطلقوا العنان لأنفسهم.
لم يعودوا يقاتلون بحذر ولا يحسبون الخطوات. شيء انفتح فيهم كما ينفتح صمام الضغط حين يبلغ ذروته. الهالة التي تحيط بكل منهم تغيرت بشكل يُرى. الهواء من حولهم أصبح مضطربًا. خطواتهم لم تعد بشرية بالكامل. كانوا يتحركون بسرعة وثقل وحدة لا تجتمع هكذا في جسد إنسان عادي.
فرسان حقيقيون.
أول من وصل كانا اثنين يتحركان معًا.
الأول: سيّاف. جسد نحيف بدا خداعيًا بجانب السلاح الذي يحمله. حركته نظيفة بطريقة لا ترتجل. كل ضربة منه كانت خبرة سنوات تتكثف في لحظة واحدة.
الثاني: يحمل رمحًا منحني الرأس. شكل غريب لم أره من قبل. لكن حين رأيته يتحرك به، فهمت أن الغرابة في السلاح كانت مقصودة.
تحركا بسرعة لا تتبعها العين المجردة.
قدرتي كانت لا تزال فعّالة، فرأيت ما لم يره الآخرون. كل خطوة. كل عضلة تتشنج قبل أن تنطلق. كل نية قبل أن تتحول إلى فعل.
لكن الرجس…
كان شيئًا آخر.
تحرك ببساطة مزعجة. رفع يديه بحركة واحدة هادئة. أوقفهما.
السيف توقف.
الرمح انحرف.
ثم رفعهما. كما يرفع الإنسان شيئًا خفيفًا يجده على طاولة. وأسقطهما.
ضربة واحدة.
الأرض ارتجفت حين وصلا إليها.
الغبار انفجر.
والصوت… كان كصوت انهيار.
“مستحيل…”
خرجت مني دون وعي.
بمجرد وصول الفرسان الخمسة الباقين، كانت المعركة قد تحولت.
ليس انتهت. لكن تحولت من هجوم إلى دفاع. من قوم يقدمون إلى قوم يحاولون النجاة.
الرجس ابتسم.
ليست ابتسامة انتصار. ابتسامة انتصار تأتي حين تُنهي شيئًا لم تكن متأكدًا من نتيجته. هذه كانت شيئًا آخر. ابتسامة من يعرف. من يدرك. من يسيطر. ابتسامة الشخص الذي يلعب لعبة يعرف نتيجتها ويلعبها لمتعة اللعب لا لمجهولية النتيجة.
شعرت بشيء يرتجف داخلي.
ليس جسدي وحده. شيء أعمق.
ثم جاءت الفكرة.
بسيطة. واضحة. بلا رحمة.
هم غير كافين.
وقفت.
لم أفكر. لم أقرر بشكل واعٍ. جسدي تحرك من تلقاء نفسه كما يتحرك الإنسان حين يرى شيئًا لا يستطيع أن يقف ساكنًا أمامه.
الغريب… أنني لم أهرب.
اندفعت.
رأيته وهو يتحرك نحو مجموعة الفرسان الباقين.
ثلاثة منهم لا يزالون على أقدامهم.
الأول كان مختلفًا بطريقة لا تُخطئها العين. شعر أشقر ذهبي يلمع بشكل يبدو غير اعتيادي حتى تحت هذا الضوء. عيناه خضراوتان بعمق الياقوت. وحول جسده، الرياح… الرياح الحقيقية كانت تدور. ليس هواء الحركة السريعة، بل ريح فعلية تتحرك من حوله وتغطيه وتستجيب له. درعه فضي مزخرف ومعه سيف طويل نظيف.
الثاني كان الفارس الضخم الذي رأيته من قبل في الحرب. جسده كجدار. وجوده في أي خط يجعله ثقيلًا بطريقة مختلفة.
الثالث رجل بشعر بني طويل مربوط للخلف. يحمل سيفين متوسطين. درع خفيف على الجذع وجزء من الكتفين. يتحرك بطريقة من يثق بالسرعة أكثر من الحماية.
حين اقتربت من الخط…
نظر إليّ الفارس ذو الشعر الذهبي.
“اهرب يا فتى…”
صوته لم يكن قويًا. كان فيه شيء من التردد، من الرجاء المقنّع، من شخص يرى موقفًا ويريد أن يُبعد من لا يستطيع تحمّله.
“إنه ليس خصمًا يواجهه مرتزقة مثلك.”
هل سمعته؟
سمعت الكلمات. لكنني لم أسمعه. لأن كل شيء في داخلي كان موجهًا نحو ذلك الشيء الذي يقف أمامهم ويبتسم.
تحرك الرجس نحو الفارس ذي الشعر الذهبي.
أربعة مخالب تشق الهواء بصوت حاد.
لكن الفارس الضخم تدخل.
أخذ الضربة بدرعه وجسده في آنٍ واحد. صوت الاصطدام كان كصوت الرعد في مكان مغلق. قدماه حفرتا في الأرض تحته. الحجارة تشققت. الأرض تشققت. وتراجع عدة أمتار رغم كل ذلك.
لكنه وقف.
الفارس النبيل اقتنص اللحظة. سيفه ارتفع ثم انخفض في ضربة جانبية سريعة دقيقة مصحوبة بحركة الريح حوله تضاعف الزخم.
لكن الرجس أمسك بالسيف.
بكلتا يديه، بالحراشف السوداء التي لم تنزف رغم الحدة، وأوقفه. كأن السيف لم يصطدم بجسد، بل بشيء لا يستجيب للحدة بالطريقة المعتادة.
في نفس اللحظة اندفع الفارس الضخم بكامل جسده وكل ما يملك من قوة.
واختفى الفارس الثالث.
حرفيًا. لم أره يتحرك. فقط لم يكن هناك. ثم ظهر خلف الرجس في نفس الثانية.
هجوم من ثلاث جهات في نفس اللحظة. مثالي. محسوب. كان يجب أن يكون كافيًا لأي شيء.
لكنه لم يكن كافيًا.
ذيلان تحركا.
تحركا بسرعة لا تُرى حتى بقدرتي المفعّلة. تحركا بشكل يعني أن الرجس كان يعرف أين سيكون الفارس الثالث قبل أن يكون هناك.
اخترقا الجسم.
الدم في الهواء يشبه شيئًا لا ينبغي أن يوصف.
الفارس الثالث سقط.
الضخم ضُرب بقدم واحدة ضربة بدت بسيطة في حجم الحركة لكن أثرها كان كجبل يسقط. انهار بطريقة لم أتوقعها من جسد بهذه القوة.
والفارس النبيل تحرر من إمساك الرجس بسيفه. لكن حين نظر إلى ما حوله رأى ما أراه.
متأخر.
اندفعت.
أو حاولت.
لكن العالم دار فجأة. ليس ببطء دوار الإرهاق. دار بشكل يعني أن شيئًا أصابني لم أره يأتي.
ضغط.
ليس على جسدي. على صدري. داخل صدري. كأن شيئًا انضغط فيه من الداخل فجأة دون مقدمات.
أنفاسي اختفت.
جسدي طار.
لم أختر الاتجاه الذي طار فيه. الأرض انتهت بعد عدة أمتار وكانت صلبة حين وصلت إليها.
صوت اصطدام لم أسمعه لأن السمع اختفى للحظة مع كل الأشياء الأخرى.
ثم عادت الأصوات. كلها. دفعة واحدة. وكان ذلك أسوأ.
كل نفس كان كسكين يدخل من الجهة الخطأ.
حاولت النهوض.
جسدي رفض. ليس رفضًا من التردد. رفضًا من العجز. الفرق بينهما واضح حين تعيشه.
نظرت إلى أعلى.
السماء. غيوم. وبين الغيوم وبيني…
وجهه.
لا. ليس وجهًا بالمعنى الحقيقي. ست عيون تنظر إليّ. ليس بنظرة الصياد الذي ينظر إلى فريسته. بل بنظرة أخرى. شيء بين الاهتمام والتقييم والشيء الثالث الذي لا أملك له اسمًا.
وقف كما هو.
لم يتعب.
لم يُصب.
لم يتأثر.
“هل… سنخسر؟”
السؤال خرج وحده.
لم يكن موجهًا لأحد. ولم يكن سؤالًا يبحث عن جواب. كان صوت الإدراك حين يصل بالكامل.
في أعماقي كنت أعرف.
هذا الشيء ليس وحشًا متطورًا وصل إلى قمة ما يمكن أن تصله وحوش الغابة. ليس نقطة في سلسلة تطور يمكن تصور ما فوقها.
هذا شيء من فئة أخرى.
شيء أصبح ما هو عليه بطريقة مختلفة عن كل ما فهمناه حتى الآن.
كان الفرسان لم يكسروا دفاعه.
كانت كل ضرباتهم لم تتركه أثرًا.
كانت تسعة من أفضل المقاتلين في هذه المدينة قد أُسقطوا كآنية فارغة.
وأنا…
كنت مستلقيًا على الأرض. لا أستطيع النهوض. لا أستطيع التنفس بعمق. والألم في صدري يتضاعف مع كل نفس ضحل.
وهو لا يزال واقفًا.
الفارس النبيل.
رأيته من مكاني على الأرض.
لا يزال واقفًا. لا يزال يمسك سيفه. لكن جسده يرتجف بشكل خفي، كجسد من استنزف ما لديه ويعلم ذلك ويرفض الاستسلام لما يعلمه.
الريح حوله خفّت.
لكنها لم تختفِ.
نظر إليّ.
في عينيه شيء لم يكن في عيون الأقوياء عادةً.
شيء يشبه الاعتراف.
“هناك فتى مرتزق…”
همسها لنفسه أكثر مما قالها لي.
“يحمل شيئًا لا يعرفه بعد.”
لم أفهم ما يعنيه.
لكنني شعرت بشيء في كلماته.
شيء يشبه…
المفتاح.
الرجس نظر إليه.
ثم نظر إليّ.
والعيون الست تتنقل بيننا بشيء يشبه التسلية. كأنه يتابع موقفًا وجده أكثر إثارة للاهتمام مما توقع.
وفي تلك اللحظة…
في اللحظة التي كنت فيها على الأرض، وكان الفارس النبيل الأخير الواقف، والجنود خلف الخط يتراجعون خطوة بعد خطوة…
في تلك اللحظة بالذات…
شعرت بشيء.
ليس قدرتي. ليس الإدراك المعتاد. شيء آخر. أعمق. كأن شيئًا في أعماق الباب الذي كنت دائمًا أراه ولا أستطيع فتحه…
تحرك.
لم يُفتح.
لكنه تحرك.
وفي ذلك الحركة الصغيرة الواحدة…
كان احتمال.
“لا…”
قلتها.
ليس بيأس.
بل بشيء يشبه القرار.
“لم ينته بعد.”