الفصل 30 - موجة الوحوش-جزء7
لم تكن تلك مجرد بداية معركة.
كانت بداية انهيار.
بمجرد أن انفتحت أبواب المدينة على مصراعيها، اندفع الجنود كالسيل. كأن كل ما كان محتقنًا داخل صدورهم طوال ساعات الانتظار، الخوف والتوتر والغضب وذلك الشيء الذي لا اسم له الذي يتراكم حين تعرف أن شيئًا قادمًا ولا تستطيع منعه، قد تحرر كله دفعة واحدة في لحظة واحدة.
صرخات الحرب دوّت حتى بدت الأسوار تهتز.
الحديد يصطدم بالحديد. الأقدام تدك الأرض بإيقاع الزحف. الأوامر تتقاطع في الهواء من أفواه لا تنتظر إجابات.
والأرض نفسها… ارتجفت.
في المقدمة وقفوا.
الفرسان.
تسعة منهم. لكن وجودهم في تلك اللحظة كان يساوي أكثر من الأرقام. كانوا يرتدون درعًا ثقيلًا يلمع تحت ضوء الشمس الذهبي بلمعة فولاذ حقيقي لا طلاء. أسلحتهم في أيديهم بقبضات تعرف معنى ما تحمل. ووجوههم… وجوه أناس لا يعرف قاموسهم كلمة تراجع.
لم يكونوا مجرد مقاتلين.
كانوا رموزًا. وهذا الفارق الصغير كان يصنع شيئًا في نفوس الجنود الذين يقفون خلفهم.
“تشكيل أمامي!”
أحدهم صرخ بصوت كالرعد.
وفي لحظة واحدة، اصطف الجنود. الدروع في المقدمة. الرماح موجهة للأمام. السيوف مشدودة بأيدي تضغط بما يكفي لإيقاف الارتجاف.
الوحوش لم تتوقف.
اصطدموا.
الضربة الأولى كانت للبشر.
رمح فارس اخترق جمجمة غول كان يندفع من الجانب الأيمن، بسرعة لم أرَ مثلها من قبل. صوت الاختراق كان حادًا. الجسد الضخم ارتطم بالأرض قبل أن تفهم الغيلان القريبة ما حدث.
سيف فارس آخر انخفض بقوس واسع من اليمين إلى اليسار، مزق جسدًا إلى نصفين بحركة واحدة متواصلة لم تتوقف للحظة.
درع الثالث صد مخلبًا ضخمًا كان يستهدف عنقه، ثم جاء الرد الفوري: ضربة أمامية من مرفقه أكسرت العظم الممتد.
الفرسان تحركوا.
كل خطوة مدروسة. كل ضربة قاتلة. لا حركات زائدة. لا جهد مهدر. كأنهم يؤدون شيئًا درّبوا عليه حتى صار في أجسادهم لا في أذهانهم فقط.
أحدهم اندفع مباشرة نحو تجمع من الغيلان، سيفه انخفض كوميض واحد خاطف. رأس طار في الهواء قبل أن يدرك الجسد تحته أنه ميت، واصل السقوط لثانية إضافية بزخم ما كان.
آخر رفع درعه ليتلقى ثلاث ضربات متتالية من وحش كبير يحاول الإسقاط بالتراكم. امتص الضربات الثلاث دون أن تتزعزع قدماه. ثم دفع بكامل وزنه للأمام. الجسد الضخم للوحش ارتطم بالأرض بصوت يملأ الفضاء. والفأس جاء بعدها في نفس الزخم.
الجنود خلف الفرسان استلهموا مما يرون.
“ادفعوا!”
“لا تتراجعوا!”
“اقتلوا كل ما يتحرك!”
الصراخ ارتفع. والدم بدأ يغطي التراب.
كنت هناك.
في الخطوط الأمامية إلى جانب كارل وإيمي وجين ونور ورين وكيرا.
اندفعت.
سيفي التقى بجسد أول غول يأتي نحوي، شققت كتفه بضربة أفقية واصلت حركتها حتى قطعت الرقبة. لم أتوقف. القتال في هذا الحجم لا يسمح بالتوقف.
كل شيء كان سريعًا وصاخبًا. الأصوات من كل اتجاه: صراخ الجنود، صرير الوحوش، ضربات الفرسان المتفرقة، أوامر الخطوط الخلفية.
لكن كنا… ننتصر.
في البداية على الأقل، كانت الكفة تميل نحونا.
الرماة من فوق الأسوار يطلقون بلا توقف، سيلٌ من السهام يسقط الوحوش قبل أن تصل إلى الخط الأمامي. الفرسان يفتحون الطريق بضربات لا تعرف المراجعة. الجنود يثبتون الخط ويملأون الفراغات.
الوحوش بدأت تتراجع.
“إنهم ينهارون!”
صرخ أحد الجنود بجانبي.
لكنني لم أشعر بالانتصار.
لأن ذلك الشعور… لا يزال في مكانه. ذلك الثقل الذي كان يسكن في عمق الغابة. لم يتحرك. لم يتدخل. فقط… ينتظر.
ثم تغير كل شيء.
من خلف صفوف الوحوش المتراجعة، من عمق الغابة حيث الأشجار تلتهم الضوء قبل أن يصل إلى الأرض…
خرجوا.
سبعة وعشرون.
لم يكونوا مثل البقية. الوحوش التي كانت أمامنا كانت خطيرة، لكن فيها شيء من العشوائية المدفوعة بالغريزة. هذه السبعة والعشرون تتحرك بشكل مختلف. أجسادها أضخم وأكثر اكتمالًا، كأن النمو فيها وصل إلى نهايته الطبيعية ثم تجاوزها. وعيونها… ليست فارغة.
واعية.
تقدموا.
ببطء.
لكن كل خطوة كانت تثقل الهواء بشكل يُحسّ.
“تراجعوا!”
صرخ أحد الفرسان.
لكن كان قد فات الأوان على اتخاذ أي مواضع جديدة.
اصطدموا.
ما حدث بعدها لم يكن مثل أي مواجهة شهدتها.
أحد الفرسان اندفع نحو أكبرها. سيفه اخترق صدره بقوة كانت كافية لإنهاء أي وحش رأيته. الفولاذ دخل.
لكن الوحش لم يسقط.
بل أمسك بالسيف.
بكلتا يديه.
والنظرة في عينيه لم تكن نظرة ألم. كانت نظرة حسم.
سحب السيف.
والفارس معه.
الصمت استغرق أقل من ثانية.
ثم انفجر كل شيء.
“وحوش متطورة!”
“لا يمكننا—!”
“ثبتوا الخط!”
لكن الثبات كان يصبح أصعب مع كل ثانية.
تسعة فرسان لا يكفون لسبعة وعشرين وحشًا متطورًا. هذا الحساب كان واضحًا لمن يريد أن يراه، ومؤلمًا لمن يرفض.
“دارون!”
صوت إيمي.
استدرت.
ورأيته.
ضخم بطريقة تجعل الأشجار التي خرج من بينها تبدو صغيرة. جلده سميك بلون الصخر الرطب. عيناه غارقتان في عمق يصعب قياسه. وأسنانه، ثلاثة صفوف من الأسنان المكشوفة بلا عشوائية. بل باستعراض.
“ترول…”
همس رين بجانبي. في صوته تعرف وتقييم في آنٍ واحد.
“انتبهوا!”
صرخت كيرا.
اندفع.
الأرض اهتزت بشكل حرفي. ليس مجازًا. الأرض نفسها حركت قدميّ قليلًا تحت وطأة خطواته.
رفع ذراعه.
وضرب.
جين رفع درعه فوق رأسه بسرعة مذهلة. الضربة وصلت.
الدرع انهار.
ليس انثنى. انهار. الفولاذ الذي اعتدت رؤيته يصمد أمام أشياء كثيرة تكسّر كأنه طين جاف.
وجين انطرح على الأرض بقوة الارتداد.
“جين!!”
اندفعت نحوه.
لكن الترول كان أسرع مما ينبغي بهذا الحجم.
ووحش ثانٍ متطور كان ينتظر عودتي.
ضغطان في وقت واحد.
كارل هاجم الترول من الجانب الأيسر، سيفه انخفض بسرعة في حركة تستهدف المفصل بين الذراع والجسد. نقطة ضعف معقولة. الأثر كان موجودًا، لكنه لم يكن سوى خدش في جلد يشبه الدرع.
إيمي ظهرت من الجانب الآخر بطعنة تستهدف الخاصرة.
الوحش الثاني صدها. ليس بنعومة. بضربة عرضية أرسلتها خطوات إلى الخلف.
“ابتعدوا!”
نور أطلقت سهمًا.
أصابت العين اليمنى للترول. الترول توقف للحظة، يده ارتفعت نحو الجرح. لكنه لم يسقط.
رين تقدم برمحه في وضعية مدروسة، يبحث عن نقطة دخول بين الحراشف. كيرا اندفعت بخناجرها نحو الوحش الثاني، حركاتها سريعة ومتنوعة تجعل التتبع صعبًا.
لكن…
كنا نخسر.
هذا كان واضحًا.
كل ضربة نوجهها تُمتص أو تُدفع. كل محاولة تفشل أو تنجح جزئيًا فقط. الجسدان أمامنا يتلقيان ويستمران.
لكنني لاحظت شيئًا.
الجروح تتراكم.
ببطء. بشكل مؤلم البطء. لكنها تتراكم. كل خدش يضاف إلى خدش. كل ضربة تُضاف إلى ضربة. الجلد السميك يتشقق تدريجيًا في المواضع التي تُضرب مرارًا.
“هجمات مركبة!”
صرخت.
الجميع فهم.
لا نهجم بشكل فردي. نضرب نفس النقطة بأسلحة مختلفة من زوايا مختلفة في وقت واحد. نتراكم بدلًا من أن نتوزع.
الاستراتيجية عملت.
ببطء. لكنها عملت.
الخدوش أصبحت جروحًا. الجروح أصبحت أعمق. الأجسام الضخمة بدأت تفقد من سرعتها ودقتها.
“دارون…”
صوت إيمي.
نظرت إليها.
في عينيها شيء لم أرَه فيهما إلا نادرًا.
خوف.
ليس خوف الجسد. خوف الشخص الذي يرى أن ما يواجهه يتجاوز ما اعتقد أنه قادر على مواجهته.
“لا يمكننا…”
أكملت الجملة في رأسي.
لا يمكننا الاستمرار هكذا. الجروح المتراكمة علينا نحن أيضًا. الإرهاق الذي يتصاعد. ورغم أننا نضعف الوحوش، فإن الوقت يعمل ضدنا.
وإن سقطنا نحن… فالخط خلفنا سيسقط.
وإن سقط الخط…
ضغطت على رأسي.
“لا…”
ذلك الشيء في عمق الغابة. لا يزال ينتظر. لا يزال يشاهد.
“إن لم أفعل…”
“سننتهي جميعًا.”
أغمضت عيني.
وقررت.
دفعت القدرة.
لكن هذه المرة… لم أكن أبحث عن الحد الآمن الذي اعتدت الوقوف عنده.
العالم انكسر.
ليس الكسر المؤلم الذي عرفته من قبل. بل انكسار مختلف. كأن طبقة الزجاج التي كانت بيني وبين الواقع الحقيقي للأشياء تحطمت أخيرًا.
كل شيء تباطأ.
الحركات. الأنفاس. الضربات. كل ذلك أصبح أبطأ بشكل يمنحني وقتًا لم يكن موجودًا.
ورأيت.
رأيت الترول بطريقة لم أره بها من قبل. ليس جسده فقط. بل طريقة توزيع ثقله. المواضع التي يعود إليها حين يفقد التوازن. الجانب الذي يميل نحوه حين يضرب بذراعه اليمنى. النقطة تحت الذقن حيث الجلد أقل سمكًا بشكل واضح إن كنت قريبًا بما يكفي.
ورأيت الوحش الثاني. كيف يضع ثقله على قدمه اليسرى دائمًا قبل أي هجوم. كيف أن ضربة واحدة صحيحة على ذلك الجانب ستجعله يفقد التوازن بشكل لن يستطيع الاسترداد منه بسرعة.
“الآن!”
صرخت.
واندفعت.
لم أشعر بجسدي بالمعنى المعتاد.
كنت أتحرك، لكن الوعي بالتعب والألم كان في مكان آخر. التركيز كان على الحركة. على النقطة التالية. على اللحظة التالية.
تفاديت الذراع اليسرى للترول بانحراف ضيق. صعدت على جسد وحش أصغر كان بجانبي كحجر قفز. أطرق بذراعي نحو الأسفل بكامل وزني تجاه النقطة التي رأيتها.
أحسست بالاختراق.
ليس عميقًا. لكنه وصل.
الترول صرخ. صرخة لم تكن من الألم وحده. كان فيها شيء من المفاجأة.
في نفس اللحظة:
كارل من اليمين. سيفه في نفس المنطقة من الجانب الآخر.
إيمي من الخلف. طعنتها المألوفة الدقيقة تجد الفرجة التي خلقها اشتغالنا معًا.
جين، رغم كتفه، دفع بجسده كله في الوحش الثاني بضربة كانت أخيرًا كافية لكسر التوازن.
نور أطلقت سهمًا في العين الثانية للترول في اللحظة التي خف فيها تركيزه.
رين بكل دقة من رمحه وصبر من ينتظر الفرصة الصحيحة وجد المنفذ الوحيد الذي يستحق رمحه وأرسله.
كيرا وفريقها من الظلال الرمادية، كظلال حقيقية، اشتغلوا على الوحش الثاني بالتناوب حتى سقط.
الترول ركع.
ببطء. كأن وزنه نفسه أصبح عدوه. ركبته اليسرى وصلت الأرض أولًا. ثم اليمنى.
ثم سقط.
بضجة يملأ صداها الغابة.
الوحش الثاني كان قد سقط قبله بثوانٍ.
صمت.
للحظة واحدة.
ثم انفجرت أصوات الجنود.
لكنني لم أسمعها.
لم أشعر بالنصر. لم أشعر بأي شيء في اللحظة الأولى. فقط ذلك الفراغ الذي يأتي حين تنتهي اللحظة الكثيفة وتعود إلى ما كنت فيه قبلها.
ثم شعرت به.
أخيرًا.
تحرك.
الأرض اهتزت.
ليس كاهتزاز الأقدام. بل كاهتزاز شيء أعمق. كأن الأرض نفسها أُنبئت بما يقترب فتراجعت قليلًا.
الهواء تغير في ثانية واحدة. ثقل بطريقة أصبحت فيها كل نفس أصعب من السابق. كأن الضغط الجوي ارتفع بحيث يُحسّ.
الوحوش توقفت.
كل الوحوش في الميدان. كل واحد منها توقف في مكانه في نفس اللحظة.
ثم تراجعت.
ليس تراجع من يخسر المعركة. بل تراجع من يفسح الطريق.
ظهر.
من بين الظلال في عمق الغابة. من ذلك المكان الذي كان يجلس فيه طوال هذا الوقت ينتظر.
ثلاثة أمتار من القامة. شاهق بطريقة تجعل الفرسان أنفسهم يبدون أصغر.
أربعة أذرع. كل ذراع تنتهي بستة مخالب.
ستة عيون. ثلاثة في كل جانب من الوجه. تتحرك باستقلالية تامة. ترى في كل اتجاه.
حراشف سوداء تغطي كل جسده. ليس سوادًا عاديًا، بل سوادًا يبتلع الضوء. كأن الجلد يرفض العكس.
وثلاثة ذيول طويلة تتحرك خلفه بإيقاع رتيب بطيء. كحركة الأفعى التي لا تستعجل لأنها تعرف.
لم يكن وجوده مجرد قوة.
كان كارثة.
كل من في الساحة تجمّد.
الجنود. الفرسان. كلنا.
لم يكن قرارًا. كان ردة فعل تلقائية لشيء بدائي في الجسد يتعرف على خطر يتجاوز فئته وينبهك بالتوقف.
الفرسان تراجعوا خطوات. حتى هم.
شعرت به.
ليس صوتًا. ليس صورة. بل ضغطًا مباشرًا على الإرادة. كأن وجوده يبث شيئًا يُضعف إرادة كل من حوله. الوحوش من جهة أخرى ازدادت قوة وصرخاتها ارتفعت كأنها تستقوي بشيء يُمدّها.
البشر تراجعوا. وضعفوا.
أنا…
لم أستطع الحركة.
لم يكن الجسد يرفض. كان العقل يتوقف. كأن شيئًا يُجمّده.
عيونه الست نظرت إليّ.
ليس عشوائيًا. ليس لأنني كنت في مجال رؤيته. بل باختيار. بنية.
ثم ابتسم.
لم أسمع صوتًا.
لكنني فهمت.
كما يفهم الإنسان المعنى أحيانًا دون أن يسمع الكلمات.
الآن… تبدأ اللعبة.
وبداية اللعبة بالنسبة له…
كانت نهاية كل ما بنيناه حتى الآن.