الفصل 29 - موجة الوحوش-جزء6
كان هناك الكثير من الوحوش.
ليس “كثيرًا” بالمعنى الذي يقوله الناس حين يبالغون في وصف شيء مخيف. بل “كثيرًا” بالمعنى الحرفي الذي يجعل العقل يتوقف عن العد لأنه يدرك أن العد لن ينتهي. كانوا كتلة واحدة تتحرك — لا أفرادًا، لا مجموعات — بل ظاهرة. كأن الأرض نفسها قررت أن تتحرك وأن تبتلع كل شيء في طريقها.
المئات منهم يتقدمون بثبات بارد لا يُشبه أي شيء حي، غير مكترثين بشيء — لا بجثث من سقطوا قبلهم وباتت تُعيق الخطى، ولا بوابل السهام التي مزّقت صفوفهم الأمامية مزقًا، ولا بصوت الحرب الذي كان يشقّ الهواء من كل اتجاه. تقدّموا كموجة بحرية لا تعلم أنها تُدمَّر — لأن الموجة لا تعلم شيئًا، ولا تشعر بشيء، وهذا تحديدًا ما يجعلها مرعبة.
كان منظرهم يحبس الأنفاس.
ليس لجماله.
بل لهيبته الكاسحة — تلك الهيبة التي تتسلل إلى الصدر دون استئذان وتضغط ببطء وتهمس في أعمق ما في داخلك: اهرب. اهرب الآن. بينما لا يزال هناك وقت.
لكن لم يكن هناك مكان للهروب.
كانت نور واقفة فوق جدار المدينة الغربي كتمثال نُحت من الثلج والإرادة معًا.
كانت ترتدي درعها الخفيفة — قطع جلدية مقوّاة بصفائح معدنية رفيعة تغطي صدرها وكتفيها وساعديها دون أن تثقل حركتها — باللون الرمادي الداكن الذي اختارته بعناية لأنه لا يعكس الضوء ولا يلفت النظر. شعرها البني الطويل كان مضفورًا بسرعة خلف ظهرها وإن كانت بعض الخصلات قد تحررت وتلعب بها الريح الباردة القادمة من الشمال. عيناها الرماديتان — عيون لم تُخلق للراحة، بل للمراقبة — كانتا ثابتتين على الأفق المتحرك، لا ترمشان، لا تترددان، تمسحان المسافات بدقة قناص يرى ما لا يراه الآخرون.
إلى يسارها مباشرة:
سيف — من فرقة الرمح الفضي — يقف بوضعية تقول بوضوح أنه قضى سنوات من حياته على هذه الجدران أو ما يشبهها. عيونه الضيقة الداكنة تراقب الحركة في أعماق الغابة بصبر صياد متمرس، كأنه يُفكك كل شيء يراه إلى مكوناته. كان يلبس درع الرمح الفضي الكاملة — الفضية اللون بنقوش رمح رفيعة على الكتفين — والسيف المشدود على ظهره لم يُلمَس بعد، لأن يده كانت مشغولة بقوسه.
وفاي — من الظلال الرمادية — تقف على بُعد خطوتين من نور، وقوسها الأسود الطويل مشدود بمسافة ثابتة لا تتغير، كأن ذراعيها قضبان حديدية لا عضلات. أنفاسها منتظمة بشكل مخيف — سلسة كنفَس نائم رغم أن كل شيء من حولها كان يصرخ. كانت ترتدي ملابس الظلال الرمادية — طبقات متعددة من قماش داكن خفيف الوزن، بلا معدن يصدر صوتًا، بلا زخرفة تلفت عين.
الثلاثة لم يكونوا مجرد رماة متقدمين.
كانوا أعين المعركة — كل واحد منهم يغطي زاوية مختلفة، يرشد بقية الرماة المنتشرين على طول الجدار، يُصحح مسارات السهام بصوت هادئ لا يصل إلا لمن يجب أن يسمعه، يُحدد الأولويات في الثانية ذاتها التي تتغير فيها.
ثم كانت هناك الفارسة.
ليست عادية بأي معنى من المعاني.
وقفت في نهاية الجدار الشرقي منه، ودرعها تختلف عن كل ما كان حولها — قطع بيضاء ناصعة مُصفّحة بشكل تقليدي كلاسيكي تعلوها نقوش ذهبية خفية تلمع فقط حين تمسّها الشمس من زاوية بعينها، والتوسع في التصميم عند الكتفين يُعطيها هيبة لا تحتاج لصوت. قوسها كان فضيًا حقيقيًا — ليس مطلي الفضة، بل مصنوع منها أو مما يشبهها — ويشع في الهواء البارد بضوء خافت هادئ، ليس بريق معدن عادي بل شيء أعمق منه، كأن القوس نفسه يعرف وظيفته. شعرها الأشقر الفاتح مربوط بإحكام على شكل ذيل حصان طويل يتمايل خلفها مع النسيم بحرية ملكية لا تتناسب مع جدية الموقف. وعيناها — كانتا ثاقبتين بطريقة تجعل من ينظر إليهما يشعر أنه يُقرأ لا أنه يُرى، كأنهما ترصدان ما وراء ما تراه العيون العادية، وما سيحدث في اللحظات القادمة قبل أن يحدث.
لم تكن بحاجة لرفع صوتها.
وجودها وحده كان كافيًا لفرض ذلك الصمت الخاص — الصمت المُحترِم.
كانت مهمة الرماة بسيطة في جوهرها.
لكنها الأهم.
تقليل العدد بأقصى كفاءة ممكنة قبل أن تصل الموجة إلى الجدار. كل سهم يُطلَق بدقة يعني حياة محارب لن يضطر لمواجهة ذلك الوحش. كل سهم يخطئ يعني موتًا قد يأتي لاحقًا بصورة أبشع.
تمركز الرماة على طول الجدار الغربي بالكامل — صفّان كاملان، مئات الأقواس المشدودة إلى مستوى الأذن، الأوتار ترتجف ارتجافة ضئيلة تحت ضغط التوتر المتراكم في الذراعين والكتف. أسفلهم، داخل المدينة خلف البوابة الضخمة المغلقة، كان المقاتلون واقفين في صفوف منظمة لا يزالون ينتظرون أمر الانطلاق.
والصمت كان قاتلًا.
ليس صمت راحة أو تأمل — بل ذلك الصمت الضيق الخانق الذي يسبق الانفجار بثوانٍ قليلة. رغم أن القتال كان على بُعد لحظات، لم يتحدث أحد. لم يصرخ أحد. لم يتحرك أحد من مكانه. حتى الأنفاس بدت محسوبة — كل رئة تأخذ حصتها بدقة دون إسراف، كأن الجميع يدّخر كل قطرة طاقة للجحيم القادم.
ثم—
دخلت الوحوش مجال الرماة.
تلك اللحظة بالذات كانت اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء.
دوّى صوت واحد يخترق الصمت كسكين:
— “استعدوا!”
كلمة واحدة. لكنها كانت كفيلة بإيقاظ كل روح كانت غارقة في توترها وإعادتها إلى جسدها فجأة. الأيادي ارتفعت بحركة واحدة موحدة. الأقواس شُدّت إلى أقصى مداها. السهام وُضعت على الأوتار بلمسة أصابع متمرسة. العيون ركّزت على الأهداف القادمة.
التوتر كان حاضرًا في كل جسد.
والتردد — ذلك الشيء الإنساني الذي لا يمكن تدريب البشر على التخلص منه تمامًا — كان حاضرًا هو الآخر في عيون بعضهم. الرماة رغم تدريبهم، رغم سنواتهم، كانوا بشرًا. والبشر يخافون. والخوف يُؤخّر الأصابع ثوانٍ لا تُلاحَظ لكنها تُحسب.
لكن—
دوّى صوت آخر. أقوى. أوضح. بنبرة لا تقبل التردد ولا تمنحه مساحة للتنفس:
— “إطلاق!”
في تلك اللحظة، لم يفكر أحد. لم يتردد أحد. لم يسأل أحد عن شيء. استسلموا — استسلموا لذلك الصوت وللحرب التي طالما تدربوا من أجلها وخافوا من لقائها.
سُحبت الأوتار في آنٍ واحد.
وانطلقت.
موجة.
ليست مجرد سهام — بل غيمة موت سوداء ارتفعت في السماء الشاحبة كسرب طيور عابرة ثم انعطفت نزولًا في قوس واحد منسجم وهبطت—
كالمطر.
لكن ليس مطر رحمة.
مطر قتل.
وصلت السهام في لحظة واحدة واخترقت وأسقطت. سرب كامل من الوحوش في المقدمة سقط في الثانية ذاتها — بعضهم بسهم واحد، وبعضهم بثلاثة — وانهارت أجسادهم كخط دومينو واحد متسلسل كأن الأرض نفسها قررت ابتلاعهم.
لكن—
لم يكن هناك صراخ ألم. لم يكن هناك تراجع خوف. لم يكن هناك حتى أدنى تعبير عن أي شيء.
الوحوش التي بقيت استمرت.
بثبات.
بصمت.
بنفس الإيقاع الذي بدأت به كأن شيئًا لم يحدث — كأن من سقطوا لم يكونوا أبدًا جزءًا منهم.
وذلك كان أسوأ ما في الأمر. أسوأ بكثير من صراخ الغاضبين أو هروب الخائفين. الخوف مفهوم. الغضب متوقع. لكن اللامبالاة المطلقة هذه — تلك الاستمرارية الباردة دون أي رد فعل إنساني — كانت ترسل رسالة واحدة واضحة: نحن لسنا هنا للقتال. نحن هنا لأننا أُرسلنا.
لم يتوقف الرماة.
سحب. إطلاق.
سحب. إطلاق.
سرب. ثم آخر. ثم آخر.
السماء لم تعد مرئية — فقط خطوط سوداء متقاطعة تذهب وتعود، تصعد وتهبط، في إيقاع لا يُريح.
لكن شيئًا لم يكن صحيحًا.
شيئًا كان يُصدر صوت إنذار صامتًا في عقول من يرون الصورة الكاملة.
تقدم الوحوش كان أسرع من إطلاق السهام. أسرع من الموت نفسه الذي كان يُرسَل إليهم. رغم كل ما سقط منهم، رغم كل سرب أصاب هدفه بدقة — الجبهة الأمامية لا تزال تتضاءل المسافة بينها وبين الجدار.
نور ضيّقت عينيها وشدّت قبضتها على القوس حتى ابيضّت مفاصلها.
— “…هذا سيء.”
همست لنفسها دون أن تتوقف عن الإطلاق.
سيف بجانبها لم يردّ بكلمات. لكن عينيه ضاقتا أكثر في حساب صامت سريع.
وفاي — في اللحظة ذاتها — ابتسمت ابتسامة خفيفة هادئة.
ليست سخرية. بل إدراك — إدراك من كانت تعلم أن هذا سيحدث وكانت تنتظر التوقيت فقط.
— “بدأوا.”
وفجأة—
تحركت الغابة.
لا. انفجرت.
من بين الأشجار وأعماق الظلال التي لا تصلها الشمس — ارتفع سرب. وحوش مجنحة، أجسادها تتفاوت بين صغر طائر ضخم وكبر حصان، أجنحتها جلدية داكنة تضرب الهواء بعنف يُصدر هديرًا متقطعًا يملأ الأذنين. أعينها تلمع بذلك الجوع الغريب الفارغ من أي عاطفة حقيقية. وعددها—
كبير. كبير بما يكفي لنشر الذعر حتى بين المتمرسين.
اندفعوا صاعدين بسرعة، يشكّلون سربًا لا نظام فيه يبدو فوضويًا لكنه يغطي مساحة السماء بكاملها — موجة سوداء في الهواء تهبط وتصعد وتتشكل من جديد في كل لحظة.
بعض الرماة ترددوا — للحظة واحدة قصيرة — وهم يُقيّمون: الأرض أم السماء؟ الأعداء القادمون من الأمام أم من فوق؟
لكن لم يهرب أحد.
ثم دوّى الصوت من الأسفل، من ساحة الجنود خلف البوابة، حازمًا ومحسومًا كصدمة:
— “استعدوا للمعركة!”
كانت تلك الإشارة التي انتظرها الجميع — الإشارة التي قالت دون كلمات إضافية: الخطة تغيّرت. الوضع تصاعد. الوقت انتهى.
الجنود فهموا فورًا.
بمجرد ظهور الوحوش المجنحة، الرماة سيُوزّعون اهتمامهم بين الأرض والسماء — وهذا يعني أن الكفاءة ستنخفض، وأن سهامًا أقل ستصل إلى الجبهة الأمامية، وأن الموجة الأرضية ستصل أسرع. السماء ستصبح ساحة قتال ثانية بينما الأولى لم تُحسم بعد.
وحين تُترك الأرض دون حماية كافية — يموت الجميع.
صوت آخر دوّى.
أقسى. أثقل. يحمل وزن الحقيقة كاملًا:
— “افتحوا الأبواب!”
تحرّكت الآليات. صرير حديد عمره عقود. احتكاك خشب ثقيل. اهتزاز الأرض نفسها حين تحركت الأوزان العملاقة. البوابة الضخمة — تلك الوحيدة الفاصلة بين الحياة التي بنوها وما كان يأتي نحوها — بدأت تُفتح ببطء لكن بثبات لا يتوقف، كفم وحش عملاق يستعد لمواجهة وحش آخر.
الضوء الخارجي الرمادي الشاحب تسلّل إلى الداخل.
ومعه — الصوت. وقع الأقدام الكثيرة. والهواء المشحون بشيء لا اسم له.
الجنود اصطفوا في صفوف. الدروع ارتفعت إلى مواضعها. السيوف شُدت من أغمادها بصوت معدني موحد. الرماح ثُبّتت بأيدٍ شدّها التوتر حتى كادت ترتجف. الكل كان جاهزًا.
أو يحاول.
أنا لم أكن استثناءً.
حبستُ أنفاسي دون أن أقصد — فعلتها الرئتان من تلقاء نفسيهما كأنهما يُدركان أن هذا ليس وقت التنفس المريح. شدّدتُ قبضتي على مقبض السيف حتى شعرتُ بكل تفصيلة منحوتة في الخشب والحديد تحت أصابعي، حتى شعرتُ أن المفاصل ستنكسر.
لكنني لم أرخِها.
ثم—
صوت خلفي.
هادئ وحقيقي في آنٍ واحد.
— “دارون… ابقَ على قيد الحياة.”
التفتُ.
إيمي.
وقفت على بُعد خطوتين مني، بدرعها الجلدية الخفيفة البنية اللون التي تتيح لها الحركة السريعة أكثر من الحماية الثقيلة — قطع مُقوّاة على الكتفين والصدر والساعدين، وتحتها قميص مقاتل داكن بأكمام ضيقة. شعرها البني الفاتح الذي يلمع كالعسل حين تصطدم به الشمس كان مشدودًا خلف رأسها بإحكام عملي لا زخرفة فيه، وبعض خصلاته الأقصر هربت على جانبي وجهها.
لكن ما لفت نظري لم يكن شعرها.
كانت عيناها البنيتان الدافئتان — العينان اللتان اعتدت أن أجد فيهما إما مزاحًا أو هدوءًا مُصطنعًا — كانتا الآن بلا أيٍّ من ذلك. لا مزاح. لا ابتسامة تُخفّف الجو. فقط قلق حقيقي خالص، واضح وعارٍ ومكشوف بلا حماية.
نظرتُ إليها.
لثانية كاملة سقط فيها كل ما حولنا في الهامش.
ثم ابتسمتُ — بتلك الابتسامة الخفيفة التي كانت تعني أشياء كثيرة لا أعرف كيف أقولها.
— “نعم…”
— “ابقِ على قيد الحياة أيضًا، إيمي.”
ترددت. للحظة واحدة رأيتُ فيها شيئًا يتحرك خلف عينيها — شيء يريد أن يقول أكثر لكنه يعلم أن الوقت ليس الوقت.
ثم:
— “بالتأكيد… سأنجو.”
لكن نبرتها—
لم تكن واثقة بالكامل.
وذلك أثقل عليّ أكثر من كل شيء آخر في تلك اللحظة.
عدتُ بنظري إلى الأمام. إلى البوابة المفتوحة بالكامل الآن، وخلفها العالم — الحقيقي، المتحرك، الذي يأتي نحونا بلا توقف.
الوحوش لم تعد بعيدة.
أستطيع أن أراهم بوضوح الآن — أعينهم التي تلمع بذلك الضوء الغريب الأجوف، مخالبهم التي تخترق الأرض مع كل خطوة، الدماء الداكنة على بعض أجسادهم من السهام التي اخترقت لكن لم توقف. أسمع زفيرهم الجماعي، ذلك الصوت المنخفض المتواصل كهواء يُضخّ من شيء هائل.
وتحت كل ذلك—
ذلك الشعور.
عاد.
ذلك الوجود الثقيل الذي لا يُرى ولا يُسمع لكنه يُحَسّ على الجلد وفي أعماق الصدر. ليس في الوحوش أنفسهم — بل خلفهم. أعمق. أبعد. كمن يقف في الظل ويدير آلة ضخمة دون أن يُعرِّض نفسه.
لكنه هناك.
شعرتُ بضغطه على صدري. على رأسي. على كل شيء حيٍّ فيّ — كأنه يُشير، يلفت انتباهي.
— “…أنت هناك.”
همستُ دون وعي.
لم يُجب. بالطبع لن يُجيب.
لكنني شعرت به يراقب.
يراقبني أنا تحديدًا.
ابتسمتُ ببطء — تلك الابتسامة التي لا أفهم أنا نفسي دائمًا ما تعنيه.
— “حسنًا…”
— “تعال.”
ثم—
تحرّك العالم.
اندفع أول وحش من البوابة نحونا بسرعة تعادل سرعة حصان جامح، جسده الضخم يكسر الهواء أمامه. ثم الثاني. ثم الثالث. ثم بلا عد ولا حساب—
الجميع.
وصرخت المدينة — بصوت واحد هائل يجمع الخوف والإرادة والغضب في لحظة واحدة.
الحرب.