الفصل 28 - موجة الوحوش-جزء5
الظلامُ لم يكن هادئًا.
لم يكن فارغًا كما يكون الليل حين تنام العالم وتسكت الريح. لم يكن ذلك الظلامَ الرحيمَ الذي يلفّ المرهقين بغطائه ويمنحهم نسيانًا مؤقتًا. كان شيئًا آخر تمامًا — كان ظلامًا حيًّا، ينبض كقلب وحش هائل في أعماق مجهولة، يتحرك كالدخان ويراقب كعيون لا تنام. كان يضغط من كل اتجاه، يملأ الرئتين بثقله، يسكن تحت الجلد بدلًا من فوقه.
دارون لم يكن يرى شيئًا.
لكنه كان يشعر بكل شيء.
ذلك الإحساس — ذلك الوجود الثقيل المحيط به من كل حدب وصوب — لم يكن غريبًا عنه تمامًا. كان قد لمسه من قبل في لحظات الخطر الشديد، حين يقف الجسد على حافة الحياة والموت ويُدرك الروح ما لا تدركه العقول. لكنه—
لم يكن بهذه الكثافة قط.
صوت.
بعيد في البداية، كأنه يأتي من خلف جدار سميك من القطن والزمن.
— “…دارون…”
ثم أقرب. أوضح. أكثر إلحاحًا.
— “دارون!”
ضوء خافت بدأ يتسلل ببطء شديد، كأنه يخترق طبقات من الرصاص لا من الجفون المغلقة. ثقل هائل في كل خلية من جسده — في عضلاته المنهكة، في عظامه المؤلمة، في أنفاسه التي كانت تصعد وتهبط بجهد واضح، كل نفَس انتصار صغير على شيء يريد أن يسحبه للأعماق من جديد.
لكنها كانت موجودة. الأنفاس.
وهذا كان يكفي.
تحركت أصابعه أولًا — دائمًا الأصابع تعود أولًا، كأنها أقرب للحياة من بقية الجسد — ارتجفت ارتجافة خفيفة غير إرادية، ثم تقلصت ببطء حول الفراغ. ثم، بجهد يستحق أن يُروى، فتح دارون عينيه.
السقف كان من خشب داكن يحمل تشققات عمرها عقود، وعليه ظلال ترقص تحت ضوء شمعة وحيدة تقف على طاولة مجاورة كحارسة أمينة. روائح تملأ الهواء من حوله — أعشاب طبية حادة الرائحة، خلاصات داكنة في قوارير صغيرة على رف خشبي، ودواء مرّ يعلق في مؤخرة الحلق، وتحتها جميعًا رائحة العرق والجهد والخوف الذي لا يمكن إخفاؤه في مثل هذه اللحظات.
— “…أنا…”
صوته خرج غريبًا عنه تمامًا. مكسورًا. جافًّا. ضعيفًا كصوت رجل لم يتكلم منذ أيام. كأن حنجرته نسيت كيف تشكّل الكلمات.
— “استيقظ!”
صوت إيمي انفجر في الغرفة، قريب وحارّ وممتلئ بكل المشاعر التي كانت تكبتها منذ ساعات. تحركت بسرعة لم تتوقعها حتى هي، واقتربت من السرير وركعت بجانبه حتى أصبح وجهها في مستوى وجهه.
— “دارون!”
نظر إليها ببطء — ببطء شديد، كأن عينيه تتعلمان الرؤية من جديد، تتذكران كيف تُركّزان وكيف يُفرَّق بين الأشكال. وجهها الأول الذي رآه. شعرها البني الفاتح المنسدل بجانب خديها، وعيناها البنيتان اللتان كانتا في العادة هادئتين كبحيرة في فجر صافٍ — لكنهما الآن كانتا حمراوتين من البكاء الذي لم يتوقف منذ أن سقط.
— “…أنا… حي.”
ابتسمت.
لكن تلك الابتسامة كانت تحمل في طياتها شيئًا مؤلمًا — ارتياح مخلوط بمشاعر لا اسم لها، فرح مطعون بالخوف الذي مضى، وشيء يشبه الغضب من أنها كانت بهذا الخوف أصلًا.
— “أحمق…”
همست، والكلمة خرجت ناعمة رغم قسوتها.
— “لا تخيفنا هكذا مرة أخرى.”
حاول الجلوس. موجة ألم اندفعت من كتفيه وصدره، لكنها كانت مختلفة عمّا كان يتوقع — أخف. لا تزال موجودة، لا تزال حقيقية وتذكّره بأن جسده دفع ثمنًا فادحًا، لكنها لم تكن ذلك الألم الذي يشطر الوعي نصفين.
— “لا تتحرك كثيرًا بعد.”
صوت جديد. هادئ ومحسوب وحازم بطريقة لا تحتمل الجدل. صوت من اعتاد إصدار الأوامر الطبية وسماعها تُنفَّذ دون نقاش.
التفت دارون ببطء.
امرأة في أواخر الثلاثينيات تقف بجانب الطاولة الخشبية، تضع قارورة زجاجية على رف بحركة دقيقة ومتقنة. كانت تلبس ثوبًا رماديًا داكنًا يصل إلى منتصف ساقيها فوق سروال أسود محكم، وعليه مئزر أبيض ناصع تلطّخ أسفله ببقع عشبية خضراء وبنية — آثار ساعات طويلة قضتها في إعداد العلاجات. شعرها الأسود الداكن كان مربوطًا بإحكام خلف رأسها بخيط بسيط، ولا خصلة واحدة تجرؤ على الخروج من مكانها. نظرتها ثابتة ومباشرة، نظرة من يقيّم ولا يُقيَّم.
— “من…؟”
— “إينا.”
قالتها بنفس الثقل الذي تضع به القوارير — بساطة كاملة لا تحتاج زخرفة.
— “طبيبة قصر سيد المقاطعة.”
الصمت الذي تلا ذلك كان ثقيلًا بطريقة مختلفة. دارون مسح الغرفة بنظرة واحدة بطيئة:
كارل — يقف منتصبًا بجانب الجدار، ذراعاه متقاطعتان على صدره العريض المكسو بدرعه الجلدية الداكنة، وعلى وجهه ذلك التعبير الذي كان يحمله حين يكبت مشاعر كثيرة خلف قناع الصلابة.
جين — جالس على كرسي مقابل، شاحب اللون أكثر من المعتاد، يده اليسرى تضغط على جانبه في لاوعي، والجرح القديم يذكّره بوجوده بين الحين والآخر.
نور — واقفة بالقرب من النافذة الضيقة، شعرها البني الطويل المضفور فوق كتفها الأيمن، تنظر إليه بعيون واسعة فيها قلق حقيقي لا تُخفيه.
رين — في الظل قرب الباب، هادئ كعادته، لكن شفتيه المضغوطتان خيانتا ما يجول في داخله.
كيرا — متكئة على العمود الخشبي بجانب رين، تنظر إليه بعيون ضيقتين قراءتهما صعبة دائمًا.
إيمي — بجانبه، قريبة جدًا، كأنها لم تبتعد عنه لحظة.
الجميع كانوا هناك. وفي أعين الجميع كان الشيء ذاته — قلق حقيقي، توتر متراكم، وترقب انتظار ما سيقوله.
دارون تنفس ببطء.
— “…أنا بخير.”
ربما كانت كذبة. ربما كانت نصف حقيقة. لكنها كانت أفضل من أن يصف ما يشعر به فعلًا.
إينا اقتربت بخطوات محسوبة، وضعت يدها الباردة على جبهته بضع ثوانٍ ثم سحبتها، ونظرت في عينيه بتمعّن طبيب يبحث عن علامات يعرف كيف يقرأها.
— “لا.”
— “أنت لست بخير.”
رفعت أصبعها أمام عينيه وحركته ببطء يمينًا ويسارًا، راقبت حركة حدقتيه.
— “لكن… كان من المفترض أن تكون ميتًا.”
الصمت المطبق.
— “ماذا…؟”
تراجعت خطوة وحدّقت فيه مباشرة، بعيون لا تحمل مجاملة.
— “أي شخص آخر، في أي جسد آخر، لو تعرّض لما تعرضت له الليلة الماضية — لانتهى أمره تمامًا. ليس الموت المعتاد، بل الذوبان. الروح تنهار قبل أن ينهار الجسد.”
توقفت، كأنها تختار كلماتها بعناية.
— “عقلك كان تحت ضغط لا يستطيع أي إنسان عادي تحمّله. ومع ذلك… أنت تجلس أمامي وتتكلم.”
دارون لم يردّ. لكنه فهم ما لم تقله.
إينا أكملت بنفس النبرة الطبية الجافة التي تخفي خلفها دهشة حقيقية:
— “قدرتك تُعزّز بنيتك العقلية بطريقة لم أرَها من قبل. هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلك تجلس هنا الآن بدلًا من أن أكون أكتب تقرير وفاتك.”
نظرت إليه بجدية لا تتصنّع.
— “لكن لا تُخطئ الفهم. هذا لا يعني أنك تستطيع تكرار ما فعلت. الحظ لا يطرق الباب ثلاث مرات في الليلة ذاتها. في المرة القادمة — قد لا تستيقظ.”
الصمت.
دارون ابتسم ابتسامة خفيفة مرهقة.
— “…فهمت.”
لكن في أعماقه، خلف تلك الابتسامة الهادئة، كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير مما يستطيع شرحه. هو لم “يستخدم” قدرته فحسب كما تصوّرت إينا. هو فتح شيئًا — بابًا لم يكن يعرف أنه موجود، أو ربما كان يعرف لكنه خاف دائمًا من ما خلفه. وما خرج من ذلك الباب لم يعد إلى مكانه تمامًا.
إينا ابتعدت وعادت إلى أدواتها.
— “سيبقى تحت المراقبة. لكن يمكنه الحديث.”
نظرت للجميع بنظرة واحدة حاسمة.
— “لا تُجهدوه.”
وغادرت الغرفة بنفس الهدوء الذي دخلت به.
الصمت عاد بعدها. لكنه كان مختلفًا هذه المرة — أثقل وأكثر إلحاحًا، كصمت من يريد أن يتكلم لكنه لا يعرف من أين يبدأ.
كارل كسره أولًا، بطريقته المعتادة — مباشرة ودون مقدمات.
— “كنت أظن أنك مت.”
دارون نظر إليه.
— “وأنا أيضًا.”
ضحكة خفيفة متوترة تشققت في الهواء بين الاثنين، ثم اختفت بسرعة.
— “كيف تشعر؟”
نور.
— “…هل أنت واعٍ بالكامل؟”
— “أكثر من اللازم.”
رين تقدم خطوتين من الظل.
— “هل تستطيع التفكير بوضوح؟”
— “…للأسف نعم.”
تبادل الجميع نظرات متسارعة، وفي تلك النظرات قرار جماعي صامت.
— “إذن تكلم. ما الذي حدث بالضبط؟”
دارون سكت لحظة. ليس لأنه يتردد، بل لأنه يُرتّب ما رآه في عقله، يحوّل الصور والأحاسيس إلى كلمات يمكن للآخرين فهمها.
ثم رفع رأسه.
— “…اللعبة اكتملت.”
الجميع تجمّد.
— “ماذا تعني بذلك؟”
إيمي.
دارون نظر إليها، ثم للبقية بالتسلسل.
— “ذلك الشيء… لم يكن يختبرنا فقط طوال هذه الأيام. كل ما مررنا به — القافلة، الناجون، الكمائن، حتى ما حدث الليلة الماضية — لم يكن فوضى. كان خطوات مُحسَبة في مخطط أكبر بكثير.”
توقف، تنفس.
— “كان يحضّر. يجمع المعلومات، يختبر حدودنا، يكشف نقاط ضعفنا. وهو الآن— حصل على كل ما أراده.”
— “…وما الذي يريده؟”
جين، بهدوء مقلق.
دارون نظر إليه مباشرة.
— “نحن. المدينة. البشر. كل شيء في متناول يده.”
كيرا ضيّقت عينيها.
— “…وهذا يعني؟”
— “موجة الوحوش… ستكون اليوم.”
الصمت انكسر كزجاج يسقط على أرض حجرية.
— “مستحيل!”
— “هذا مبكر بكثير!”
— “لم نستعد بعد! لا تزال الدفاعات—”
الأصوات ارتفعت وتداخلت. لكن رين لم يُصدر صوتًا. فقط وقف ثابتًا وعيناه تتحركان في حسابات صامتة سريعة، كرجل يضع قطع لغز على طاولة في رأسه.
ثم رفع رأسه.
— “…أين هو؟”
الغرفة فهمت دون أن يُكمل. كارل رد فورًا:
— “في مهمة خارج حدود المقاطعة. لن يعود قبل الغد في أفضل الأحوال.”
ثقيلة. تلك الكلمات سقطت ثقيلة.
— “…تبًّا.”
كيرا ابتسمت ابتسامة لا تحمل أي فرح.
— “إنه عبقري بطريقته المقيتة. اختار اللحظة المثالية بدقة جراح. الشخص الوحيد في هذه المقاطعة القادر على مواجهته وجهًا لوجه—”
— “غير موجود.”
أكملت نور الجملة بصوت خافت.
— “…يعني لا أحد يمكنه إيقافه.”
— “لا.”
قالها دارون بوضوح وحسم.
— “هناك طريقة. لكنها لن تكون سهلة، ولن تكون رخيصة.”
نظر للجميع واحدًا واحدًا.
— “عشرة فرسان عاديين بالإضافة إلى الجيش النظامي، وجميع المرتزقة في المقاطعة، ونحن.”
توقف.
— “هذا كل ما لدينا. وهذا يجب أن يكفي.”
ما تلا ذلك كان انفجارًا منضبطًا.
— “يجب إبلاغ القصر فورًا!”
— “إرسال رسالة عاجلة باسم السيد — الآن!”
— “استدعاء الفارس الكبير، حتى لو اضطررنا لإرسال عشرة رسل!”
تحرك أحد أفراد فرقة الرمح الفضي — رجل طويل بكتفين عريضتين وشعر مضفور — قبل أن تنتهي الجملة، ونظر للجميع بتصميم قاطع:
— “سأتكفّل بإيصال الرسالة.”
واندفع خارجًا بخطى مسرعة.
ثم كأن سد انكسر — نهض الباقون بحركة واحدة:
— “إخلاء المدنيين من المناطق الأمامية فورًا.”
— “تجهيز الدفاعات الشرقية — الجدار الشرقي أضعف نقطة.”
— “إبلاغ قائد الجيش وتوزيع المواقع.”
— “الاحتياطيات من السهام والزيت — أين هي؟”
الطاولة الخشبية الهادئة تحوّلت في دقائق إلى مركز حرب. خرائط انتشرت، أصابع تشير، أصوات تتقاطع، وفي وسط كل ذلك كان دارون يراقب ويُدرك حجم ما يأتي.
حاول النهوض.
— “ابقَ.”
إيمي. يدها على كتفه، خفيفة لكن واضحة في قصدها.
— “أنت لست في حالة تسمح—”
— “لا.”
نظر إليها، مباشرة، بعيون واضحة رغم كل شيء.
— “أنا لن أتراجع. وأنا الوحيد في هذه المدينة الذي رآه عن قرب — رأى كيف يتحرك، وأين يضعف، وماذا يريد.”
توقف لحظة.
— “لا يمكنني البقاء هنا.”
صمت قصير.
ثم أومأت إيمي ببطء — ليس موافقة سعيدة، بل قبول مؤلم.
— “…إذن لا تمُت.”
ابتسم ابتسامة صغيرة تحمل أكثر مما يستطيع قوله.
— “سأحاول.”
الخارج لم يكن كما تركه.
المدينة التي كانت في الصباح تنبض بحياتها العادية — أصوات الباعة، ضحكات الأطفال، رائحة الخبز من الأفران — كانت الآن مسرحًا لشيء آخر تمامًا. الخبر انتشر كالنار في الهشيم، من أذن لأذن ومن حي لحي، حتى صار كل شارع فيها يحمل نفس التوتر المشحون.
صرخات أمهات تُنادي أطفالها بالأسماء. أبواب خشبية ثقيلة تُغلق بضربة واحدة حاسمة وتُقفل بالأقفال والأعمدة. عجائز يُسحبون بلطف قسري إلى الداخل من شرفاتهم. جنود في دروع حديدية تصدر أصواتًا معدنية كلما تحركوا يركضون عبر الشوارع الضيقة بين المنازل ذات الجدران الحجرية الرمادية. الأوامر تُصدَر وتُنفَّذ. الدروع تُرتدى على عجل. السيوف تُسحب من أغمادها وأضواء الشمس تنعكس عليها بومضات قصيرة. والحياة بأكملها — كل تلك الحياة المعتادة الهادئة — تحوّلت في ساعة واحدة إلى شيء واحد فقط: استعداد.
دارون وقف على أسوار المدينة، وقدماه ثابتتان على الحجارة الباردة. الهواء كان باردًا وحادًا يقرص الوجه، لكنه لم يشعر ببرودته. حواسه كانت مُوجَّهة نحو اتجاه واحد — ذلك الأفق البعيد حيث الغابة الكثيفة تبدأ وتنتهي المدينة.
إيمي وقفت بجانبه. كتفاها قريبان من كتفيه. شعرها الفضي يتحرك في النسيم.
— “هل تراها؟”
— “…لا.”
أغمض عينيه.
— “لكن… أشعر بها.”
وكان صادقًا. كان يشعر بها كما يشعر المد ببحره — ليس بالعيون، بل بشيء أعمق وأقدم من الرؤية.
ثم جاء الصوت.
من أعماق الغابة، من حيث تكتمت الأشجار وابتلعت الضوء. أولًا كان خافتًا جدًا، يُشبه صوت ريح بعيدة أو مطر لم يصل بعد. ثم أصبح أقوى، واضح التقطيع — طرق منتظم على الأرض الصلبة. ثم أوضح وأكثر وأسرع—
أقدام.
كثيرة.
كثيرة جدًا.
والأرض نفسها — تلك الأرض الصلبة التي حملت هذه المدينة عشرات السنين — بدأت ترتجف ارتجاجًا خفيفًا، كأن قلبها يخفق خوفًا.
نور شدّت وترها وأصابعها البيضاء الطويلة ثابتة كالحديد. كارل أمسك مقبض سيفه العريض بيد واحدة وعيناه تمسحان الأفق. جين وقف رغم الألم المرسوم على ملامحه — وقف لأنه لم يعرف في حياته كيف يفعل غير ذلك. رين وكيرا يقفان جنبًا إلى جنب في صمت محاربَين، كل منهما يقرأ الموقف بطريقته الخاصة.
الجميع كان هناك.
ينتظر.
يتنفس.
ثم ظهروا في الأفق.
لم يأتوا كأفراد أو مجموعات. أتوا كظاهرة طبيعية، كموجة بحرية لكن من عتمة ولحم وأنياب. الأفق البعيد الذي كان قبل لحظات مجرد خط فاصل بين السماء والأرض أصبح يتحرك — يتموج ويقترب بسرعة لا تُصدَّق، وفيه آلاف الأعين تلمع كنجوم وضيئة في ظلام آتٍ.
مخالب تخترق الأرض.
أجساد لا تُحصى في أشكال لا تنتمي لعالم الطبيعيين — بعضها يسعى على أربعة بسرعة حيوان جائع، وبعضها ينتصب على قائمتين بطول يُخيف، وبعضها يُشبه الأشكال المألوفة لكنه مُشوَّه تشويهًا يجعل التعرف عليه أمرًا أكثر رعبًا من عدمه.
تقترب. وتقترب. وتقترب.
في كل ثانية تمر تصبح أوضح وأكثر، وزمجرتها المتصاعدة تملأ الهواء البارد حتى يكاد يُرى بالعين.
صمت قبل العاصفة.
ثلاثة أنفاس. ثلاثة أنفاس فقط من الصمت الكامل المطبق—
ثم دوّى الصوت.
بووووووووووق!!!
بوق الحرب الكبير ارتفع من برج القيادة كصرخة أرض تُحذّر أبناءها، طويلة ومديدة ترتجّ لها الأحجار، واصلةً إلى كل ركن في المدينة بلا استثناء.
المدينة استيقظت بكل ما فيها.
والكابوس — بدأ.