الفصل 38 - الفهد الأسود
كان طريق العودة مختلفًا.
نفس الأشجار العملاقة. نفس الأرض غير المستوية. نفس السماء التي بالكاد تُرى من خلف سقف الأغصان المتشابكة.
لكن أنا لم أكن كما كنت.
كل خطوة أخطوها كانت مصحوبة بإحساس جديد. ليس ثقلًا ولا تعبًا ولا حتى ألمًا. بل وجود. وجود آخر يسير معي. أو ربما داخلي. لم أكن قادرًا بعد على تحديد الفارق بين الصياغتين.
كان الأمر مثل معرفة أن شخصًا ما يقف خلفك دون أن تلتفت للتأكد. لأنك تشعر به.
كسر كارل الصمت أخيرًا.
بالطريقة التي يكسر بها كارل دائمًا أي صمت، بتلك المزيج الخاص من الفضول والمباشرة التي لا تعرف حدودًا.
“حسنًا…”
التفت إليّ وحاجباه مرفوعان بشكل يقول إنه صبر أكثر مما يعتاد.
“لن أتظاهر بأن الأمر عادي. ما هذا الشيء؟ ذلك الفهد. هل هو معك؟ هل يسمعنا الآن؟ هل سيأكلني إن أغضبته؟”
“كارل.”
جين. بتلك النبرة الهادئة المقطوعة التي لا تحتاج رفع الصوت.
“اصمت.”
“أنا جاد!”
“وأنا جاد أكثر.”
تدخلت إيمي بجانبي. عيناها البنيتان مثبتتان عليّ بتركيز يعرفه من يعرف إيمي.
“دارون… كيف تشعر؟”
صمتت لحظة.
حاولت أن أجد الكلمات الصحيحة. لكنها لم تأتِ بسهولة لأن ما أحسه لم يكن مما اعتاد عليه اللسان.
“غريب.”
قلت ببطء.
“لكن… واضح.”
“واضح؟”
نور. بصوت من تسمع وتزن في آنٍ واحد.
“كيف؟”
أغمضت عيني للحظة. بحثت داخليًا. عن ذلك الشيء الجديد.
ووجدته.
خيط. رفيع. لكنه ثابت بثبات لا يشبه الرفيع. كأن رفاءته في الشكل لا في القوة.
“هناك اتصال. ليس صوتًا ولا كلمات. لكن إحساس.”
فتحت عيني.
“كما لو… نحن كيان واحد.”
الصمت وقع بطريقته الخاصة.
الجميع نظر إليّ.
“كيان واحد؟”
كررها كارل بنبرة شخص يسمع شيئًا لا يعرف كيف يضعه في خانة.
“هذا ليس مريحًا.”
“هو ليس مخيفًا.”
قلت بهدوء.
“بل طبيعي. كأنه…”
توقفت.
“كان يجب أن يكون هكذا منذ البداية.”
لم يرد أحد. لكنني رأيت القلق في عيونهم. ليس القلق من خطر محدد بل القلق من شيء لا يفهمونه بعد.
تكلم ستارك فجأة.
بالطريقة التي يتكلم بها حين يقرر أن الصمت أصبح أقل نفعًا من الكلام.
“الجنيات… كائنات غير مفهومة.”
نظر إلينا بهدوء.
“لا تحاولوا وضعها في إطار. ولا تحاولوا تفسيرها بالكامل. لن تستطيعوا.”
اقترب خطوة.
“قوتهم. قدراتهم. ليست شيئًا يمكن شرحه بمعايير ما عرفتموه. إنهم تجسيد للطبيعة. وبما أن الطبيعة متنوعة بلا حدود… فهم كذلك.”
أومأت نور ببطء.
“هذا يفسر الكثير.”
أما أنا… كنت أفكر في جملة واحدة.
تجسيد للطبيعة.
إذا كان هذا صحيحًا… فما الذي ارتبط بي؟ ما الذي اختارني؟ وأي طبيعة يمثله هذا الفهد الأسود بعيونه المضيئة وذلك الثبات في نظرته؟
استمررنا في السير.
لكن الإرهاق لم يكن كما كان في رحلة الذهاب. في الذهاب كان الإرهاق يتراكم بلا رحمة مع كل ساعة. الآن… كان هناك شيء يعوضه. توازن غير مرئي. هدوء يأتي من مكان لا أستطيع تحديده لكنني أشعر به.
كأن شيئًا يساعدني دون أن أطلب.
حلّ الليل.
أشعلنا نارًا صغيرة بين الأشجار. وجلس الجميع حولها بإيقاع التعب المعتاد بعد يوم طويل.
الصمت كان من نوع مختلف هذه المرة. ليس الصمت الثقيل المترقب الذي اعتدناه خلال الأيام الماضية. بل صمت الناس الذين مروا بشيء غير عادي وما زالوا يحاولون إيجاد مكان مناسب له في أذهانهم.
خلعت قميصي ببطء.
وقبل أن أجلس…
“دارون.”
صوت إيمي. بنبرة غريبة لا أعتادها منها.
“ما هذا؟”
نظرت إليها. ثم رأيت أعين الجميع. كلها متركزة. على ظهري.
“ماذا؟”
“استدر.”
قالها جين بنبرة توحي بأن ما رآه يستحق الاستدارة.
استدرت.
صمت.
ليس الصمت العادي. بل ذلك النوع من الصمت الذي يأتي حين ترى شيئًا لا تجد فيه تصنيفًا جاهزًا.
“هذا…”
همست نور.
“جميل. لكنه غريب. غريب جدًا.”
“هل يمكنك رؤيته؟”
سألت إيمي.
هززت رأسي.
“لا.”
“إنه وشم.”
قال كارل.
“لكن ليس طبيعيًا.”
تردد لحظة.
“يشبه… فهدًا.”
تجمدت.
“فهد؟”
“نعم.”
قالت نور.
“لكن ليس كأي فهد. خطوطه حادة. كأنها تحترق.”
شعرت بشيء في ظهري.
حرارة خفيفة. ليست مؤلمة. لكنها حاضرة. مثل نبضة دافئة تذكرك بأن شيئًا موجود.
“هو.”
همست.
“الفهد. هذا دليل على ارتباطنا.”
الصمت بعدها لم يكن مفاجأة. كان الصمت الذي يأتي حين يقع شيء كنت تتوقعه لكن رؤيته حقيقيًا ما زالت تختلف عن مجرد توقعه.
أغمضت عيني. بحثت. عن الخيط.
ووجدته هذه المرة بوضوح أكبر. أسهل وصولًا. كأن الوشم نفسه كان جسرًا.
إرادته.
لكنها لم تكن كإرادة البشر. ولا كإرادة الوحوش. لم تكن واسعة منتشرة كما كانت إرادة الرجس. ولم تكن حادة مفترسة كما كانت إرادة الغيلان.
كانت دقيقة. مركزة. كإبرة.
لكن إبرة تحترق. كل نقطة فيها قادرة على الاختراق. كقطرة ماء تشق الصخر لا بقوة الضربة بل بدقة المكان.
“قوته مختلفة.”
فتحت عيني.
“كيف؟”
سألت إيمي.
“ليست واسعة بل مركزة. لكنها مرعبة في تركيزها.”
جربت.
فعّلت قدرتي بشكل خفيف. فقط لأشعر. فقط لأقيس.
وكالعادة بدأ الألم. خلف عيني. ذلك الدق المزمن الذي يبدأ بعد ثوانٍ من التفعيل.
“تبا…”
ضغطت على أسناني.
لكن في اللحظة التالية…
توقف.
ليس اختفى. لكن خف بشكل لافت. كأن شيئًا امتص جزءًا من ذلك الضغط وأخذه لنفسه.
وفي مكان الألم الذي خف… حل شيء آخر.
هدوء. تركيز. نقاء.
فتحت عيني بسرعة.
“الألم خف. بل اختفى جزئيًا.”
“كيف؟”
“الفهد. يؤثر. يساعد. كأنه يدعم عقلي.”
الجميع تبادل نظرات.
“ميثاق حقيقي.”
قالتها نور. بنبرة تثبّت الحقيقة لا تُعلنها.
لكنني أردت أن أعرف أكثر.
“تعال.”
همست. في داخلي. للخيط الرقيق.
ولم أكن متأكدًا أنه سيستجيب.
لكن في اللحظة التالية…
ظهر.
أمامنا.
الفهد الأسود.
ظهر بهدوء تام كأنه كان هناك طوال الوقت وفقط الآن قرر أن يكون مرئيًا.
الجميع تجمد.
“حسنًا…”
قال كارل بنبرة شخص يقرر موقفه مما يرى.
“أنا لا أحب هذا.”
“اهدأ.”
قلت دون أن أنظر إليه.
ثم نظرت إلى الفهد.
كان يقف هناك.
عيناه الذهبيتان الخضراوتان مثبتتان عليّ. لا عدوانية في تلك النظرة. ولا خوف. فقط ذلك الثبات المألوف.
“دعنا نجرب.”
لم يجب. بالطبع.
لكنه تحرك.
قفز.
بسرعة لم أكن مستعدًا لها رغم أنني كنت أنتظرها. القفز كان بلا مقدمات. من ثبات تام إلى حركة كاملة في جزء من ثانية. ثم ضربة على صخرة قريبة.
الصوت كان واضحًا في الليل الهادئ.
والصخرة… تحطمت.
ليست تشققت. تحطمت.
“ماذا؟”
همس جين. وجملة بهذه البساطة من جين كانت تعادل صرخة من شخص آخر.
“هذه قوة جسدية فقط.”
قالت نور بصوت من يسجل ملاحظة.
“بدون حتى تقنية.”
ابتلعت ريقي.
“مرة أخرى.”
تحرك الفهد.
ضربة ثانية. أقوى من الأولى.
الأرض نفسها اهتزت. ليس بشكل درامي. لكن بشكل يُحسّ تحت القدمين.
الصمت بعدها كان من نوع خاص. صمت الناس الذين يعيدون حساباتهم.
تقدمت خطوة.
“قاتلني.”
“دارون!”
صوت إيمي. حاد ومباشر.
“أنت مجنون؟”
“فقط اختبار.”
نظرت إليه.
الفهد نظر إليّ. لم يتحرك فورًا. كأنه يقيّم. ثم قرر.
هجوم.
سريع. مباشر. بلا تحذير.
تفاديت.
بصعوبة حقيقية. هامش ضيق.
“سريع.”
هجوم آخر. هذه المرة من زاوية مختلفة.
تراجعت خطوة.
“تبا…”
فعّلت قدرتي. خيط رقيق. بالقدر الكافي لرؤية الحركة القادمة قبل ثانية من وقوعها.
رأيته.
حركته. نيته. المسار الذي سيأخذه.
تفاديت.
لكن بصعوبة. حتى مع القدرة كان الهامش ضيقًا.
أوقفته بإشارة.
توقف. بهدوء. كأن القتال لم يكن حدثًا بل مجرد لحظة من اللحظات.
وقفت. أتنفس. الهواء البارد يدخل ويخرج.
ثم نظرت إليه طويلًا.
“من الأقوى؟”
همستها.
“أنا… أم أنت؟”
لم يجب.
لكنه نظر إليّ.
بنفس النظرة التي كانت عليه منذ رأيته لأول مرة. الثابتة. الواثقة. التي لا تحتاج إلى كلمات لتقول ما تريد قوله.
وشعرت به.
ليس كلامًا. ليس صوتًا. بل ذلك الخيط الذي يربطنا حمل شيئًا هذه المرة. إحساسًا يشبه…
التحدي.
صامت. واضح. صادق.
ليس تهديدًا ولا استفزازًا. بل دعوة. دعوة من يعرف قيمة الرفيق ويريده أن يصل إلى مستواه لا أن يبقى دونه.
“فهمت.”
ابتسمت ببطء.
“هذا لن يكون سهلًا.”
لكن في داخلي…
كنت أعرف.
هذا الميثاق لم يكن مجرد قوة تُضاف. لم يكن سلاحًا جديدًا أضعه على الحزام. كان شيئًا آخر. طريقًا. طريقًا عليّ قطعه خطوة خطوة.
والفهد لم يكن سيحمله عني.
بل سيسير بجانبي.
وهذا… كان كافيًا.