الفصل 23 - وجهة نظر دارون
استيقظت.
ليس فجأة كما يحدث حين ينتزعك كابوس من النوم، وليس ببطء شديد كما يحدث حين يكون الجسد ثقيلًا كالحجر ويرفض التحرك. بل… بين الاثنين. في تلك المنطقة الغريبة الرمادية التي لا اسم لها، حيث تكون مستيقظًا دون أن تكون واعيًا تمامًا، وكأن جسدك قرر الاستيقاظ قبل أن يستشير عقلك في الأمر.
فتحت عيني.
السقف الأبيض المألوف بشقوقه الصغيرة. الغرفة بأثاثها البسيط. الهدوء الذي يملأ كل شيء. النافذة الصغيرة على الجانب لا يتسلل منها إلا خيط ضوء رفيع لا يزال باهتًا، يخبر أن الشمس لم ترفع رأسها بالكامل بعد.
تنفست بعمق.
“مبكر…”
قلتها لنفسي وأنا أجلس على حافة السرير، أمدد ذراعيّ نحو الأعلى. لم يكن هناك ألم حاد كما كان في الأيام التي أعقبت التدريبات المكثفة الأولى، لكن التعب لم يختفِ تمامًا. لا يختفي في يوم واحد. آثار التدريب كانت لا تزال موزعة في عضلاتي كتوقيعات هادئة على ما مررت به، تذكرني بكل جلسة، بكل سقطة، بكل لحظة وصلت فيها إلى نقطة اعتقدت أنها النهاية ثم تجاوزتها.
الأيام الماضية كانت كثيفة بكل ما تحمله الكلمة.
التدريب المتواصل. ذلك الانهيار الذي حدث حين دفعت نفسي أكثر مما ينبغي. وتلك اللحظة… تلك اللحظة بالذات في المعركة.
حين استخدمت قدرتي.
وضعت يدي على رأسي للحظة، أصابعي تضغط خفيفًا على صدغي.
ما زلت لا أفهمها بالكامل. هذا الشيء الذي بداخلي، هذا الإدراك الذي يتوسع ويضيق، الذي يأتي حين يشاء وأحيانًا حين أشاء أنا. لكنني… أشعر به أكثر من قبل. وكأنه يقترب بهدوء، يتعرف عليّ كما أتعرف عليه.
نظرت نحو النافذة.
الضوء الرقيق بدأ يتسلل بهدوء أكبر.
“ربما… استيقظت مبكرًا أكثر من اللازم.”
استلقيت مرة أخرى. حدقت في السقف. حاولت أن أجد شيئًا يستحق الاسترخاء. فراغ. هدوء. لكنه لم يكن ذلك النوع من الهدوء الذي يُريح. كان نوعًا آخر، نوع الهدوء الذي يجعل الأفكار أعلى صوتًا، كأن الصمت يُضخّمها.
تنهدت.
“لا فائدة.”
نهضت، ارتديت ملابسي ببطء غير مستعجل.
القميص الرمادي الداكن، السراويل السميكة المناسبة للتنقل، الحزام. نظرت إلى سيفي المستند على الجدار بجانب السرير. تركته. يوم راحة لا يحتاج سلاحًا.
نزلت إلى الطابق السفلي.
كان النزل هادئًا. هادئًا بطريقة لافتة، حتى أن صوت خطواتي على الدرج الخشبي بدا واضحًا أكثر من المعتاد. الطاولات فارغة إلا من واحدة في الزاوية جلس فيها رجل ضخم الجثة نائمًا على ذراعيه، أنفاسه الثقيلة المنتظمة تؤكد أنه لم يصحُ أصلًا.
توجهت إلى صالة الطعام وجلست على الطاولة المعتادة.
انتظرت.
ثوانٍ مرت.
ثم دقائق.
لا أحد.
أطرقت بأصابعي خفيفًا على سطح الطاولة، حركة تلقائية غير واعية، ثم أدركتها وأوقفتها.
نظرت حولي.
“أين إيمي؟”
الفكرة جاءت تلقائيًا دون أن أستدعيها. عادةً في الصباح، إذا لم تكن هي هنا قبلي فإنها تصل بعدي مباشرة تقريبًا. هذا النمط اعتدته دون أن أقرر اعتياده. لكن اليوم… الطاولة بجانبي فارغة. لا صوت قادم من الباب. لا خطوات مألوفة.
هززت كتفيّ.
“ربما خرجت مبكرًا.”
لكن الإحساس أن شيئًا ما ليس في مكانه لم يختفِ. جلس في مكان خلفي كما تجلس ملاحظة صغيرة ترفض أن تُنسى.
مر الوقت ببطء مزعج.
جلست وحدي، والوقت يسير بذلك الإيقاع الثقيل الخاص بالصبح الفارغ من أي هدف. حاولت ألا أفكر. فشلت. عقلي لا يعرف الصمت الحقيقي. يجد دائمًا شيئًا يعود إليه.
القدرة.
ذلك الشعور حين تفعّلت في المعركة، كأن طبقة عازلة بيني وبين العالم رُفعت فجأة. كأن كل شيء أصبح أوضح، أسرع، أقرب. لم يكن مريحًا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. كان… حادًا. مؤلمًا بطريقته. لكنه كان حقيقيًا بشكل لا يُقارن بأي شيء آخر.
أغمضت عيني للحظة.
لا. ليس الآن.
فتحتهما بسرعة.
يوم راحة يعني راحة. الجسد يحتاج ذلك. العقل يحتاجه أكثر.
حاولت إقناع نفسي.
لم تُقنع.
ثم سمعت الباب.
رفعت رأسي.
دخلت إيمي.
رأيتها بمجرد أن وطأت قدمها العتبة. ترتدي قميصًا رماديًا خفيفًا وسراويل داكنة، شعرها البني مربوط بسرعة أقل عناية من المعتاد. السيفان معها في غمديهما على الجانبين، يبدوان جديدَين أو محكَمَي التعليق بشكل مختلف قليلًا. كأنها خرجت وعادت.
توقفت عند المدخل. نظرت حولها بنظرة مسح سريعة. ثم رأتني.
تجمّدت.
للحظة واحدة فقط. لحظة قصيرة لكنها واضحة. ثم تقدمت واقتربت وجلست على الكرسي المقابل.
لكنها لم تنظر إليّ مباشرة.
كانت تنظر إلى الطاولة. إلى يديها. إلى أي شيء غيري.
صمت.
هذا الصمت… ليس صمت إيمي. إيمي لا تصمت هكذا. إيمي تملأ المكان بكلمات أو تعليقات أو سخرية هادئة أو سؤال يأتي من حيث لا تتوقع. هذا الهدوء المشدود كان غريبًا كثلج في الصيف.
نظرت إليها.
“هل أنتِ بخير؟”
رفعت رأسها بسرعة مبالغ فيها، كمن أُفزع من تفكير عميق.
“هاه؟ نعم! بالطبع!”
لكن النبرة كانت مرتفعة نصف درجة عن الطبيعي. مشدودة قليلًا.
ضيّقت عيني.
“أنتِ متأكدة؟”
نظرت بعيدًا عن وجهي.
“نعم… فقط… يوم طويل.”
“لكن اليوم بدأ للتو.”
تجمّدت.
ثم ضحكت ضحكة خفيفة تبدو طبيعية لكنها ليست كذلك تمامًا.
“أقصد… صباح طويل.”
لم أرد.
لكنني لاحظت.
وصل الطعام بعد دقائق. وضعته أمامنا الخادمة ذات الوجه النعسان الصغير وانسحبت بصمت. بدأنا الأكل.
بصمت.
وهذا كان أغرب شيء حدث هذا الصباح.
إيمي لا تأكل بصمت. حتى حين تكون منهكة تمامًا فإنها تجد شيئًا تقوله أو تعلق عليه. لكنها الآن كانت تأكل ببطء، بشكل محكوم، وعيناها على الصحن.
وضعت الملعقة على الطاولة.
نظرت إليها.
“هل فعلت شيئًا؟”
توقفت يدها في الهواء.
رفعت رأسها ببطء.
“ماذا؟”
“هل فعلت شيئًا أزعجكِ؟”
اتسعت عيناها، وفيهما شيء يشبه الدهشة الحقيقية.
“لا! بالطبع لا!”
“إذن؟”
صمت.
نظرت إلى الجانب. أصابعها تمسك شوكتها بإحكام أكثر من اللازم.
“أنت تفكر كثيرًا.”
رفعت حاجبي.
“وأنتِ تتصرفين بغرابة.”
“أنا لا أفعل!”
“تفعلين.”
“لا أفعل!”
نظرت إليّ. وفي الثانية التالية، دون مقدمات، انتشر الاحمرار على خديها ووصل إلى أذنيها. أشبه بموجة لا تستطيع إيقافها.
خفضت رأسها بسرعة.
“فقط… كل شيء مزعج اليوم.”
“مثل ماذا؟”
تنفست ببطء.
“الناس.”
“الناس؟”
“والأسئلة.”
“أي أسئلة؟”
توقفت. ثم تمتمت بصوت خافت:
“لا شيء.”
لم أضغط.
لكن الفكرة بقيت تدور في ذهني بهدوء.
الناس. الأسئلة.
هل سألها أحد عني؟
الفكرة كانت غريبة حين جاءت. لكنها لم تبدُ مستحيلة.
انتهينا من الأكل.
وقفت.
“سأخرج قليلًا.”
رفعت رأسها بسرعة، وفي عينيها شيء لم أستطع تصنيفه بدقة.
“إلى أين؟”
“مجرد جولة.”
ترددت. ثم:
“هل… تريد أن أرافقك؟”
نظرت إليها.
كانت تنظر إليّ. لكن بطريقة مختلفة عن نظراتها المعتادة. شيء أقل حدة وأكثر… شيء آخر لا أملك له اسمًا الآن.
ابتسمت.
“لا بأس. أنتِ تبدين متعبة. استريحي.”
تجمّدت للحظة.
ثم أومأت ببطء.
“حسنًا.”
خرجت من النزل.
الهواء كان منعشًا، أخف وأنقى من هواء الداخل. الشمس في منتصف السماء تقريبًا، وإضاءتها الذهبية الناعمة تضرب الحجارة وتعكس أشكالًا على الجدران. المدينة في حالتها الاعتيادية، ليست في ذروة ضجيجها ولم تهدأ بعد، نوع من الحياة المتوسطة المريحة.
بدأت المشي.
بلا هدف. بلا خطة. فقط خطوة وراء أخرى والعالم يمر بجانبي.
لكن ذهني لم يكن بلا هدف.
كان يعود إليها.
توقفت في منتصف الزقاق.
“إيمي…”
قلتها بهدوء.
“هي غريبة اليوم.”
ليست فقط هادئة. بل مضطربة. وهذا التمييز مهم. الهدوء ممكن لأسباب كثيرة. لكن الاضطراب… ذلك الاضطراب المكبوت الذي يحاول إظهار نفسه على أنه هدوء… هذا نادر عليها.
حاولت مراجعة الأيام الماضية بعقل بارد.
التدريب، المهمة، العودة، العشاء. كل شيء كان طبيعيًا. لم يكن هناك خلاف. لم يكن هناك موقف حاد. لم يكن هناك…
تنهدت.
“ربما… أفكر كثيرًا.”
واصلت المشي بلا وجهة عبر شوارع المدينة.
مررت بالسوق. الباعة يصيحون بأسماء بضاعتهم. عربة تجرها حصان يمر ببطء ثقيل. مجموعة من الأطفال يركضون بصخب في الاتجاه المعاكس. الحياة في مكانها.
لكن شيئًا بدأ يحدث وأنا أمشي.
ملاحظة.
كنت أرى الناس بشكل مختلف. ليس كما كنت أراهم في الأسابيع الأولى، حين كانت المدينة كلها فوضى واحدة من الأصوات والحركة. الآن… كنت أرى تفاصيل.
الرجل الذي يقف عند كشكه وعيناه تتابعان الزقاق الجانبي لا البضاعة، ينتظر شخصًا. المرأة التي تسير بسرعة أكبر من الجميع وتحمل سلتها بإحكام على صدرها، متأخرة على موعد. الشاب الذي يجلس على الدرجة ويبدو بلا هدف لكن أصابعه تعقد وتفك ربطة حزامه باستمرار، قلق من شيء.
لم أكن أستخدم قدرتي.
لكنني… كنت أرى.
ابتسمت بخفة.
“أنا أفهم أكثر الآن.”
ليس فقط القتال وحركات الأجساد وتوقع الهجمات. بل الناس. طريقة تفكيرهم التي تتسرب في حركاتهم الصغيرة. القصص التي يحملونها دون أن يتكلموا عنها.
هذا الفهم… لم يأتِ من قدرتي وحدها.
جاء من الانتباه.
عدت إلى النزل ببطء حين بدأ الوقت يمر.
دخلت.
كانت هناك.
جالسة على نفس الكرسي عند نفس الطاولة. أمامها كوب يبدو كأنه بارد منذ فترة. كانت تنظر إلى الجدار المقابل بعيون شبه فارغة، ثم بمجرد أن سمعت الباب، رفعت رأسها.
رأتني.
ووقفت بسرعة لا تشير إلى أنها كانت تستريح فعلًا.
“أنت تأخرت.”
نظرت إليها. في وقوفها شيء متيقظ.
“لم أحدد وقتًا.”
“مع ذلك.”
“…”
اقتربت وجلست. نظرت إليها.
“هل أنتِ أفضل الآن؟”
ترددت. ثم أومأت برأسها.
“نعم.”
“متأكدة؟”
“نعم.”
صمت.
ثم:
“دارون…”
“نعم؟”
ترددت. شيء يريد الخروج ولا يستطيع إيجاد الشكل المناسب. رأيت ذلك بوضوح، لحظة توقف قبل الكلام، تلك اللحظة حين يصل الإنسان إلى حافة الجملة ثم يتراجع.
هزّت رأسها.
“لا شيء.”
“…”
ابتسمت.
“غريبة.”
“ماذا؟”
“أنتِ.”
“أنت الغريب!”
“ربما.”
وضحكت.
أخيرًا.
تلك الضحكة الخفيفة التي كانت غائبة كل الصباح. الضحكة التي تجعل شيئًا صغيرًا يستريح في مكان ما لا أعرف أين بالضبط.
جلسنا معًا.
الوقت يمر. الضوء يتغير تدريجيًا، يميل نحو الذهبي مع اقتراب ما بعد الظهر. أصوات النزل تعود ببطء، أقدام هنا، صوت مطبخ هناك.
لم نتكلم كثيرًا.
لكن الصمت هذه المرة كان مختلفًا تمامًا عن صمت الغداء. ذلك كان شاقًا مشدودًا. هذا… كان مريحًا. كأن المسافة التي كانت موجودة بيننا قبل ساعات انهارت دون أن يقرر أحد ذلك.
نظرت إليها.
كانت تنظر نحو النافذة، والضوء الذهبي يقع على نصف وجهها. كانت تبتسم بخفة، بسمة صغيرة هادئة ليست موجهة لأحد، مجرد تعبير داخلي وصل إلى السطح.
فكرت.
“لا أفهم.”
لكن… لا بأس.
ليس عليّ أن أفهم كل شيء. ليس عليّ أن أفسر كل لحظة وأجد لها تفسيرًا منطقيًا وسببًا واضحًا. بعض الأشياء تكون كما هي. تجلس في مكانها دون أن تطلب منك تفسيرها.
خفضت رأسي قليلًا.
ابتسمت.
“ربما… الأمور لا تحتاج تفسيرًا دائمًا.”
نظرت إليها مرة أخرى.
لا تزال تنظر نحو النافذة.
لا تزال تبتسم.
وفي مكان هادئ بسيط في داخلي… شعرت بشيء استقر في مكانه.
لا أعرف اسمه.
لكنه كان مريحًا.
وكأن بعض الأشياء… تكتفي بأن تُحسّ، دون أن تُسمّى.
وربما… هذا يكفي.