الفصل 24 - موجة الوحوش
كان يومًا عاديًا.
أو على الأقل، هكذا بدا في البداية.
اتفقنا على الاجتماع في نقابة المرتزقة كما نفعل في الأيام التي لا تحمل مهامًا واضحة، تلك الأيام التي تحتاج فيها إلى الجلوس مع من تقاتل معهم وتقييم وضعكم التالي بهدوء. لم يكن في الأمر شيء استثنائي. لا توتر يسبقه، لا حماس يدفعه. مجرد روتين يومي اعتدنا عليه حتى أصبح جزءًا من إيقاع الحياة هنا.
لكن حين وصلنا…
كان الجو مختلفًا.
النقابة كانت تعج في العادة بنوع خاص من الحياة. ليست حياة هادئة منظمة، بل حياة ضوضائية متشابكة: صفقات تُعقد بصخب، خلافات تنتهي بضحك أو بلكمة، مرتزقة يتفاخرون بمهامهم الأخيرة لمن يريد الاستماع ولمن لا يريد. حركة دائمة، أصوات متداخلة، وذلك الإحساس المستمر بأن شيئًا ما يحدث دائمًا في مكان ما.
اليوم… لم يكن شيء من ذلك موجودًا.
المرتزقة موزعون على الطاولات في حالة من الخمول المرهق. بعضهم مستلقٍ على ذراعيه، رأسه مدفون في الظلام الصغير الذي يصنعه عناقه الخاص. بعضهم يحدق في الفراغ أمامه بعيون جامدة. آخرون يجلسون دون أن يتكلموا، دون أن يتحركوا، كأنهم تماثيل وُضعت بعناية على الكراسي. حتى أولئك المعروفون بأنهم لا يصمتون ولا يهدؤون… كانوا صامتين.
لم يكونوا نائمين.
بل كانوا أكسل من أن يتبادلوا أطراف الحديث.
وهذا النوع من الكسل… كان غريبًا بطريقة لافتة. ليس راحة الشخص المستحق للراحة. بل ثقل الشخص الذي لا يجد ما يفعله، وهذا الفراغ يجثم على صدره دون أن يستطيع رفعه.
موظفو الاستقبال خلف مكاتبهم لم يكونوا أفضل حالًا. وجوههم تعكس ذلك الملل الهادئ لشخص يجلس في مكانه منتظرًا أن يحدث شيء يعرف في قرارة نفسه أنه لن يحدث.
كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها النقابة بهذا الشكل. مكان عرفته دائمًا مزدحمًا بالحياة، يبدو فيه اليوم… كأنه يتنفس بالحد الأدنى.
جلسنا في مكاننا المعتاد على الطرف البعيد من القاعة، بعيدًا عن بقية المجموعات، تلك المساحة التي اخترناها منذ البداية لأنها تمنحنا القدرة على الكلام دون أن يكون الكلام لأحد غيرنا.
كارل كان ممتدًا على كرسيه بالراحة الاعتيادية، ذراعاه خلف رأسه، عيناه تتجولان بين وجوه المرتزقة الآخرين بفضول كسول. جين كان يفرك إبهامه ببطء فوق الطاولة. نور كانت تجلس باستقامة، نظرتها هادئة تلك الهدأة التي تسبق دائمًا تحليلًا دقيقًا. وإيمي كانت بجانبي، تنظر نحو الباب بانتباه خافت.
ثم لاحظت شيئًا.
ماري.
كانت جالسة معنا على الطاولة.
ليست خلف مكتبها. ليست تتصفح وثائق. ليست تعطي تعليمات لأحد أو تراجع قوائم. بل… هنا. بيننا. وجهها يحمل شيئًا لا أستطيع تسميته بدقة، لكنه ليس ابتسامة.
هذا وحده كان كافيًا ليؤكد أن اليوم ليس عاديًا.
ساد الصمت لحظات.
ثم كسرته ماري.
“المكان كئيب اليوم حقًا…”
قالتها بصوت هادئ، لكن فيه انزعاج خفي مكبوت.
“هذا غريب.”
ردت إيمي فورًا، وكأنها كانت تنتظر الفتحة:
“إنه على هذا الحال معظم الوقت… لكن اليوم أمر خاص. أمر آمر المقاطعة بعدم دخول الغابة الغربية.”
توقفت.
الغابة الغربية.
الاسم وحده جعلني أرفع رأسي.
“لماذا يمنع دخولها فجأة دون سابق إنذار؟”
لم أكن أسأل من باب الفضول وحده. كان في السؤال شيء من الضرورة. الغابة الغربية لم تكن مجرد غابة، كانت مصدر دخل، مصدر مهام، مصدر تدريب. منعها… يعني تجميد جزء كبير من نشاط كل مرتزق في هذه المدينة. وهذا يفسر ما نراه.
أجابت ماري بنبرة مقيّدة، كأنها تختار كلماتها:
“كانت الأجواء في الغابة مريبة في الأيام الأخيرة.”
توقفت قليلًا.
ثم أضافت:
“الوحوش تتصرف بغرابة… وتنظيم غير طبيعي. وهناك قِلّة جعلت الأمر في موضع شك حقًا.”
تجمّد شيء في تفكيري.
“تنظيم…؟”
الكلمة كانت غير منسجمة مع ما أعرفه عن الوحوش. الوحوش تتحرك بغريزة، بحاجة، بجوع. بعضها يعمل في مجموعات بالفطرة كالذئاب والغيلان. لكن تنظيم… بالمعنى المقصود في الجملة التي قالتها ماري… كان شيئًا مختلفًا تمامًا.
وحينها…
جاءت الذاكرة.
لم تأتِ كصورة واحدة، بل كإحساس كامل انبعث فجأة من مكان في أعماقي ظننت أنني أغلقته.
يوم الذئاب.
كنا قد أنهيناهم جميعًا. المعركة كانت قد هدأت، الأجساد الرمادية الضخمة ممددة على الأرض، والبرودة تعود ببطء إلى الهواء بعد أن سحبه حرارة القتال. كنت أحاول أن أتنفس. أن أعود إلى حالتي الطبيعية. وكانت قدرتي لا تزال شبه نشطة، تلك الحالة الفاصلة بين التفعيل الكامل والانطفاء، تلك اللحظة الرقيقة التي ترى فيها الأشياء بوضوح غير معتاد.
وفي تلك اللحظة بالذات…
شعرت به.
من أعماق الغابة. من مكان بعيد جدًا لا تصله الأبصار ولا الأصوات. لكنه وصل. مرّ عبر الأشجار والمسافات وكل شيء يفصلنا عنه ووصل إليّ كموجة غير مرئية.
لم يكن خوفًا عاديًا.
لم يكن ذلك النوع من الخوف الذي يأتي حين ترى خطرًا واضحًا أمامك وتحتاج إلى الاستجابة. كان شيئًا أعمق من ذلك. أثقل. وكأن شيئًا ما نظر في اتجاهي من الظلام وأنا لا أستطيع رؤيته، لكنني أحسست بثقل نظرته على جلدي.
رهبة.
ليست رهبة الجندي أمام عدو يفهمه. بل رهبة الإنسان أمام شيء لا يستطيع وضعه في صندوق يعرفه.
وكان ذلك الشيء… حيًا. ومنظمًا. ويفكر.
شعرت بيدي ترتجف قليلًا فوق الطاولة.
أغمضت عيني. تنفست بعمق. ثم فتحتهما.
الجميع كانوا يتحدثون. لكن صوت أفكاري كان أعلى.
كانت نور تشرح، ولاحظت أنها تتابعني بطرف عينها بينما تتكلم. تلك الملاحظة الصامتة التي تميّزها عن الآخرين.
“الحرب تخلف الكثير من الجثث… حتى مع دفنها، تقوم الوحوش بنبش القبور والتهامها.”
كان صوتها هادئًا ومنضبطًا كعادته، لكنه ينقل الخطورة بدقة لا تحتاج إلى تضخيم.
“عندما تمتلئ بطون الوحوش… تصبح أقوى وأخطر. وفي أسوأ الأحوال… تتطور.”
التطور.
الكلمة نزلت بثقل.
ليس تطور الحجم أو القوة وحده. بل تحول أعمق. كأن الكائن يتخطى الحد الذي رُسم له ويصبح شيئًا مختلفًا كليًا.
ثم أضافت بجدية تزيد الهواء ثقلًا:
“موجة الوحوش تحدث عندما يتطور وحش ما إلى فئة كارثة.”
صمت.
كامل. تام. حتى أصوات القاعة من حولنا بدت أبعد فجأة.
رفعت نور نظرها نحونا وتابعت بنبرة محكومة:
“سيكون ذكيًا… وقويًا… وقادرًا على السيطرة على باقي الوحوش وتوجيههم.”
توقفت لحظة.
ثم:
“وعندما يكتمل تطوره… يبدأ حملة لإبادة أقرب تجمع للبشر.”
لم يقل أحد شيئًا.
لكن الجميع فهم.
المدينة. هذه المدينة. نحن.
لم أستطع الصمت أكثر.
“لقد شعرت به…”
نظر الجميع إليّ في نفس اللحظة.
لكنني تابعت قبل أن أتراجع:
“ذلك اليوم… عند مهمة الذئاب… بعد القضاء عليهم، وقبل أن ينطفئ تفعيل قدرتي تمامًا…”
توقفت لحظة، أحاول وصف ما لا يقبل الوصف السهل.
“شعرت بشعور هائل قادم من أعماق الغابة. رغم أنه كان بعيدًا جدًا… كان كافيًا ليهز كياني بالكامل.”
ابتلعت ريقي.
“لم يكن شعور وحش عادي. كان شيئًا… أكثر من ذلك.”
الصمت الذي أعقب كلامي كان مختلفًا عن سابقه. لم يكن صمت الاستماع. كان صمت الناس الذين يسمعون شيئًا يؤكد ما كانوا يخشون أن يكون صحيحًا.
نظر الجميع إليّ.
نور كان في عينيها ذلك الوميض الهادئ، كأن قطعة تلتصق بمكانها في صورة كانت ناقصة. إيمي كانت تحدق بي وفي وجهها توتر مكتوم. جين أسند مرفقيه على الطاولة وضم أصابعه ببطء. ماري كانت تنظر إليّ بذلك النظر الذي يقيّم لا يتفاجأ.
وكارل…
كان أول من تكلم.
كان صوته هادئًا، لكنه ثابت بطريقة تختلف عن ثباته المعتاد الساخر. كأنه يتكلم وهو يوازن كل كلمة قبل أن يضعها.
“ربما تكون صحيحًا… وربما تكون على خطأ.”
نظر إليّ مباشرة.
“لكن لا تنسَ أن هذه المدينة محمية من قبل فارس كبير.”
ثم اتسعت نظرته لتشمل الجميع.
“لو كانت موجة وحوش… فنحن المرتزقة لن نواجه إلا الوحوش العادية. أما الفرسان… فهم من يواجهون المتطورة. وأمر الوحش الكارثة… لا يوجد من يقدر على مواجهته غير الفارس الكبير نفسه.”
الكلمات كانت منطقية.
منطقية ومقنعة ومطمئنة.
ولاحظت كيف استقبلها الآخرون. كارل يؤمن بما يقول. جين أومأ برأسه ببطء. حتى إيمي بدت كأن شيئًا في صدرها انحلّ قليلًا.
أما أنا…
نظرت إلى الطاولة أمامي.
كانت كلمات كارل تحمل منطقًا لا يمكن دحضه. الفارس الكبير موجود. المدينة محمية. التسلسل الهرمي للمواجهة واضح ومنظم. المرتزقة في مستواهم، الفرسان في مستواهم، والكبار في مستواهم. كل شيء في مكانه.
لكن…
ذلك الشعور.
ذلك الإحساس الذي لامسني في أعماق الغابة.
لم يكن شعور شيء يعرف مكانه في التسلسل الهرمي لأحد.
كان شعور شيء لا يعبأ بالتسلسل الهرمي أصلًا.
أخذت نفسًا طويلًا.
“أنت محق يا كارل…”
قلتها ببطء.
لكنني لم أُكمل الجملة.
لأن ما يليها… كان يبقى في داخلي.
وكان داخلي يقول شيئًا آخر تمامًا.
انتهى الاجتماع بعد ذلك بوقت قصير. لم يكن هناك الكثير لمناقشته حين تكون المهام مجمّدة والغابة ممنوعة وكل ما يمكنك فعله هو الانتظار. تفرقنا. ماري عادت إلى مكتبها. كارل ونور وجين خرجوا في اتجاهاتهم المختلفة.
وبقيت أنا… وإيمي.
سرنا خارج النقابة في صمت. الشارع أمامنا كان في حالته الطبيعية، لا يعرف شيئًا عما قيل داخل تلك الجدران. الناس يمشون ويضحكون ويتجادلون ويشترون. الحياة مستمرة كعادتها.
لكن الشيء الذي شعرت به في الغابة…
لم يختفِ.
كان لا يزال هناك. في مكان خلف ضلوعي. لا يصرخ. لا يستعجل. فقط…
ينتظر.
مثل صوت منخفض جدًا لا تسمعه أذنك لكن جسدك يعرفه.
نظرت إيمي إليّ وهي تسير بجانبي.
“أنت تفكر.”
ليس سؤالًا.
“نعم.”
“في الشيء نفسه؟”
“نعم.”
صمتت لحظة.
ثم قالت بنبرة هادئة لا تخفي ما تحتها:
“ما الذي شعرت به بالضبط؟”
فكرت في كيفية وصفه.
“كأن شيئًا ما… في أعماق تلك الغابة… كان يعرف أننا هناك.”
توقفنا معًا عند تقاطع الطريق.
“وأنه لم يتحرك… ليس لأنه لم يستطع.”
نظرت إلى الأفق البعيد حيث تبدأ الأشجار تلمع خضراء تحت الشمس.
“بل لأنه لم يكن وقته بعد.”
لم ترد إيمي.
لكنني رأيت في عينيها أنها فهمت.
وهذا…
كان أكثر شيء يقلقني.
ليس الخطر نفسه. الخطر معروف ومسمى. بل تلك الكلمة الأخيرة.
بعد.
لأن كل شيء له بعد يعني أن له قبل.
ونحن… كنا نعيش في الـ قبل.
وهذا الـ قبل… لم يكن لديه وقت محدد للانتهاء.