الفصل 22 - وجهة نظر إيمي
استيقظت مبكرًا، كعادتي تمامًا.
لا أعرف منذ متى أصبح هذا الأمر طبيعيًا بالنسبة لي، لكن جسدي اعتاد الاستيقاظ قبل شروق الشمس بقليل دون أن يطلب منه أحد ذلك. لا موعد يستدعي التبكير، ولا مهمة تنتظر، ولا حتى سبب واضح يستحق الاستعجال. فقط… ذلك الإحساس الخفيف بأن اليوم بدأ، وأن الوقت لا ينتظر حتى وإن كانت السماء لا تزال رمادية.
بقيت مستلقية للحظات، عيناي مفتوحتان تحدقان في السقف الأبيض المشقق. كان الصمت يملأ الغرفة، لكنه لم يكن فارغًا أبدًا. كان مليئًا بأصوات خافتة لا يسمعها أحد غيري: أنفاسي المنتظمة، خفقة قلب بطيئة هادئة، وأفكار كثيرة تتشكل وتتلاشى كسحب الصباح الباكر. بعضها واضح وله اسم، والبعض الآخر يرفض أن يتشكل بالكامل ويبقى كشيء يُحسّ ولا يُسمّى.
تنهدت بهدوء.
ثم جلست ببطء، أمددت ذراعيّ للأمام، شعرت بتكسّر خفيف مريح في مفاصل كتفيّ. جسد يوم أمس لا يزال يتكلم.
كما أفعل كل صباح منذ سنوات طويلة، بدأت بالتمدد.
ليس تمرينًا عشوائيًا، بل طقس. ربع ساعة كاملة، لا أتنازل عنها لأي شيء. حركة تلو الأخرى، وضعية بعد أخرى، أشد عضلاتي ببطء حتى تستيقظ كلها تباعًا. ظهري، ساقاي، كتفاي، رقبتي. أتعامل مع الجسد كأداة دقيقة تحتاج إلى إعداد قبل أي استخدام. حين انتهيت شعرت بذلك الإحساس المألوف المحبب، إحساس أن كل شيء في مكانه، إحساس الاستعداد.
كان الطقس الصباحي يمنحني شيئًا أكثر من المرونة الجسدية. كان يمنحني السيطرة. وكأنني أستعيد نفسي في هذه اللحظات الهادئة قبل أن يسرقني اليوم ويأخذني إلى حيث يشاء.
ارتديت ملابسي بهدوء.
القميص الرمادي الخفيف، السراويل الداكنة المناسبة للحركة، الحزام الجلدي الذي يحمل غمدي السيفين على الجانبين. مألوف. مريح. أنا.
نزلت إلى الطابق السفلي من النزل.
كان المكان لا يزال هادئًا في هذه الساعة المبكرة، خاليًا تقريبًا من الزبائن سوى رجل نائم على طاولة في الزاوية وكوب بارد أمامه. ضوء الصباح الخافت يتسلل من النوافذ ذات الإطارات الخشبية، ينعكس على الطاولات ويرسم خطوطًا ذهبية باهتة على الأرضية الحجرية. رائحة الخشب القديم والقليل من دخان موقد ما زال يحتضر. هذا المكان… رغم بساطته، كان دائمًا يمنحني شعورًا يصعب تسميته. ليس فقط الأمان، بل شيء أعمق. كأنه يتذكرني في كل مرة أعود إليه.
غسلت وجهي بالماء البارد في الحوض القريب من المدخل.
لامس الماء بشرتي وكان باردًا أكثر مما توقعت، فأغمضت عيني للحظة وأنفاسي توقفت ثانية قبل أن تعود. رفعت رأسي ونظرت في انعكاسي الخافت على سطح الماء الساكن. وجهي نفسه. شعري البني القصير المتطاير قليلًا. عيناي الخضراوان اللتان لا أعرف إن كانتا تُعبّران أم تُخفيان.
لم يتغير شيء في الوجه.
لكن… شعرت أنني أختلف قليلًا. بطريقة لا أستطيع وضعها في كلمات.
جلست إلى طاولتي المعتادة. نفس المكان، نفس الكرسي ذو الذراعين، نفس الطاولة بقرب النافذة حيث أستطيع رؤية الزقاق الخارجي. لا أعرف لماذا أصررت دائمًا على هذا المكان بالذات. ربما لأن الإنسان يبحث عن الثبات حين يشعر أن كل شيء حوله يتحرك.
لم تمضِ دقائق حتى ظهرت سارة من خلف الباب الداخلي.
كانت ترتدي مئزرها الأبيض الذي يحمل آثار عمل الأمس، شعرها الرمادي الفضي مربوط بعناية خلف رأسها، وعلى وجهها… تلك الابتسامة.
تلك الابتسامة التي لا تشبه أي ابتسامة أخرى في العالم.
بمجرد أن رأتني، اتسعت تلقائيًا كأنها كانت تنتظرني.
سارة… لم تكن مجرد صاحبة النزل الذي أقيم فيه. لم تكن مجرد امرأة طيبة أحسنت استقبالنا. كانت أكثر من ذلك بكثير. بعد وفاة أمها وهي صغيرة، كانت سارة هي من ملأت ذلك الفراغ الصامت. من علّمها. من احتوتها. من جعلتها تشعر دائمًا أن هناك من يعرف اسمها ويفرح برؤيتها. لم تجعلها تشعر يومًا بالوحدة رغم كل ما فقدته.
كانت تحبها. بطريقة لا تحتاج إلى إعلان.
لكن في الوقت نفسه… كان هناك ألم خفي هادئ يسكن تحت السطح. فكرة أن سارة تدير هذا المكان وحدها. تحمل كل هذا الثقل بمفردها. وهذا شيء لم يكن سهلًا على إيمي أن تنظر إليه دون أن يعضها شيء من الداخل.
جلست سارة أمامها كعادتها، يداها تضعان كوب الشاي الساخن على الطاولة بلطف.
وبدأ الحديث.
لكن الحديث هذه المرة… كان مختلفًا.
لاحظته في ثوانٍ. تلك الابتسامة على وجه سارة لم تكن ابتسامتها الدافئة المعتادة. كانت فيها شيء آخر. شيء ماكر. شيء يجعل حواسك تستيقظ وكأنها تشم خطرًا ناعمًا.
ضيّقت عينيها قليلًا.
“دارون لا يزال نائمًا…”
قالتها سارة بنبرة طبيعية خفيفة، وهي تُنفخ في كوبها.
“… إنه فتى مفعم بالطاقة حقًا.”
توقفت إيمي للحظة.
دارون؟
لماذا يبدأ الحديث عنه فجأة في الصباح الباكر؟
حاولت إبقاء نبرتها هادئة، طبيعية تمامًا.
“حسنًا… إنه يبذل جهده كل يوم أكثر من الجميع.”
ابتسمت سارة. ابتسامة من وجد ما كان يبحث عنه.
ثم خفّضت صوتها قليلًا وقالت بنبرة أعمق:
“إنه رجل قوي… وماهر… يمكن الاعتماد عليه حقًا.”
شعرت بشيء يشد في صدرها. لم تفهمه. لكنها حاولت تجاهله.
“حسنًا… إنه يسعى دائمًا ليصبح أقوى… تطوره مخيف حقًا.”
وهنا…
ابتسمت سارة بطريقة مختلفة تمامًا.
كانت ابتسامة انتصار.
هادئة. محكومة. لكنها انتصار لا يخطئه أحد.
وقالت بنبرة فيها شيء من الدعابة الخفية:
“يبدو أنه مشهور بين النساء حقًا.”
تجمّدت إيمي.
“ماذا…؟”
الكلمة خرجت وحدها.
ارتبكت دون أن تقرر الارتباك، وتلعثمت بطريقة غريبة غير مألوفة عليها:
“عن ماذا تتكلمين يا خالتي؟ لم يمضِ على وجوده هنا شهر حتى!”
لكن سارة لم تتراجع خطوة واحدة. بل على العكس، اقتربت قليلًا إلى الأمام، يدا المرأة مطويتان على الطاولة، وفي عينيها ذلك البريق المعتاد لشخص يعرف أكثر مما يقول.
“حسنًا… شعرت بالدهشة عندما رأيت ابنتي تعود برجل من الحرب.”
اتسعت عينا إيمي.
“الأمر ليس كما تظنينه يا خالتي! لم يكن يملك مكانًا للإقامة فقط… وأنا مجرد أرشدته!”
“حسنًا…”
قالتها سارة بهدوء مريب.
“لكنكِ تبدين أكثر نشاطًا في وجوده فقط.”
…
صمت.
انتشر الدم في وجه إيمي دفعة واحدة. شعرت بالحرارة في خديها قبل أن تستطيع فعل أي شيء حيال ذلك. لم تجد الكلمات. لم تجد ردًا. لم تجد حتى جملة كاملة تستطيع إتمامها.
فعلت الشيء الوحيد المنطقي.
نهضت.
“لقد تذكرت أن علي عملًا اليوم! إلى اللقاء يا خالتي!”
وغادرت قبل أن تنتهي جملتها بالكامل.
لكن قبل أن تخطو ثلاث خطوات خارج المدخل…
سمعت سارة تهمس خلفها بصوت خافت فيه بسمة لا تخطئها:
“أطفال هذه الأيام… جريئون حقًا.”
توقفت للحظة.
قلبها ينبض بشكل أسرع مما ينبغي.
ثم تابعت السير بخطوات أسرع.
خرجت إلى الشارع والهواء الصباحي البارد لامس وجهها المحتقن دفعة واحدة. كان ذلك مريحًا نسبيًا. الأزقة في هذه الساعة المبكرة كانت شبه خالية، فقط بعض الباعة يضعون بضاعتهم على الطاولات، وبعض العمال يمرون بصمت مسرعين.
بدأت تسير دون وجهة محددة.
أو هكذا قالت لنفسها.
لكن في الواقع… كانت تهرب. وتعلم ذلك.
تهرب من تلك المحادثة. من تلك الابتسامة الماكرة. من تلك الكلمات التي بدت بسيطة لكنها جلست في مكان غير مريح في صدرها ورفضت المغادرة.
كلما حاولت تجاهلها، عادت.
ابتسامة سارة.
“تبدين أكثر نشاطًا في وجوده فقط.”
هزّت رأسها بحركة قاطعة.
“لا.”
واصلت السير.
لكن الأفكار لم تتوقف. بل تصاعدت بصمت مزعج، كماء يغلي ببطء لا تراه إلا حين يفيض.
لماذا الجميع يربطونها به؟ لماذا أصبح وجوده بجانبها أمرًا مفروغًا منه في أذهان كل من يعرفهما؟ هل… هل هو كذلك فعلًا بالنسبة لها؟ هل أصبح وجوده طبيعيًا لدرجة أنها لم تعد تلاحظ متى بدأ يشغل حيزًا من… من…
“لا.”
قالتها بصوت أعلى قليلًا هذه المرة.
نظر إليها رجل عجوز يجلس أمام دكانه بنظرة استغراب.
أعادت النظر إلى الأمام وأسرعت خطاها.
وصلت إلى ورشة الحداد في الجهة الجنوبية من السوق.
البناء الحجري المألوف بنافذته الواحدة الكبيرة التي ينبثق منها دائمًا شيء من الحرارة والبخار، صوت الطرق المعدني المتقطع يُسمع من الداخل حتى قبل أن تفتح الباب. دفعت الباب ودخلت.
الحداد العجوز كان خلف مصنعه، وجهه الجلدي المخطط بخطوط السنوات يلمع بقطرات عرق خفيفة، نظارته المعدنية الصغيرة على طرف أنفه. رآها ورفع رأسه، وانبسطت على وجهه ابتسامة مرحبة.
“أهلًا…”
ثم توقف.
نظر خلفها.
ثم نظر إليها مجددًا.
“ماذا؟ هل أتيتِ وحدكِ؟ ماذا عن دارون؟”
…
شعرت بشيء ينكسر في صبرها.
“لماذا علي أن أكون مع دارون دائمًا؟!”
خرجت الجملة بحدة لم تقصدها لكنها لم تعتذر عنها.
“أنا أتيت لأخذ أغراضي فقط!”
نظرت إليه بانزعاج واضح لا تحاول إخفاءه.
الحداد العجوز لم يبدُ متأثرًا بالمرة. بل نظر إليها بعيني رجل رأى كثيرًا في حياته، ثم ابتسم بهدوء وأدار ظهره ليتناول من الرف خلفه غمدين جلديين ذوي مقابض فضية.
سيفاها.
وضعهما على الطاولة أمامها دون كلمة.
ثم قال وهو يعود إلى عمله:
“أوصلي تحياتي للفتى دارون.”
…
أخذت السيفين ولم تقل شيئًا. تركت عملة فضية على الطاولة وغادرت.
الهواء خارجًا كان أكثر برودة من الداخل.
“لماذا…”
تمتمت وهي تسير دون أن تُكمل الجملة.
لماذا الجميع… يفترضون ذلك؟
واصلت السير حتى وصلت إلى مبنى النقابة.
البناء الضخم بحجارته الرمادية الداكنة وعلامته المعدنية فوق المدخل. دخلت، وكالعادة كان المكان في حالة ضجيج معتدل حتى في الصباح الباكر. مرتزقة يراجعون لوحة المهمات، مجموعات تتحدث بأصوات مختلفة الحجم.
ثم رأتها.
ماري.
خلف مكتبها كعادتها، بشعرها البني الداكن المربوط بدقة، ومعطفها الرسمي الداكن، وتلك النظرة الحادة المنظمة التي تعرفها إيمي جيدًا.
اختفى كل شيء آخر من ذهنها.
ركضت نحوها بخطوات سريعة وانتزعتها من خلف المكتب في احتضان قوي مفاجئ.
“ماري! لقد اشتقت إليك!”
ضحكت ماري بدفء حقيقي، وردّت الاحتضان بيد واحدة ظريفة.
“وأنا أيضًا…”
ثم أبعدتها قليلًا لتنظر إليها، وفي عينيها ذلك الفضول الهادئ الذي تعرفه.
“هل أنتِ وحدكِ اليوم؟”
توقفت.
“ماذا حدث لدارون؟”
…
تجمّدت إيمي في مكانها.
مرة أخرى.
نفس السؤال. نفس الاسم. نفس الافتراض البديهي الذي لا يتوقف أحد عنده ليسأل نفسه لماذا يطرحه.
شعرت بالغضب يتصاعد في صدرها هذه المرة بشكل أوضح.
“لماذا تفترضين أنني يجب أن أكون مع دارون دائمًا؟!”
نظرت إليها ماري بهدوء. ثم ابتسمت بطريقة فيها شيء من الحنان المزعج.
“لأنكما تبدوان مقربين للغاية.”
“نحن… مجرد أصدقاء فقط!”
“حاليًا… نعم.”
قالتها ماري بهدوء موزون كشخص يؤدي شهادته أمام قاضٍ.
“لكن مستقبلًا؟ من يدري.”
اتسع احمرار وجه إيمي حتى شعرت بأن أذنيها تحترقان.
“ماري! أنتِ أيضًا؟!”
لم تنتظر ردًا. التفتت وغادرت بخطوات سريعة جازمة.
قضت وقتًا طويلًا تتجول في السوق دون هدف حقيقي.
وشيئًا فشيئًا… هدأت الأمور. ليس لأنها وجدت جوابًا لأي شيء. بل لأن التعب الجسدي تغلب في النهاية على الضجيج العقلي. الشمس ارتفعت حتى وصلت إلى منتصف السماء، والسوق ازدحم وأصبح أكثر ضجيجًا بعد هدوء الصباح. رائحة الطعام تتصاعد من الأكشاك. أصوات البيع والشراء تملأ الهواء.
شعرت بالجوع.
شعرت بالتعب.
وقررت العودة.
دخلت النزل.
كان الضوء داخله أكثر دفئًا من الخارج، رائحة الطبخ تملأ المكان، وصوت خفيف لأدوات المطبخ يصدر من الجهة الداخلية.
ثم رأته.
دارون.
كان جالسًا عند إحدى الطاولات، ظهره مستند إلى الكرسي باسترخاء، يداه أمامه على الطاولة، نظرته على الباب. حين دخلت، رفع عينيه الرماديتين الهادئتين ورآها.
وابتسم.
ابتسامة بسيطة. طبيعية. بلا تكلف.
“مرحبًا سارة… كنت أنتظرك لنتناول الغداء معًا.”
تجمّدت.
لا لأنه قال شيئًا غريبًا.
بل لأنه لم يقل شيئًا غريبًا. قالها بطبيعية تامة. كأنها أمر مفروغ منه. كأن انتظارها لتناول الغداء شيء يحدث دائمًا.
وهذه الطبيعية… كانت أكثر إرباكًا من أي كلمة مدروسة.
شعرت بقلبها.
ينبض.
بشكل أسرع قليلًا من المعتاد.
“هل… يسمعه؟”
الفكرة مرت في رأسها كبرق.
احمر وجهها للمرة الرابعة في يوم واحد، وهو رقم لم تعتده في حياتها كلها.
“حسنًا… لنأكل بسرعة.”
جلست. اختارت الكرسي المقابل ووضعت السيفين على الطاولة بجانبها. أخذت قائمة الطعام وأمسكت بها بتركيز مبالغ فيه كأنها تدرس وثيقة مهمة.
تجنّبت النظر إليه.
لكنها فشلت.
نظرت.
لحظة واحدة فقط. خاطفة. إليه وهو ينظر إلى قائمة طعامه بتلك الجدية الهادئة المعتادة، حاجبه الأيسر منحنٍ قليلًا كما يفعل دائمًا حين يفكر.
خفضت رأسها على الفور.
وشيئًا ما، شيء خجول ومستحي، تحرّك في مكان ما بداخلها.
“ربما…”
توقفت. أمسكت الجملة قبل أن تكتمل حتى في داخلها.
ثم… أكملتها بصمت لا يسمعه أحد:
لا أعتقد أنه سيء لهذه الدرجة.