الفصل 21 - مكاسب المهمة
عدنا إلى المدينة والأجواء تختلف عن أي عودة سابقة.
لا أعرف كيف أصف ذلك بدقة… لكن كان هناك شيء في الهواء، شيء خفيف وثقيل في آنٍ واحد، كأن العالم من حولنا لم يتغير، لكننا نحن من تغيرنا. وجوه الناس في الأزقة، أصوات السوق المتداخلة، صرير عجلات العربات على الحجارة، حتى رائحة المدينة نفسها… بدت مألوفة بطريقة جديدة. كأنها تعترف بنا. كأنها تعرف أننا عدنا من مكان لم يعد كل من ذهب إليه.
كان مكسبنا من مهمة صيد الغيلان مرضيًا، بل أكثر من مرضٍ.
لم يكن الأمر مجرد عشرين غولًا وُضعت أرواحهم في كيس غنائم. كان الأمر أن مهمة كهذه، وفق أي معيار معقول، كانت تستدعي يومين على الأقل من التخطيط والمراقبة الحذرة. يومين من الزحف بين الأشجار، من الصمت المطبق، من قراءة آثار الأقدام وتحليل أنماط التحرك، من الخوف المستمر والهادئ من الوقوع في كمين محكم لا مخرج منه. يومين من الترقب الذي ينهك الأعصاب أكثر مما تنهكها الطعنات.
لكننا أنهينا كل ذلك في مواجهة واحدة.
مواجهة لم تكن سهلة، لن أدعي ذلك.
مواجهة كادت أن تخرج عن السيطرة في أكثر من لحظة. لحظات رأيت فيها الفوضى تزحف نحونا كموجة، ولحظات شعرت فيها أن الحبل بيننا وبين الهاوية أرفع مما ينبغي.
ومع ذلك…
نجونا.
بل وانتصرنا.
لكن ما كان يُسعدني حقًا، ما كان يُدفئ شيئًا عميقًا في صدري أكثر من كل المال والنجاح والغنائم مجتمعةً… كان شيئًا آخر تمامًا.
كانت قدرتي.
لأول مرة في حياتي… تمكنت من استحضارها بإرادتي أنا.
ليس صدفة عمياء.
ليس استجابةً لخوف يسيطر على العقل ويُفقده رشده.
ليس لحظة يأس وصل فيها الجسد إلى حافة الانهيار فانطلقت القدرة كصرخة أخيرة.
بل… باختيار. بقرار. بإرادة واعية مستيقظة.
وهذا وحده، هذه اللحظة الواحدة من السيطرة، كانت تساوي كل ما حدث. كل جرح. كل لحظة توتر. كل ثانية من القتال. كل ذلك كان ثمنًا مقبولًا لتلك اللحظة الواحدة التي أثبتت لي أن ما بداخلي… ليس مجرد قوة تأتي وتذهب كيفما شاءت.
بل هو شيء يمكن أن يُروَّض.
خلال عودتنا، كنا نسير على الطريق الرئيسي المؤدي إلى بوابة المدينة. الأشجار على الجانبين أصبحت أخف وأقل كثافة كلما اقتربنا من الحضارة، والتراب تحت أقدامنا تحول تدريجيًا من الطين الرخو إلى الحصى المضغوط.
كارل كان يسير بخطوات واسعة واثقة، يده اليمنى تلعب بمقبض سيفه بحركة اعتيادية متكررة، وعلى وجهه تلك الابتسامة العريضة التي لا تفارقه حين يشعر بالرضا. كان يحكي شيئًا لإيمي، وكانت إيمي ترد عليه بسخريتها المعتادة الهادئة. جين ونور كانا خلفهما قليلًا، يتبادلان ملاحظات عن تفاصيل القتال بصوت منخفض ومحسوب، كما يفعل المحترفون دائمًا.
أما أنا… كنت بعيدًا.
جسدي كان يسير مع الجميع، لكن عقلي كان في مكان آخر تمامًا.
كنت أُعيد كل لحظة من المعركة في ذهني كشريط فيلم يدور ببطء. كل حركة. كل قرار. كل إحساس عبر جسدي حين انطلقت القدرة. الطريقة التي تباطأ فيها العالم حولي. الطريقة التي أصبحت فيها حركات الغيلان واضحة كأنها مرسومة مسبقًا في الهواء. الطريقة التي انتهى بها كل ذلك وتركني صدى ألم ينبض خلف عيني.
وبعد تحليل طويل وصامت… توصلت إلى أمرين.
الأمر الأول: قدرتي تعمل بطريقتين مختلفتين تمامًا.
الطريقة الأولى… شكل جزئي. تفعيل خافت محكوم، كأنك تفتح صنبور ماء على ربع درجة. وهذا ما استخدمته اليوم. ذلك التركيز الحاد الذي يجعل العالم أبطأ، أو ربما يجعلني أنا أسرع في إدراكه. أستطيع في هذه الحالة قراءة النوايا قبل تحولها إلى حركات، رؤية مسارات الأجساد قبل أن تُكمَل، توقع ضربة قبل أن ترحل من كتف صاحبها. ليس بدقة مطلقة. ليس بشكل كامل. لكن بشكل كافٍ ليمنحني الأفضلية التي تفصل بين المقاتل الذي ينجو وذلك الذي لا ينجو.
الطريقة الثانية… الشكل الكامل. وهذا لم أصله بعد.
هذا الشيء الذي أشعر بوجوده في مكان ما في أعماقي، مثل ضغط خفي خلف جدار، مثل صوت منخفض جدًا لا تستطيع سماعه لكنك تشعر بأهتزازه في عظامك. أعرف أنه موجود. أستطيع الإحساس بحافته. لكن…
وكأن هناك بابًا داخل عقلي. أراه. أستطيع الاقتراب منه وأن تلمس يدي خشبه البارد. لكنني لا أملك المفتاح.
بعد.
الأمر الثاني: هذه القدرة، حتى في شكلها الجزئي، مُكلفة بشكل لا يُستهان به.
ليس بالمعنى الجسدي فحسب.
بل عقليًا. عصبيًا. بطريقة تجعل بقية التعب يبدو هينًا بالمقارنة.
لم أستطع الإبقاء عليها لأكثر من عشرين ثانية. عشرون ثانية فقط. وحين انتهت تلك الثانية العشرون… كان رأسي يدق كأن من بداخله يطرق الجدران بمطرقة. أفكاري تناثرت كأوراق في ريح، وجسدي أصبح ثقيلًا بشكل مفاجئ مزعج، كأن أحدًا أضاف أثقالًا على كل مفصل فيه.
وهذا أثار سؤالًا لا أستطيع تجاهله:
إن كان الشكل الجزئي يكلفني هذا الثمن… فماذا سيكون ثمن الشكل الكامل؟
الفكرة وحدها… أثارت شيئًا يشبه الخوف في قاع معدتي.
وهذا قادني إلى نتيجة بسيطة في صياغتها لكنها ثقيلة في معناها:
قوتي… سلاح ذو حدين.
إن لم أتعلم التحكم بها، إن لم أفهمها وأُدجنها تدريجيًا… فإنها لن تنتظر العدو لتدمرني.
ستتكفل بذلك بنفسها.
كانت مهمة اليوم خبرة حقيقية للفريق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
كانت أول اختبار حقيقي للعمل الجماعي، لا تدريبًا يُتكرر في ساحة مؤمنة، بل ميدانًا حقيقيًا تقرر فيه النتائج بلا رجعة. وكل التدريب الذي خضناه خلال الأسبوع السابق، كل تلك الساعات من مراقبة بعضنا البعض وفهم أنماط الحركة والقتال، أثمرت بطريقة لم أكن أتوقعها.
لأنني بنيت لنفسي أساسًا. ليس كمرتزق فحسب، بل كمقاتل يفهم ما يفعله. وكان أعظم ما اكتسبته في تلك المعركة شيئًا لا يُقاس بالعملات: إدراك قيمة استغلال الفرص، والوعي بالمحيط كأداة وليس مجرد خلفية. التضاريس ليست عائقًا. الأشجار ليست زخرفة. الظل ليس مجرد غياب ضوء. كل شيء يمكن أن يكون حليفًا إن أحسنت قراءته.
البقاء والنجاة مهارة. ليست حظًا. وليست موهبة موروثة.
مهارة تُبنى لحظة تلو لحظة.
وبنيت منها اليوم طبقة جديدة.
أضف إلى ذلك… أن ما رأيته من الوحوش فتح أمامي نافذة لم أتوقعها. الغيلان كانت ماكرة وصيادة بالفطرة، تتحرك بمنطق بارد محسوب، تنتظر وتختار توقيتها. أما الذئاب التي واجهناها سابقًا فكانت مفترسة بمعنى أعمق، إرادتها نابعة من عمق مختلف تمامًا عن إرادة البشر. إرادة بشرية تحكمها الأفكار والمخاوف والطموحات والحسابات. أما إرادة المفترس… فهي نار نقية. لا تشكيك. لا تردد. فقط حتمية.
وهذا الفهم… كان درسًا بذاته.
تنهدت ببطء ورفعت رأسي.
كنا قد وصلنا إلى بوابة المدينة.
حارسان يقفان على الجانبين في درع خفيفة بنية اللون، رماحهما مستندة إلى الجدار. ألقيا نظرة علينا، نظرة خاطفة مسحت ملابسنا المتسخة، آثار الطين الجاف على أطراف الأكمام، البقع الداكنة التي لم تختفِ بالكامل رغم ما حاولناه. ثم أشارا بأيديهما للتوقف، وقرأا بطاقات الهوية التي أبرزناها، قبل أن يُسمحا لنا بالدخول دون سؤال واحد.
هذا وحده… كان كافيًا.
كافيًا ليقول ما لم يقله أحد بصوت عالٍ: نحن لم نعد مجرد وجوه جديدة في هذه المدينة.
السير داخل الأزقة كان مختلفًا هذه المرة.
الناس في السوق يتحركون بإيقاعهم المعتاد، الباعة يصيحون، الأطفال يركضون، النساء يساومن… لكن كلما مررنا بمجموعة، كان هناك من يُثبّت نظره علينا لثانية أو ثانيتين أكثر مما تستدعيه المصادفة.
بعضهم كان في نظرته إعجاب.
بعضهم… حذر هادئ.
والبعض… شيء يشبه الاحترام المحسوب.
“يبدو أننا أصبحنا مشهورين قليلًا.”
قالها كارل بصوته المرتاح الواثق، وهو يمرر كفه في شعره الأشقر المتشعث بحركة تلقائية مبالغ فيها، نظرته تتجول بين الوجوه المحيطة باستمتاع واضح.
“أو ربما وجهك فقط هو ما يجذب الأنظار.”
ردت إيمي بنبرتها الجافة الهادئة وهي تسير دون أن تلتفت إليه.
انفجرت نور بضحكة خفيفة ناعمة، تلك الضحكة التي كانت دائمًا أخف مما تستحق اللحظة، كأنها تتعمد تقنين الفرح. واكتفى جين بابتسامة هادئة محكومة، عيناه تتابعان الطريق أمامه.
لم أشارك في الحديث.
لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتي دون أن أستأذن.
كان هذا الشعور… جديدًا. غريبًا بطريقة دافئة.
شعور الانتماء.
لم تمضِ دقائق حتى وصلنا إلى مبنى نقابة المرتزقة.
البناء الحجري العتيق بنوافذه الضيقة وبابه الخشبي الثقيل المحفور على حوافه شعار النقابة، كان كما تركناه. دخلنا، وغمرنا على الفور ذلك المزيج المألوف من الأصوات: ضحكات متقطعة، صفقات تُعقد بأصوات عالية، خلافات تُقمع بأصوات أعلى، وكل ذلك فوق طبقة متواصلة من حركة الأجساد والأسلحة.
توجهنا مباشرة نحو ماري.
كانت خلف مكتبها الخشبي الطويل كعادتها، تتصفح وثائق بنظرة مركزة، قلمها يتحرك بسرعة. بمجرد أن رفعت رأسها ورأتنا، اتسعت عيناها الرماديتان قليلًا، توقف القلم، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة.
“أهلًا بكم… يبدو أنكم عدتم سالمين.”
“بل عدنا ومعنا خبر أفضل.”
قالتها إيمي بحماس لا تخفيه، وهي تضع كيس الغنائم الجلدي على الطاولة بصوت ثقيل مدروس.
نظرت ماري إلى الكيس. ثم نظرت إلينا نحن. كأنها تحاول قراءة الأرقام من وجوهنا قبل أن تسمعها.
“لا تخبريني…”
“عشرون.”
قالتها نور بهدوء تام، بلهجة من يُعلن حقيقة لا يحتاج إلى تزيينها.
ساد الصمت.
صمت حقيقي في مكان لا يعرف الصمت.
ثم قالت ماري ببطء، وكأنها تتأكد من كل مقطع:
“…غولًا؟”
أومأنا جميعًا.
بقيت لثوانٍ طويلة تنظر إلينا بعيون تُعيد حساباتها. ثم تنهدت، وفي ذلك التنهد شيء يشبه الاعتراف، وقالت بابتسامة فيها دفء لم نرَه منها من قبل:
“يبدو أنني قللت من شأنكم.”
لم يكن في صوتها سخرية هذه المرة. ولم تكن تجاملنا.
كان فيه تقدير. تقدير حقيقي من شخص لا يمنحه بسهولة.
أُنجزت الإجراءات بسرعة نادرًا ما نراها في النقابة. التحقق من الغنائم، مطابقة العدد، ختم الوثيقة، وتسليم المكافأة.
عشرون عملة فضية.
أمسكت بحصتي من التقسيم، أربع عملات فضية، في راحة يدي. تأملتها للحظة. كانت باردة في اللمسة، لامعة بشكل خافت في ضوء النقابة، ثقيلة بشكل مرضٍ.
لن أنكر… أن جني المال أحد أكثر الأشياء إرضاءً بطريقة بسيطة مباشرة. يميل الإنسان دائمًا إلى الشعور بالرضا حين يُترجَم جهده إلى شيء ملموس يستطيع حمله.
لكن هذه المرة… المال لم يكن ما يهمني أكثر.
ما يهمني… كان ما تعلمته.
تفرقنا بعد الاستلام.
كارل مضى في طريقه بخطوات واسعة، رافعًا يده تحية خفيفة دون أن يلتفت، ربما متجهًا لمكان يستطيع فيه التفاخر بما أنجزه لمن يريد سماعه. جين توجه بهدوء نحو حي التجار، يحمل في ذهنه قائمة معدات محسوبة مسبقًا كما هي عادته. نور… اختفت بصمتها المعتاد، كأن الهواء ابتلعها.
وبقيت أنا… وإيمي.
نظرت إليّ. في عينيها الخضراوين ذلك الضوء الهادئ الذي يظهر حين تكون راضية فعلًا لا مجرد مؤدية للرضا. ثم ابتسمت وقالت:
“لنذهب.”
“إلى أين؟”
“إلى المكان الوحيد الذي يستحق الذهاب إليه بعد يوم كهذا.”
لم أحتج إلى سؤال آخر.
سرنا معًا عبر شوارع المدينة، الشمس تميل نحو الأفق وتصبغ الحجارة بلون البرتقال الفاتح، والظلال تمتد ببطء عبر الأزقة. كنا نسير في صمت، لكنه لم يكن صمتًا محرجًا. كان صمت الناس الذين مروا بشيء معًا ولا يحتاجون لإثبات ذلك بالكلام.
“لقد كنت مختلفًا اليوم.”
قالتها إيمي فجأة، بنبرة هادئة تخلو من أي تلاعب.
نظرت إليها.
“كيف ذلك؟”
توقفت خطوة، ثم واصلت المشي وهي تبحث عن الكلمات المناسبة، عيناها تراقبان الطريق أمامها.
“لم تكن تقاتل فقط… كنت ترى.”
صمت.
ثم أضافت بنفس النبرة الهادئة:
“حتى عندما لم تستخدم قدرتك… كنت تتحرك بشكل مختلف. كأنك تعرف ما الذي سيحدث لحظة قبل أن يحدث.”
فكرت في كلامها بصدق. ثم قلت ببطء:
“ربما… لأنني بدأت أفهم.”
لم تسأل أكثر.
ولم أشرح أكثر.
لكن نظرة واحدة بيننا، لا تدوم أكثر من ثانية، كانت كافية لتقول ما لا يحتاج إلى كلمات.
وصلنا إلى النزل حين بدأ الليل يتسلل خجولًا، السماء فوقنا تتحول من برتقال إلى بنفسجي عميق.
بمجرد أن فتحنا الباب، استقبلتنا سارة وعلى وجهها تلك الابتسامة الساخرة التي تحمل دفئًا يعرفه فقط من يعرفها جيدًا. كانت تمسح يديها بمنديل أبيض وهي تنظر إلينا من الأعلى إلى الأسفل بنظرة قارئة.
“عدتما أخيرًا.”
“وأنتِ كما أنتِ… لم يتغير شيء.”
ردت إيمي بسهولة.
“على عكسكما…” قالت سارة وهي تتأمل ملابسنا المتعبة بنظرة فيها شيء من التعاطف المُخفي خلف الدعابة، “تبدوان كأنكما خرجتما من الجحيم.”
ضحكت خفيفًا.
لم أعلق.
لكن شعورًا دافئًا ومريحًا تسلل إلى داخلي بهدوء، مثل ضوء الموقد حين تدخل من البرد. النزل، بكل ما فيه من ضجيج بسيط وروائح طعام ووجه سارة الساخر… كان أول مكان في هذا العالم أستطيع أن أدعوه منزلًا دون أن يبدو الكلام مجازًا.
جلسنا، ولم تمضِ دقائق حتى وضعت سارة أمامنا طبقين. حساء كثيف بني اللون تعلوه طبقة رقيقة من الدهن اللامع، قطع لحم طرية تتساقط عن العظم بمجرد لمسها، وخبز دافئ لا يزال يتصاعد منه بخار خفيف. الرائحة وحدها كانت كفيلة بإسكات أي حديث وإرغام أي إنسان على الجلوس والصمت والانصياع.
أكلنا.
ببطء في البداية، ثم بسرعة تدريجية كأننا نتذكر كم كنا جائعين. الطعام لا يعطي نفسه حق الوصف حين يكون جيدًا بما يكفي. لم نتبادل كثيرًا من الكلام.
لكن لم يكن هناك حاجة.
حين انتهينا، جلست للخلف وأطلقت زفيرًا طويلًا بطيئًا، شعرت فيه بشيء ينحل في صدري.
“هذا… أفضل شيء في الحياة.”
قالتها إيمي وهي تضع يدها على بطنها بحركة مرتاحة صريحة.
ابتسمت.
“ربما.”
نهضنا بعد وقت قصير، واتجه كل منا إلى غرفته.
بمجرد أن دخلت وأغلقت الباب خلفي… أسندت ظهري عليه للحظة.
صمت.
هدوء حقيقي بعد يوم طويل.
ووحدة.
ليست وحدة الانعزال. بل وحدة الشخص الذي يحتاج أخيرًا إلى أن يكون مع نفسه.
سرت ببطء نحو السرير، جلست على حافته، ثم استلقيت بتثاقل. السقف كان أبيض عاديًا، تتخلله شقوق صغيرة لا تزعج. حدقت فيه.
بدأت الأفكار تعود.
لكن هذه المرة… لم تكن مشتتة كالعادة. لم تكن تتزاحم وتتدافع وتتعارض. كانت مرتبة. صافية. كأن التعب والطعام والهدوء رتبا ما فوضته المعركة.
أنا لست قويًا بعد. هذا واضح بما يكفي لا يحتاج تأكيدًا. ما زلت في المستوى الأول. ما زلت بالكاد أستطيع الإمساك بتلابيب الإرادة وفهم طبيعتها. لكن…
إحساسي تغير.
صار أعمق.
أدق.
وكأن قدرتي لا تنتظر فقط. وكأنها تدفعني، بلطف لكن بثبات، نحو شيء لم أصله بعد.
“العقل الفعال…”
همست بها دون وعي. بلا سبب واضح. بلا قرار مسبق.
لكن الاسم… جلس في المكان الصحيح. بدا مناسبًا بطريقة غير قابلة للشرح.
أغمضت عيني.
وشعرت بشيء غريب.
هدوء. ليس هدوء السكون الخارجي. بل هدوء داخلي، مثل ماء لا يتموج. مثل إحساس الشخص الذي يعرف، دون أن يستطيع إثبات ذلك لأحد، أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
ابتسمت.
ببطء.
ثم اختفى كل شيء.
كان النوم أعمق من أي وقت مضى. لا أحلام تُزعج. لا أصوات تقتحم. فقط راحة كاملة نقية، من تلك التي لا تأتي إلا حين يكون الجسد والعقل قد أعطيا كل ما لديهما… وقرر الكون أن يُكافئهما.
لا يوجد شيء أفضل من النوم لشفاء تعب الجسد والعقل على السواء.
والغد…
كان أكثر شيء أتأمله.