الفصل 20 - مهارة البقاء
“أنا أبدأ من جديد.”
كانت تلك الفكرة آخر ما خطر في بسامي قبل أن يغمض عيني تلك الليلة. بداية حقيقية، لا من فراغ هذه المرة، بل من فهم. من إدراك حدوده وإمكانياته.
الصباح لم يكن بداية هادئة. بل بداية اختبار.
استيقظ على صوت طرق خفيف على الباب. “دارون، استيقظ.” صوت إيمي. فتح عيني ببطء، جلس، ثم فتح الباب.
نظرت إليه بابتسامة خفيفة تخفي حماساً واضحاً: “لو انتظرت إذنك، سنفشل في مهمتنا الأولى بعد العودة.”
تجمّد للحظة. “مهمة…؟” أومأت. “نعم. عدنا للعمل.”
نهض فوراً. “ماذا لدينا؟” ابتسمت وكأنها كانت تنتظر هذا الرد بالذات: “عشرون غولاً في الغابة الغربية.”
صمت. ثم قال: “عددهم كبير.” ردت بهدوء: “ولهذا نحن معاً كفريق.”
بعد دقائق كانوا جميعاً أمام بوابة المدينة. كارل واقف بسيفه على كتفه. جين بجانبه، درعه الضخم يعكس ضوء الصباح الباكر. نور تتحقق من سهامها واحداً واحداً. وإيمي تنظر إليه بعيون تسأل.
“مستعد؟” تنفس ببطء. “هذه المرة… نعم.”
داخل الغابة كان كل شيء مختلفاً عن رحلة الذئاب. الهواء أثقل. الأشجار أكثر كثافة. الصمت أكثر مريبة. ليس هدوءاً بل ترقباً.
قالت نور بصوت منخفض هادئ: “هم هنا.” سألتها: “كيف عرفتِ؟” أشارت إلى الأرض. “آثار. لكنها غير عشوائية.”
انحنى دارون. نظر. ثم تجمّد. “إنهم يتوزعون.” رفع كارل حاجبه: “توزيع؟”
أومأ. “ليسوا قطيعاً عادياً. يحاولون اصطيادنا.” رفع رأسه ببطء. “يريدون تطويقنا.”
في تلك اللحظة — خرج أول غول. ضخم، بشرة رمادية جلدية ووجه عريض وعينان حمراوتان كالجمر. ثم اثنان. ثم خمسة. ثم من الخلف. ومن الجانبين.
صوت جين ارتفع هادئاً حازماً: “تشكيل!”
تحركوا فوراً. جين في المقدمة. دارون وكارل على الجانبين. إيمي في الوسط. نور في الخلف.
لكن كان هناك خطأ. شعر به دارون. ليس عبر القدرة. بل بالعين. بالتفكير.
“إنهم لا يهاجمون.” إيمي: “ماذا؟” “ينتظرون.”
وفي اللحظة التالية تحركوا. لكن ليس نحوهم. بل لتطويقهم. “تفرقوا!” صرخ كارل. “لاااا!” صرخ دارون فوراً. “هذا ما يريدونه!”
توقفوا. نظروا إليه. قال بسرعة: “يريدون تفريقنا ثم القضاء علينا واحداً واحداً.” “ما الحل؟” قال جين.
نظر حوله. الأشجار. المسافة. الأرض. “نثبت موقعنا. ونجبرهم على القتال في مساحة ضيقة.” أشار إلى منطقة بين الأشجار الكثيفة من ثلاث جهات. “هناك. نجعل ظهرنا محمياً.”
تحركوا فوراً.
بدأ القتال. الغول الأول اندفع نحو جين. اصطدم بدرعه كما يصطدم الموج بالصخرة. لكن الثاني قفز من فوق جين مباشرة.
“يسار!” صرخ دارون. تفادى الهجوم بالكاد. ثم طعنته في جنبه. سقط. لكن واحد آخر خلفه. كان سيُصاب — لكن سهم نور اخترق عينه بدقة مذهلة.
بدأ دارون يتحرك. ليس بعشوائية. بل بحساب. “هنا شجرة. هناك ظل. هذه أرض زلقة.” بدأ يستخدم كل ما يراه.
غول اندفع نحوه بسرعة وجسد ضخم. تراجع خطوة. واحدة فقط. جعله يفقد التوازن قليلاً بسبب الأرض الزلقة. ثم طعنة في عنقه.
لكن كانوا أذكى مما توقع. اثنان تحركا معاً. واحد جذب انتباهه بهجمة واضحة. والثاني هاجم من الجانب الأيمن.
“اللعنة…” رفع سيفه متأخراً. لكن في تلك اللحظة — شعر بها. ذلك الوميض. الإحساس.
“الآن…” تفعّلت. ليس بالكامل. لكن جزئياً. كافياً. رأى مسار الحركة. نية الهجوم. تفادى بدقة. ضربة. ثم ضربة أخرى. سقط الاثنان.
لكن أنفاسه تسارعت. رأسه بدأ يؤلمه. “توقف… ليس الآن.” أوقفها. “دارون!” صوت إيمي.
نظر. ثلاثة غيلان حولها. اندفع. لكن لم يعتمد على القدرة. على ما تعلّمه. رمى حجراً بيده الحرة. أصابه في مؤخرة رأسه. أحدهم التفت نحوه. إيمي استغلت الفرصة وقتلت الثاني بسرعة مذهلة. وصل. تعاونا كثنائي يفهم بعضه بلا كلام. أنهيا الأول والثالث بتنسيق فطري.
قالت وهي تلهث: “أنت تتحسن…” لم يجب. كان يفكر في شيء مختلف. “هم يتعلمون. يتأقلمون. يتعاونون.” ثم فهم.
“اقتلوا القائد!” صرخ. “ماذا؟!” قال كارل. أشار: “ذاك الذي لا يهاجم!”
كان هناك غول أكبر حجماً من الباقين. واقف في الخلف. لا يشارك في القتال. فقط يراقب. يراقب ويصدر إشارات خفية.
“جين! افتح الطريق!” اندفع جين كجدار متحرك يشق الطريق. دارون خلفه. كارل من اليمين. نور تغطي من الخلف. إيمي تدعم الجانبين.
اقتربوا. القائد تراجع. “إنه ذكي لن ينتظر.” وفعلاً هرب. “لا تدعه يهرب!” صرخ. اندفع وحده خلفه.
كان سريعاً. لكنه فهم: “لن يهرب بعيداً. سيجد مكاناً يختبئ فيه وينتظر.”
قفز. اختفى بين الأشجار. توقف دارون. أغمض عيني. شعر. بشكل خافت. ليس قوياً. لكن كافٍ.
تفعّلت القدرة لثوانٍ محدودة. رأى حركته. مكانه. فتح عيني. انعطف. تفادى هجومه الذي جاء من الجانب. ثم طعنته بضربة نظيفة. سقط. نظر إليه بحقد أطفأه الموت. وقف دارون. أنفاسه متقطعة. رأسه يدور. “هذا حدي…”
عندما عاد كان القتال قد انتهى. نظر إليه الجميع.
“أنت قتلته؟” قال كارل. أومأ. جلس جين على الأرض وقال: “لهذا توقفوا وهربوا.” قالت نور: “كان يوجّههم.”
نظر إليهم ثم قال: “الغيلان ليست مجرد وحوش. بل مقاتلون بالفطرة.” جلسوا. متعبون. لكن أحياء.
قالت إيمي بابتسامة دافئة: “أول مهمة بعد عودتنا… ليست سيئة.” نظر إليها. “هذه البداية فقط.”
وفي تلك اللحظة أدرك شيئاً مهماً. لم يفز بسبب قدرته وحدها. بل بسبب فهمه وحيلته ومهارته وفهم رفاقه.
رفع رأسه نحو السماء المرئية بين الأشجار العالية. وهمس: “أنا لا أحتاجها دائماً.”
ثم ابتسم. “لكن عندما أستخدمها… سأكون أقوى بكثير