الفصل 60 - لوح التجديف الثاني
الفصل 60: لوح التجديف الثاني
“لا مشكلة.” حاول “كلاين” الحفاظ على نبرته العميقة والثابتة.
أسند مرفقه الأيسر إلى مسند الكرسي، ودعم جبهته بخفة بأطراف أصابعه، متخذاً وضعية توحي باستماعه بهدوء وروية.
انتقى “ألجر” كلماته بعناية قبل أن ينطق: “تُعد ‘أنتيغونوس’ عائلة عريقة. تمتد جذور تاريخها إلى (حقبة الكارثة) التي سبقت الحقبة الرابعة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ (لوح التجديف الثاني).”
لوح التجديف الثاني؟ أهناك لوح تجديف ثانٍ؟ كم عددها إذن؟ تقلصت حدقتا “كلاين”، كاد أن يغير وضعية جلوسه من هول المفاجأة.
فبناءً على ما ذكره (الرجل المعلق) و(العدالة) سابقاً، يحوي لوح التجديف الأسرار العميقة لاثنين وعشرين مساراً من مسارات السامين! فهل يوجد اثنان من هذه العناصر البالغة الأهمية، أم ربما أكثر؟
اثنان وعشرون مساراً للسامين… التسلسلات والمسارات… أيمكن أن يحمل هذان المصطلحان المعنى ذاته؟ هل يقود كل مسار تسلسل مكتمل مباشرة نحو عرش السامين؟
في تلك اللحظة، أثار ذكر لوح التجديف الثاني سيلاً من الأفكار في عقل “كلاين”. وأيقن أنه لولا الضباب الرمادي المائل للبياض الكثيف الذي يحجبه، لكانت الآنسة (المتفرج) قد كشفت رد فعله العاطفي على الأرجح.
أما بالنسبة لمصطلح (حقبة الكارثة)، فلم يكن غريباً عليه بصفته مؤرخاً؛ إذ كان هذا هو الاسم الذي يُطلق على الحقبة الثالثة. علاوة على ذلك، وبعد مراجعاته الأخيرة، بات يدرك أن الحقبة الثالثة انقسمت إلى عصرين: العصر المجيد، وعصر الكارثة.
“لوح تجديف ثانٍ؟” أفصحت “أودري” ببساطة عن جهلها التام بهذا الشأن. غير أنها سرعان ما هدأت من روعها، وعادت لتتقمص حالة (المتفرج).
سؤال في محله! هتف “كلاين” مبتهجاً في قرارة نفسه للآنسة (العدالة). إذ لم يكن من اللائق له، بصفته (الأحمق)، أن يطرح سؤالاً كهذا.
اختلس “ألجر” نظرة نحو (الأحمق)، ليلاحظ أن وضعيته لم تتغير، ولم يصدر عنه أي حركة. بالتالي، فكر قليلاً قبل أن يجيب: “ظهر لوح التجديف الأول في (حقبة الظلام)، وهي الحقبة الثانية التي كافحنا فيها نحن البشر للبقاء أحياء تحت حماية السامين. في حين ظهر لوح التجديف الثاني في أواخر الحقبة الثالثة. بل يمكن القول إن ظهوره كان إيذاناً بنهاية حقبة الكارثة.”
استطرد قائلاً: “تتكتم الكنائس السبع الكبرى على محتوى كلا اللوحين بسرية تامة. ولا أعلم عنهما سوى شذرات متفرقة؛ جُل ما أدركه أنهما يرتبطان بمسارات السامين، بيد أنني لست متيقناً من أوجه الاختلاف بينهما.”
تساءلت “أودري” بفضول: “هل لوح التجديف الذي رآه الإمبراطور روزيل كان الأول أم الثاني؟”
وما إن التقط “كلاين” هذه الكلمات، حتى تذكر ما قاله “ألجر” حول أسماء الجرعات خلال تجمعهم الأول؛ إذ ذكر أن أسماء جرعات التسلسل مُستقاة من لوح التجديف!
بالمثل، سبق وأن أشار القائد إلى أن تشكيل وتكامل نظام الجرعات يعود الفضل فيه إلى ولادة لوح التجديف… مما يؤكد بشكل غير مباشر أن مسارات السامين هي ذاتها مسار التسلسل! أجاب “كلاين” على تساؤله السابق في صمت.
رد “ألجر” باقتضاب: “كان الثاني.”
خبا بريق عيني “أودري” لتعود مجدداً إلى حالة (المتفرج). ولم تسترسل في طرح الأسئلة؛ بل اكتفت بتسليط نظراتها المترقبة على (الرجل المعلق).
كان جلياً أن تفحصها الدقيق قد أشعر “ألجر” بعدم الارتياح، غير أنه كبح مشاعره وواصل الحديث بصوت خفيض: “خلال حكم سلالة سليمان في الحقبة الرابعة، ورغم اعتبار عائلة أنتيغونوس جزءاً بارزاً من الطبقة الأرستقراطية، إلا أنهم لم يحققوا أي إنجازات تذكر. بيد أن الوضع تبدل حين دعموا تأسيس إمبراطورية تيودور؛ ليتصدروا حينها قلب المشهد في القارة الشمالية.”
“خلال تلك الفترة، لمعت أسماء مثل أنتيغونوس، آمون، أبراهام، ويعقوب، وغيرها كعائلات مرموقة في مملكة البشر. غير أنه عقب (حرب الأباطرة الأربعة)، هلك إمبراطور الدم التابع لإمبراطورية تيودور. مما أدى إلى سقوطهم من عليائهم، ليغدوا الآن مطاردين من قبل السامين السبعة.”
أردف قائلاً: “لست متيقناً من مجريات الأحداث الفعلية، لكنني أعلم يقيناً أن إبادة عائلة أنتيغونوس تمت على يد كنيسة (حاكمة الليل الأبدي). سيد (أحمق)، إن رغبت في معرفة المزيد، فأخشى ألا يتسنى لك استقاء المعلومات إلا من كنيسة حاكمة الليل الأبدي أو من بعض التنظيمات السرية العتيقة. وأنت تدرك جيداً أي التنظيمات أقصد.”
أنا لا أدرك شيئاً… أومأ “كلاين” برأسه بينما تجرع مرارة الجهل في قرارة نفسه. “حسناً.”
(النظام السري) هو أحدها. وقد ذكر القائد والعجوز نيل (تنظيم الناسك موسى). أتساءل عما إذا كان (علماء النفس الكيميائيون) يُحتسبون ضمنهم…
بينما كان يحصي المرشحين المحتملين في ذهنه، وافاه “ألجر” بالقطرات الأخيرة من المعلومات.
“وعلى نحو مماثل، أجهل تماماً مسارات التسلسل التي سلكتها عائلة أنتيغونوس. فلا توجد سوى صفتين تتكرران باستمرار في وصفهم، ألا وهما: الغرابة والرعب.”
الغرابة والرعب… باسترجاع ما حدث مع المذكرات، وما حل بـ “كلاين” الأصلي وزملائه، والمصير المأساوي لوالدة راي بيبر، تبدو هذه الكلمات وصفاً دقيقاً في محله… نقر “كلاين” حافة الطاولة الطويلة بطرف إصبعه عدة مرات متتالية.
ثم نطق ببطء: “حسناً جداً، أنا راضٍ عن هذا المقابل.”
كان السبب وراء نقره الخفيف والمستمر بأصابعه على الطاولة هو ترسيخ هذا الفعل في أذهانهم؛ ليجعل (العدالة) و(الرجل المعلق) يظنان أنها مجرد عادة متأصلة لديه، بغية إخفاء حقيقة أن هذه الحركة ذاتها تُستخدم لتفعيل وإلغاء تنشيط (رؤيته الروحية).
“من دواعي سروري.” لم يضف “ألجر” أي كلمة أخرى.
رمقت “أودري” (الرجل المعلق) بنظرة، ثم حولتها نحو (الأحمق). وابتسمت بخفة قائلة: “إذن، سأطرح سؤالي الثاني: ما هو اسم الجرعة اللاحقة لـ (المتفرج)؟ وأين يسعني العثور على أدلة تقودني إليها؟”
أود أنا الآخر أن أسأل بهذه المباشرة، غير أن الاختيارات المتباينة تفضي إلى عقبات مختلفة… لم يتفوه “كلاين” بحرف، بل وجه أنظاره صوب (الرجل المعلق).
لاذ “ألجر” بالصمت لثوانٍ معدودة قبل أن يجيب: “سأجيب على هذا السؤال بلا مقابل، نظراً لأنني من قادكِ إلى هذا المسار.
“التسلسل اللاحق لـ (المتفرج) هو التسلسل الثامن: (متخاطر). أما الاسم القديم للتسلسل السابع فهو (المحلل نفسي)، بيد أنه يُدعى الآن بـ (الطبيب نفسي). هذا ما توصلت إليه من أحد أعضاء (علماء النفس الكيميائيون). وأعتقد أنهم يمتلكون عدداً لا بأس به من وصفات الجرعات الخاصة بهذا المسار.”
علماء النفس الكيميائيون_ كانت وسيطة الأرواح “دالي” مؤيدة لنظريتهم إلى حد كبير، في حين اعتبرهم القائد مجرد حفنة من الأشرار والمجانين… أنصت “كلاين” غارقاً في أفكاره العميقة.
سألت “أودري” وعيناها تتلألآن ببريق الفرح: “هل تعلم مكان تواجد هذا العضو تحديداً من علماء النفس الكيميائيون؟” سواء كان (متخاطر) أو (طبيب نفسي)، فقد راق كلا الاسمين لذائقتها.
أطلق “ألجر” ضحكة نادرة. “أجل، أعلم. إنه غارق في أعماق البحار المحيطة بجزيرة سونيا؛ فقد أغرقته بيدي هاتين. وإذا كنتِ ترغبين في البحث عن علماء النفس الكيميائيون، فيتوجب عليّ الاعتذار، إذ لقد قطعت كل خيوط الأدلة.”
لم يساوره أي قلق من أن تكتشف (العدالة) هويته من خلال وصفه، فقد نفذ الأمر بمفرده، بعيداً عن أعين المتطفلين.
“أغرقته…” عجزت “أودري” عن الرد، ولم تدرِ أي تعبير يجب أن يرتسم على وجهها.
أخذت نفساً عميقاً، وفشلت فجأة في الحفاظ على حالة (المتفرج). لتسأل بخجل: “السؤال الثالث. إذا—وأنا أقول إذا—تجرع حيوان عادي جرعة من التسلسل التاسع، فما الذي سيحدث؟”
أي نوع من الأسئلة هذا؟ ربت “كلاين” على منتصف جبهته بخفة وبحركة غير ملحوظة بإصبعه الذي كان يسند به رأسه. وسرعان ما لاحظ التغيرات في الألوان، وأدرك أن مشاعر “أودري” قد أمست محمومة، ومتوترة، ومكسوة بقليل من الخزي.
أيعقل أنها اقترفت حماقة كهذه؟ ذُهل “كلاين”، لكنه لم يستغرب الأمر تماماً. فبعد التجمعين الماضيين، بات موقناً بأن الآنسة (العدالة) طائشة إلى حد ما.
كان من الواضح أن (الرجل المعلق)، “ألجر”، قد أُصيب بالذهول هو الآخر، واستغرق بعض الوقت ليجيب. “لا تمتلك الحيوانات العادية عقولاً كعقول البشر، ولن تتمكن من تعلم (التأمل) في الوقت المناسب. وبالتالي، سيؤدي الأمر على الأرجح إلى نفوقها الفوري أو تحولها إلى وحوش ضارية. ومع ذلك، إن نجت من الابتلاع الأولي للجرعة، فمن المفترض أن تغدو مخلوقات استثنائية. بل قد تزداد ذكاءً إن كانت الجرعة تمتلك خصائص لتعزيز الإدراك.”
“حسناً.” زفرت “أودري” تنهيدة صامتة، وأومأت برأسها قائلة بنبرة مرتاحة: “ليس لدي أي أسئلة أخرى.”
فكر “ألجر” لبرهة، وقرر ألا يتطرق للأمور المتعلقة بـ (نظام الشفق) أو (المستمع). وبالمثل، هز رأسه مضيفاً: “ولا أنا.”
“لدي أمر ما.” لم يغير “كلاين” وضعيته، بل قال مبتسماً: “سيتطلب الأمر تعاونكما.”
لم يكن قد أبطل (رؤيته الروحية) بعد، لذا لمح على الفور بوادر التوتر تتسلل إلى (الرجل المعلق)، في حين كانت الآنسة (العدالة) أفرط بساطة من أن تظهر خوفاً أو حذراً.
قبل أن يتسنى لهما الرد، طمأنهما “كلاين”: “لا تقلقا. إنه أمر بسيط. فإن تكلل بالنجاح، سيعود بالنفع عليكما، لذا لن أقدم أجراً إضافياً مقابله.”
“تفضل.” ولجت “أودري” غريزياً حالة (المتفرج)، غير أنها عجزت عن اختراق الضباب الرمادي الكثيف الذي يكتنف (الأحمق).
“كما تشاء،” أجاب “ألجر”، مستعيداً رباطة جأشه.
حرك “كلاين” أصابعه وقال بابتسامة: “سبق وأن أشرت إلى أننا سنجري بعض التجارب لتمكينكما من طلب إجازة غياب. وبهذه الطريقة، لن يساوركما القلق إن اضطررتما للتواجد في مكان غير ملائم ظهر يوم الاثنين.”
“تلك غايتنا.” أرخت “أودري” حاجبيها المعقودين.
سأل “ألجر” مفكراً: “ما الذي تريده منا أن نفعل؟”
“بوسعكما تجربة طقس سحري خلال وقت فراغكما. لا داعي لأن يكون رسمياً للغاية. طالما أنكما في بيئة آمنة من المشتتات… ضعا أربع شموع جديدة تماماً على مذبح، بحيث تُوزع على الزوايا الأربع. ويُفضل أن تكون شموعاً برائحة خشب الصندل.
ضعا رغيفاً من الخبز الأبيض قرب الشمعة في الزاوية العلوية اليسرى، ووعاءً من معكرونة فينابوتر قرب الشمعة في الزاوية العلوية اليمنى، وباييلا بجوار الشمعة في الزاوية السفلية اليسرى، وفطيرة ديسي بجوار الشمعة في الزاوية السفلية اليمنى… استخدما سكيناً فضياً لتهيئة بيئة روحية مغلقة…”
شرح “كلاين” نسخته المُعدلة من طقس تعزيز الحظ، وعلم الآنسة (العدالة) كيفية خلق بيئة روحية بلا مقابل.
وبصراحة تامة، لأن الطقس كان موجهاً إليه شخصياً، آمن “كلاين” بإمكانية الاستغناء كلياً عن الجزء الأول المخصص لجذب انتباه أي كيان.
مع ذلك، فقد بذل جهداً مضنياً ليبدو الإجراء ذا أهمية بالغة. بالطبع، لم يتوافق هذا مع ما علمه إياه العجوز نيل حول جعل السامين في المرتبة الثانية والنفس في المرتبة الثالثة.
“…امزجا زهور القمر، والنعناع الذهبي، وزهور السبات، وأترج الأصابع، والورد الصخري معاً ثم قوما بتقطيرها. استخلصا زيتها العطري، ثم اسكبا قطرة واحدة على كل شمعة…”
أنصتت “أودري” باهتمام بالغ بينما كانت تدون كل ما يتفوه به. وحين فرغ من حديثه، بادرت بسؤاله: “وماذا عن التعويذة؟ سيد (أحمق)، ما هي التعويذة المقابلة؟”
توقف “ألجر” عن الكتابة بقلم الحبر الذي بيده هو الآخر، وأدار رأسه لينظر صوب (الأحمق).
نقر “كلاين”، الغارق في الضباب الرمادي، حافة الطاولة الطويلة بإصبعه بخفة، ونطق بهدوء ورتابة بلغة (هيرميس): “(الأحمق) الذي لا ينتمي إلى هذا العصر، أنت الحاكم الغامض فوق الضباب الرمادي؛ أنت ملك الأصفر والأسود المتحكم في الحظ الجيد…”
+++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
هونور هنا امم حسنا اسف على تنزيل الفصول المتاخر اليوم كان لدي بعض الاشغال ، اه قبل ان انسى تم تغيير لوح الكفر الى لوح التجديف. استمتعو….