الفصل 58 - تسلسل الأفكار
الفصل 58: تسلسل الأفكار
في صباح اليوم التالي، وتحديداً يوم الاثنين.
لم يغادر “كلاين” منزله، إذ كان في يوم عطلته. بدلاً من ذلك، سلم “ميليسا” رسالته الموجهة إلى معلمه، الأستاذ “كوينتين كوهين”، مرفقة بمبلغ يفوق ثمن الطوابع البريدية، مكلفاً إياها بمهمة إرسالها من مكتب البريد المجاور لمدرسة تينغن الفنية حيث تدرس.
عقب تناول الإفطار، استغرق في النوم ليعوض ما فاته إثر “عمل” الليلة البارحة. لم يوقظه سوى قرقرة معدته الجائعة مع اقتراب الظهيرة. سخّن بعض بقايا طعام الليلة الماضية وتناولها مع رغيف من خبز الجاودار.
ثم التقط صحيفة واتجه نحو الحمام في الطابق الثاني. كلما فعل ذلك، لم يسعه سوى التنهد بحسرة على غياب الهاتف المحمول.
بعد مضي نحو سبع أو ثماني دقائق، غادر الحمام منتعشاً وغسل يديه. ثم عاد إلى غرفة نومه وأوصد الباب بإحكام. أسدل “كلاين” الستائر، وأشعل مصباح الغاز، ثم غاص في حالة من التأمل العميق لنصف ساعة.
بعد أن أمضى نصف ساعة أخرى في التدرب على (الرؤية الروحية)، الاستشعار الروحي، وعصا التغطيس؛ استغرق ساعة إضافية في المراجعة الذهنية لمعارف التصوف التي اكتسبها مؤخراً.
إثر ذلك، مزق الصحيفة القديمة وكورها إلى بضع كرات ورقية، وخط عليها أسماء بعض المواد مثل: “شمعة زهرة القمر”، و”زيت جوهر البدر الكامل”. استعرض في ذهنه الخطوات المقررة للسحر الشعائري ليتقن كل تفصيلة دقيقة فيه. لم يكن ينتوي ممارسة السحر الشعائري فعلياً قبل أن يألفه تماماً؛ فذلك لن يعدو كونه إهداراً للمواد، فضلاً عن كونه محفوفاً بالمخاطر التي يسهل اجتذابها.
كرر الأمر مراراً وتكراراً حتى التقط ساعة جيبه الفضية المزينة بنقوش أوراق الكرمة ليختلس نظرة إليها. ليدرك أن الساعة تشير إلى الثالثة إلا ربعاً.
فكر لثوانٍ معدودة، ثم حمل قصاصات الصحف القديمة إلى المطبخ في الطابق الأول ليحرقها. وأثناء ذلك، حرص على بلوغ حالة ذهنية مثالية استعداداً لـ تجمع التاروت.
أوصد باب غرفته مجدداً، غير أنه لم ينتظر حتى تدق الساعة الثالثة. فقد عقد العزم على ولوج المنطقة القابعة فوق الضباب الرمادي قبل الموعد المحدد. كان يبتغي اغتنام الفرصة لاستكشاف المكان بدقة متناهية!
بينما كان يقف في بقعة خالية بغرفته ويشرع في السير عكس عقارب الساعة، ساوره قلق مباغت من ألا يكون (العدالة) و(الرجل المعلق) قد اتخذا بيئة مناسبة بعد. وخطرت بباله مسألة محددة: هل سيتعرضان للإزعاج أو الانكشاف؟
سبق وأن ألمح لهما بإمكانية تقديم طلب “إجازة” مسبقاً إن اضطرا للتغيب عن التجمع لسبب ما، كتعذر العثور على مكان للانفراد بنفسيهما أو لظروف طارئة. في الماضي، كانت هذه المعضلة لتبدو مستعصية على الحل بالنسبة لـ “كلاين”. فلا سبيل له لبناء شبكة إنترنت كاملة قائمة على الخوادم بجهد فردي في عالم آخر، أليس كذلك؟ وأي تقنية تتجاوز التلغراف من شأنها أن تفضحه.
بيد أنه الآن، استلهم فكرة مفاجئة من السحر الشعائري.
“يعتمد السحر الشعائري على استعارة قوى الآخرين عبر التماس العون من كينونات مختلفة. فالتعاويذ المشابهة توضح منذ البداية الوجهة المقصودة، مثل (حاكمة الليل الأبدي) أو سيدة القرمزي. إنها بمنزلة وصف لتلك الكينونات الغامضة والخفية.” “إذن، هل يمكنني تعديل التعويذة وتوجيه ديباجتها نحو نفسي؟” “موجهة إليّ…” “وبهذه الطريقة، حتى وإن أجرى (العدالة) و(الرجل المعلق) الطقس في مواقع متفرقة، فسأتلقى رسائلهما.”
انتاب “كلاين” فجأة وميض من البصيرة بينما أخذ يحلل احتمالية نجاح هذه الطريقة.
“تكمن المعضلة في عقبتين. أولاً، لست (متسلسلاً) فائق القوة من مستوى عالٍ. فحتى لو وُجِّه وصف التعويذة إليّ، يستحيل عليّ تلقي ‘الطلب’. ثانياً، كيف أضمن أن يوجه وصف التعويذة إليّ بدقة، وألا يحيد عن مساره ليصيب كينونة أخرى مجهولة تتطابق مع الوصف؟ سيكون ذلك محفوفاً بخطر داهم.”
ذرع “كلاين” غرفته جيئة وذهاباً، غارقاً في التفكير بحثاً عن حل عملي ممكن. دار في حلقات بخطوات صامتة. ثم، ربط الأمر بتلقائية مع العالم الغامض للضباب الرمادي.
“حتى وإن عجزت عن تلقي الرسالة، فذلك لا يعني أن الضباب الرمادي سيعجز هو الآخر.
فرابطه بالنجوم القرمزية قادر على ‘سحب’ الشخص إلى ذلك الفضاء مباشرة، بغض النظر عن موقعه في العالم المادي.
“بوسعي التفكير في ربط نفسي بذلك الفضاء الغامض معاً أثناء التوجيه الوصفي… “وتماشياً مع تسلسل الأفكار هذا، رغم أنني قد لا أتلقى ‘الطلب’ لحظة إجراء الطرف الآخر للطقس، إلا أنني سأظل قادراً على رؤية الرسائل المطابقة كلما ولجت الضباب الرمادي.
“ببساطة، يعادل الأمر الفارق بين حالة الاتصال وعدم الاتصال في أنظمة المراسلة الفورية.”
ازداد حماس “كلاين” كلما تعمق في التفكير، وأيقن أن فكرته تستحق التجربة. “همم، أي نوع من الوصف قد يُستخدم لتوجيه رسالة بدقة متناهية إليّ وإلى عالم الضباب الرمادي؟” شرع في التفكير في التفاصيل الفعلية.
في الواقع، كان يمتلك تعويذة من المؤكد نجاحها؛ ألا وهي الترجمة اللوينية لعبارة ‘البركات تنبع من السيد الخالد للسماء والأرض’. غير أن المعضلة تكمن هنا: سيفقد سيطرته على الضباب الرمادي ويفقد دوره القيادي. لذا، لم يكن أمامه سوى استبعادها. (الأحمق) القادم من عالم بديل؟ مستحيل. رغم دقته الشديدة وانعدام أي كينونة أخرى تقريباً تطابق هذا المعيار، إلا أنه سيفضح أعظم أسراري… استعرض “كلاين” تعويذة تلو الأخرى في ذهنه، لكنه شطبها جميعاً.
بعد مضي نحو سبع أو ثماني دقائق، حسم أمره أخيراً بشأن وصف الفقرة الأولى الموجهة إليه. “(الأحمق) الذي لا ينتمي إلى هذا العصر.”
كان جلياً أن الوصف يفتقر إلى الدقة الكافية؛ لذا سارع بإضافة: “الحاكم الغامض فوق الضباب الرمادي.” إن دمج هذين السطرين حصره فيه عملياً. علاوة على ذلك، فقد ربط الضباب الرمادي بكيانه.
“لا يزال الأمر ناقصاً بعض الشيء. لا يسعني استبعاد احتمالية وجود فضاءات وحكام متعددين فوق الضباب الرمادي. كما لا أستطيع نفي إمكانية توجيه الوصف نحو عالم الأرواح…” عقد “كلاين” حاجبيه وعزم على جعله أكثر إحكاماً.
همم… استغرق في التفكير لدقيقة كاملة، وأخيراً استقر على الجزء الأخير من الوصف. “ملك الأصفر والأسود المتحكم في الحظ الجيد!”
كان هذا يحمل معنى مشابهاً للتعويذة الأصلية. فلو اعتمدت التعويذة كلياً على هذا الجزء الأخير، لربما انحرفت عن مسارها لتستفز كينونات خطيرة ومجهولة. بيد أنه مع تقييدها بالسطرين الأولين، ومستنداً إلى تجربته في بلوغ ما فوق الضباب عبر تعويذة مشابهة، أيقن أن هذا الوصف للهدف سيؤدي إلى توجيه دقيق وقفل مثالي.
لم يكن “كلاين” متيقناً من فعالية إلقاء السحر الشعائري بهذه الأوصاف الثلاثة، لكنه كان واثقاً تماماً من أنها لن تثير انتباه كينونة أخرى، ولن تلقي بـ (العدالة) و(الرجل المعلق) في براثن الخطر.
أطلق “كلاين” تنهيدة طويلة وتلا التعويذة التي استقر عليها: “(الأحمق) الذي لا ينتمي إلى هذا العصر، أنت الحاكم الغامض فوق الضباب الرمادي؛ أنت ملك الأصفر والأسود المتحكم في الحظ الجيد…”
أومأ برأسه خفيفاً وأخرج ساعة جيبه ليتأكد من الوقت. “إنها الثانية وثمانية وخمسين دقيقة…” دون مزيد من التردد، أعاد “كلاين” ساعته إلى جيبه وولج حالة التأمل. وسرعان ما أخذ يرتل التعويذة ويخطو أربع خطوات عكس عقارب الساعة ليشكل مربعاً.
التجمع الثاني
تردد صدى أشرس الضوضاء وأكثر الزمجرات إثارة للرعب في قلبه مجدداً. شعر بصداع أشد قسوة ووطأة من ألم تجرع جرعة (المتنبئ). لم يكن ألماً حاداً يمزق رأسه، بل كان نبضاً هادراً يدفعه نحو الهوس وفقدان الرشد؛ ألماً يطوح به في غياهب فوضى وتخبط. تمالك “كلاين” نفسه مستعيناً بالتأمل، حاول جاهداً تجاهل تلك الأصوات.
انحسرت الغمغمات والهمسات كأمواج جزر. واستحال جسده أثيرياً، متناغماً مع روحانيته، بدا وكأن كل شيء يطفو في الفراغ.
تبدى الضباب الرمادي المترامي الأطراف أمام ناظريه، تناثرت النجوم القرمزية على مسافات متباينة منه، لتبدو كأزواج من العيون المحدقة.
فوق الضباب الرمادي، انتصب القصر شامخاً ومهيباً كمسكن لعملاق، كأنه قابع هناك منذ ملايين السنين.
لم يتطلب الأمر من “كلاين” سوى إرادة محضة ليختفي من موقعه، ويظهر مجدداً في مقعد الشرف على رأس الطاولة البرونزية الطويلة المحاطة باثنين وعشرين كرسياً بمساند ظهر عالية.
غمغم “كلاين”: “تأثير الطقس ثابت لا محالة…” ربت على منتصف جبهته بخفة، سامحاً للضباب بابتلاعه بكثافة أكبر من ذي قبل. فبناءً على وصف (الرجل المعلق)، إن كانت (العدالة) قد أصبحت (متفرجاً)، فمن الأفضل ألا يظهر أمامها أي من حركاته اللاإرادية.
ودون تضييع أي وقت في الاستكشاف، مد “كلاين” يده اليمنى وشكّل رابطاً خفياً يصله بالنجمين القرمزيين المألوفين.
++++
على صفحة الأمواج الزرقاء الهادرة لبحر سونيا، كانت سفينة شراعية عتيقة تشق عباب الماء مع الريح. حبس “ألجر ويلسون” نفسه في مقصورة القبطان، وأمر سفينة الأشباح بأن توفر له أقصى درجات الحماية. فتح ساعة الجيب أمامه ووضعها بجوار السدسية النحاسية. كانت دقات الساعة تمضي بلا بهجة، ناضحة بتوتر مكتوم.
وما إن تطابقت عقارب الساعات والدقائق والثواني، حتى انفجر وهج قرمزي أمام “ألجر ويلسون”، متجاهلاً كافة طبقات الحماية التي أحاط نفسه بها. آه… تردد صدى تنهيدته في أرجاء مقصورة القبطان.
++++++++++
باكلوند، حي الإمبراطورة. أسندت “أودري هال” ظهرها إلى وسادة محشوة بالريش، اختلست نظرة إلى الورقة الصفراء بين يديها. بدت عيناها الشبيهتان بالجواهر وكأن بداخليهما روحين تدوران في دوامة بطيئة. كانت نظرتها هادئة وباردة، وكأنها ترتقب انطلاق عرض مسرحي. ومع اندلاع التوهج القرمزي، رمقت نفسها وهي تُبتلع بانفصال تام عن الواقع.
+++++++++
فوق الضباب الرمادي، في القصر المهيب، وعلى الطاولة البرونزية الطويلة العتيقة المبقعة.
التفت “كلاين”، الذي كان قد فعّل (رؤيته الروحية) مسبقاً، حين بدأ طيف “أودري هال” في التشكل. لم يعتريه اندهاش حين رأى الألوان القابعة في أعماق هالتها وقد تمازجت؛ لتغدو نقية وهادئة كبحيرة صافية عاكسة. لقد أصبحت (متجاوزة) بالفعل… كان “كلاين” على وشك أن يشيح بنظره حين لمح فجأة كرسياً يخص الآنسة (العدالة) وهو يتغير.
تحركت النجوم الساطعة على مسند الكرسي بخفة، مشكلة كوكبة وهمية لا تنتمي للواقع المادي. كانت تلك الكوكبة مألوفة لـ “كلاين”؛ فقد كانت إحدى رموز التصوف. لقد كانت الرمز الذي يجسد (التنين العملاق)!
(متفرج)… (تنين عملاق)… كبح “كلاين” رغبته في هز رأسه، وحول أنظاره نحو ظهر كرسي (الرجل المعلق). في الظروف العادية، يستحيل عليه رؤية مسند ظهر الكرسي من زاويته تلك. بيد أنه هنا صاحب السلطة المطلقة، وكل شيء يتجلى وفقاً لإرادته.
لم تتغير الكوكبة المنقوشة على ظهر كرسيه، لكن بما أن “كلاين” قد استوعب أساسيات التصوف، فلم يعد جاهلا كما كان في السابق. وتمكن من إدراك أنها رمز يمثل (العاصفة).
(بحار)… (حارس البحر)… (العاصفة)… هذا منطقي. اللون القابع في أعماق هالة (الرجل المعلق) بات أنقى بكثير مما كان عليه… هل ارتقى في مستواه؟ أوه صحيح، وماذا عن الرمز المنقوش خلف كرسيّ أنا؟
قمع “كلاين” اندفاعه للنظر، ونقر على حافة الطاولة الطويلة ثلاث مرات تماماً كالسابق، ثم ابتسم قائلاً: “مبارك يا آنسة (العدالة)، لقد أصبحتِ (متجاوزة) الآن.”
يمكنه معرفة ذلك على الفور؟ ذُهلت “أودري” ابتسمت بخفة. “شكراً لك، سيد (أحمق)، وشكراً لك، سيد (الرجل المعلق).”
صرح “ألجر ويلسون” بصدق: “كان ذلك أسرع بكثير مما ظننت.”
لم يخض “كلاين” أكثر في الموضوع، بل ربت على جبهته مجدداً وقال مبتسماً: “سيدتي، سيدي، هل وجد أي منكما مذكرات روزيل؟”
++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one