الرونين
امتدت في السماء سحب بيضاء وزرقاء كثيفة ، تداخلت مع بعضها بعضًا حتى بدت كجبال عائمة في أعالي الفضاء ، كانت أشعة الشمس تتسلل من بين الغيوم الداكنة ، ناشرة خيوطًا ذهبية من الضوء وسط الضباب الذي أحاط بالمكان .
وفي قلب ذلك الفضاء السماوي ، ظهر شيئان يحلقان في خطين مستقيمين ، مخلفين وراءهما آثارًا طويلة من الدخان الأورجواني .
كان أولدريك يتقدم في المقدمة ، وقد تحول الجزء السفلي من جسده بالكامل إلى دخان أورجواني ، مما منحه قدرة على الاندفاع بسرعة فائقة عبر السماء ، أما إدوارد ، فكان يجلس خلفه فوق سحابة صغيرة وغريبة تكونت من الدخان الأورجواني نفسه .
بدأت الجروح التي أصيب بها إدوارد في مختلف أنحاء جسده تختفي تدريجيًا ، لكن عملية شفائه كانت تسير ببطء شديد ، وكان الفضل في ذلك يعود إلى الدخان الأورجواني الذي لم يتوقف عن استنشاقه في كل لحظة.
لكن الغريب في الأمر أن آرلين لم يعد موجودًا معهما.
ساد هدوء غريب بين الأخوين ، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تعصف بشعريهما ولحيتيهما بقوة ، نتيجة السرعة الكبيرة التي كانا يتحركان بها.
كانت عينا إدوارد مغمضتين كعادته ، لكنه رفع رأسه قليلًا في إحدى اللحظات ، وكسر ذلك الصمت الطويل قائلًا بصوت عالٍ حتى يصل إلى أولدريك:
"هل حقًا كان تسليم آرلين لذلك الرونين المطلوب قرارًا سليمًا؟"
أجاب أولدريك بصوت مرتفع:
"أجل، أيها اللورد ، وحده الرونين يستطيع تعليم آرلين ما لم تستطع أنت تعليمه له ، ربما سيكون قاسيًا معه قليلًا ، لكنه الشخص المناسب لمهمة تعليم آرلين كيفية التحكم في قوته وإتقان مهارته ، حتى يكون جاهزًا لمساعدتنا في اختبارك."
قال إدوارد:
"لا أريد إقحام آرلين في هذا الاختبار. سأجتازه وحدي."
ضحك أولدريك قليلًا، ثم قال:
"هل تظن نفسك قادرًا على اجتيازه وأنت في هذا المستوى الضعيف؟ لقد راقبتك في الجزيرة عندما كنت تقاتل ذلك المبتدئ. لقد عانيت كثيرًا من أجل هزيمته، وكدت أن تموت في تلك المعركة لولاي."
وقف إدوارد بصعوبة فوق السحابة، ثم رفع يده اليمنى وأغلق قبضته وقال:
"هل تسخر مني يا أولدريك؟"
أجاب أولدريك:
"لا يمكنني السخرية منك يا أخي الأكبر. كل ما في الأمر أنك تجهل الكثير عن سر قدرتك."
قال إدوارد بثقة:
"أعرف أن سبب ضعفي يرجع إلى قلة التدريب الذي تلقيته على يد الإمبراطور، لكن مع بعض التدريب الشاق سأكون جاهزًا من أجل الاختبار."
ابتسم أولدريك وقال:
"أرأيت؟ لقد قلت لك إنك لا تعرف شيئًا عن السر الذي جعلك ضعيفًا إلى هذه الدرجة، لدرجة أنك لا تستطيع التغلب على مبتدئ ضعيف جدًا إلا بشق الأنفس."
ابتسم إدوارد بسخرية، ووضع يديه على خصره قبل أن يقول:
"إذًا أخبرني أنت عن ذلك السر، مع أنني متأكد تمامًا من صحة كلامي."
بدأ أولدريك يتحدث عن السر الذي ظل إدوارد يجهله طوال حياته، وقال:
"عندما كنتَ في الخامسة عشرة من عمرك، اكتسبت قدرتك التي تبدو معقدة جدًا، ولا يمكن وصفها أو شرحها بشكل واضح. يقول المتخصصون في دراسة القدرات إنها مرتبطة بالضوء أو الحرارة، لكن هذا لا يهم الآن. المهم أن تلك القدرة كانت قوية ومدمرة إلى درجة أنك لم تكن قادرًا على السيطرة عليها."
واصل أولدريك كلامه، بينما ظل إدوارد ينصت إليه بصمت:
"لم يكن هناك شخص قادر على صد تلك القوة أو مجاراتها. حتى الإمبراطور نفسه لم يكن قادرًا على إيقافك عندما تفقد السيطرة على نفسك. كنت تدخل في حالة هستيرية، تطلق خلالها العنان لقوتك، وتبدأ في تدمير كل شيء من حولك، وقتل أي شخص يكون بجانبك."
توقف أولدريك للحظة، ثم قال:
"هل تعلم أنك دمرت نصف العاصمة الإمبراطورية في إحدى المرات؟ لقد مات الكثير من الناس بسبب تلك الحادثة يا إدوارد."
بدأت علامات الصدمة تظهر على وجه إدوارد، وكأن تلك الكلمات كانت المرة الأولى التي يسمع فيها الحقيقة المتعلقة بماضيه.
سقط على ركبتيه فوق السحابة، وظل منصتًا إلى كل كلمة يقولها له أخوه.
استمر أولدريك في حديثه وقال:
"كان الحل الوحيد هو تكليف رئيس مجتمع السحرة بكبح قواك، أو على الأقل جزء منها. لذلك ألقى عليك رئيس المجتمع تعويذة أدت إلى إلغاء جزء كبير من قوتك، بالإضافة إلى محو ذاكرتك من كل ما يتعلق بقدرتك قبل استخدام تلك التعويذة."
ظل إدوارد في مكانه دون حركة، وعيناه مغمضتان، وقد بدا عليه الذهول الشديد، وكأنه فقد القدرة على الكلام أو الرد.
قال أولدريك بصوت هادئ:
"كان علي أن أخبرك بالحقيقة منذ زمن بعيد، لكن الإمبراطور أمر كل من يعرف هذا السر بأن يلتزم الصمت. كنت أنتظر دائمًا الفرصة المناسبة لإخبارك."
ثم أضاف:
"عليك أن تستوعب ما قلته لك يا أخي. من الآن فصاعدًا، عليك أن تسعى من أجل استرجاع قوتك الكاملة."
وبعد لحظات، قال أولدريك:
"هيا، استعد. كن على طبيعتك وكأنك لم تسمع شيئًا مما قلته لك الآن. نحن نقترب من المجال الجوي للعاصمة الإمبراطورية."
---
وفي مكان آخر، بعيدًا بمئات الكيلومترات عن إدوارد وأولدريك، كان هناك قارب خشبي صغير يتوسط مياهًا بحرية عميقة وصافية.
كانت المياه الشفافة تكشف عن هيكل عظمي هائل لكائن بحري ضخم، يمتد بجسده الطويل وأضلاعه البارزة في أعماق البحر أسفل القارب. وانتشرت حول ذلك الهيكل بقايا نباتات مائية وتفاصيل غامضة أخفتها الأعماق، بينما كانت انعكاسات الضوء تتلألأ فوق سطح المياه.
كان على متن القارب شخصان.
جلس في مقدمته رجل ذو ملامح حادة ووجه عريض، وحاجبين كثيفين أضفيا على نظرته صرامة وهيبة واضحتين. كان يزين وجهه شارب كثيف ولحية داكنة امتدت حول فكه وذقنه، بينما استقرت سيجارة بين شفتيه، تتصاعد منها خيوط رفيعة من الدخان.
كان شعره الأسود الكثيف مصففًا إلى الخلف بطريقة فوضوية قليلًا، وتخللته خصلات رمادية منحت مظهره إحساسًا بالنضج والخبرة. ارتدى معطفًا أحمر داكنًا ذا ياقة مرتفعة، زاد من هيبته وأبرز قوة شخصيته. بدت تعابير وجهه جادة ومتزنة، بينما ظهرت حول معصميه أساور زرقاء داكنة، وارتدى عدة خواتم في أصابعه.
كان ذلك الرجل يحرك المجذاف يمينًا ويسارًا، دافعًا بالقارب إلى الأمام.
أما الشخص الآخر، فكان آرلين.
ظل آرلين متكئًا في مؤخرة القارب، وما زال فاقدًا للوعي منذ اللحظة التي شاهد فيها أستريا وهي تُؤكل على يد المقنع القرمزي في الجزيرة المحرمة.
كان جسده ووجهه يتحركان بسرعة وهو مغمض العينين، وكأنه يعيش كابوسًا مرعبًا داخل غيبوبته.
وفي ذلك الكابوس، وجد آرلين نفسه مستلقيًا فوق سطح بحر من الدماء.
لم يكن قادرًا على تحريك جسده إطلاقًا.
كان يحرك بؤبؤ عينيه في جميع الاتجاهات، دون أن يتمكن من فعل أي شيء، وكأن جسده قد أصيب بالشلل التام.
تملكه خوف شديد وسط تلك الدماء الحمراء التي أحاطت به من كل جانب.
ثم بدأ يسمع همسات صادرة من مكان ما تحته مباشرة.
كان ذلك الصوت مألوفًا بالنسبة إليه.
لقد كان يشبه صوت أستريا تمامًا.
وفجأة، خرجت يدا أستريا من وسط الدماء وأمسكتا برأس آرلين، قبل أن تقوم بإغراقه داخل ذلك البحر الأحمر.
غاص آرلين في أعماق الدماء، التي كانت مظلمة جدًا من الداخل، ولم يعد يرى شيئًا سوى الظلام.
لكن بعد لحظات، ظهرت أستريا أمامه في مشهد مرعب للغاية.
كان الجزء العلوي من رأسها محطمًا، ولم يكن دماغها موجودًا. أما الفجوة الكبيرة الموجودة في مكان قلبها، فلم يكن بداخلها أي قلب.
كان آرلين ينظر إلى جثة أستريا وهي تقف أمامه حية، بينما كان عاجزًا حتى عن الصراخ.
اقتربت منه أستريا وأمسكت برأسه، ثم صرخت بصوت عالٍ:
"آرلين!"
فتح آرلين عينيه فجأة.
استيقظ أخيرًا من غيبوبته التي استمرت مدة طويلة، وكان يرتعد من الخوف، بينما انتشر القشعريرة في جسده. بدأ يحرك يديه فوق جسده ويتنفس بصعوبة، وكأنه على وشك الاختناق.
التفت إليه الرجل الجالس في مقدمة القارب، لكنه بدا غير مبالٍ تمامًا بما يمر به آرلين.
قال دون اكتراث:
"هيا أيها الفتى المدلل، لقد حان دورك في التجديف."
رمى الرجل المجذاف باتجاه آرلين، بينما كان يدخن سيجارته وينفث الدخان في اتجاهه.
ثم اتكأ في مقدمة القارب، واضعًا يديه خلف رأسه، وساقه اليمنى على ساقه اليسرى، وهو ينظر إلى آرلين بنظرات مليئة بالاستعلاء والاحتقار.
أبعد آرلين المجذاف عنه، ثم وقف بسرعة، مرتعدًا وخائفًا، ووضع يديه فوق رأسه وهو يصرخ كالمجنون:
"أستريا! لقد ماتت بسببي! تبًا... لم أستطع حمايتها!"
وقف الرجل من مكانه بينما كان آرلين يصرخ.
وفي لحظة واحدة، مد يده نحو عنق آرلين بسرعة، وانقض عليه، ثم بدأ بخنقه ورفعه عن أرضية القارب حتى أصبحت قدماه معلقتين في الهواء.
ظل الرجل يدخن سيجارته، بينما كان آرلين يختنق محاولًا إبعاد يده عن عنقه بكلتا يديه، لكن دون أي جدوى.
بدت يد ذلك الرجل وكأنها مصنوعة من الحديد، فلم تتحرك من مكانها رغم محاولات آرلين المستمرة.
وبعد أن انتهى الرجل من تدخين سيجارته، رماها في البحر.
ثم نظر إلى آرلين بنظرات حادة ومرعبة، جعلته يرتعد خوفًا من ذلك الشخص الغريب.
تكلم الرجل بصوت هادئ وقال:
"اسمعني جيدًا أيها الفتى. لو لم تكن أخًا لصديقي أولدريك، لقتلتك الآن ورميتك في البحر. لذا عد إلى صوابك بسرعة، ولا تجبرني على تخييب آماله فيك."
سكت آرلين.
وبدأ يهدأ قليلًا بعد أن سمع اسم أخيه أولدريك.
عندها أفلته الرجل، فسقط آرلين فوق أرضية القارب، وبدأ يسعل بقوة.
لكن ذلك السعال سرعان ما تحول إلى بكاء.
بدأت الدموع تنهمر من عينيه، حتى بدأ بعض المخاط ينزل من أنفه، بينما ظل جالسًا بصمت.
أمسك الرجل بالمجذاف وعاد إلى التجديف يمينًا ويسارًا، وبدأ القارب الخشبي يتحرك إلى الأمام مرة أخرى.
وفي أثناء ذلك، استمر آرلين في البكاء، لكن بصوت منخفض هذه المرة.
قال الرجل:
"هيا، توقف عن البكاء أيها الفتى. كيف يمكن لشخص ينتمي إلى عائلة الغرايفز أن يكون بهذا الضعف؟"
رفع آرلين رأسه بسرعة، ونظر إلى الرجل بغضب وقال:
"من أنت أيها الوغد الغريب؟ أنا لا أعرفك حتى."
التفت إليه الرجل مجددًا بنظرات حادة، ثم أشار إلى نفسه بإبهامه وقال:
"أنا أُدعى رايدن تسوكيمورا..."
توقف للحظة، ثم أضاف:
"لكن الجميع يلقبونني بالرونين."