السيف (7)
البحيرة.
بالقرب من المنارة.
كان قائد الجنود يراقب المعركة، يدخن سيجارة تلو الأخرى، حين أقبل نحوه جندي يجدّف مسرعًا على متن قارب صغير، ثم أدى له التحية العسكرية.
«سيدي القائد! وردتنا أوامر من القيادة العليا!»
«... وما هي؟»
«أُمرنا بمساعدة الرجل الذي يخوض المعركة والقضاء على عدوه!»
«...»
تنهد القائد وهو ينظر إلى مرؤوسه.
يبدو أن رؤساءه لا يدركون شيئًا مما يجري هنا.
«انقل إليهم هذه الرسالة.»
«أجل، سيدي! سأدوّنها حالًا!»
«هذه معركة لا يسعنا التدخل فيها.»
«... سيدي؟»
رمق القائد الجندي المذهول، ثم التفت إلى المعركة من جديد.
هناك، كانت أطياف المتقاتلين تتداخل وتتصادم، ويتردد مع كل اصطدام صرير معدني حاد يؤلم الأذنين.
«نحن عاجزون حتى عن التمييز بين المتقاتلين. فكيف يُفترض بنا أن نهاجم؟»
...
دَوِيّ!
وما إن فرغ من كلامه حتى تناثر الماء عاليًا، كما لو أن صخرة هائلة سقطت في البحيرة.
وتمايلت القوارب بفعل الأمواج التي أحدثها الارتطام.
اختل توازن الجنود، فتساقطوا وأفلتت الأقواس من أيديهم.
جزّ القائد على أسنانه وأصدر أمره:
«ألقوا المراسي! وطوّقوا المنطقة بقواربكم على الأقل، حتى لا تتركوا لهما منفذًا للهرب!»
كان ذلك أفضل قرار يستطيع اتخاذه في الوقت الراهن.
سبق لأكشا أن قتل أطفالًا.
بل قتل الكثير منهم.
كانت الأسرة العادية تنجب طفلين أو ثلاثة، والقرى تتألف في معظمها من أسر كهذه.
أحيانًا كان يتقزز من الدم اللزج الذي يلطخ خنجره، وأحيانًا أخرى كان يُبقي أحد الأطفال حيًا احتجاجًا صامتًا على زبون بخسه أجره.
ومع هذه الاستثناءات، فقد بلغ عدد ضحاياه عشرات الآلاف.
ولهذا تحديدًا، بدا له ما يحدث الآن عصيًا على التصديق.
فسيف فتاة لم تبلغ سن الرشد بعد كان يلامس عنقه.
رنين!
«تبًّا...»
حين يتواجه مبارزان بلغا مستوى رفيعًا من الإتقان، نادرًا ما تتجاوز مبارزتهما عشر جولات من تبادل الضربات.
فإن تجاوزت ذلك، فلا بد أن ينتهي الأمر بنصل أحدهما يشق عنق الآخر.
ذلك أن المبارزين الذين بلغوا ذروة مهارتهم لا يكتفون بتبادل الضربات، حتى وإن بدا النزال متكافئًا؛ فمع كل اصطدام بين النصلين، يقترب كل منهما شيئًا فشيئًا من إصابة خصمه.
وبعد عدد معين من الضربات، سيبلغ أحد النصلين موضعًا قاتلًا لا محالة، مهما بلغت براعة الخصم في الدفاع.
يدرك كلا المقاتلين هذه الحقيقة.
ولهذا، فإن من يعتقد أن عنقه سيُقطع قبل الضربة العاشرة يكون أول من يتراجع.
غير أن التراجع لا يأتي بلا ثمن.
فإن ظل الفارق ضئيلًا حتى الضربة التاسعة، فقد يقتصر الثمن على جرح طفيف.
أما إن اضطر أحدهما إلى التراجع بعدما فرض خصمه عليه هيمنة كاملة...
«يا للسخف.»
تشخ!
... فعليه أن يستعد لتلقي جرح قاتل يضعه على حافة الموت.
مسح أكشا معصمه النازف بلا اكتراث، محاولًا إيقاف تدفق الدم.
لكن لينميل قطّبت حاجبيها بشدة حين رأت الجرح يلتئم دون أن يخلّف حتى ندبة.
«كفّ عن فعل ذلك! كم مرة جرحتك حتى الآن؟! أأنت حلزون أم ماذا؟!»
«لا تغتري بنفسك. لم تُصبيني بهذا الجرح بفضل مهارتك.»
كان محقًا.
فلو أراد أكشا، لما تجاوزت تلك الإصابات مجرد خدوش سطحية.
ومع ذلك، ابتسمت لينميل بثقة، وعدّلت قبضتها على سيفها.
«لكنّك أنت من ظل يتراجع في كل مرة.»
«...»
«...»
لم تكن لينميل تتحاشى الإصابات، بل واصلت الاشتباك معه مرة تلو الأخرى دون تردد.
وكان ذلك هو الأسلوب الصحيح.
فلم تكن تضع حدًا لما قد تتعرض له من جراح؛ ولو اندفعت بجرأة أكبر ونجحت في توجيه ضربة قاتلة واحدة، لحسمت النزال لصالحها.
غير أن قدرة أكشا على التجدد منحته أفضلية هائلة في مثل هذه المبارزات، أفضلية تتجاوز حدود المهارة الفردية.
فامتلاك قدرة تقارب الخلود أمر بالغ الخطورة حين يكون خصمك مبارزًا بالسيف.
ومع ذلك، ورغم هذه الأفضلية...
لم تصل مبارزتهما إلى الضربة العاشرة.
ولا مرة واحدة.
ففي كل اشتباك، كان سيف لينميل يتفوق بفارق بالغ الضآلة، ثم يتحول إلى ضربة تستهدف أحد مواضعه الحيوية.
«لا يمكن أن تكون مجرد مصادفة... أليس كذلك؟»
أمسك أكشا خنجره بقبضة معكوسة، وأخذ يتفحص لينميل من مختلف الزوايا.
صحيح أن الفارق كان ضئيلًا إلى حد لا يُصدق.
ولهذا، اعتقد في المرات الثلاث الأولى أنها مجرد فتاة يحالفها حظ خارق، واستمر في المحاولة.
لكن بعد كل ما جرى، لم يعد يستطيع إنكار الحقيقة المذهلة.
كانت لينميل تدرك مسارًا أدق من شعرة، وتستغله بمنتهى الدقة.
مستوى يستحيل على الإنسان العادي بلوغه، حتى لو أمضى عشرات الآلاف، بل مئات الملايين من الساعات في التدريب.
موهبة يكفي وجودها وحده لإيقاع أي فارس في براثن شيطان القلب.
«... يا لها من موهبة مبهرة.»
رغم أنه قاتل مأجور لا فارس، فقد أفلتت من أكشا كلمات إعجاب خالص.
وتساءل فجأة عما كان سيحدث لو التقى بهذه الفتاة بعد عام واحد.
بل بعد نصف عام فحسب.
«لو التقينا عند المنارة بعد ستة أشهر من الآن، لكنت قد...»
تقطعت أوصاله إربًا إربًا، وتحول إلى شبح لن يعود إلى عالم الأحياء أبدًا.
أفلتت منه ضحكة جوفاء عند هذه الفكرة.
ستة أشهر فحسب كانت كفيلة بأن تقلب مصيريهما رأسًا على عقب.
«إلى متى تظنين أنك ستصمدين هكذا؟ لقد بدأتِ بالفعل...»
ثم تابع:
«لا تنقمي على السماء. يكفي أنها منحتك تلك الموهبة لتدركي مقدار محبتها لك.»
وما إن فتحت لينميل فمها حتى استغل أكشا اللحظة وانقض عليها.
«... لن تنجح!»
صرخت لينميل بثقة، واندفعت نحوه.
ولم يكن قرارها خاطئًا.
فقد اشتبكت معه بالسيف مرارًا، ولم تُهزم في أي من تلك المواجهات.
لكن هذه المرة، كان هناك اختلاف واحد.
...
آخ!
«؟!»
مدّ أكشا ذراعه اليسرى التي تحمل الخنجر، ثم بترها بيده اليمنى.
ضيّقت لينميل عينيها أمام هذا التصرف الذي لا يُعقل، لكنها استجابت له على نحو مثالي.
أطاحت باليد المبتورة التي اندفعت نحوها، ثم هجمت على جسده الذي لم يتبقَّ له سوى ذراعه اليمنى.
«مهما بلغت قدرته على التجدد، فلو شطرته طوليًا...!»
في اللحظات القصيرة التي تسبق تجدد أطرافه، تستطيع تقطيع جسده إلى آلاف القطع.
وكانت عينا لينميل الحادتان قد أبصرتا بالفعل المسار الذي سيسلكه سيفها.
لكن قبل أن تهوي بضربتها لتمزق جسده...
طعن!
«؟!»
«للأطفال جانب ساذج حقًا.»
رنين!
استدارت لينميل بسرعة، وصدّت الخنجر الذي استهدف عنقها.
فاليد اليسرى المبتورة كانت قد تحركت من تلقاء نفسها، وهاجمتها من الخلف!
ولحسن الحظ، لم تتسبب الضربة في إصابة تُذكر.
تراجعت لينميل بضع خطوات بحذر، بينما أعاد أكشا وصل ذراعه المبتورة إلى جسده، وقد بدا أكثر اطمئنانًا.
«صحيح أنني استعنت بالساقطين لاستعادة ذراعي، لكن أولئك الأوغاد خبثاء إلى درجة أنهم لا يمنحونك الكثير من قوتهم.»
«أنت... لم يكن ذلك بترًا عاديًا، بل...»
«اكتشفت أن كل من يرى جثة مقطوعة الرأس يُرخي حذره لا محالة. ولكل قاتل من نارشال تقنيته السرية الخاصة...»
ولإثبات كلامه، مرر أكشا خنجره على عنقه ببراعة، فقطع رأسه بنفسه.
تدفق الدم من موضع القطع.
لكن عند التدقيق، بدا المشهد غير طبيعي تمامًا.
كما لو أن عنقه كان مفصولًا عن جسده منذ البداية.
أعاد أكشا رأسه إلى موضعه، ثم أخذ يدير الخنجر بين أصابعه ببطء وهو يبتسم.
«مجرد تعديل بسيط في بنية جسدي. هل ظننت حقًا أن إنسانًا يستطيع البقاء حيًا بعد أن يُقطّع جسده إلى هذا الحد؟ لا أدري إن كنتِ قد فهمتِ الأمر، لكن صديقك بدا لي فطنًا.»
«إذن، نقطة ضعفك هي دماغك.»
تجاهلت لينميل سخريته وأومأت بخفة.
«لهذا لم تتردد في التضحية بعنقك، لكنك حرصت على تجنب حتى أصغر خدش قد يصيب رأسك.»
«يمكنك فصل أي جزء آخر من جسدك، لكن لو شُطر رأسك نصفين، فلن تستطيع تجديده، أليس كذلك؟»
«فطنة حقًا. حاولت ألا أُظهر ذلك، لكنك لاحظتِه.»
صفق أكشا إعجابًا.
غير أن سهولة اعترافه بنقطة ضعفه أثارت ريبة لينميل.
وفي تلك اللحظة...
«آه... أ...»
اجتاحها دوار مفاجئ، مصحوبًا بطنين حاد في رأسها، فهوت على ركبتيها.
تموج سطح البحيرة تحتها، وبدأ حذاؤها يغوص شيئًا فشيئًا في الماء.
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
ارتجفت لينميل، ومدّت يدها إلى مؤخرة عنقها.
كان مقدار ضئيل من الدم يتسرب من الجرح الذي خلّفه الخنجر حين طعنها.
«ظننت أنني صدَدته تمامًا...»
«أعرف أنه تصرف جبان.»
هز أكشا كتفيه، وأخذ يقترب منها على مهل.
«لكن ما العمل؟ إن كنت تريدين نزالًا شريفًا، فما كان ينبغي لك أن تدخلي مكانًا كهذا.»
«...»
«كان بوسع صديقك أن يسحقني بمنتهى السهولة. وفي أسوأ الاحتمالات، فكرت حتى في استدعاء أولئك الرجال... لكنك لم تعرفي قدر نفسك، فتسببت في المتاعب له، بل وللسماء التي أنعمت عليك بتلك الموهبة. حسنًا، أظن أن ذلك كان من حسن حظي.»
«كح... كح!»
اندفعت موجة من الغثيان من أعماق معدة لينميل، فتقيأت مباشرة في البحيرة.
وصبغ الدم مياهها الصافية بلون قرمزي.
وبينما كانت تغوص رويدًا رويدًا في الماء، اقترب أكشا ليقطع رأسها.
لكنه لمح التعبير المرتسم على وجهها...
فأمال رأسه متعجبًا.
«... أأنت تبتسمين؟»
مسحت لينميل الدم عن زاوية فمها، وابتسمت بثقة.
سبق لأكشا أن رأى مثل هذه المشاهد مرارًا.
أناس يطلقون ضحكات ساخرة من أنفسهم وهم على حافة الموت، وآخرون يفقدون عقولهم وينفجرون في نوبات من الضحك الهستيري.
لكن ابتسامتها لم تكن من هذا ولا ذاك.
كانت لينميل تبتسم ببساطة، كأنها تقضي وقتًا ممتعًا برفقة حبيب.
«ما المضحك إلى هذا الحد؟»
«أيها الأحمق، أظن أن جيرن كان يعرف كل شيء.»
«...؟»
نظرت لينميل إلى انعكاس وجهها على سطح البحيرة الملطخ بالدماء، ثم ابتسمت.
«جيرن يعرف كل شيء. لا بد أنه كان يدرك مدى قوتك، ومدى ضعفي أنا. لهذا حاول منعي.»
«حسنًا، إذن فالذنب ذنبك.»
«أجل. ومع ذلك... فقد أصغى إليّ في النهاية.»
شدّت لينميل عضلات ساقيها.
وفي المياه التي غمرتها حتى ركبتيها، استقرت قدماها على ما بدا كأنه أرض صلبة.
«لقد وثق بي. اعتقد أنني قادرة على الصمود أمامك.»
«...»
«...»
رغم أن انتصاره بدا محسومًا، تسلل إلى قلب أكشا شعور مبهم بالقلق.
وتجسد ذلك القلق في هجوم.
فمن دون أي حركة تمويهية، اندفع خنجره مباشرة نحو عنق لينميل.
حتى لو تفادت الضربة أو حاولت صدّها، فلا بد أن يخترق نصلُه دفاعها...
«آسفة، لكنني لا أستطيع الخسارة.»
رنين!
«...!»
سرت قشعريرة في ظهر أكشا.
فقد رأى لينميل تنهض بشموخ وتصد خنجره!
سمّ تكفي قطرة واحدة منه لقتل تنين عتيق هائل، عجز عن قتل فتاة صغيرة!
«لا فائدة!»
لكن الأوان كان قد فات منذ البداية.
كانت تلك الطعنة مصممة لاختراق دفاع الخصم حتى لو نجح في صدّها.
وقد أبطأ السم رد فعل لينميل قليلًا، فكانت النتيجة أن الخنجر حطم سيفها المصنوع من الفولاذ.
«كخ...!»
قذفتها قوة الضربة بعيدًا، فتدحرجت عدة مرات فوق سطح البحيرة.
ثم نظرت إلى ما بقي من سيفها في يدها.
لم يبقَ منه سوى المقبض.
أما أكشا، فلم يتردد لحظة.
«الآن! هذه هي اللحظة!»
كان الأجدر به أن ينتظر.
فما أظهرته لينميل على الأرجح لم يكن سوى ومضة أخيرة من القوة قبل انهيارها.
وما إن يسري السم أكثر في جسدها، حتى تصبح عاجزة عن الحركة مهما بلغت براعتها.
لكن حواس القاتل، التي صقلتها سنوات طويلة من المعارك، كانت تطلق إنذارًا مدويًا.
ثانية واحدة.
لا، حتى لو أمهلها أقل من ذلك...
كانت حواسه تصرخ محذرة إياه من أن الجثة التي ستغرق في البحيرة قد تكون جثته هو.
«هِنغ...!»
ألقت لينميل مقبض السيف المحطم، ومدّت يدها نحو خنجر الطوارئ المعلق عند خصرها.
لكنها تأخرت قليلًا.
كان أكشا يندفع نحوها كدفقة من الحبر الأسود، حتى غدت ملامح جسده عصية على التمييز.
لم يكن يشغل تفكيره أي شيء سوى القضاء عليها.
عضّت لينميل شفتها السفلى.
لم تفكر في الاستسلام.
لكن يبدو أنها ستضطر إلى تقبّل خسارة إحدى ذراعيها على الأقل.
«...؟»
وفي تلك اللحظة...
لامست يد لينميل، التي كانت تتحسس الماء، جسمًا صلبًا.
ولسبب ما، كان ذلك الشيء يحمل البرودة نفسها التي شعرت بها حين أمسكت يد جيرن.
لم يكن لديها وقت للتفكير.
شووواك!
«كخ... كحح...؟!»
وسط صوت اندفاع الماء، سقط الخنجر في البحيرة.
حدّقت لينميل، وقد أدهشتها ضربتها هي نفسها، في الرمح الجليدي الذي ظهر بين يديها.
كان رمحًا طويلًا، يسهل الإمساك به، ومن المستحيل أن يتشكل في مناخ دافئ كهذا.
أما أكشا، الذي تجمد من الذهول، فحاول الإمساك بالرمح الجليدي الذي اخترق جبهته.
«هذ...»
طق... طقطق...
وقبل أن تلامس أصابعه الرمح، بدأت أجزاء جسده تتساقط من تلقاء نفسها.
ذراعاه وساقاه، ثم بقية جسده أسفل العنق...
وأخيرًا، تدلّى رأسه الذي كان لا يزال يرتجف حتى تلك اللحظة.
«...ا...»
كانت تلك آخر كلمة حاول نطقها قبل أن يموت.
ولم يبقَ من قاتل نارشال سوى أشلاء جثة تطفو على سطح الماء.
نزعت لينميل رأس أكشا من الرمح الجليدي الملطخ بالدماء، ثم احتضنت الرمح وابتسمت برقة.
«كنتَ تراقبني.»
تُرى، هل ما زال يراقبني؟
انتهى كل شيء الآن، فلا أظن ذلك... صحيح؟
أخذت لينميل تتلفت حولها خلسة، ثم مدّت لسانها ولمست به الرمح الجليدي.
«آه! آآه... لِثاني التثَق...!»
لم يكن ذلك قرارًا موفقًا على الإطلاق.