إسمها نازفستاين
الفصل الثاني : اسمها نازفستاين
"يا إلهي، يا إلهي... أخي فالنتاين، هل فقدت عقلك أخيرًا؟"
كان صوتًا رنانًا وهادئًا. وجدت نفسي أتجمد في مكاني تلقائيًا، بل إنني واثق من أن قلبي قد فوّت ست نبضات كاملة عند سماعها تتحدث من خلفي هكذا.
صحيح أنني لا أتذكر الكثير، ولكن...
حتى لو فقدت جميع ذكرياتي، فأنا أشك في أنني سأنسى هذا «الشيء».
وقفت ببطء، مترددًا بعض الشيء في الالتفات. فكرت أولًا في إلقاء نفسي من النافذة هناك. لا يهمني حقًا أننا نسكن في الطابق الثالث، ومع ذلك... ربما كنت أهلوس فحسب؟
هاها! صحيح، أنا مختل عقليًا. هناك احتمال كبير بأنني أتخيل كل هذا وحسب.
أليس كذلك؟ هاه...؟
تركت يدي تهبط إلى جانبي ببطء ، بينما كنت لا أزال أقبض على قارورة الماء بقوة، لدرجة أن أصابعي ابيضّت. ثم استدرت شيئا فشيئا...
استطعت رؤيتها بطرف عيني حتى قبل أن أواجهها مباشرة.
تلك العيون الزرقاء اللازوردية، والشعر الأسود الفوضوي، والجسد النحيل القصير... لقد كانت نسخة طبق الأصل مني. حرفيًا.
"ناز... فستاين...؟"
إنها هي. أختي التوأم " المزعومة "
اتسعت عيناي تلقائيا وأنا أحدق فيها بشرود، كمن تلقى صدمة للتو. في الواقع، أنا أتلقى صدمة حياتي الآن!!
لا، لا، لا، لا... هذا لا يحدث لي. ألا يمكنني أن أشعر بالسعادة ولو قليلًا لأنني عدت لأعيش حياة عادية؟ لماذا هي هنا أيضًا؟!
أوه، صحيح... إنها أختك ، بالطبع ستكون معك في المنزل نفسه، أيها الأحمق.
ظللت متجمدًا في مكاني، أحدق بوجه خالٍ من التعبيرات في وجهها المبتسم بهدوء. كانت بشرتها الشاحبة تجعلها تبدو وكأنها تشع في الغرفة المظلمة.
هي لا تشع ، لا يمكن لمخلوق مثلها أن يشع.
"ما الخطب، أخي؟... لقد كنت تحبس نفسك في غرفتك طوال ثلاثة أيام وليالٍ..."
أمالت رأسها وهي تسأل، وعيناها الهادئتان «البريئتان» تحدقان إليّ بطريقة بدت وكأنها تعبر عن القلق...
هي ليست قلقة حقًا. لا يمكنها أن تقلق بشأني، فهي لا تملك سببًا لذلك.
"...."
لم أجبها. كنت في أقصى درجات تأهبي لأي حالة طارئة. زلة واحدة، خطأ واحد، وقد يكلفني ذلك حياتي... أو ما هو أسوأ.
اكتفيت بالنظر إليها بوجه خالٍ من التعبيرات، محاولًا استيعاب ما يحدث الآن.
دعني أبسط الأمر لنفسي: كنت الناجي الوحيد من نهاية العالم المحتومة، وقد عدت بالزمن بطريقة ما إلى ما قبل الكارثة. والآن أقف أمام نازفستاين، التي يُفترض أنها أختي التوأم المزعجة، وهي تبدو قلقة عليّ، وتتقدم نحوي و...
مهلًا، لحظة...؟
تجمد الدم في عروقي عندما بدأت تمشي نحوي ببطء، ثم توقفت أمامي مباشرة.
كنت أحدق بها بشدة لدرجة أن عينيّ بدأتا تؤلمانني. ما الذي تريد فعله الآن بالضبط؟!
لم أحتج إلى السؤال حقًا لأعرف الإجابة. سرعان ما رفعت يديها و...
"أخي فالنتاين، أعلم أنك حزين، ولكن... لا يمكنك أن ترمي بحياتك هكذا دون اكتراث."
لقد عانقتني.
أحاطتني بذراعيها، وأسندت وجهها إلى كتفي. استطعت شم رائحتها بوضوح... رائحة الملابس القديمة البالية، وشيء آخر... فاسد.
أشعر برغبة في التقيؤ...
"...."
لم يبدو أن نازفستاين لاحظت أنني توقفت عن التنفس، أو أن يديّ ترتجفان رغبةً في دفعها بعيدًا، أو أن قدميّ تحثانني على الهرب نحو النافذة...
اكتفت برفع رأسها والنظر إليّ، ثم ابتسمت بهدوء، مستسلمةً، وهي تميل برأسها إلى الجانب.
"لقد حصلت على فرصة لا تُعوّض، فكيف لك ألا تذهب إلى الأكاديمية بعد انتهاء العطلة؟ أنت جيد كما أنت، فلا تستمع إلى ما يقوله أولئك الأغنياء لك..."
أغنياء؟؟ أكاديمية؟؟ عطلة؟؟؟
بدأت الذكريات تتضح شيئًا فشيئًا.
صحيح، كنت طالبًا في أكاديمية «روثلس»، المخصصة للعائلات الكبرى في القارة. وكنا حاليًا في عطلة الخريف، خلال شهر أكتوبر.
التحقت بها لأنني كنت حالة نادرة: عاميًا عاديًا يمتلك قدرة مميزة، في حين يُفترض أن أفراد العائلات الكبرى وحدهم هم من يمتلكون مثل هذه القدرات.
وبالتأكيد، فإن كوني عاميًا في مدرسة مخصصة للعائلات الكبرى يعني أنني سأتعرض للمضايقات من حين إلى آخر. ولهذا، يبدو أنني كنت أخطط لعدم العودة بعد انتهاء العطلة.
بدأت أفهم بعض الأمور الآن. ابتعدت خطوة إلى الوراء عن نازفستاين، وأنا أحاول إعادة ترتيب ملامح وجهي.
يبدو أنها لم تتحول إلى «ذلك الشيء» بعد، لذا أظن أنه لا داعي للقلق كثيرًا دون سبب.
ولكن...
"تاي؟"
ومع ذلك...
"ناز."
ستصبح كذلك عما قريب...
نسيت كيف أفعل ذلك، ولكنني تركت جانبي شفتيّ يرتفعان إلى الأعلى، محدقًا فيها مباشرة.
أعلم أن الأمر بدا كأي شيء عدا ابتسامة طيبة. ربما بدوت وكأنني على وشك خداعها...
حسنًا، لقد كنت أخطط لذلك بالفعل.
أمالت رأسها إلى الجانب الآخر مجددًا. إنها عادة تفعلها عندما لا تفهم شيئًا، أو عندما تنتظر من أحدهم أن يتحدث.
لم أكن أكاد أتعرف على صوتي. لقد مر وقت طويل منذ أن تحدثت، وكل ما خرج من فمي منذ ان استيقظت كان ضحكات هستيرية غبية.
لكنني مستعد لفعل ذلك الآن.
"أنتِ محقة، يجب أن أعود إلى العاصمة لأدرس..."
"صحيح يا تاي، لقد قررت أخيرًا مواصلة التقدم... أنا فخورة بك جدًا."
ابتسمت بحرارة حتى تحولت عيناها إلى هلالين صغيرين. لقد كانت سعيدة حقًا بقراري في العودة . إنها تهتم لأمري كثيرًا، لسبب ما.
بعد كل شيء...
لم يكن لدينا أحد غير بعضنا. كنا نعيش في هذه الشقة بعد أن أمضينا وقتًا طويلًا نتجول في الشوارع. لا والدين، ولا أقارب، ولا أناس طيبون... فقط نحن الاثنان.
ولهذا، كانت نازفستاين تحب الالتصاق بي في المنزل. فهي لا تخرج منه أبدًا من دوني.
ولعل قدرتها ساهمت بشكل كبير في تعلقها بي كالعلقة.
أجل، لدى نازفستاين قدرة أيضًا. لم تستيقظ تلك القدرة بعد، ولكن...
لا تزال تترك أثرًا سيئًا حتى قبل ظهورها.
الأمر بسيط: نازفستاين غير مرئية لأي شخص، ما عدَاي.
بعبارة أخرى، لا يمكن لأحد رؤيتها أو حتى سماعها، حتى لو وقفت أمامه وصرخت بأعلى صوتها. الأمر أشبه بأن الكون يسمح لها بالبقاء، لكنه يرفض الاعتراف بوجودها في الوقت نفسه.
للأسف، ليس الأمر كما لو أنني أهتم بذلك حقًا. كل ما أريده الآن هو أن أنام وآكل جيدًا قبل حلول نهاية العالم.
ولكن...
أعلم جيدًا أنني لن أستطيع فعل ذلك وهي تحدق بي، وتلتصق بي، بل وهي موجودة أصلًا.
يجب أن أفعل شيئًا حيالها. نادني شريرًا، لكنني لا أهتم حقًا بما تمر به ناز، ولا بها أصلًا، رغم أنها من المفترض أن تكون «أختي».
"ولكن يا ناز، ما رأيك أن نخرج في جولة؟"
"هاه؟ جولة؟؟"
ابتسامة مستقيمة، وعينان تترقبان بطريقة غريبة، ويد تقبض على قارورة ماء بقوة مخيفة.
لقد كنت أنتظرها، كالصياد الذي يترقب السمكة حتى تلتقط الطُعم.
بدت نازفستاين مستغربة جدًا. فأنا لا أخرج كثيرًا، ناهيك عن اصطحابها معي للتنزه.
ليس الأمر كما لو أننا لم نخرج معًا قط، لكن علاقتنا في الآونة الأخيرة كانت تنهار بطريقة أو بأخرى.
ومع ذلك كله، يجب أن أفعلها الآن، وإلا فسأندم لاحقًا.
"أجل، نزهة. فكرت في أننا لم نخرج منذ زمن، وبما أنني على وشك العودة إلى الأكاديمية، فلماذا لا نخرج الآن؟ لا يزال الوقت مبكرًا، والجو مشمس ورائع أيضًا."
"تاي، إنها تثلج في الخارج."
"...."
قلت ذلك بعفوية، لم ادرك أنني ما زلت أملكها حتى الآن.
انتظرت ردها بصبر، لكنني لم أتوقع أن يخذلني عقلي، الذي يعمل بكفاءة مثالية دائمًا، بهذه الطريقة.
"أقصد... الجو منعش، لا مشمس. ألا تحبين الثلج يا ناز؟"
"بلى، أحبه أيضًا..."
بدت وكأنها تفكر في الأمر بجدية، ثم، بعد بضع ثوانٍ، أمسكت بيدي الفارغة بكلتا يديها المتجمدتين، وهي تبتسم كالأطفال.
"إذن، شكرًا لك يا أخي تاي! بالتأكيد سأذهب معك، هيهيهي~~~"
"ها ها هييييه... حسنًا، اذهبي وارتدي معطفكِ."
سأقطع يدي بلا شك بعد أن ينتهي هذا...
"حسنًا~ انتظرني."
أجل، بالتأكيد سأنتظر. لا يمكنني الذهاب من دونك أصلًا، يا ناز...
بينما ذهبت إلى غرفتها لإحضار معطفها، اتجهت أنا إلى المطبخ لألقي نظرة حولي.
تركت قارورة الماء فوق الطاولة على مضض. سأشربها عندما أعود.
تأملت الأواني أمامي: ملعقتان، وشوكتان، و...
سكين واحد.
مددت يدي إليه بشكل طبيعي، وأخذته ثم وضعته في جيبي.
ربما سأحتاج إليه لاحقًا.
لا... سأحتاج إليه حتمًا لاحقًا.
نهاية الفصل الثاني🌹