أنت بالذات
كان الفتى الذي يقف أمام أسلان يمتلك شعرًا أحمر بلون الورود وعينين ذهبيتين.
لم يسبق لأسلان أن رآه في حياته.
ومع ذلك، لسبب غريب، لم يشعر بأن الفتى شخص غريب عنه.
بل راوده إحساس عجيب بالألفة، وكأنه التقى به من قبل.
«أين رأيته...؟»
لا.
لم يسبق له رؤيته فعلًا.
لكن أسلان سرعان ما أدرك الحقيقة بغريزته.
«أنت... لا تقل إنك...»
شعر أسلان وكأن الدم المتدفق في عروقه ينجذب بقوة نحو ذلك الفتى.
وأخذ قلبه يخفق بعنف دون إرادته.
لقد أدرك أن هناك رابطة عميقة تجمعه بالصغير الواقف أمامه.
«هل يُعقل أنه... ابني؟»
ارتجفت شفتا أسلان.
بدا الأمر مستحيلًا.
فذلك المهووس بالسيف لم يكن يعرف حتى كم مضى من الوقت منذ أن أغلق على نفسه باب غرفة التدريب.
لقد كرّس نفسه للسيف خلال عزلته إلى درجة نسي معها كل شيء آخر.
كان يمضي يومه كله يلوّح بسيفه.
وعندما يعجز جسده عن الحركة، يجلس على الأرض، ويبدأ بتدوير المانا وفق طريقة التنمية التي يمارسها، ثم يغرق في التأمل.
وإذا توصل أثناء التأمل إلى إدراك جديد بشأن مسار من مسارات السيف، ينهض فورًا ويعود إلى التلويح بسيفه.
وعندما يعجز عن البقاء مستيقظًا، ينهار على الأرض وكأنه فقد وعيه، ويستسلم للنوم.
ثم يستيقظ، ويترنح نحو القسم الخارجي من غرفة التدريب، ويمضغ إحدى الحبوب التي يتناولها بدلًا من الطعام.
وبعدها يعود إلى التلويح بسيفه.
وتدوير المانا.
والتأمل.
ثم التلويح بالسيف من جديد...
وبعد اثنتي عشرة سنة من العيش على هذه الحال، اختل إحساس أسلان بالزمن اختلالًا تامًا.
فقد مرت السنوات التي قضاها مهووسًا بالسيف بسرعة لم يشعر بها.
ولم يكن الأمر أنه لم يشتق إلى أريان.
بل فكر مرات لا تُحصى في الخروج لرؤيتها.
ولا بد أنها كانت غاضبة منه غضبًا شديدًا.
فقد غادر جانبها بعدما أرسل إليها فجأة رسالة قصيرة لا تتضمن سوى إبلاغها بأنه سيدخل في عزلة تدريبية.
لكن ذلك الرجل الجاهل الأحمق اعتقد أن تحمل ألم الاشتياق إليها جزء من المحنة التي عليه اجتيازها.
كان يؤمن بأنه إذا كبح حنينه إليها، وواصل التلويح بسيفه، فسيتمكن من إدراك شيء أعظم.
المزيد.
عليه أن يواصل التلويح بسيفه.
وأن يتدرب أكثر فأكثر.
وعندما يتمكن أخيرًا من اختراق الحاجز الذي يعترض طريقه، سيخرج من عزلته.
ثم يجثو أمام أريان ويطلب منها المغفرة.
لقد ثبّت عزيمته على تلك الفكرة.
كل ذلك...
دون أن يدرك أن اثنتي عشرة سنة كاملة قد انقضت.
«كم... عمر هذا الفتى؟»
ابتلع أسلان ريقه.
وفجأة، شعر بثقل السنوات التي أمضاها غارقًا في هوسه بالسيف، دون أن يستوعب حقًا مقدار الزمن الذي مر.
كان ذلك الثقل يضغط على ذهنه بقسوة تكاد تسحقه.
لا شك أن الفتى الواقف أمامه هو ابنه من أريان.
لقد كان متأكدًا من ذلك.
لكن عمر الفتى...
حتى لو حاول التقليل من تقديره، فلا بد أنه بلغ العاشرة على الأقل.
«هل بقيت منعزلًا هنا أكثر من عشر سنوات؟»
وهل يعني ذلك أن أريان كانت حاملًا بابنهما بالفعل عندما أرسل إليها رسالة يخبرها فيها بأنه سيدخل العزلة؟
بدأ جسد أسلان يرتجف.
صحيح أنه كان رجلًا جاهلًا وأحمق.
لكنه لم يكن وغدًا عديم الحياء.
لم يستطع تحديد المدة الدقيقة التي قضاها داخل غرفة التدريب.
لكن الثمن الذي دفعه بعدما فقد نفسه في السيف، ولم يفعل شيئًا سوى التلويح به، بدا قاسيًا إلى درجة لا تُحتمل.
فبينما كانت أريان تلد طفلهما وحدها، ثم تربيه وتراقبه وهو يكبر حتى يبلغ هذا العمر...
ماذا كان أسلان يفعل؟
يلوح بسيفه.
بسيفه وحده.
اجتاح أسلان مقت شديد لنفسه، وحاول النهوض من مكانه مترنحًا.
أو بالأحرى...
حاول أن ينهض.
لكنه توقف فجأة، وحدّق في كايل.
فالنظرة التي رأها في عيني ابنه، الذي لم يكن يعرف حتى اسمه، بعثت فيه شعورًا مقلقًا.
لم يكن في تلك العينين أدنى أثر للشوق.
ولا حتى للضغينة.
وبصفته مبارزًا بالسيف، أدرك أسلان فورًا معنى تلك النظرة.
كانت أشبه بنظرة مفترس يواجه فريسته.
أو نظرة مبارز يفحص خصمه قبل القتال.
أخذت تلك العينان الباردتان الحادتان تتفحصان أسلان من رأسه إلى قدميه.
لم تكن نظرة ينبغي لطفل أن يمتلكها.
كما أن الحضور الذي يبعثه الفتى لم يكن حضور طفل أيضًا.
فحتى وسط عاصفة المانا العنيفة التي تجتاح غرفة التدريب، لم يرمش ابنه بعينيه وهو يقيّم قدرات أسلان.
«ما هذا...؟»
وفجأة، أطلقت غرائز أسلان القتالية إنذارًا.
فبعيدًا عن إحساسه برابطة الدم التي تجمعه بالفتى، سرت قشعريرة من التوتر على امتداد ظهره.
وتحولت وقفته المرتبكة، التي كان فيها نصف ناهض من مكانه، إلى وضعية استعداد قتالي.
أما السيف الذي وضعه على الأرض، فقد اندفع إلى راحة يده وكأن قوة خفية تجذبه إليها.
وفي اللحظة نفسها، ضرب كايل الأرض بقدمه واندفع.
فمنذ أن وُلد من جديد، لم يسبق له أن أطلق نية قتل بهذه الشدة.
ولم يسبق له أيضًا أن عقد العزم على خوض قتال مستخدمًا كامل قوته.
وانصبت تلك المشاعر كلها في سيفه، دافعةً إياه نحو ضربة قاتلة.
وووونغ!
بدأت المانا التي ينميها باستخدام طريقة الوحدة البدئية بالدوران في أنحاء جسده.
وفي الدانتيان الأوسط، أطلقت يور، التي كانت ملتفةً على نفسها، قوتها أيضًا.
دق! دق! دق! دق!
امتزجت قوة يور بالمانا المتدفقة، ثم أخذت تزحف حول السيف الخشبي كالثعبان.
وتشكلت طاقة السيف.
لكن نقاءها هذه المرة لم يكن يُقارن إطلاقًا بالطاقة التي استخدمها كايل قبل لحظات لكسر قفل غرفة التدريب.
وووش!
اندفعت المانا عبر قنوات كايل بعنف، حتى تغيرت طريقة حركة جسده نفسها.
فما إن دفع الأرض بقدمه، حتى قطع المسافة الفاصلة بينه وبين أسلان في طرفة عين.
ووصل إلى موضع يستطيع منه توجيه ضربة قاتلة.
لكنه لم يكتفِ بذلك.
لقد أمر يور بقتل أسلان.
وكان هذا أيضًا عزمه الشخصي.
لكن هل أراد كايل حقًا قتل أبيه؟
وهل كان هناك سبب يجبره على قتله؟
لم تكن أي من تلك الأسئلة مهمة بالنسبة إليه.
فقد أحب كايل السيف، واستخدمه منذ حياته السابقة.
وكان يعرف جيدًا ما يعنيه أن يلوّح الإنسان بسيفه.
فالسكاكين الوحيدة في العالم التي تُستخدم لإنقاذ الأرواح هي المشارط التي يحملها الأطباء.
أما السيف المصنوع لساحات القتال، فهو سلاح منذ لحظة صنعه.
ولا تكمن القيمة الحقيقية لجماله في التأمل فيه والإعجاب به، بل في استخدامه ضد الآخرين.
وحتى لو كان قتل إنسان واحد سينقذ عشرة آلاف إنسان، فإن ذلك لا يغير حقيقة أن شخصًا واحدًا لا بد أن يموت.
ولهذا كان كايل قادرًا على التلويح بسيفه بنية القتل، حتى دون أن يمتلك سببًا محددًا أو قناعة حقيقية تدفعه إلى ذلك.
«إذا كنت قد أمضيت اثنتي عشرة سنة في العزلة، ثم عجزت عن صد هذه الضربة، فهذا يعني أنك أهدرت تلك السنوات كلها.»
«وعندها، فالأفضل لك أن تموت.»
لقد رأى كايل المشاعر التي مرت على وجه أسلان عندما تجمد في تلك الوضعية المرتبكة.
الندم.
ولوم الذات.
لكن كايل لم يرغب في رؤية أبيه يبكي ندمًا، أو يتوسل طالبًا المغفرة.
فإذا كان أسلان قد أمضى اثنتي عشرة سنة منعزلًا من أجل السيف، فإن ما ينبغي له إظهاره لابنه الآن هو أن تلك السنوات لم تذهب سدى.
رنّ!
انزلق السيف الخشبي الذي اندفع مستقيمًا نحو عنق أسلان، وانحرف إلى الجانب.
شعر كايل بألم حاد في معصمه، وكأنه على وشك الانكسار.
لكنه ابتسم ابتسامة مشرقة.
فقد حوّل أسلان مسار ضربته بحركة نظيفة، مقتصدة، لا تحمل أي جهد زائد.
اندفع جسد كايل إلى الأمام بفعل سرعته الهائلة.
طَق!
اتخذ من ساقه المثبتة على الأرض محورًا، ودار بجسده في الاتجاه الذي انزلق إليه سيفه.
ثم عاد السيف الخشبي، الذي لم تضطرب طاقة السيف المحيطة به، لينقض على أسلان مرة أخرى.
دوووم!
هذه المرة، لم يُبعد أسلان الضربة إلى الجانب.
بل بقي في مكانه دون أن يتحرك خطوة واحدة، وتلقى ضربة السيف الخشبي بسيفه.
فاتسعت عيناه عندما شعر بقوة الاصطدام الهائلة تنتقل إلى راحة يده.
لم يكن ذلك الثقل ناتجًا عن القوة الجسدية وحدها.
بل كان ضغطًا تولد من ضغط المانا وتدويرها، ثم تفجير قوتها في لحظة الاصطدام.
كانت القوة الكامنة خلف مجرد سيف خشبي عنيفة إلى درجة يصعب تصديقها.
لقد كان ابنه الواقف أمامه يستخدم المانا بدقة وعدوانية تتجاوزان المعقول.
«أي نوع من المانا هذه؟»
كانت طاقة السيف البنفسجية التي تغلف سيف ابنه الخشبي قوة لم يستطع أسلان تحديد طبيعتها.
فقد بدا وكأن عناصر مختلفة امتزجت داخلها على نحو فوضوي.
لكنها، رغم ذلك، لم تكن غير مستقرة.
بل حافظت أنواع المانا المتعددة داخل طاقة السيف على توازن متناغم فيما بينها.
وووونغ!
غُلّف سيف أسلان بهالة بيضاء.
ثم تحولت المانا التي أطلقها إلى عاصفة شرسة، اندفعت نحو كايل.
«الرياح.»
وبينما كانت العاصفة تقترب منه، ضخ كايل المزيد من المانا داخل سيفه الخشبي.
لقد امتلك أسلان جذرًا روحيًا من عنصر الرياح.
وكان أسلوبه في المبارزة بالسيف يحول كل هبة ريح إلى هجوم، وكل تيار هوائي إلى ضربة قاطعة.
استجاب كايل بغريزته.
وكان رد فعله صحيحًا.
شششش!
تموجت طاقة السيف المحيطة بسيفه الخشبي، ثم انفجرت منها الهالة كأن عشرات الثعابين ترفع رؤوسها دفعة واحدة.
«هممم...!»
تمتم أسلان بإعجاب، ووجّه سيفه.
فاندفعت الرياح التي كانت هالة كايل تمزقها، وانجذبت كلها نحو أسلان.
ثم التفّت حول سيفه.
وعندما تركزت عند النصل، تحولت مرة أخرى إلى هالة تدور كإعصار.
«لا فرصة لي في الفوز إذا واجهته بالقوة مباشرة.»
قيّم كايل الموقف ببرود.
فجسده لا يزال غير مكتمل النمو.
ومخزونه من المانا غير كافٍ.
كما أن طريقة الوحدة البدئية لتنمية المانا لم تكتمل بعد.
وفي حالته الحالية، لم تكن لديه أي فرصة للانتصار على أسلان في صراع قوة يعتمد على تصادم السيوف مباشرة.
إذن...
سيستنزفه تدريجيًا.
ضغط طاقة السيف التي تغلف سيفه الخشبي حتى أصبحت حافة رقيقة وحادة.
ثم سخّر كل ما تبقى لديه من المانا لتعزيز جسده.
«أسرع...»
«وبدقة أكبر.»
وما إن لمع بريق ذهبي في عيني كايل، حتى ازدادت سرعته مجددًا، واندفع نحو أسلان.
وبطبيعة الحال، لم يستطع أسلان إطلاق نية قتل مماثلة لما يصدر عن كايل.
فالفتى الواقف أمامه هو ابنه الذي يلتقيه للمرة الأولى اليوم.
لكن أسلان لم يكن يستطيع قبول نية القتل الصادرة عنه ببساطة، ولا أن يكشف عنقه ليتركه يضربه.
ولهذا أراد إخضاعه مع تجنب إيذائه قدر الإمكان.
غير أن الأمر لم يكن سهلًا كما توقع.
فالسيف الخشبي الذي يحمله ابنه لم يندفع نحو الثغرة التي تعمد أسلان إظهارها.
بل ظل يستهدف سيف أسلان نفسه بإصرار.
وقبل أن يصطدم السيفان مرة أخرى...
انحرف السيف الخشبي قليلًا، وانزلق بمحاذاة النصل دون أن يرتطم به.
فاتسعت عينا أسلان من شدة الصدمة مرة أخرى.
«هل شق طاقة سيفي؟»
بدلًا من مواجهة الضربة مباشرة، قطع كايل طاقة السيف المحيطة بنصل أسلان بزاوية مائلة.
حرّك أسلان سيفه فورًا.
ولوّح كايل بسيفه الخشبي بدوره.
لكن هذه المرة أيضًا، لم يتصادم السيفان.
«هل قرأ مسار سيفي؟»
كان الأمر غير قابل للتصديق.
لكنه التفسير الوحيد الممكن.
فقد كان ابنه يقرأ مسار سيف أسلان أثناء توجيهه الضربة المضادة.
ثم يتحرك بحيث يتجنب الاصطدام بالنصل بفارق ضئيل للغاية، ويقتطع جزءًا من طاقة السيف وحدها.
«ليست مصادفة.»
«هذا الصغير يقرأ مسارات سيفي فعلًا...!»
كان الأمر سخيفًا إلى حد الجنون.
فهما لم يتبادلا ضربة واحدة قبل اليوم.
ومع ذلك، استطاع ابنه قراءة مسارات سيفه في أول لقاء يجمعهما؟
ولم يتوقف الأمر عند التنبؤ بالضربات والاستجابة لها.
بل أخذ يقتطع من طاقة سيف أسلان أثناء تبادل الضربات.
إن مجرد قراءة تلك المسارات أمر غير معقول.
لكن الأكثر إدهاشًا أن كايل لم يُظهر أدنى شك فيما استنتجه.
لقد كانت طاقة السيف التي ضغطها بدقة مثيرة للذهول.
لكن هناك أمورًا أخرى في قتاله كانت أكثر إدهاشًا بكثير.
«هل يحاول اقتطاع طاقة سيفي لاستنزاف المانا التي أمتلكها؟»
«لا... ليس هذا ما يفعله.»
«هذا الصغير...»
«إنه يلعب بسيفي.»
فحتى لو واصل كايل تقليص هالة أسلان بهذه الطريقة، فلن ينفد مخزون المانا لدى أسلان.
إذن، لماذا يستخدم سيفه بهذا الأسلوب؟
لأنه يريد تبادل ضربات السيوف معه، دون الدخول في مواجهة مباشرة تعتمد على القوة.
حدّق أسلان في ابنه بعينين متسعتين.
كانت عينا الفتى محتقنتين بالدماء من شدة تركيزه على مسارات السيف.
ومع ذلك، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشرقة.
وفي اللحظة التي رأى فيها أسلان تلك الابتسامة...
تغيرت نظرته.
صحيح أن كايل مجرد فتى صغير.
وصحيح أنه ابنه.
لكن ذلك لا يعني أنه يستطيع الاستهانة به.
فنية القتل التي يطلقها ليست خدعة.
وسيفه ليس مجرد استعراض زائف.
لقد كان الابن الذي يقابله أسلان للمرة الأولى اليوم يحاول قتل أبيه فعلًا.
وفي الوقت نفسه، كان يستمتع بالمبارزة بوصفه مبارزًا حقيقيًا بالسيف.
وما إن أدرك أسلان ذلك، حتى انفجر حضوره القتالي.
فهذا خصم لا يجوز له الاستهانة به.
ورغم أنه لا يحمل سوى سيف خشبي...
فإن الواقف أمامه
مبارز بالسيف بكل معنى الكلمة
.
«آه...»
ما إن تغيرت عينا أسلان، حتى تغير سيفه أيضًا.
فقد اختلت مسارات الضربات التي قرأها كايل قبل لحظات.
ولسوء الحظ، لم يستطع جسده مجاراة ما رآه.
فقد أدرك الانحراف وحاول تعديل مسار سيفه وفقًا له، لكن جسده لم يكن سريعًا بما يكفي.
شعر كايل بمرارة الأسف وهو يوجه سيفه.
فقد أصبح الاصطدام الذي ظل يتجنبه طوال المبارزة أمرًا لا مفر منه.
طَقْ!
تحطمت الهالة المحيطة بسيفه الخشبي.
ثم كسر سيف أسلان النصل الخشبي نفسه.
اندفعت يد أسلان إلى الأمام، وأمسكت بكتف كايل.
دوووم!
وبعدما حطم السيف الخشبي، هوى سيف أسلان على أرض غرفة التدريب.
اهتزت الغرفة كلها بعنف.
وتشكل أثر ضربة مستقيمة شقت المكان من الأرض حتى السقف.
«أنت...»
ابتلع أسلان ريقه، وظل يحدق في كايل.
أما كايل، فقد وقف أمامه يلهث بشدة.
وكان ألم ساحق يعتصر أحشاءه.
لقد نفدت المانا من نواة طاقته، فاجتاحه ألم الحرمان من الطاقة، حتى بدأت رؤيته تتشوش.
«هل أنت حقًا... ابني؟»
لم يستطع أسلان تصديق ما حدث.
لا...
بل كان تصديقه بالغ الصعوبة.
فوفقًا لمعاييره، لم يكن الفتى الواقف أمامه سوى وحش لا يمكن تفسير موهبته.
عند سماع السؤال، ارتفعت زاويتا شفتي كايل المتصلبتين قليلًا.
كان وجهه غارقًا في العرق.
لكن ملامحه أشرقت أكثر من أي وقت مضى.
«أنت بالذات... أبي حقًا.»
لقد اعترف كايل بأسلان أبًا له.
لم يكن يعرف مستوى مهارة أسلان بالسيف قبل اثنتي عشرة سنة.
لكن أسلان الذي رآه اليوم كان، على الأقل، مبارزًا يستحق أن يناديه كايل «أبي».
«هاه... هاها.»
ضحك أسلان، وقد غمره شعور عجز عن وصفه بالكلمات.
أفلت السيف الذي يحمله، ثم استخدم يده للإمساك بكتف كايل.
«ما اسمك؟»
«كايل. كايل ألاستور.»
«ألاستور...؟ لا تقل إن...»
«أنا من قررت أن يكون أحد أفراد السلالة الأصيلة لآل ألاستور.»
جاء صوت من خلفهما.
انتفض أسلان، ورفع رأسه.
كان يوليوس واقفًا خلف المدخل، يعقد ذراعيه أمام صدره.
«موهبته أعظم من أن يحمل اسم أنتاريس. هل لديك اعتراض على ذلك؟»
تراجع أسلان مذعورًا.
وأفلت كتف كايل، ثم هبط على ركبة واحدة.
«حـ... حماي.»
«إذن، ما زلت تجرؤ على مناداتي حماك؟ يا لك من رجل عديم الحياء. لقد تركت ابنتي وحدها اثنتي عشرة سنة، وما زلت تجرؤ على مخاطبتي بهذه الطريقة؟»
شحب وجه أسلان عند سماع كلمات يوليوس الباردة.
«اثـ... اثنتا عشرة سنة...؟»
«ابنك يبلغ الحادية عشرة.»
تقدم يوليوس إلى داخل غرفة التدريب بخطوات واسعة.
«أسلان. لقد دخلت العزلة دون أن تعرف حتى أن زوجتك حامل.»
ثم أضاف بصرامة:
«وبقيت منعزلًا طوال اثنتي عشرة سنة.»
«...»
«وبالنظر إلى تعبير وجهك، يبدو أنك كنت تلوّح بسيفك وأنت غارق في حالة من الشرود، دون أن تفكر ولو مرة واحدة في مقدار الزمن الذي مر.»
«أنـ... أنا آسف.»
«لقد فكرت أنه إذا لم تتحسن مهارتك بالسيف بعد اثنتي عشرة سنة من العزلة، فقد أقطع إحدى ذراعيك ثمنًا للوقت الذي أهدرته.»
تحولت نظرات يوليوس الباردة من أسلان إلى كايل، الذي كان لا يزال يلهث بصعوبة.
وامتلأت عيناه بدفء لم يسبق لأسلان أن رآه فيهما.
«ما رأيك؟»
«كانت مهارته بالسيف أفضل من أن تستحق قطع ذراعه.»
«إذن، يبدو أنه لا ينبغي لي قطعها.»
نقر يوليوس بلسانه، وتمتم بتلك الكلمات.
«حـ... حماي، أنا...»
حاول أسلان التحدث بتردد.
لكن كايل عقد حاجبيه، وركله بقوة في ساقه.
«أيًّا كانت الأعذار أو الاعتذارات التي تريد قولها، فقلها لأمي، لا لجدي.»
صحيح أن كايل اعترف به أبًا له.
لكنه لم يشعر برغبة كبيرة في مخاطبته بأدب في الوقت الحالي.
وبعدما وبخ أسلان، ترنح نحو يوليوس.
«منذ متى وأنت تراقبنا؟»
«منذ أن حاولت قتل أسلان.»
«إذن، لقد شاهدت كل شيء. لقد طلبت منك ألا تدخل حتى أناديك.»
«دخلت لأن نية القتل الشرسة المتدفقة من الغرفة أقلقتني.»
ثم أوضح يوليوس:
«ظننت أن أسلان ربما فقد عقله، ولم يتعرف إلى ابنه، ثم ثار وهاجمه بجنون.»
وضع يوليوس يده على رأس كايل عندما اقترب منه مترنحًا.
«لم أتوقع أنك أنت من يطلق نية قتل بهذه الشدة.»
«لا أعرف. لقد جربت ذلك فحسب، ونجح الأمر.»
«ما زلت عاجزًا عن فهمك.»
أطلق يوليوس ضحكة خاوية، وهزّ رأسه.
ثم سأله:
«إذن، ماذا ستفعل الآن؟ هل ستعيد أباك إلى برج السيف؟»
«سأجعله يركع أمام أمي ويتوسل إليها حتى تغفر له.»
«إذا كان هذا ما يريده ابنك...»
التفت يوليوس نحو أسلان.
«فما رأيك يا أسلان؟»
كان أسلان مطرقًا برأسه، وعلى وجهه تعبير محطم من شدة الندم.
لكنه انتفض عند سماع السؤال، ورفع رأسه.
«بـ... بالطبع ينبغي لي العودة. سأ... سأتوسل إلى أريان حتى تسامحني.»
«إذن، اذهب واغتسل أولًا. وقص شعرك ولحيتك أيضًا. لا يمكنك الظهور أمام ابنتي بعد اثنتي عشرة سنة وأنت تبدو بهذا...»
«لا، فلنأخذه كما هو.»
سارع كايل إلى مقاطعة يوليوس.
«إنه يبدو بهذه الهيئة أكثر بؤسًا وإثارة للشفقة.»
وبما أن أسلان أراه سيفًا رائعًا يستحق الإعجاب، فقد رأى كايل أن بإمكانه الوقوف إلى جانب أبيه قليلًا، ولو على سبيل رد الجميل.