هل هذا غالٍ؟
عندما يوقظ الإنسان جذره الروحي، يصبح قادرًا على استشعار المانا، وتنفتح داخل جسده قنوات تستطيع تلك الطاقة التدفق عبرها.
وباستخدام إحدى طرق تنمية المانا، يستقطب الممارس الطاقة المنتشرة في العالم، ويوجهها عبر تلك القنوات، ثم ينقيها وفقًا لطبيعة جذره الروحي، ويخزنها داخل نواة الطاقة.
وكان إيقاظ عدة جذور روحية أمرًا نادر الحدوث.
لكن امتلاك أكثر من جذر روحي لا يُعد بالضرورة ميزة.
فمجرد التفوق في مجال واحد ليس بالأمر الهين.
وطريق الفنون القتالية طويل إلى درجة لا تكاد نهايته تُرى، والانشغال بعدة مجالات في الوقت نفسه يؤدي حتمًا إلى إبطاء التقدم.
وبعبارة أخرى، فإن إيقاظ جذر روحي واحد، ثم تكريس الجهد كله لتنميته، يُعد تحديًا شاقًا بحد ذاته.
وبالطبع، لم يكن امتلاك عدة جذور روحية خاليًا من المزايا.
فهو يمنح صاحبه خيارات أوسع.
وكلما ازداد عدد الجذور الروحية، تحسنت قدرته على استشعار المانا وتسارعت عملية تجميعها.
كما أن امتلاك قنوات مانا أكثر مما يمتلكه صاحب الجذر الروحي الواحد يتيح استخدام الطاقة بمرونة أكبر.
لكن...
صحيح أن إيقاظ عدة جذور روحية يوسع الخيارات المتاحة، إلا أن استغلالها جميعًا بصورة كاملة، والوصول إلى مستوى عالٍ من الإتقان في كل منها، أمر بالغ الصعوبة.
ولهذا كان معظم الذين يوقظون عدة جذور روحية يختارون طريقة تنمية المانا الملائمة للجذر الذي يفضلونه، والذي يعتقدون أنهم يستطيعون التفوق باستخدامه.
أما الميزة الحقيقية الوحيدة التي يستفيدون منها غالبًا، فهي قدرتهم على تجميع المانا بسرعة أكبر.
«بل إن كثرة قنوات المانا قد تصبح خطيرة.»
فعندما يرتفع مستوى الممارس، يبدأ بتطوير قنوات جديدة بحسب حاجته.
لكن امتلاك شبكة معقدة من القنوات المنتشرة في أنحاء الجسد قبل بلوغ المستوى المناسب لا يؤدي إلا إلى جعل التحكم في المانا أكثر صعوبة.
وإذا حدث خلل ما، فقد تتشابك مسارات الطاقة وتضطرب، كما يحدث في حالات التسمم بالمانا لدى الشياطين.
وقد ينتهي الأمر بالممارس إلى تدمير نفسه.
لقد كانت ميزة ذات حدين، تحمل منافع ومخاطر في الوقت نفسه.
وحتى يوليوس لم يكن متأكدًا مما يتمناه لحفيده.
«كان يكفي أن يوقظ جذرًا روحيًا من عنصر البرق. لكن عدة جذور روحية...؟»
إن العيب الأكبر لامتلاك عدة جذور روحية يكمن في صعوبة إتقانها جميعًا، وما يتطلبه ذلك من مشقة وجهد.
لكن إذا تمكن صاحبها من تجاوز تلك الصعوبات، فستكون المكافأة عظيمة بالقدر نفسه.
فبينما يظل الآخرون مقيدين بعنصر واحد، يستطيع هو استخدام عدة عناصر.
كما يمكنه تجميع المانا بسرعة، والاستفادة من شبكة معقدة من القنوات للتحكم فيها بمرونة.
لكن...
هل يمكن تحقيق ذلك فعلًا؟
«من المبكر القلق بشأن هذه الأمور.»
استعاد يوليوس هدوءه، وركز نظره على البلورة.
صحيح أنه اشتبه في أن كايل أيقظ عدة جذور روحية، لكنهم لم يتأكدوا بعد من طبيعتها.
ولا حتى من عددها.
وووونغ...!
بدأ اهتزاز خافت يتردد داخل البلورة.
وعلى خلاف التموجات الزرقاء الهادئة التي أظهرتها نيليا قبل قليل، أخذ نبض عميق وعنيف يتصاعد من داخلها.
طَقْطَق!
وكان أول ما ظهر...
وميضًا أرجوانيًا من البرق.
«البرق...!»
اتسعت عينا يوليوس فجأة.
لقد حمل حفيده جوهر الرعد معه طوال خمس سنوات، وتناول بانتظام إكسيرات مشبعة بطاقة البرق.
وفوق ذلك، كان يوليوس نفسه قد استشعر استعدادًا لعنصر البرق داخل جسد كايل.
ولهذا لم يكن ظهور البرق مفاجئًا تمامًا.
كانت البلورة، المعروفة باسم بلورة رنين الجذور الروحية، تحتوي على مانا نقية وعالية التركيز.
وعندما يلمسها شخص، تستجيب لجذره الروحي، فتتغير طبيعة المانا الموجودة داخلها وفقًا لذلك الجذر.
وبعبارة أخرى، فإن شدة استجابتها تعكس «مرتبة» الجذر الروحي وقوته.
والآن، كان كايل يثير اضطرابًا هائلًا في المانا الموجودة داخل البلورة بمجرد وضع يده عليها.
«إنه يحرك كل هذه المانا...!»
كان يوليوس نفسه قد وضع يده على بلورة مماثلة عندما بلغ العاشرة.
وكان جذره الروحي من عنصر البرق بالغ القوة والمرتبة، حتى إنه لم يكن له نظير بين الجذور الروحية من العنصر نفسه.
ومع ذلك...
لم يكن البرق الذي ظهر داخل البلورة تحت يد كايل أقل قوة مما أظهره يوليوس في ذلك الوقت.
وووش!
وفي الموضع الذي تلاشى فيه البرق، اشتعل لهب أحمر قانٍ.
ولم يكن مجرد شرارة صغيرة.
بل اندلعت نيران هائلة ملأت البلورة بأكملها، حتى لم تترك داخلها فراغًا واحدًا.
«النيران...»
قبض يوليوس يده دون أن يشعر.
البرق والنار.
كلاهما من العناصر ذات القوة التدميرية.
صحيح أن التحكم فيهما صعب، لكن قوتهما لا يمكن إنكارها.
رنّ!
دوّى صوت معدني حاد من قلب اللهب المستعر.
ثم اندفع نصل معدني، وشق النيران بعنف.
وفي الفراغ الذي خلفه، تفتحت بلورات جليدية بيضاء ناصعة.
لكنها ذابت على الفور، وتحولت إلى موجة مائية عاتية.
وبعدها، ارتفعت صخرة هائلة لتصد اندفاع المياه.
«مـ... ما هذا بحق السماء...؟»
غطت أريان فمها بيدها، وهي تراقب المشهد من خلفهما.
لقد سمعت كايل يصف حلمه.
لكنها لم تتمكن من تصور ما شاهده على وجه الدقة.
أما الآن، وهي تنظر إلى البلورة، فقد أدركت فورًا مدى غرابة الرؤيا التي رآها ابنها، ومدى تجاوزها لكل ما يُعد معقولًا.
«يا إلهي...»
تمتمت نيليا وعيناها مفتوحتان على اتساعهما.
فقد أصبحت محتويات البلورة في حالة من الفوضى العارمة.
عشرات العناصر المختلفة كانت تظهر وتختفي دون انقطاع.
وبدأت البلورة نفسها تهتز.
فقد عجزت المانا الموجودة داخلها عن مجاراة التغيرات المتسارعة والفوضوية التي تطرأ عليها.
وووووش!
اصطدمت طاقات المانا ذات الخصائص المختلفة بعضها ببعض، وبدأت تمتزج.
تداخلت الألوان وتدافعت في دوامات متشابكة، حتى تحولت إلى لون غريب يستحيل وصفه بأي لون معروف.
كان عكرًا وصافيًا في الوقت نفسه.
مظلمًا ومبهرًا.
واستمر الضوء في الدوران بعنف، حتى أخذت البلورة ترتج من شدته.
«الفوضى...»
تمتمت نيليا، وقد أصبح تعبير وجهها شديد الجدية.
بدت المانا المتدفقة داخل بلورة الرنين مستقرة للوهلة الأولى.
لكنها في الحقيقة كانت خطيرة إلى درجة أنها قد تنفجر في أي لحظة.
لم تعد المسألة مجرد إيقاظ عدة جذور روحية.
فكل جذر منها كان بالغ الرفعة والقوة.
ومع استمرار ارتفاع كثافة المانا داخل البلورة، بما يتناسب مع مراتب تلك الجذور، بدأت الشقوق تنتشر فوق سطحها.
«هذا خطير! يا صغيري، أبعد يدك!»
صرخت نيليا بفزع.
لكن كايل لم يسحب يده.
بل لم يستطع فعل ذلك.
«هاه؟»
حدّق كايل في البلورة بتعبير غريب.
لم يكن ما يحدث نتيجة فعل متعمد منه.
فالجذور الروحية التي ظهرت داخل جسده، وكذلك الدانتيان السفلي، ذلك الفراغ الواسع في أسفل بطنه، كانت تتوق بشراهة إلى المانا الموجودة داخل البلورة.
وأخذت قنوات المانا المعقدة في جسده، والمتصلة بمركز طاقته، تمتد عبر مساراتها المتعرجة حتى ذراعه وراحة يده.
وكأنها تحاول التشبث بالبلورة والالتهام من طاقتها.
«إنه جسدي، ومع ذلك لا يطيع إرادتي. ما الذي يحدث بحق السماء؟»
هل السبب أنه لم يعتد هذه القدرة بعد؟
مهما فكر في الأمر، ظلت الجذور الروحية ومراكز الطاقة تبدو له غريبة للغاية.
فوفقًا للسجلات، بدأت الجذور الروحية تظهر لدى البشر قبل نحو أربعمئة عام.
ثم أصبحت تظهر لدى معظمهم، بل جميعهم تقريبًا، قبل مئتي عام.
لقد تطور البشر مع انتشار السحر واعتيادهم على المانا.
لكن كايل، الذي عاش في عالم قبل خمسمئة عام، شعر بأن الاختلاف أصبح هائلًا إلى درجة جعلته يتساءل:
«هل بشر هذا العصر ينتمون حقًا إلى النوع نفسه الذي عشت بين أفراده في الماضي؟»
طَق! طَق!
ازدادت الشقوق المنتشرة فوق سطح البلورة اتساعًا.
وبدأت المانا تتدفق منها إلى الخارج.
لكنها لم تمتزج بالسحر المحيط داخل قاعة ذروة السيف.
بل اندفعت مباشرة نحو راحة يد كايل، وكأن قوة خفية تمتصها.
ومن خلال ذلك التدفق، أصبح كايل قادرًا على استشعار قنوات المانا المنتشرة داخل جسده.
كانت كثيرة ومتشابكة بتعقيد لا يقل عن الأعصاب الموجودة في لحمه.
لكنها، على خلاف نواة الطاقة، لم تكن موجودة داخل جسده بصورة مادية.
بل بدا الأمر وكأن تلك القنوات منقوشة في روحه، لا في جسده.
لقد كانت كثيرة ومعقدة إلى درجة أن مجرد مراقبتها أصابه بالدوار.
ومع ذلك، استعان كايل بغرائزه وخبراته، وبدأ استخدام القنوات لتوجيه المانا.
ولم تكن تلك الغرائز والخبرات تخص كايل البالغ عشر سنوات.
بل كانت تخص شيطان السيف الذي عاش قبل خمسمئة عام.
ولهذا لم يتشكل تحكمه في المانا وفق طرق التنمية المعروفة في العصر الحالي.
بل وفق الذكريات التي احتفظ بها من حياته بوصفه شيطان السيف.
«كايل!»
وأخيرًا، تحطمت البلورة بعدما عجزت عن تحمل اندفاع المانا.
صرخت أريان واندفعت نحو ابنها.
وووش!
استجابت روح الرياح لندائها، والتفت حول جسد كايل.
[كيف يمكن أن تكون لطيفًا إلى هذه الدرجة؟]
سمع كايل صوتًا داخل الرياح التي أخذت تلتف برفق حول جسده.
كانت روح الرياح التي عقدت أريان رابطًا معها.
وظهر أمام عينيه طائر عملاق ذو هيئة غير واضحة تمامًا، بسط أجنحته الستة وأطلق ضحكة خافتة.
[ابن أريان... لو أنني التقيتك في وقت أبكر، لما عقدت رابطًا مع أريان أصلًا...]
كان صوت الروح مثقلًا بالتحسر.
دوووي!
انفجرت البلورة وتناثرت.
وفي اللحظة الحاسمة، تحركت يد يوليوس وأخمدت عاصفة المانا.
أما نيليا، فقد أنشأت حاجزًا سحريًا حول كايل، خارج أجنحة روح الرياح، لحمايته.
«كايل! هل أنت بخير؟!»
أحاطت أريان ابنها بذراعيها.
وكان جسدها يتداخل مع الرياح الملتفة حوله.
داخل حضنها، ظل كايل يرمش بعينين واسعتين.
ففي تلك اللحظة، كان مشغولًا بمراقبة ما يحدث داخل جسده.
لقد شكلت المانا التي امتصها قبل قليل بلورةً عند قلبه.
أما الدانتيان السفلي، فقد بدأ يؤلمه وكأن قوة خفية تعصره.
وكان ذلك الفراغ الواسع يطالب بالمزيد من المانا بشراهة.
«أظن أنني بدأت أفهم ما يحدث بصورة عامة.»
حرّك كايل المانا بالطريقة التي اعتاد استخدامها عندما كان شيطان السيف.
فبدأت الطاقة المخزنة داخل البلورة المتشكلة عند قلبه تتدفق عبر قنوات المانا، متجهة نحو الدانتيان السفلي.
ومع امتلاء الدانتيان السفلي بالمانا، قطرةً بعد أخرى، أخذ الألم العاصر يتلاشى بسرعة.
وبينما يدوّر المانا بين قلبه والدانتيان السفلي، توصل كايل إلى تفسير لما حدث.
كان الأمر أشبه بالشهية.
فقد لا يشعر المرء بالجوع أصلًا.
لكن عندما تصل إلى أنفه رائحة طعام شهي، تستيقظ شهيته فجأة، ويبدأ الإحساس بالجوع في الإلحاح عليه.
ذلك الفراغ...
لا.
ذلك الوعاء الموجود في أسفل بطنه، كان قد التقط للتو «رائحة» المانا.
بل تذوق شيئًا منها بالفعل.
ولهذا أخذ يطالب بالمزيد، وكأنه عاجز عن الانتظار.
«هممم.»
قرر كايل تأجيل التفكير في الأمر.
وأدار بصره نحو المكان المحيط به.
كانت البلورة المحطمة قد اختفت دون أن تترك خلفها شظية واحدة، وتحولت إلى جزيئات من الضوء.
أما المانا التي كانت تحتويها، فقد تبددت بعدما تدخل يوليوس.
«يبدو أنها تحطمت بسببي.»
حكّ كايل رأسه، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة محرجة.
«هل هذا غالٍ؟»
عند سماع سؤاله الهادئ، أطلق يوليوس ضحكة قصيرة تنم عن الذهول.
أما نيليا، فقد تنهدت بعمق وهزّت رأسها.
«غالٍ... حسنًا، نعم. إنه باهظ الثمن.»
كانت بلورة الرنين أداة سحرية صُنعت من خلال الجمع بين عدة أنواع من السحر.
وكانت ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها.
لكن المانا النقية عالية التركيز الموجودة داخلها تطلبت وقتًا طويلًا من التنقية والإعداد.
وبعبارة بسيطة...
لقد حطم كايل للتو شيئًا تعادل قيمته قيمة قلعة كاملة.
«لكن يا صغيري، هل تظن أن أداة كهذه أغلى من قطرة واحدة من دمك؟»
نظرت نيليا إلى كايل بعاطفة غامرة.
«لقد أمضيت سنوات طويلة أعتني ببلورة الرنين، وأشاهد الجذور الروحية والإمكانات التي يمتلكها كثير من أبناء آل ألاستور. لكنني... لم أرَ حقًا في حياتي موهبة وإمكانات استثنائية كهذه التي رأيتها فيك اليوم.»
«نيليا.»
تدخل يوليوس.
«ما طبيعة الجذر الروحي الذي أيقظه كايل بالضبط؟»
«لا أعرف بماذا ينبغي أن أسميه. لقد رأيت ما حدث بنفسك، أليس كذلك يا رب الأسرة؟»
«رأيته.»
«وماذا رأيت؟»
«كل شيء.»
كان صوت يوليوس يحمل ارتجافًا عجز عن إخفائه.
«لم يكن الأمر مجرد عنصر أو عنصرين. لقد رأيتها جميعًا. كان أشبه بـ...»
«بالعالم نفسه.»
أومأت نيليا برأسها.
«لم أرَ في السجلات شيئًا يشبه ذلك من قبل. فحتى إيقاظ جذرين روحيين يُعد أمرًا نادرًا، أما جذره الروحي فقد بدا وكأنه العالم بأكمله...»
«لم تكن العناصر منسجمة.»
«صحيح. لكنه بدا وكأنه يحتوي على كل شيء، وكأنه يستطيع التحول إلى أي شيء. وربما يمكن وصفه بالفوضى...»
تبادل يوليوس ونيليا النظر، ثم حوّلا عينيهما نحو كايل.
«إنه خطير إلى درجة هائلة، لكن ذلك الجسد الصغير يحمل إمكانات مذهلة.»
«...»
«قد يستطيع هذا الطفل تعلم أي طريقة لتنمية المانا، واستخدام أي تقنية من تقنيات السيف.»
تابعت نيليا:
«إذا أراد البرق، تحولت هالته إلى برق. وإذا أراد النيران، أصبحت نارًا. وإذا اختار الجليد، اكتسبت خصائص الجليد.»
ثم توقفت لحظة قبل أن تضيف:
«بل ربما لا يكون مقيدًا بشكل واحد أصلًا. لكن ذلك يعتمد على قدرته على التحكم في هذه القوة.»
«هذا غير معقول.»
أطلق يوليوس ضحكة خاوية من شدة الذهول، وهزّ رأسه.
«غير معقول حقًا. جذر روحي من الفوضى... لم أسمع بشيء كهذا طوال حياتي.»
«ولا أنا. لكن يا رب الأسرة، ألم نشاهد بلورة الرنين بأعيننا؟ ألم نرها تتحطم تحت وطأة الإمكانات الكامنة في طفل أيقظ جذوره الروحية اليوم فقط؟»
«وهذا ليس كل شيء.»
تقدم يوليوس بخطوات واسعة نحو كايل.
«عندما كانت بلورة الرنين على وشك التحطم، امتصت يدك المانا الموجودة داخلها.»
«نعم.»
«من طريقة إجابتك، يبدو وكأنك فعلت ذلك عمدًا...»
«لا أستطيع القول إنني تعمدت فعل ذلك... لقد حدث من تلقاء نفسه تقريبًا.»
فلم يكن بوسعه أن يخبرهم بأنه تصرف اعتمادًا على خبراته من حياته السابقة.
وعند سماع إجابته، أطلق يوليوس ضحكة أخرى تنم عن الذهول.
«وماذا حدث للمانا التي امتصتها يدك؟»
«هممم...»
تردد كايل للحظة.
ثم مدّ يده نحو يوليوس بحذر.
«أنا أيضًا لا أعرف تمامًا ما الذي حدث. أظن أنه سيكون أفضل لو تحققت من الأمر بنفسك يا جدي.»
فخلال السنوات الخمس الماضية، لم يدرس كايل سوى أدلة تقنيات السيف من الدرجة الخامسة في المكتبة الكبرى.
وكان الكبار يخشون أن يؤدي تعلمه الفنون القتالية قبل إيقاظ الجذر الروحي إلى اكتسابه عادات خاطئة.
لكن كايل نفسه كانت لديه بعض الشكوك.
فالفنون القتالية في هذا العصر تبدأ من الدانتيان السفلي وقنوات المانا التي تنفتح مع إيقاظ الجذر الروحي.
لكن تطورها لا يتوقف عند ذلك الحد.
فكلما ارتفع مستوى الممارس، أخذ الدانتيان السفلي يتسع تدريجيًا، وازداد عدد قنوات المانا شيئًا فشيئًا.
«لو كان هناك مركز طاقة واحد فقط، لسمّوه نواة الطاقة فحسب.»
فحقيقة أنهم يسمونه تحديدًا «الدانتيان السفلي» تعني بالضرورة أن هناك شيئًا آخر يقع «فوقه».
نظر كايل إلى يوليوس بعينين يملؤهما الترقب.
لم يستطع يوليوس إدراك ما يكمن خلف نظرات حفيده بالكامل.
لكنه أمسك بيده الممدودة.
ثم أغمض عينيه، وأرسل شيئًا من المانا الخاصة به إلى داخل جسد كايل.
«...!»
ارتجف حاجبا يوليوس.
«ما... هذا؟»
كانت قنوات المانا كثيرة على نحو يفوق بكثير ما ينبغي أن يمتلكه طفل في العاشرة.
فقد تشابكت قنوات لا حصر لها في شبكة أشبه بمتاهة معقدة.
لكن الأكثر إدهاشًا من ذلك...
أن تيارًا خافتًا من المانا كان يتدفق بالفعل عبر تلك القنوات المتشابكة.
«لا يُصدق...»
هل استطاع توجيه المانا إلى نواة طاقته بغريزته وحدها؟
رغم أنه لم يتعلم بعد أي طريقة لتنمية المانا؟
«لا، انتظر...»
«المانا... لم تتجه إلى نواة الطاقة. لقد استقرت في موضع آخر.»
هل يُعقل...؟
ابتلع يوليوس ريقه عندما خطر له احتمال صادم، ثم واصل توجيه المانا عبر جسد حفيده.
وعندها أدرك أمرًا آخر.
«إنه يجذب المانا الخاصة بي أيضًا. وكأنه يريد ابتلاعها.»
وبطبيعة الحال، كان يوليوس يمتلك سيطرة كاملة على المانا الخاصة به.
لكن الطبيعة الشرهة للموهبة الكامنة داخل جسد حفيده الصغير تركته مذهولًا.
«يا إلهي...»
واصل تتبع القنوات المعقدة.
حتى وصل أخيرًا إلى الموضع الذي تجمعت فيه المانا وشكلت بلورة.
وما إن تأكد مما يراه، حتى عجز عن إبقاء عينيه مغمضتين.
«هل... انفتح الدانتيان الأوسط لديك بالفعل؟»
عند سماع صوت جده المذهول، تلألأت عينا كايل.
«إذن، كان ظني صحيحًا.»
فالدانتيان السفلي الموجود في أسفل بطنه ليس مركز الطاقة الوحيد.
«وما الدانتيان الأوسط؟»
سأل كايل بملامح بريئة.
«الدانتيان الأوسط... هو مركز الطاقة الثاني، ويقع بالقرب من القلب.»
سحب يوليوس المانا الخاصة به بحذر.
ثم تابع:
«لا يستطيع الممارس فتح الدانتيان الأوسط إلا بعد تطوير الدانتيان السفلي وإكمال تنميته، وعندها يبدأ فتح المركز الأوسط تدريجيًا. لكنك أنت... لقد انفتح لديك بالفعل.»
كان هذا يناقض كل ما يعرفه يوليوس، بل كل ما يعده العالم بأسره من المسلمات.
«كايل.»
مدّ يوليوس يده المرتجفة، وأمسك بكتف حفيده.
«هل تتذكر ما قلته لك قبل خمس سنوات؟ لقد قلت إن أريان أنجبت كنزًا.»
«نعم، أتذكر.»
«أسحب كلامي.»
تلألأت عينا يوليوس.
«ما أنجبته أريان لم يكن كنزًا... بل كان وحشًا.»
«هممم...»
رمش كايل بعينيه عدة مرات قبل أن يتحدث.
«ألا ترى أن وصف حفيدك بالوحش قاسٍ بعض الشيء يا جدي؟»
«...»
وعندما فكر يوليوس في الأمر، شعر بأن الكلمة لم تكن مناسبة تمامًا.
«إذن، فلنقل إنك وحش يشبه الكنز... لا، بل كنز يشبه الوحش.»
وهكذا عدّل يوليوس وصفه مرة أخرى.