التمثيلية
رفع سونغ تان أصابعه عن موضع النبض في معصم الجثة، ثم أعاد تأمل وجه الرجل المسن.
هذا ليس انتحارًا.
حين يبتلع شخص السم وهو عازم فعلًا على الموت، يختلف اضطراب التشي داخل جسده قليلًا عما يحدث في الحالات الأخرى.
فالسم الذي ينزل عبر المريء ينتشر عادةً في الجسد على نحو شبه دائري. ورغم ما يسببه من ألم، تكون مقاومة الجسد أضعف نسبيًا، وكأن صاحبه قد استسلم مسبقًا لما سيحدث.
أما هذا الرجل...
فكان جسده يروي قصة مختلفة تمامًا.
بدا وجهه هادئًا، كما لو أنه فارق الحياة أثناء نومه، لكن ما حدث داخله لم يكن هادئًا بأي حال.
لم ينتشر السم بصورة طبيعية في أنحاء جسده، بل توقفت آثاره فجأة عند مواضع معينة، كما ظهرت اضطرابات في المسارات وتمزقات دقيقة في قنوات التشي.
كانت كلها علامات على شيء واحد:
الجسد قاوم السم غريزيًا وحاول النجاة.
أي أن الرجل لم يكن مستعدًا للموت.
ومن هنا، لم يبقَ أمام سونغ تان سوى احتمالين.
إما أن أحدهم دس السم له من دون علمه فابتلعه، أو أن شخصًا ما أجبره على شربه.
«همم...»
راح بصره يجول في أرجاء المنزل.
وفي تلك الأثناء، أنهى يو غيونغ هو بلاغه عبر اللاسلكي، ثم التفت إليه.
«تان، صوّر كل شيء هنا أولًا. سأخرج لأبحث عن كاميرات مراقبة في الجوار.»
«حاضر، أيها الكبير.»
أخرج سونغ تان هاتفه وبدأ يعاين المكان من جديد، لكن هذه المرة عبر عدسة الكاميرا.
لم تكن هناك أي علامة تدل على وقوع عراك.
الأحذية في الخزانة مصفوفة بعناية، والأرض نظيفة إلى درجة تكاد تخلو من الغبار.
ضاقت عيناه قليلًا.
النظافة هنا مبالغ فيها.
لم يكن المكان مرتبًا فحسب.
بل بدا وكأنه أُعد بعناية ليقنع كل من يدخله بشيء واحد:
هذا انتحار.
عاد سونغ تان إلى جوار الجثة.
فالذين كانوا يُربَّون ليعملوا في ظلال تحالف الموريم يتعلمون قبل أي شيء آخر فنًا لا يقل أهمية عن القتال.
الملاحظة.
سواء كانت المهمة تجسسًا، أو اغتيالًا، أو تعقبًا، فإن القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون هي الأساس.
وكان تدريبهم على ذلك بسيطًا في فكرته...
وقاسيًا إلى حد الوحشية في تنفيذه.
يعرض المدرب حركة من أحد الفنون القتالية، ثم يتعمد إدخال خطأ صغير فيها.
إن لم تلحظه، تنال ضربًا مبرحًا.
ومع مرور الوقت تصبح الأسئلة أدق وأشد عبثًا:
ماذا كان موضوعًا في هذه الزاوية قبل ثلاثة أيام؟
ما لون عقدة حزام المدرب قبل شهر؟
أي حجر في الساحة تغير موضعه منذ الأمس؟
تفاصيل تافهة في الظاهر، لكن عليك أن تحفظها جميعًا.
والمفارقة أن الإنسان، بعد أن يُضرب مرارًا حتى يوشك على الموت، يصل إلى مرحلة يبدأ فيها عقله بتسجيل كل ما حوله تلقائيًا.
جلس سونغ تان القرفصاء، ونظر إلى يدي الرجل.
شيء ما لم ينسجم مع الصورة.
من يشرب السم بنفسه غالبًا ما تشد أصابعه على الكوب لا إراديًا؛ فالمرارة الحادة والرائحة النفاذة تدفع الجسد إلى التوتر.
لكن أصابع هذا الرجل لم تحمل أي أثر لذلك.
واصل التقاط الصور، إلى أن توقف عند المطبخ.
كان واسعًا نسبيًا بالنسبة إلى منزل يسكنه رجل مسن بمفرده، وكل شيء فيه مرتب بعناية شديدة.
ثم انخفض بصره إلى السجادة المفروشة على الأرض.
وفي اللحظة نفسها جاءه صوت يو غيونغ هو من الخارج:
«تان! وصلوا! اخرج.»
نهض سونغ تان من دون تردد وغادر المنزل.
بعد قليل، وصلت سيارة تقل محققين.
وما إن ترجل أحدهما حتى تعرف إليه سونغ تان.
«هاه؟ أنت مجددًا؟»
كان
هان بيونغ وو
، قائد فريق الجرائم العنيفة الأول في مركز شرطة أنام.
انحنى له سونغ تان.
«مرحبًا، قائد الفريق هان.»
اقترب هان بيونغ وو وربت على كتفه.
«سمعت أنك مرشح لترقية استثنائية.»
أجاب سونغ تان بتواضع:
«حالَفني الحظ فقط.»
ضحك هان بيونغ وو.
«منذ اليوم الذي أمسكت فيه بتشوي تشون غيل وسلمته إليّ، عرفت أنك لست عاديًا.»
أما المحقق المرافق له، فتفحص سونغ تان من أعلى إلى أسفل.
«إذًا هذا هو الشخص الذي ظللت تمدحه؟»
رمقه هان بيونغ وو.
«متى مدحته؟ قلت فقط إننا عثرنا أخيرًا على مجنون حقيقي يستحق المتابعة.»
ابتسم زميله.
«أليس هذا مدحًا بالنسبة إليك؟»
«اخرس وابدأ عملك.»
تولى يو غيونغ هو شرح الوضع.
متى عُثر على الجثة، هل كان الباب مفتوحًا أم مغلقًا، أين وُجد المبيد، وهل كانت هناك رسالة انتحار.
ارتدى أحد المحققين قفازاته، ثم فحص الجثة.
«بما أن التيبس الرمي اكتمل إلى حد كبير، فالأرجح أن الوفاة حدثت مساء الأمس.»
«همم...»
أما هان بيونغ وو فكان يفحص زجاجات السوجو وعبوة المبيد، ثم فتح الورقة المطوية التي وُجدت فوق الطاولة.
قرأها بصمت.
«رسالة انتحار فعلًا.»
كان مضمونها يدور حول اشتياق الرجل إلى زوجته الراحلة، وشعوره بأن استمرار حياته لم يعد ذا معنى، وعدم رغبته في أن يصبح عبئًا على أولاده.
ولم تظهر في أرجاء المنزل أي علامة واضحة على دخول شخص غريب.
قال المحقق الآخر:
«كل شيء يشير إلى الانتحار، أليس كذلك؟»
ظل هان بيونغ وو صامتًا للحظات، ثم هز رأسه ببطء.
«هذا ما يبدو عليه.»
وتجهم.
«لكن شيئًا ما يزعجني.»
«مثل ماذا؟»
دار هان بيونغ وو بعينيه في المكان.
«ألا تشعر أن مسرح الحادث كله يقول لنا بصوت مرتفع: هذا انتحار، لا تفكروا في شيء آخر؟»
رفع زميله حاجبه.
«تقصد أن المشهد مرتب أكثر مما ينبغي؟»
«بالضبط.»
ثم أضاف هان بيونغ وو:
«لا أملك دليلًا. مجرد إحساس سيئ.»
سأله المحقق:
«هل نستدعي الأدلة الجنائية؟»
«همم...»
حك هان بيونغ وو ذقنه، ثم التفت إلى يو غيونغ هو.
«هل هناك كاميرات مراقبة قريبة؟»
«توجد واحدة عند مدخل القرية، لكن لا توجد أي كاميرات حول المنزل نفسه.»
زم هان بيونغ وو شفتيه.
«في هذا الزمن ولا توجد كاميرا واحدة حول البيت؟»
قال يو غيونغ هو:
«المنزل جديد نسبيًا، والمنطقة نفسها ما زالت ناقصة من هذه الناحية.»
وفجأة ارتفعت أصوات مضطربة في الخارج.
تنهد هان بيونغ وو.
«يبدو أن أهل المتوفى وصلوا.»
ثم أشار إلى الباب.
«لنخرج.»
«أبيييي!»
كانت امرأة في منتصف العمر تبكي بحرقة عند شريط الشرطة، فيما تحاول شرطيتان منعها من التقدم.
«لماذا مات أبي؟! كنت أتحدث معه قبل أيام قليلة فقط! كان يضحك معي!»
ثم خارت ساقاها وسقطت على الأرض.
بدت كأن الصدمة أفقدتها القدرة على استيعاب ما يجري.
اقترب منها هان بيونغ وو، وقدم لها زجاجة ماء.
«أنتِ من قدم البلاغ، صحيح؟ أنا هان بيونغ وو، قائد فريق الجرائم العنيفة في مركز شرطة أنام.»
ثم خفض صوته.
«أعرف أن ما تمرين به الآن قاسٍ جدًا، لذلك سأختصر.»
توقف لحظة.
«تأكدنا من وفاة والدك داخل المنزل.»
رفعت المرأة رأسها بصعوبة، وصوتها يخرج مبحوحًا.
«لماذا...؟ ماذا حدث لأبي؟»
قال هان بيونغ وو:
«نشتبه في أنه تناول مبيدًا زراعيًا، لكن لا يمكننا حتى الآن تحديد سبب الوفاة بصورة نهائية.»
شهقت المرأة.
«مبيد؟ هل تقصد أن أبي انتحر؟»
«الظروف الحالية تجعل ذلك احتمالًا واردًا.»
هزت رأسها بعنف.
«هذا مستحيل...»
قال هان بيونغ وو بلطف:
«ولهذا نحتاج إلى مساعدتك. أعلم أن الحديث صعب، لكن أي معلومة تقدمها الأسرة قد تكون مفتاحًا لمعرفة ما حدث لوالدك فعلًا.»
عند سماع ذلك، مسحت المرأة دموعها بصعوبة.
أخرج المحققان دفتريهما.
«هل لاحظتِ عليه أي شيء غير معتاد مؤخرًا؟»
فكرت قليلًا.
«لا... ليس حقًا. كان أبي قليل الكلام بطبيعته، لكن بعدما تقدم في السن صار يقول أحيانًا إنه يشتاق إلى أمي.»
«هل سبق أن قال إنه لم يعد يريد الحياة؟»
«لا. لم يقل شيئًا كهذا. كان يقول أحيانًا وهو يشرب إن الحياة أصبحت مملة، لا أكثر.»
كتب هان بيونغ وو ملاحظته.
«هل كان يعاني من أي مرض مزمن؟»
«كان يتناول دواء للضغط فقط. لم يكن مصابًا بمرض خطير.»
ثم سألهـا:
«وماذا عن وضعه المالي؟»
«لم تكن لديه مشكلة مالية. كان يتقاضى معاشًا، كما أنه كان يدير عملًا كبيرًا في شبابه، وما زال يملك عدة مبانٍ.»
توقف قلم هان بيونغ وو للحظة.
«متى انتقل إلى هذا المنزل؟»
«منذ نحو شهر.»
«ولماذا؟»
«قال إن المدينة تخنقه، وإنه يريد أن يعيش في مكان هادئ.»
ثم أضافت:
«أخي الأصغر هو من بنى له هذا المنزل.»
رفع هان بيونغ وو رأسه.
«أخوك الأصغر بناه؟»
«نعم. لديه شركة إنشاءات.»
«هل لديكم إخوة آخرون؟»
«لدي أخ أكبر أيضًا.»
«هل اتصلتِ بهما؟»
أومأت وهي تبكي.
«أخي الأكبر يعيش في جيجو، وقال إنه في الطريق الآن. أما أخي الأصغر فأرسلت له رسالة، وسيقرأها غالبًا بعد انتهاء عمله.»
تدفقت دموعها من جديد.
راقبها هان بيونغ وو لحظة، ثم أخرج هاتفه وأراها صورة للورقة التي وُجدت في المنزل.
«هذه وُجدت في مسرح الحادث.»
قرأت المرأة رسالة الانتحار.
ثم انهارت.
«لا... لا يمكن... كيف يرحل هكذا فجأة؟ وماذا نفعل نحن بعده؟!»
وبعد أن أرهقها البكاء حتى أوشكت على الانهيار، تركها المحققان في رعاية الشرطيات وعادا إلى الداخل.
سأل المحقق الشاب:
«هل نستدعي الأدلة الجنائية الآن؟»
قال هان بيونغ وو:
«تمهل قليلًا. أنت مستعجل دائمًا.»
ثم راح يتفحص المكان مرة أخرى ببطء، كمن يبحث عن تفصيل صغير أفلت منه.
لكنه لم يجد شيئًا.
نقر بلسانه.
«تسك... لا يزال هناك شيء لا يريحني.»
قال زميله:
«وما هو؟»
«لو كنت أعرف لما بقيت واقفًا هكذا.»
ابتسم المحقق ساخرًا.
«لكن تقول إنه حدسك؟»
رمقه هان بيونغ وو.
«حدس محقق مخضرم، أيها الوغد. ألا تعرف قيمة ذلك؟»
قال الرجل:
«بصراحة، حدسك في لعبة السلم سيئ جدًا.»
«هل تقارن هذا بذاك؟ سأ—»
زفر هان بيونغ وو، ثم مرر عينيه على الغرفة للمرة الأخيرة.
وفي النهاية قال:
«لنذهب.»
لكن الباب الأمامي انفتح في اللحظة نفسها.
دخل سونغ تان.
قطب هان بيونغ وو حاجبيه.
«أنت؟ ألم تغادر بعد؟»
قال سونغ تان:
«هناك شيء يجب أن أخبرك به.»
«ما هو؟»
نظر إليه سونغ تان مباشرة.
«هذه ليست حالة انتحار.»
ساد صمت بارد.
تجهم المحقق الشاب فورًا.
«لا ينبغي أن تقول شيئًا كهذا بهذه السهولة—»
رفع هان بيونغ وو يده وأوقفه.
ثم ثبت نظره على سونغ تان.
«تابع.»
كان في نبرته تحذير واضح.
إن كنت ستتجاوز حدودك، فليكن لديك ما يبرر ذلك.
لكن سونغ تان ظل هادئًا.
«هناك آثار تنظيف في المكان.»
قال المحقق:
«قد يكون الرجل شديد النظافة. أين المشكلة؟»
أجاب سونغ تان:
«لو كان المتوفى هو من نظف، لما نظف مناطق محددة فقط.»
توقف الاثنان.
ثم انحنى هان بيونغ وو وبدأ يتفحص الأرض عن قرب.
وبعد لحظات لاحظها.
آثار خفيفة جدًا، تكاد لا تُرى.
مواضع تحرك فيها الغبار على شكل دوائر صغيرة، هنا وهناك، من دون انتظام مع بقية الأرضية.
قال سونغ تان:
«وهناك شيء آخر.»
قادهم إلى المطبخ.
«حوض الغسيل ما زال رطبًا قليلًا.»
مد المحققان أيديهما ولمساه.
كانت هناك رطوبة باردة واضحة.
تابع سونغ تان:
«وبحسب حالة الجثة، مر على الوفاة أكثر من اثنتي عشرة ساعة.»
تصلبت ملامح هان بيونغ وو.
«إذًا... كان هناك شخص هنا بعد موت الضحية.»
لم يكن هناك تفسير آخر.
فالجثة بالتأكيد لم تنهض لتغسل يديها.
قال سونغ تان:
«وإذا كان هناك شخص مع المتوفى قبل موته، فالأرجح أنه شخص لم يكن الضحية يتحفظ منه.»
أومأ هان بيونغ وو.
«صحيح. لو كان غريبًا، لظهرت على الأقل آثار مقاومة أو توتر.»
قال سونغ تان:
«هذا ما أظنه.»
ثم أضاف:
«كان الضحية مطمئنًا تمامًا. وتناول المبيد لا بإرادته، بل بسبب شخص آخر.»
«والجاني بقي هنا بعدها ليتأكد من أن المشهد سيبدو انتحارًا.»
لمعت عينا هان بيونغ وو.
«ولهذا نظف ما كان يمكن أن يكشف وجوده.»
«نعم.»
ثم قال سونغ تان:
«والأهم... أن الجاني ما زال داخل المنزل.»
اتسعت عينا المحققين.
«ماذا؟»
قال الآخر فورًا:
«موجود هنا؟ داخل البيت؟ أين سيختبئ أصلًا؟»
فالمنزل من طابق واحد، وعدد الغرف محدود، ولا يوجد مكان واضح يمكن لشخص بالغ أن يختفي فيه.
لم يجب سونغ تان.
بل عاد إلى السجادة التي لفتت نظره من قبل.
أزاحها.
فظهرت الأرضية الخشبية تحتها.
اقترب هان بيونغ وو.
كان هناك شيء غير طبيعي في شكل الألواح.
عروق الخشب لا تتطابق تمامًا، كما لو أن جزءًا من الأرضية قُطع ثم أعيد تركيبه.
قال سونغ تان:
«ألا يبدو هذا غريبًا؟»
جلس القرفصاء، ومرر يده فوق الألواح، ثم طرق عليها بإصبعيه.
دُق. دُق.
تغير وجه هان بيونغ وو.
كان الصوت أجوف.
قال زميله ببطء:
«لا تقل لي...»
وضع سونغ تان كفيه على الأرض، ثم قال:
«من يستطيع إنشاء مساحة سرية كهذه من دون أن يثير شك صاحب المنزل؟»
تجمد المحققان.
ثم خرجت الإجابة من فميهما في اللحظة نفسها تقريبًا.
«الشخص الذي بنى المنزل...»
«الابن الأصغر؟»
وفور أن نطق هان بيونغ وو بذلك—
طَق.
ارتفع جزء من الأرضية الخشبية.
وانفتح إلى الأعلى كغطاء مخفي.
اندفعت من الداخل رائحة رطوبة وعفن خانقة.
ابتلع هان بيونغ وو ريقه، وأخرج مصباحًا يدويًا من جيبه.
سلط الضوء إلى الداخل.
بدأ الظلام يتراجع طبقة بعد أخرى.
ثم توقف.
«تبًا...»
ففي عمق المساحة المظلمة...
كان هناك زوج من العينين.
تلمعان تحت ضوء المصباح.
وتحدقان نحوه من الأسفل.