اقتلع الفيل الوتد
«كان والداك متشردَين يستحقان لعنة الإلهة.»
«لقد تخلّيا عنك في القرية واختفيا بمجرد أن فُطمت.»
«عليك أن تكون ممتنًا لنا.»
«فلولا أننا اعتنينا بك، لأصبحت طعامًا للذئاب منذ زمن بعيد.»
«وأي قدّيس في هذه الدنيا سيقبل بإيواء صبي ألتويني مجهول الأصل، لا أهل له ولا سند، ويتكفل بتربيته؟»
كان شيخ القرية يردد هذه العبارات كلما أفرط في شرب الخمر.
وقد سمع شان تلك الحكاية مرات لا تُحصى، حتى بات يستطيع ترديدها عن ظهر قلب.
ولم يكن شيخ القرية وحده من يقول ذلك.
فمن العجوز كولو، صاحب الطاحونة، إلى الحطاب جيكسن، وحتى ماسا، بائع العقاقير...
كانوا جميعًا يقطّبون وجوههم كلما رأوه، ويأمرونه بأن يشكرهم لأنهم سمحوا لولد من نسل الشياطين مثله بالعيش في قريتهم.
أما الضرب بالأيدي والأقدام، وأحيانًا بالعصي، فكان نصيبه الإضافي من «التأديب».
لماذا يكرهه الجميع إلى هذه الدرجة؟
كان الكاهن آدور هو من أجاب عن هذا السؤال.
فقد كان أكثر شيوخ القرية احترامًا، وقيل إنه درس في العاصمة خلال شبابه.
قال الكاهن:
«لأنك من الألتوين.»
«الألتوين؟»
«شعب نبذ محبة الإلهة، واستخدم قوى خبيثة، فحلّت عليه لعنة مروعة جزاءً لأفعاله. وعيناك هاتان دليل على ذلك.»
وبالفعل، كانت عينا شان مختلفتين عن أعين الآخرين.
لم يكن الاختلاف ملحوظًا كثيرًا في الأماكن المضيئة، لكنهما كانتا تتوهجان بخفوت في الظلام، كعيني وحش بري.
وحدث أكثر من مرة أن صادف أحد القرويين شان وهو يتجول ليلًا، فأصابه الذعر وظن أن حيوانًا مفترسًا قد تسلل إلى وسط القرية.
وفي كل مرة، كان شان يتلقى الضرب عقابًا على إخافة ذلك الشخص.
لاحظ الكاهن آدور أن الفتى يلمس جفنيه بشرود، فتحدث إليه بملامح يكسوها الأسى.
«منذ زمن سحيق، استخدم شعب الألتوين قوى السحر الشرير، وشيدوا سلّمًا أرادوا به الصعود إلى عالم الآلهة.»
«فغضبت الإلهة من صنيعهم، وأنزلت بهم عقابها. دُمّرت إمبراطورية الألتوين، وحلّت اللعنة على سكانها.»
لقد غيّرت الإلهة هيئاتهم حتى يتمكن الجميع من التعرف إلى أبناء الألتوين بمجرد النظر إليهم.
أما شان، فلم يكن اختلافه يتعدى غرابة عينيه قليلًا.
لكن الكاهن أخبره أن بعض الألتوين تنبت من رؤوسهم قرون ضخمة، وأن أجساد آخرين تغطيها حراشف مشوهة تبعث على الاشمئزاز.
ارتجف شان لمجرد تخيل تلك المناظر البشعة، ثم طرح السؤال الذي كان يراوده بحذر:
«إذًا... هل مجرد ولادتي خطيئة؟»
«هذا أمر لا حيلة فيه. فليس بوسع الجميع أن يولدوا أبناء ملوك أو نبلاء، أليس كذلك؟ إذا كان بعض الناس يولدون وقد أُغدقت عليهم البركات، فلا بد أن يولد آخرون مثقلين باللعنات.»
قال الكاهن آدور ذلك وهو يربت على رأس شان.
«واظب على دراسة تعاليم الإلهة، وأطع أوامرها بإخلاص. وعندئذ، سيأتي يوم تغفر لك فيه الإلهة، وتستقبلك في معبدها المقدس.»
«هل يمكن أن يحدث ذلك حقًا؟»
«بالطبع.»
نظر شان إلى عيني الكاهن الغائرتين المفعمتين بالإيمان، وابتلع الكلمات التي كادت تفلت من شفتيه.
فالحقيقة أنه كان يفضّل أن يعامله الناس بشيء من اللطف في حياته، بدلًا من دخول معبد الإلهة المقدس بعد موته.
كان يتمنى فقط ألّا ينظروا إليه بكل تلك الكراهية، وهو لم يرتكب أي خطأ، شأنه شأن الآخرين.
لكن حتى بعدما عرف سبب اضطهادهم له، لم يشعر قلبه بأي ارتياح.
«أنا من نسل شعب آثم...»
كان أهل القرية يعاملونه وكأنه يستحق كل ما ينزل به من عقاب، وكأن معاناته ليست سوى جزاء عادل لما اقترفه أسلافه.
ولم يورثه ذلك سوى شعور أعمق بالوحشة.
«مهلًا، أيها القزم الألتويني! من سمح لك بالسير بكل هذه الوقاحة في الطريق العام؟»
«أنا آسف.»
خفض شان رأسه بخضوع أمام الفتى الذي ركله بقوة على قصبة ساقه، ثم تنحّى جانبًا ليفسح له الطريق.
فقد ترسخت في نفسه فكرة أنه كان ينبغي له أن يموت منذ زمن بعيد، وأنه لم يبقَ حيًا إلا بفضل رحمة أهل القرية.
ولهذا، كان كل ما يفعلونه به يبدو مبررًا في نظره.
حتى حرمانه من امتلاك أي شيء، وإجباره على العمل من أجل القرية دون مقابل، كان جزءًا من ذلك.
«يا ألتويني! هل انتهيت من تنظيف الإسطبلات؟»
«اذهب إلى الجدول واغسل الملابس. احرص على تنظيفها جيدًا حتى لا تبقى لها رائحة كريهة!»
«أين الحطب الذي أمرتك بإحضاره؟!»
ولحسن الحظ، كان شان بارعًا في العمل.
فقد كان جسده نحيلًا بسبب قلة الطعام، وقامته قصيرة حتى بالمقارنة مع الفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة.
ومع ذلك، كان قويًا على نحو لافت قياسًا إلى حجمه، وماهرًا بما يكفي لإنجاز مقدار من العمل يضاهي ما ينجزه رجل بالغ.
وفي الحقيقة، كان وراء ذلك سر.
«هيّا!»
طَخ!
هوى شان بفأسه على جذع شجرة، ثم راقب بهدوء الشجرة الكبيرة نسبيًا وهي تسقط في اتجاهه.
لو كان هناك أحد يراقبه من الجانب، لأصابه الذعر واندفع نحوه محاولًا إنقاذه.
لكن شان لم يطرف له جفن.
مرّت الشجرة بمحاذاة جسده بفارق ضئيل للغاية، ثم ارتطمت بالأرض بقوة.
فهو كان يعرف مسبقًا أنها ستسقط بهذه الطريقة بالضبط.
«إذا قطّعت هذه الشجرة إلى حطب، فستكون الكمية كافية على الأرجح...»
كان شان يمتلك موهبة غريبة.
فقد كان يستطيع استخدام جسده بدقة وكفاءة تفوقان ما لدى الآخرين، فيحقق نتائج أفضل بحركات أكثر إتقانًا.
وكانت حركات الناس تبدو لعينيه أشبه بحركات الدمى التي يحركها لاعب الدمى في إحدى الفرق الجوالة التي زارت القرية ذات يوم.
كانت تلك الدمى تتحرك بواسطة خيوط مربوطة بمفاصلها، فتبدو حركاتها بطيئة وخرقاء إلى حد لا يُصدق.
وهكذا كانت حركات الآخرين في نظر شان.
لكن عندما سألهم لماذا يتحركون بتلك الطريقة، ولماذا لا يستخدمون أجسادهم بكفاءة أكبر، لم تكن الإجابات التي تلقاها لطيفة.
فقد أخبروه أن ما يفعله لا بد أن يكون من سحر الألتوين الشرير، وحذّروه من استخدامه دون اكتراث.
أن تكون مختلفًا عن الآخرين أمر سيئ.
ولهذا، إذا كان الجميع يتحركون بخرق، فعلى شان أن يقلّدهم.
ولحسن الحظ، لم يكن أهل القرية يلومونه على موهبته ما دام لا يستخدمها على نحو يلفت الأنظار.
وربما كان ذلك لأن إتقانه العمل يصب في مصلحتهم.
ولهذا، كان سعيدًا بأنه يستطيع، على الأقل، تحريك جسده كما يشاء عندما يخرج وحده لجمع الحطب.
وبعد أن قطّع الشجرة الساقطة بسرعة إلى قطع مناسبة من الحطب باستخدام فأسه، حمّلها على عربة وعاد مباشرة إلى القرية، حيث انشغل بمهمة أخرى.
ففي قرية الصفصاف، التي يزيد عدد سكانها على مئة نسمة، كانت هناك أعمال كثيرة تنتظر شان.
جلب الماء، وإزالة الحجارة الصغيرة من الحقول، وتنظيف المراحيض...
لم يتمكن أخيرًا من الراحة إلا بعد أن غربت الشمس تمامًا وحلّ الليل.
تكور على نفسه في زاوية الحظيرة التي اتخذها مأوى له، بينما كان جسده المنهك من العمل طوال اليوم يصرخ احتجاجًا.
«أنا متعب للغاية...»
صحيح أنه يستطيع استخدام جسده بكفاءة تفوق الآخرين، لكن إنجاز ضعف مقدار العمل الذي ينجزونه بجسد لم يكتمل نموه بعد لا بد أن يكون مرهقًا.
وفوق ذلك، لم يكن يحصل على الطعام إلا من بقايا مائدة شيخ القرية، ولذلك كانت معدته تتلوى من شدة الجوع.
«عندما كانت سيلينا هنا، لم أكن أجوع إلى هذه الدرجة على الأقل.»
كانت سيلينا ابنة شيخ القرية، وقد تزوجت مؤخرًا من أحد ملاك الأراضي في القرية المجاورة.
وكانت تحب سماع القصص والحكايات من التجار والغرباء، ثم تتباهى أمام الآخرين بما عرفته لتُظهر سعة اطلاعها.
أما شان، فقد كان أكثر مستمعيها اهتمامًا بتلك الحكايات.
«هل تعرف يا شان؟»
«ماذا؟»
«في أراضي الوثنيين الواقعة جنوبًا، يعيش حيوان ضخم بحجم الجبل يُسمى الفيل.»
«ألن يكون مخلوق بهذا الحجم وحشًا؟»
عندما سألها شان ذلك، نفخت سيلينا بازدراء.
«أيها الأحمق! لقد أخبرتك أنه حيوان، وليس وحشًا!»
ثم تابعت:
«على أية حال، يقولون إنك إذا ربطت هذا الفيل بوتد حديدي عندما يكون صغيرًا، وتركته يكبر وهو مقيد به، فلن يستطيع اقتلاع الوتد حتى بعد أن يصبح بالغًا.»
«فقد حاول اقتلاعه قديمًا وفشل، ولهذا يظل يعتقد أنه عاجز عن ذلك حتى بعدما يكبر.»
«يا له من حيوان أحمق!»
«هل تظن ذلك حقًا؟»
وعندما سألها عما تعنيه، اكتفت سيلينا بالنظر إليه بتعبير غامض لم يستطع فهمه.
بدت وكأنها تراه مثيرًا للازدراء، أو ربما للشفقة.
ثم هزّت رأسها بعد لحظات، وكأنها قررت أن عدم فهمه لا يستحق الاهتمام، وغادرت.
وبعد زواجها وانتقالها إلى القرية المجاورة، لم يعد شان ليراها مرة أخرى.
«ما الذي كانت تقصده بحق السماء؟»
حتى عندما استعاد تلك المحادثة الآن، لم يستطع فهم مغزاها.
ظل شان غارقًا في أفكاره لبعض الوقت، قبل أن يغلبه النعاس ويستسلم للنوم.
كم مضى عليه وهو غارق في سبات عميق خالٍ من الأحلام؟
دَوِيّ!
تردد صوت ارتطام هائل، فأفاق من نومه في لحظة.
«ما ذلك؟»
استعاد شان وعيه تدريجيًا، وأدرك أن جلبة غريبة تعم الخارج.
هل كان مرهقًا إلى درجة أنه نام بعمق حتى الصباح؟
لا.
فلو كان الصباح قد حلّ، لتسللت أشعة الشمس عبر سقف الحظيرة.
وفوق ذلك، كانت الضوضاء القادمة من الخارج مختلفة تمامًا عما اعتاده.
دويّ عنيف يشبه صوت باب يُركل بقوة، وصيحات غاضبة، وزئير، وصرخات حادة...
وكان هناك أيضًا صوت حاد لم يسمع مثله في حياته قط.
وكأنه مسلوب الإرادة، فتح شان باب الحظيرة وخرج.
«مهلًا! أمسكوا بذلك الوغد هناك! إنه يهرب!»
«لماذا تتعبون أنفسكم بمطاردته؟ دعوني أرميه بسهم وأقتله!»
«أرجوكم! ارحموني!»
«لماذا تفعلون هذا بنا؟! سنعطيكم كل أموالنا وممتلكاتنا! أرجوكم!»
أين اختفت القرية المسالمة التي عرفها قبل ساعات قليلة؟
تحت ألسنة اللهب التي كانت تلتهم المنازل، وعلى ضوء بضعة مشاعل متراقصة، تناثرت عشرات الجثث ذات الوجوه المألوفة.
أما الذين طوقوا أطراف القرية وراحوا يذبحون سكانها، فكانوا مجموعة من القتلة المدججين بالسلاح على نحو لا يليق بعصابة لصوص عادية.
كانوا جميعًا يرتدون دروعًا من القماش السميك والجلد، ويحملون أسلحة ذات نصال مصنوعة بإتقان، بدلًا من الهراوات الخشبية البدائية.
وكان أولئك المهاجمون يتعاونون فيما بينهم بانضباط يشبه انضباط الجنود المدربين جيدًا، ويذبحون دون مقاومة تُذكر قرويين يفوقونهم عددًا بأضعاف.
وحين حاول بعض السكان اختراق الحصار بتسلق الجدران أو أسطح المنازل، اخترقتهم سهام الرماة المتربصين خارج القرية، فسقطوا قتلى.
«آآآآغ!»
انطلقت صرخة غليظة مبحوحة.
كان الحداد باراك، الذي أوصل إليه شان الحطب عصر ذلك اليوم، يصرخ من شدة الألم بعدما قُطعت ذراعه وهو يلوّح بمطرقة ضخمة.
كان رجلًا يفوق شان طولًا بمقدار رأسين، ويتمتع ببنية هائلة تشبه بنية العمالقة في الأساطير.
ولهذا، بدا مشهده وهو ينتحب كطفل أمرًا يصعب تصديقه.
وبالقرب منه، كان الحطاب جيكسن ممددًا على الأرض، وقد اخترق رمح صدره.
أما الفأس الذي لا بد أنه كان يحمله، فقد استقر مغروسًا في رأس زوجته، السيدة ماري.
كان هؤلاء من الرجال الذين اشتهروا بقوتهم في القرية.
أبطالًا يستطيعون التعامل مع بضعة متشردين أو وحوش صغيرة دون صعوبة تُذكر.
ومع ذلك، ها هم يسقطون أمام أولئك المهاجمين.
وفي تلك اللحظة، لمح شان الكاهن آدور، رجل الدين الوحيد في القرية، يهرع من ناحيتها الداخلية.
كان الكاهن ثقيل النوم، كما أن كنيسته تقع في أعمق أجزاء القرية، ولهذا بدا أنه لم يدرك ما يحدث بالسرعة الكافية.
أو ربما كان خائفًا إلى درجة منعته من الخروج، ولم يقرر إظهار نفسه إلا بعدما أدرك أنه لم يعد يستطيع الاختباء.
وكما يليق برجل من رجال الدين، انبعث منه نور مقدس ساطع، فأضاء المنطقة المحيطة به وأجبر المهاجمين على التراجع مذعورين.
«ما معنى كل هذا؟!»
«إنه كاهن!»
«ماذا نفعل؟ مهما كان الأمر، فالتعرض لكاهن...»
ربما كان أولئك الرجال، رغم المجزرة التي ارتكبوها، لا يزالون يحتفظون ببقية من الإيمان.
وربما كانوا يخشون القوة المقدسة التي أظهرها الكاهن.
وأيًا كان السبب، فقد ترددوا هذه المرة، ولم يندفعوا لمهاجمته كما فعلوا مع الآخرين.
رفع آدور صوته:
«إن ما تفعلونه سيجلب عليكم غضب الإلهة! ألقوا أسلحتكم فورًا، و...»
«هراء!»
لكن ذلك الموقف الشجاع لم يدم طويلًا.
فقد انطلق رمح من بين صفوف المهاجمين، واخترق عين الكاهن، ومزق دماغه.
بصق الرجل متوسط العمر الذي ألقى الرمح على الأرض، ثم مد يده ومسح رقعة العين التي تغطي إحدى عينيه.
«أيها الحمقى! ألم أخبركم؟! لا يجوز أن يخرج أي واحد منهم حيًا!»
ثم صاح:
«رددوا ورائي! الولاء قبل الإيمان!»
«الولاء قبل الإيمان!»
«جيد! اقتلوهم جميعًا!»
امتثل المهاجمون المحيطون به لأوامره على الفور.
ولم يعد هناك أدنى شك في أنه قائدهم.
وهكذا، استؤنفت المجزرة.
بعدما طاردوا سكان أطراف القرية وقتلوهم جميعًا، بدأوا يفتشون المنازل واحدًا تلو الآخر، ويقتلون المسنين والضعفاء الذين حاولوا الاختباء بداخلها.
ولحسن الحظ، كانت حظيرة شيخ القرية التي يعيش فيها شان قريبة من الكنيسة، في منطقة لا تبعد كثيرًا عن مركز القرية.
ولهذا، ظلت آمنة حتى تلك اللحظة.
لكن لن يمر وقت طويل قبل أن يصبح هو أيضًا هدفًا لهم.
وحتى لو حاول الهرب، فأين سيذهب؟
وكيف سينجو أصلًا؟
كان واثقًا من قدرته على الركض بسرعة.
لكنه لم يكن واثقًا من قدرته على تفادي سهم يراه منطلقًا نحوه.
فهو لم يجرّب فعل ذلك من قبل.
وبينما وقف شاردًا يراقب جثث الشيوخ والأطفال تُسحب من المنازل الواحدة تلو الأخرى، أدرك فجأة أن أحدهم يزحف باتجاهه.
«شـ... شان...»
كان المتحدث هو الفتى نفسه الذي ركله قبل قليل لأنه اعترض طريقه.
كان خنجر مكسور مغروسًا في بطنه، والدماء تتسرب من فمه، وكأن أحشاءه قد تمزقت.
«عـ... عائلتي... أنقذهم...»
حاول شان الرد.
أراد أن يسأله كيف يُفترض به أن يفعل شيئًا كهذا أصلًا.
لكن الكلمات لم تخرج من فمه.
وربما كان ذلك لأن جسده يرتجف بعنف.
ظل الفتى ممسكًا بكاحله، يتمتم ويتوسل إليه، إلى أن نفدت قواه أخيرًا، فارتخى رأسه وسقط إلى الأمام.
كان شان يلهث محاولًا التقاط أنفاسه، وقد أوشك الذعر أن يسيطر عليه تمامًا.
وعندئذ، سمع صوتًا غليظًا يأتي من مكان قريب.
«هاه؟ كنت أتساءل إلى أين هربت، فإذا بك جئت تبحث عن صديق! يا لك من وغد عديم الوفاء!»
كان الرجل يتحدث بنبرة ساخرة.
لكنه ما إن رأى عيني شان حتى انتفض وتراجع خطوة إلى الوراء.
وبعد لحظة، وكأنه استاء من خوفه العابر، التوت ملامح وجهه القبيح في تكشيرة أشد بشاعة.
«ما هذا بحق الجحيم؟! ماذا يفعل أحد أبناء الشياطين هنا؟!»
يبدو أن منظر أحد الألتوين كان مرعبًا حتى في نظر قطاع الطرق الذين يقتلون البشر بلا تردد.
وربما يتركونه حيًا، ظنًا منهم أن مخلوقًا مثله لا يستحق حتى عناء قتله.
وبينما كان شان يتمسك بذلك الوهم الساذج، وجد نفسه يتوسل دون وعي.
«... أرجوك، لا تقتلني.»
لكن قاطع الطريق طقطق بلسانه باستخفاف، وكأنه لا يرى في توسله ما يستحق الرد، ثم لوّح بسلاحه.
كانت في يده سكين كبيرة تُستخدم عادة في قطع الأشجار الصغيرة في الجبال.
بلغ طولها نحو طول ساعد الإنسان، وكان لها نصل واحد حاد، لطخته الدماء والأوساخ.
«إذا أصابتني تلك الضربة، فسأموت...»
كانت حركة سلاح الرجل خرقاء إلى حد لا يُصدق.
بل لم تكن تختلف عن حركات جميع الأشخاص الذين رآهم شان طوال حياته.
«هل أتفاداها؟»
لن يكون ذلك صعبًا للغاية إذا استخدم ما أخبروه أنه السحر الشرير الذي وُلد به بوصفه أحد الألتوين.
بل ربما يستطيع فعل أكثر من مجرد تفادي الضربة.
لكن الكاهن أخبره أن عليه الإصغاء إلى تعاليم الإلهة وطاعتها، وأنه إذا لجأ إلى السحر الخبيث، فسينتهي به المطاف في الجحيم بعد موته.
وما إن خطرت له تلك الفكرة حتى ظهر أمام عينيه مشهد الكاهن نفسه، الذي نطق بتلك الكلمات، وهو يموت بعدما اخترق رمح رأسه.
ولم يكن الكاهن وحده.
كانت هناك جثث الآخرين أيضًا...
أجساد قُطّعت، وأخرى طُعنت، وثالثة ضُربت حتى الموت بصورة مروعة.
«إذا كان الجحيم موجودًا...»
«أليست هذه الدنيا جحيمًا بالفعل؟»
وسط الرعب الشديد الذي اجتاحه مع اقتراب الموت منه، تحرك جسد شان بصورة طبيعية.
«هاه؟»
أبدى قاطع الطريق دهشته عندما شقّ نصله الهواء بدلًا من أن يصيب رقبة الفتى الألتويني البائس.
لقد كان متأكدًا من أنه صوب ضربته نحو عنقه بدقة.
فكيف أخطأه؟
هل يُعقل أن ما يقف أمامه ليس سوى شبح؟
ظن الرجل أنه لم يرَ جيدًا بسبب الظلام، فرفع مشعلًا لينير المكان.
لكن في اللحظة التي فعل فيها ذلك، اختفى جسد خصمه من أمام عينيه.
ثم...
شعر بألم حاد في عنقه.
أفلت الرجل السكين من يده بصورة غريزية، وسارع إلى الإمساك بعنقه.
لكن ذلك لم يمنع الدماء الدافئة من التدفق بغزارة فوق كتفه وصدره.
«ما... ما الذي... يحدث...؟»
لم يتمكن من إكمال كلماته الأخيرة.
انهار في مكانه، وفارق الحياة.
أما شان، فكان يقف ممسكًا بالخنجر المكسور الذي انتزعه من بطن الفتى الذي مات قبل لحظات.
نظر إلى الخنجر في يده، ثم أطلق تنهيدة خافتة.
«آه...»
حتى اللحظة الأخيرة، ظل يشك في الأمر مرة بعد مرة.
ماذا لو كانت كل تلك الحركات الخرقاء مجرد خدعة لإيقاعه في الفخ؟
وماذا لو أنه، في اللحظة التي يحاول فيها الرد على الهجوم، يستدير الرجل نحوه بابتسامة ساخرة ويقول:
«أيها الأحمق! هل ظننت حقًا أنني ضعيف إلى هذه الدرجة؟»
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
فقد انحنى شان وانتزع الخنجر من جثة الفتى، ثم تحرك إلى نقطة عمياء لا يستطيع قاطع الطريق رؤيته منها، وشقّ عنقه.
وطوال ذلك، لم يُبدِ الرجل أي رد فعل على الإطلاق.
لقد أدرك الفيل، الذي ظل مقيدًا بسلسلة طوال حياته، أخيرًا...
أنه كان يستطيع اقتلاع الوتد الحديدي بضربة واحدة من قدمه.