[الفرسان ج4]
مرَّ يومان فقط وكانت عشرون يوماً داخل الهرم مقلوبة.
خلال هذا الوقت وبعد التعرف على المزايا الجديدة التي أتى بها تطور جسده من الجسد الجاهل إلى الجسد الجيني، اقتصر روتين راي اليومي على التدرب لبضع ساعات بعد الاستيقاظ، وذلك من أجل محاولة التحكم وإطلاق قوة جسده قدر الإمكان، والتدرب على السيف.
ورغم توافقه المنخفض مع السيف، لكن بغياب قدرة الجسد على النمو، فقد كانت التدريبات تهدف للنفس الهدف وهو إطلاق قوة هذا الجسد.
ثم باقي اليوم بعد الأكل يمر بسرعة أثناء التعامل مع أوراق الإمبراطورية، وبفضل فارق التوقيت فقد كان من الممكن التعامل مع الأوراق بشكل أسرع من تراكمها، لكن مع تكرار هذا كل يوم بدأ الملل يقتل راي، فغيّر مكانه من مكتبه إلى الطابق الأول بجانب الذئاب حيث جلس على الأرض يعالج الأوراق قبل أن تنضم له مورغانا لاحقاً.
وبعد عشرة أيام من العمل، استيقظت الذئاب وقد أصبح من السهل التمييز بين الإناث والذكور، حيث أصبح للإناث فرو أبيض مثل الثلج بعد التطور وعيون زرقاء مثل البحر، بينما الذكور تميزوا بفراء أسود مثل الحرير وعيون قرمزية أو زرقاء أو أرجوانية تختلف من ذئب لآخر.
وأكثر تغيير حدث كان من نصيب القائد الذي ظهر له ذيلان آخران بجانب ذيل أسود، كما زاد حجمه، والضغط بجانبه كان من الصعب احتماله، ومع ذلك ابتسم راي وبارك له.
ومع الأيام بدأ يعتاد راي على ذلك الضغط، ولاحقاً عرّف الذئاب على مورغانا، ورغم التردد الذي سيطر على مورغانا في البداية، إلا أنه ومع الاستمرار بدخول الهرم أصبحت أكثر جرأة في محاولة الاقتراب من الذئاب، فأخذت أحياناً تلعب مع الجراء بينما ترك راي يعمل وحده جانباً.
لكن على عكس المعتاد، لاحظ راي أن الذئاب تعود للنوم كثيراً خلال هذه الأيام وبمن فيهم الجراء الصغيرة، وكان هذا غريباً، لكن لم يبدُ أن هناك مشكلة تحتاج تدخله فلم يتدخل.
ومرت العشرون يوماً دون أي تغييرات حتى وصل موعد لقاء الفرسان، فأعلمته أرتيل ليتوجه راي إلى الساحة بعد تعديل حالته، لكن ما لم يتوقعه هو عددهم الذي بدا منخفضاً.
لكن سرعان ما أدرك راي أن الأخبار انتشرت من فم الفرسان إلى الخدم والجميع أصبح على علم بوضع الإمبراطورية.
ويبدو أن نتيجة ذلك أنه من بين أكثر من 500 فارس لم يعد هناك سوى 320 فارساً، منهم أكاي وإيليون، وأغلب الذين غادروا كانوا فوق المستوى الثاني، وذلك لأن ترك هذا العمل يضمن لهم إيجاد مكان آخر.
ونظراً لأن راي وأكاي قررا إزالة عقوبة العقد والسماح بحرية البقاء أو المغادرة، فإن مغادرة 180 فارساً فقط هي نعمة ولكن..
"انظروا لوجوهكم اليائسة!" تحدث راي مباشرة بنبرة منزعجة دون أي مقدمة، وضخّم حجر الصوت على ملابسه صوته، فرفع الفرسان رؤوسهم مرتبكين.
"أعلم أن جميعكم تعلمون أن الحرب قادمة والشائعات ليست خاطئة، والعالم قرر أننا انتهينا بالفعل.. الكنيسة حكمت علينا بالموت، والملوك الستة يتقاسمون أراضينا في خيالهم!"
"لكن ماذا في ذلك؟"
"صحيح أننا في نظر الأعداء لا نختلف عن الصراصير التي تلطخ أرضهم، لذلك كل ما يرغبون به هو التخلص منا في أسرع وقت."
"لكن ماذا في ذلك؟"
"إن كنتم تتوقعون أنني جمعتكم من أجل أن أغني لكم بكلمات يملؤها الأمل فأنتم حقاً مجموعة من الحمقى، فحقيقة الوضع واضحة للأعمى، ومجدداً:"
"ماذا في ذلك؟"
"بما أنكم فرسان، لماذا أرى وجوهكم تنظر إلى الأرض خائفين من اقتراب عدو لم يظهر وجهه لكم بعد؟"
نظر راي إلى الفرسان وتابع بنبرة منزعجة: "بما أنك ابن هذه الأرض، فإما أن تموت وأنت تدافع عنها أو تموت بعد أن تخونها، ففي كلتا الحالتين الموت هو نهاية كل مسار، فاختر المسار الذي سوف يشرف وجودك."
توقف راي قبل أن يخفف نبرته قليلاً: "إسمعوا جميعاً! المجد لا يُعطى لمن يطلب، بل لمن يأخذه بالقوة والدماء! وحتى لو اضطررت لخوض هذه الحرب وحدي فسوف أحول خيالهم إلى كابوس! ولن أنتظر من يدافع عني، ولن أطلب صلحاً، فالشمس لا تتفاوض مع الكلاب!"
"من يريد المغادرة فله الحرية في ذلك، ومن يريد البقاء واللحاق بي فله الحرية في ذلك، لقد أتيت لألقي بضع كلمات، لكن بالنظر إلى وجوهكم فيبدو أنني أضعت وقتي فقط."
"مع ذلك، عسى أن يكون هناك بضعة أسود بين مجموعة الجبناء التي أنظر إليها، لذلك سوف أنتظر بعد بضعة أيام أمام القلعة، ومن يريد القتال من أجل وطنه فإما أن ينتظرني هناك أو أنتظره، لذلك اختر إما أن تعود لبطن أمك أو تذهب لتوديع عائلتك وترك وصيتك."
"أكاي!"
"جلالتك."
نظر راي إلى أكاي وأمر بصوت واضح: "لا تمنع أي شخص من مغادرة هذا المكان، فلا فائدة من أخذ جثة لأرض المعركة إن لم تكن سوف تفيدنا بشيء."
"أمرك."
أغلق راي عينيه للحظة ثم فتحهما بهدوء وعاد بنظره إلى الفرسان، وسقطت نظرته على أولئك الذين يحملون نظرة محايدة قبل أن تسقط نظرته على إيليون ويسأل: "هل تريد أن تقول شيئاً؟"
"إن سمحت جلالتك."
"تحدث."
انحنى إيليون احتراماً قبل أن يسأل: "سمعت أن حالة الجيش لا تسمح بخوض هذه الحرب، وفي جانب عدونا سيد سيف وفرسان وسحرة من المستوى الثالث، فهل لنا فرصة أمام هذه الموجة؟"
"بالطبع، ولماذا لا تكون؟" أعاد راي السؤال بنبرة مرتبكة قبل أن ينظر إلى باقي الفرسان ويكمل بنفس النبرة: "قد يجهل بعضكم الوضع وكذلك الأعداء، لكن لا بأس بالاستخفاف بهذه الإمبراطورية، فكذلك سوف يفعل الأعداء، وهذا يمنحنا ميزة يمكنني استغلالها لاحقاً."
"لذلك أقول إنني لا أريد أن يرافقني من لا يستطيع حماية ظهري، فلدي رفاق وأشخاص يستطيعون حمايتي، وما إن كنتم ترغبون بتذوق مجد عودة هذه الإمبراطورية أم لا، فذلك عائد لكم."
"في النهاية كنا مستعدين لهذا، ولقد ولدت 'أستر' من جديد، وهذا العالم لن يسمح لهذا الوحش الذي سيطر على القارة يوماً ما بأن يعود من جديد، لذلك من سوف يحمل سيفه وشرفه فلا يحلم بالعودة إلا منتصراً أو جثة!"
"ومع ذلك أعدكم بشيء واحد على الأقل:"
"لن تندموا على مرافقة هذا الإمبراطور."
رفع راي إصبعه مشيراً لنفسه فخيم الصمت وتبادل النظر مع الفرسان، قبل أن يزيل الحجر من على ملابسه وينظر إلى أكاي ليسلمه زمام القيادة قبل أن يغادر.
لقد انتهى الكلام هنا ولم تعد هناك حاجة لإضافة المزيد، لكن ظل الصمت مخيماً على الساحة لفترة بعد مغادرة راي، ثم تنهيدة أحدهم أوقظت الباقين لينظر بعضهم إلى الأرض بهدوء ويبدؤوا بالتفرق.
لم يفهم أحد ما جرى، لكن من الواضح أن الطرف الآخر منزعج، فحتى لو كان الوضع يائساً فمن العار أن يخفض الفارس رأسه خائفاً، لكن مع ذلك..
هناك عائلات لا يمكن التخلي عنها خلال هذا المرض.
وقد أدرك أكاي ذلك فنظر إلى الفرسان المغادرين دون أن يقول شيئاً.
ربما حقاً يجب استبدال هؤلاء الفرسان جميعاً.
لكن حسناً، هناك بعض الاستثناءات، ومن هذه الاستثناءات كان الأمير إيليون الذي لم تنخفض نظرته منذ البداية.
لقد توقع خطاباً أيضاً، خطاباً تحفيزياً أو كلمات تؤكد أن هناك أملاً وسط عتمة اليأس، لكن من جهة أخرى وجد أن كلام راي واقعي، فإن لم تدخل بعقلية شيطان إلى هذه الحرب فلن تخرج حياً.
الوضع لا يتطلب أملاً وكلمات رنانة.
لكن من جهة أخرى راي مخطئ أيضاً، فالوضع لا يتطلب التخلي عن الجميع حتى لو كان هناك بديل.
ومع ذلك، إن كان هؤلاء الجبناء سيُعيقون الطريق فمن الأفضل أن يعودوا لمنازلهم، فمحارب شجاع مستعد للموت في سبيل الوطن هو أفضل من فارس جبان.
فإذا كانت الحرب قادمة فلا أحد سوف يكون سليماً منها.
وفي حالة رفض الفرسان المشاركة فهناك سحرة.
وإن رفض السحرة فهناك محاربون، وإن رفض المحاربون هناك عامة الشعب، وإن رفض هذا الجيل بكامله القتال فهناك الجيل القادم.
ولا يمكن للجميع سوى الانتظار ومعرفة ما سوف يحدث بعد بضعة أيام.
لكن مع ذلك:
"إنه متهور حقاً.. ما الذي يفكر به؟"
عبس إيليون منزعجاً قليلاً من راي، قبل أن ينظر خلفه إلى الفرسان فيزيد انزعاجه لتخرج الكلمات من فمه دون تفكير: "على الأقل ارفعوا رؤوسكم أثناء السير أيها الحمقى!"
_____________
نهاية الفصل
_____________