الجنين الشيطاني
- منظور ايثان -
إندفعت خلف آلدريتش دون تفكير ، حبل الخطاف كان سريعا بما فيه الكفاية للمرور عبر البوابة و سحبي للداخل قبل أن تقفل بالكامل .
كانت هذه المرة الاولى التي اختبر بها الانتقال الآني ، او بالاحرى .. الثانية بما انني انتقلت عبر البونفاير من قبل ، لكن هذا كان مختلفا .
انا لم اقفز عبر باب ما من جانب الى اخر ، بل مررت عبر ما بدا و كأنه نفق ، ليس طويلا و لا قصيرا ... بل امتد على مسافة قصيرة كل ما فيها بدا متموجا و كأن احدهم امسك العالم و عبث به الى ان بات فوضويا .
إستطعت رؤية آلدريتش بالجانب الاخر يخرج من البوابة ، كان قريبا جدا و ادركت انني سألحق به قريبا .
الوقت امامي كان ضيقا ، لذا بادرت بالغاء هالة سيد الليل ، ثم استخدمت آخر فلاسك احمله معي لرفع نقاط ال HP خاصتي من واحد الى الحد الاقصى .
الفلاسك كان سريع المفعول و جعلني اتعافى ياكل اكبر بكثير خصوصا انني استخدمت اثنين في مدة قصيرة ، لكن الفلاسك لم يشفي الارهاق ، و لم يجدد المانا .
كنت بعيدا كل البعد عن افضل حالاتي ، رغم ذلك .. لم املك خيارا سوى القتال هكذا .
لقد رميت نفسي بمعركة اخرى غير مواتية ، و واصلت الخروج عن طبيعتي .
'مالذي يجري لي ؟' تساءلت ..
منذ متى أصبحت شخصا لا يقدر حياته ؟ يفترض بي ان اكون أكثر من يخشى الموت ، انا اخاف الموت فلو فقدت حياتي ، هذا يعني نفاذ كل الفرص التي املكها .
لن احصل على حياة ثالثة ، و لن اعيش بعالم آخر كما حدث معي بالمرة الأولى ، اورديل هي فرصتي الوحيدة المتبقية .
اذا ما فقدتها ، إستطعت سماع صوت ضحك ايشيزاكي عندما يسخر مني لاحقا .
صحيح انني املك بركة دماء الآلهة القديمة ، لكن الاعتماد عليها بشكل اعمى خطأ كبير ، خطأ ارتكبته عندما قفزت نحو السيف الهائل معتمدا على لا شيء سوى بركة سيد الاسلحة الاسطوري .
"علي التشبث بالحياة أكثر ... مثل الصراصير ، علي البقاء حيا مهما كان الثمن و النجاة حتى النهاية ."
آخذا نفسا عميقا ، مرتبا من خلاله اولوياتي ... مررت أخيرا من خلال البوابة عابرا بذلك الى الناحية الاخرى .
جزء مني كان مرعوبا و خائفا من احتمال عبوري الى مكان بعيد جدا داخل أرض اللعنة ، الموت حتمي في حال حدوث ذلك .
لكنني كنت اعلم أن الوحوش من رتبة آلدريتش لا تستطيع استخدام قدرة كهذه على مدى بعيد جدا ، هذه معلومة استنتجتها بعد دراسة اورديل لوقت طويل جدا .
قررت المراهنة على خبرتي هذه ، و لحسن الحظ .. رهاني قد فاز .
عندما عبرت البوابة ، كنت اقف بقمة تل بعيد ، تل يطل على مدينة آشفارن القديمة باكملها ، و بسمائها المظلمة التي تكسوها النجوم المزيفة .
كانت المباني تغطي كل شيء على مد البصر ، اغلبها مدمر بالكامل ، اما في مركز المدينة فقد برز سيف هائل مغروز عميقا داخل الأرض لكنه ظل اكبر من كل شيء آخر بجانبه .
"خرجت من المدينة .." قلت بصوت خافت مدركا انني لم اعد داخل اشفارن القديمة ، بل اصبحت موجودا على حدودها البعيدة .
كنت تحديدا في الجانب الاخر تماما من الجهة حيث يقع الممر الذي جئنا منه .
خروجي من المدينة عنى أنني لم اعد حبيس المتاهة و لم تعد اللعنة تعمل علي بعد الان .. أستطيع المغادرة و العودة الى اشفارن حيث تنتظر عشيرة الهارت بأكملها .
"لا اصدق أنك لحقت بي ، انت عنيد حقا .. يا حامل اللعنة ."
جاء صوت آلدريتش الاجش مقاطعا افكاري ، ساحبا بذلك انتباهي ناحيته .
كان المخلوق القذر يقف امامي على بعد بضعة امتار ، يحدق بي بتلك الاعين القذرة .
ملامحه كانت غير مفهومة ، امتلك منقارا طويلا مقوسا شبيها جدا بقناع الطاعون ، و كان جسده غريبا باذرع طويلة نحيلة و جسد اضخم من البشر بكثير .
مشددا قبضتي حول سيف منفذ الاعدام ، استخدمت بصيرة الغراب الحكيم لرصد كل تحركاته و حافظت على حذري باقصى درجة ممكنة .
"لم أقابل بحياتي زعيم زنزانة ارثية يستطيع مغادرة منطقته ، أنت فريد من نوعك حقا .." قلت بحذر ، راميا الطعم في سبيل استخراج بعض المعلومات منه .
على غير المتوقع ، آلدريتش التقط الطعم ، فاتحا فم المنقار خاصته مجيبا : "أنا مقيد بالكاتيدرائية فقط عند استخدام جسد الفارس الذهبي ، تأثير جانبي مزعج يجب علي دفعه مقابل السيطرة على صياد قوي جدا من مستواه ، لكن مداي يتوسع ليغطي المدينة باكملها عندما استخدم جسدي الحقيقي ."
"شكرا على المعلومة القيمة ، ستفيدني مستقبلا ." قلت بابتسامة ردا عليه ، فأمال رأسه كرد فعل على كلامي .
"المرة القادمة ؟ يبدو انك تسيء فهم شيء ما ... لا توجد مرة قادمة ، انت ستموت هنا ."
تراجعت خطوة للخلف دون وعي بعدما اصدر نية قتل قوية تجاهي ، لكنني تمالكت نفسي سريعا .
"سنرى بشأن ذلك ." قلت بينما بقيت مكاني و لم اجرؤ على القيام بالحركة الاولى ، فآلدريتش اعلى مني رتبة ، و لم أكن بافضل حالة لي .
هو كان يدرك هذا جيدا ، لهذا السبب بدا مرتاحا جدا و لم يهاجم فورا ، و كأنه متأكد من انه سيفوز .
الوحش الملعون بدأ يمشي جانبا بهدوء ، موجها نظره ناحية المدينة القديمة حيث انتشر الدمار .
"أخبرني يا حامل اللعنة ، أتدرك و لو قليلا كم انت مميز ؟ و كم هي كثيرة الاعين التي تراقبك من بعيد في هذا العالم ؟" سأل الدريتش من العدم ، آخذا اياي على حين غرة ما جعلني اعبس تلقائيا .
"لا أظنني بذلك التميز ، لكنني أعلم جيدا أن الكثير من الاعين مسلطة علي ."
"ههههه ، إذا لست غبيا بالكامل ... لكنك تظل احمقا رغم ذلك ." تقدم آلدريتش خطوة نحوي .
"أنتم حاملي لعنة الوسم مميزون ، قدركم هو الخضوع للمحنة باستمرار ، الفائزون منكم يصبحون اسيادا ، و الخاسرون عبيدا ، تماما كما حدث مع صديقك ، الفارس الذهبي ."
"كان مميزا ، قوي جدا و بدون اي نقاط ضعف تذكر ، كنت سأبني زنزانة ارثية لا تقهر بواسطته ! زنزانة لا تبتلع آشفارن فحسب ، بل إمبراطورية آردين بأكملها !! لكنكم افسدتم كل شيء ايها الملاعين ." عكس صوت آلدريتش غضبا واضحا ، ما جعلني اضحك ردا .
"هاها .. آسف بشأن ذلك ، لكنك تستحق مصيرا اسوء ."
"سأقبل اعتذارك يا حامل اللعنة ، بعد كل شيء .. انت وفرت لي البديل ، هيهيهيهي .." ضحك آلدريتش بخفة ، محدقا بي باعين توهجت عاكسةً شرا اقترب .
هل قال البديل للتو ؟
شعرت بصدري يرتجف عندما ادركت المغزى من كلامه ..
"مستحيل.."
تراجعت عدة خطوات للوراء ، بعدما بدأت افهم أخيرا السبب وراء هدوئه .
"لم يكن يجب عليك مطاردتي ، كان يجب ان تظل مع رفاقك البؤساء ، فبمطاردتك لي .. انت رميت بنفسك نحو الفخ مباشرةً!"
بدون سابق انذار ، إنقض آلدريتش علي موجها يده الطويلة تلك نحوي .
اطلقت درع هالتي باقصى قوته ردا ، بينما زدت من قوة قبضتي الممسكة بالسيف مطلقا قطعا افقيا سريعا جدا استهدف صدره .
آلدريتش كان امامي مباشرة ، و شعرت بالثقة من قدرتي على اصابته ، لكنني انصدمت عندما وجدت سيفي يمر من جسده دون ان اشعر بأنني المس اي شيء ، و كأنني اهاجم شبحا .
"أنت لي يا حامل لعنة الكسوف الدموي !!" صرخ آلدريتش ، بينما مر من خلال سيف منفذ الاعدام و دخل مباشرة داخل جسدي .
جسمه الضخم ذاك غرق في داخلي باكمله ، و كأنه لا شيء .. بمجرد حدوث ذلك .. شعرت بقلبي ينبض بعنف بينما بدأت خطوط سوداء تنتشر فوق جلد يدي ، و بكامل انحاء جسدي .
"تبا !! " صرخت مذعورا ، لقد سقطت بطريق مسدود .
كيف لي صد هجوم كهذا ؟ هجوم يستهدف السيطرة على الجسد !!
لم يكن لي من طريقة لصده ، على حد علمي .. الطريقة الوحيدة هي اما وجود شخص ما قادر على استخدام القوة المقدسة التي تطرد امثاله ، او بامتلاك اداة ما تحمل نفس القوة .
انا لا املك ايا منهما !!
"انتهى الامر يا حامل اللعنة ، لقد اصبحت مضيفي الجديد بدأً من هذه اللحظة ."
سمعت صوته بداخل عقلي ، و بدأت افقد السيطرة على جسدي . و كأنني طردت من داخله .
رؤيتي بدأت تتحول الى الاسود و كأن احدهم حقن الحبر بداخل اعيني ، و فقدت احساسي بالعالم من حولي تدريجيا .
'أحقا .. سأخسر بهذه الطريقة ؟'
لم اكن جاهزا بعد .. لم اكن جاهزا للخسارة .
لازلت لم اثبت شيئا ، لم أبدأ رحلتي في هذا العالم بعد ، فكيف لها ان تنتهي قبل ان تبدأ ؟
أنا ارفض هذه النهاية ! ارفض هذا المصير !
رفضته بكل ذرة من كياني ، لكن رفضي لم يغير شيئا ، فالعالم تحول للاسود بالفعل ..
بهذه الطريقة ، غرق وعي نحو الظلمات .
...
...
...
في هاوية مظلمة لا قاع لها ، يحيط بها ضباب ملعون ، مياسما سامة تتفشى بكل الانحاء .
بوسط ذلك الضباب ، ظهر وحش مظلم من العدم و بدأ يحدق يمينا و يسارا متفقدا البعد المجهول الذي وجد نفسه فيه .
"ياله من بعد ملعون ، لم يسبق لي رؤية عالم داخلي مرعب كهذا ولا حتى عندما اخذت جسد الفارس الذهبي ، حامل لعنة الكسوف الكامل .."
بدا آلدريتش مرعوبا من المكان الذي وجد نفسه فيه ، مقارنا اياه بالفارس الذهبي الذي حمل لعنة من المستوى الرابع .. كان هذا الاخير جنة مقارنة بحامل لعنة المستوى الخامس .. ايثان هارت .
"قد يكون ضعيفا الان ، لكن امكانياته عظيمة ، يمكنني البدأ من جديد بواسطته ."
تعمق آلدريتش داخل البعد الداخلي الملعون الموجود باعماق وعي ايثان ، كان فراغا مظلما لم يرى مثيلا له من قبل .
بينما تقدم للامام ، بدأ آلدريتش يسمع صوتا غريبا ينبع من مكان ما داخل الفراغ المظلم .
بينما أزدادت حدة المياسما المظلمة ، بدأ آلدريتش يتعرف على الصوت .
"هل هذا ... صوت بكاء ؟"
كان بكاءا ، او بالاحرى رضيعا .
رضيع بدا و كأنه خرج من داخل والدته للتو ، فبدأ يبكي و يبكي لكي يعترف العالم بوجوده .
"هذا غريب .. يفترض ان يكون هذا المكان فارغا ، فلماذا إذا اسمع هذا الصوت ؟"
بدأ آلدريتش يدرك بوجود خطب ما ، شيء دخيل وجب عليه التعامل معه ليفرض سيطرته على جسد ايثان .
متتبعا الصوت ، تعمق كثيرا داخل الفراغ المظلم ، و كانت كثافة المياسما تزيد مع كل خطوة يخطوها .
صوت بكاء الطفل الرضيع ازداد حدة بدوره .
"أين هو ؟ اين يختبئ ؟!" شعر آلدريتش بالقلق يعتريه .
كانت المياسما المشؤومة من حوله سببا مباشرا لذلك ، فهي اخفت عنه كل شيء .
صوت الطفل كان مشؤوما بدوره ، فزاد خوفه تدريجيا الى أن ارتعش جسده باكمله .
"ل-لماذا .. لماذا أنا مرعوب هكذا ؟!"
رافعا يده المرتعشة امام وجهه ، كان خوف آلدريتش قد بدأ يصل لمستويات مجنونة دون وعي منه ، و كأن ابواب الجحيم فتحت امامه .
"وئااااااه... وئاااااه!"
بلغ صوت نحيب الطفل ذروته ، كان قريبا جدا .. قريب و كأنه يبكي امام آلدريتش مباشرة .
'إنه قريب جدا .."
استدار آلدريتش يمينا و يسارا بحثا عنه .
"وئااااااه... وئاااااه!"
كان قريبا بشكل مرعب ،بجانبه تماما .
"أين انت ؟! اظهر نفسك !!"
صرخ آلدريتش ، لكنه لم يحصل على رد . كان يتخبط في المجهول ما زاد خوفه كثيرا .
"وئااااااه... وئاااااه!"
"وئااااااه... وئاااااه!"
"وئااااااه... وئاااااه!"
"اين انت ؟!!!" صرخ الوحش مرة أخرى ، قبل ان يشعر باعينه تذرف شيئا ما ..
واضعا يده فوق وجهه المبتل ، فهم آلدريتش أخيرا لما بدا الصوت قريبا .
"وئااااااه... وئاااااه!!!!"
انفجر الوحش بالبكاء ، ينوح و كأنه طفل صغير مسكين لا حول ولا قوة له .
بكى و بكى ، بكى لوقت طويل و لم يستطع التوقف ابدا .
شعر بضيقة شديدة ، و حزن عارم و ألم عظيم و كأن العالم كله يحاصره .
"وئااااااه... وئاااااه!!!!"
في تلك اللحظة ، ظهر شكله امامه أخيرا .
الرضيع .. الطفل الذي كان يبكي معه .
رؤيته جعلت آلدريتش ينهار ارضا ، حاول الهرب ... لكن ارجله لم تعد تستجيب له .
امامه ، ظهرت يد شاحبة ملساء ، جلدها مصقول بعناية مخيفة ، و كأنه قد تذوب بأي لحظة ، اصابع اليد كانت طويلة جدا و رفيعة اكثر مما ينبغي ، باظافر حادة سوداء اللون .
اليد زحفت للامام ، بحركة رزينة متناسقة ، بينما حملت مصدر كل ذلك البكاء المشؤوم .
كان رضيعا بالفعل ، لكنه لم يكن رضيعا عاديا .. بل جنين شيطاني ينزف دما كثيرا انسكب فوق اليد الشاحبة ، و تساقط نحو الأرض المظلمة غارقا في الفراغ .
جلد الجنين كان احمر قاتما ، شكله مشوه و مرعب ، اعينه حمراء كبيرة تشع بضوء مقلق ، و وجهه منتفخ و غير متناسق .
فمه مفتوح ينزف و يصرخ باستمرار ، يبدو و كأنه يعاني من الم فظيع .
كان هنالك حبل سري يمتد من بطن الجنين ، و يتصل بالشيء صاحب تلك اليد المخيفة التي حملت الجنين .
شيئا فشيئا ، تقدم صاحب اليد للامام كاشفا عن نفسه فبدأ آلدريتش يصرخ كالمجنون الى ان كاد يموت خوفا من الوحش الذي ظهر امامه .
"لا !!!! لا !!!!!! ابقى بعيدا !!!!" صرخ آلدريتش زاحفا للخلف بين المياسما .
في تلك اللحظة ، حدقت به عين صفراء بلون الصدأ ، عين معكوسة بخط افقي .
"أنت لست هو . لا يحق لك التواجد هنا ." قال الشيء ، فزاد صوت صراخ آلدريتش .
"آااااه .. آاااااا .. آاااااا"
بين صراخ آلدريتش ، و اعين الشيء ، و بكاء الجنين .
تم طرد مخلوق رابع كان يتجسس من بعيد .
"غلاديوس .. أتجرؤ يا حكمة الليل ؟" قال الشيء محدقا بمكان ما في الفراغ ، و الغضب باد عليه .
لكنه اعاد اعينه سريعا ناحية آلدريتش .
"فالتذهب و لتمت على يده ، لان الموت بواسطتي هو شرف لا يستحقه امثالك ."
و كأن العالم نفسه استجاب لصوته ، تم طرد آلدريتش من الفراغ المظلم و فقد حقه بالتواجد هناك .
باقل من ثانية واحدة ، هو قذف نحو العالم الواقعي ليجد نفسه يتذلل امام ايثان بجسد ارتعش دون توقف .
ايثان بدا متفاجئا ، غير قادر على فهم ما حدث .. لكن آلدريتش زحف بعيدا بينما اشار باصبعه ناحيته .
"و-وحش .. أنت وحش !!!" هو صرخ .
"مالذي ؟.." زاد عبوس ايثان ، بينما صاح آلدريتش و فر هاربا .
"ابتعد عني ، لا تلمسني ، لا تنظر الي ! " صاح الوحش بجنون ، و فر من امام الصياد الملعون .