الفصل 20: حجر صحي |١٩|
___________
مد أدريان يده المرتجفة وأخذ السكين بلطف من لورين يحاول تمالك نفسه ليقذفها أرضاً بعيداً عنها ثم هرع نحو اقرب منشفه معلقه على الباب وكان لونها ابيض ليغطي فيها ذراع لورين وجلس بتهالك على السرير قربها يراقب جرحها بقلق عارم وانفاسه مرتعشه ..
بينما لورين كانت تحدق فيه بهدوء مخيف .. وكأنها فقدت الشعور بأي شيء حولها
قال بصوت اُشبه بالصراخ وهو ينظر اليها بسخط
" هل تحاولين معاقبتي عن طريق إيذاء نفسك ؟ .. هل لأنكِ تدركين اني لا استطيع تحمّل رؤيتك بهذا الوضع ؟! "
لم تنطق هي بشيء .. لكنها بدلاً عن هذا أدارت عيناها نحو النافذة بهدوء ..
أوقفها بنُبُل يقول ويده الاخرى ممسكه بالمنشفه التي تعانق ذراعها جيداً
" سنذهب للمشفى .. هل تريدين ان أحملك ؟ هل تشعرين بالإرهاق ؟ "
لم ينتظر إجابتها ، بل رفعها فوق ظهره بلطف ونزل السلالم بعجله لكن بحرص حتى وصل الى السياره وكانت الخادمه سيزين تلاحقها بنظراتها من شدة الذعر .
كان يقود بيد ، واليد الاخرى ممسكه بالمنشفه البيضاء التي على ذراعها وقال بصوت رقيق
" لحسن الحظ انكِ لم تقطعي شريان معصمك .. "
ثم التفت اليها بسرعه وقال
" ارجوكِ لا تكرريها مجدداً .. "
كان وجهها شاحباً وذابل .. مما جعله يؤجل العتاب الى بعد حين ..
وصل الى المشفى وحجز لها غرفة .. خرج الطبيب بعد ان قام بتضميد جرحها وقال لأدريان الذي كان واقفاً ينتظر طوال الوقت
" سأقول لك هذا بصفتي والد وأملك إبنةً تعاني من الكآبة .. هناك نوع من الناس يؤذون أنفسهم جسدياً كي ينسوا ألماً حسي قاتل .."
ثم أشار على قلبه بإصبعه وقال
" هذا الألم يكمنُ هنا بالضبط .. يجعلك تتلذذ بإيذاء جسدك بالآلات الحاده فقط كي تنسى ولو لبعض الوقت هذا الألم الحسي .. وتضميدي لجراحها الذي تسببت به ليس العلاج .. العلاج يكمنُ بالمضي قُدماً ونسيان ما فات .. او - "
عقد أدريان حاجبيه الكثيفين وقال
" او ماذا ؟ "
" او حبسها بالحجر الصحي .. لمصلحتها طبعاً "
نفث أدريان بسخريه وقال بجديّه
" افضل ان ارمي بنفسي من فوق هذا المبنى الكبير على ان أضعها في ذلك المكان "
ربت الطبيب على كتف أدريان وقال بلطف
" هل تفضّل جعلها تعيش بين أشياء حاده ومؤذية ويكون بإستطاعتها استعمالها كآداة لنسيان الألم الحسي على ان تضعها في الحجر الصحي حيث تكون آمنه ؟ "
هز أدريان رأسه لكنه زفر بضيق وقال بعد صمت ..
" دعني أراها أولاً .. ثم بعدها سأقرر "
أومئ الطبيب برضى وفتح المجال لأدريان كي يدخل ..
تردد أدريان قليلاً لكنه مسح باطني كفيه المتعرقان من التوتر .. ودخل يبحث عنها يمسح المكان بعيناه الشمسية ..
اه .. انها هنا .. تكاد ترمي نفسها من النافذة !
ركض نحوها وأحاط خصرها بذراعه بذعر ووضعها أرضاً ليقفل النافذة جيداً بحيث لن تستطيع فتحها ، ثم اقترب منها يهز كتفيها ويصرخ
" هل تريدين قتلي ؟! لماذا تفعلين هذا بنفسك اخبريني؟ ! "
دفعت صدره بيدها الغير مصابه وقالت بصوت مبحوح متعب
" انا .. لم اعُد اريد استعادة ذاكرتي "
ابتلع ريقه بتوتر وقال
" هل تتذكرين كل شيء ؟! "
اقتربت من سريرها الابيض وجلست عليه بهدوء وهي تنظر الى الفراغ .. بينما كان أدريان ينظر اليها منتظراً أجابه على احر من الجمر .. نظرت اليه وابتسمت قائله
" كل شيء .. ذكرياتي معك ومع هاري حين كنّا صغار .. رحيلك الى إيطاليا عني .. ومن ثم رحيل والدتي .. اخي كارلوس .. وأخيراً "
اكملت وهي تنظر الى الارضيه بخزي
" وجه من اعتدى علي حين كنتُ طفله .. "
توسعت عيناه ذهولاً .. حين قالت ذلك الكلام في الغرفه لم يكن حقاً قادراً على استيعاب المسموع لانه كان يرى دماء وسكين .. لكن الان لا مفر من الإنكار .. رٰفع الستار وظهرت الحقيقه .. ولا غموض بعد الان ..
استدار وخرج من الغرفه تاركاً لورين تسرح بأفكارها .. ليجد الطبيب يتحدث مع الممرضة وقال له
" انا لن اكون قادراً على رؤيتها تؤذي نفسها مجدداً .. انا موافق لكن يجب اخذ موافقة عائلتها أولاً أليس كذلك ؟ "
ابتسم الطبيب وقال
" بالطبع .. لا بأس سننتظر رداً منهم "
" اعتنوا بها .. سأعود ومعي الموافقه "
ادار ظهره وخرج من المشفى .. دخل سيارته و أراح رأسه على المقود لينطلق الصوت المزعج من السياره مما جعل يرفع رأسه وينظر الى البعيد بشرود .. اخرج هاتفه واتصل على جدة لورين وبعد انتظار جاء الرد
" أهلاً يا عزيزي .. كيف حالك ؟ "
عانق وجهه براحة يده وهمس لها بضعف ووهن
" لستُ على ما يُرام .. انا خائف على لورين من نفسها "
قالت بذعر
" لورين ؟! ماذا بها ؟! "
صمت ثم قال بعدها بهدوء
" استعادت ذاكرتها "
فصرخت بخوف
" لا لا يا الهي !! "
شك من ردّة فعلها المريبه وسأل
" هل تعرفين شيئاً يا جدتي ؟! "
في البدايه لم تنطق بشيء لكنها قالت اخيراً بتوتر واضح
" لا .. لا شيء "
" اخبريني رجاءً ..انني مثير للشفقه الان وآخر ما اريد سماعه هو كذبكِ علي "
سمع تنهيدة عميقه صدرت من الجده كاترين لتقول اخيراً
" لورين لم يجب ان تستعيد ذاكرتها .. هذا اليوم كان مجيئه يلازمني في كوابيسي .. وان أوانه "
بعد صمت نطق أدريان بإرتباك
" هل ما قالته عن امر الاعتداء صحيح ؟ .. "
لم تجبه .. حتى شعر بأنها لم تعد موجودة على الخط .. حتى قالت لتقطع الصمت
" إذن أخبرتك .. يالطفلتي المسكينه .. لقد كانت في العاشرة من عمرها حين وجدتها في الزقاق القريب من منزلي مغمي عليها ومستلقيه على الارضيه البارده والمظلمه .. من منظرها اللذي يقطع الفؤاد عرفت ماذا حلّ بوردتي الصغيرة .. لقد تحرش ذئب بشري بها "
تسمر أدريان مكانه .. وكان يرسم في خياله شكل لورين الصغيرة مستلقيه بضعف على الارض البارده ووحيده.. قالت الجدة كاترين بقلق على أدريان
" عزيزي .. لا تحزن .. يا الهي اسفه "
سقط الهاتف من يده الرجولية دون ان يدرك هذا حتى ..
وخرجت دموع ساخنه كريستاليه لترتطم على باطن يده الموشومة الممسكة بالمقود وشهق كي يغرق في بكاء شديد سمعته الجده كاترين التي كانت تستمع الى كل شهقه يشهقها وكل انين يطلقه .. وآلمها قلبها بشده عليه لتقول بصوت مرتعش
" لا تبكي يا صغيري .. البكاء لن ينفع احد .. لا تُعذب نفسك عزيزي أدريان "
مسح عن عيناه الحمراوتان دموعه الكريستاليه ونظر الى الأسفل يبحث عن هاتفه .. وحين وجده قال بصوته المبحوح
" جـ- جدتي .. سأضع لورين في الحجر الصحي .. بعد موافقتك طبعاً "
" حجر صحي ؟! صغيرتي لا تعاني من شيء "
قال بصوت صارم
" انا افعل ما كان يفترض منكِ فعله حين تم الاعتداء عليها "
لم يلقى رداً سوى شهقات البكاء من قِبٓل الجدة كاترين وقال برويّه وبهدوء بعد تنهيدة
" انها تُعدُّ خطراً كبير على حياتها وعلى نفسها .. يجب ان توافقي "
أجابت بعد اقتناع وبدت أشد ثقه بنفسها اكثر حين علم أدريان بالأمر الذي كانت تخفيه لسنوات
" حسناً "
تم توقيع الأوراق اللازمه وكانت الجدة كاترين حاضره بجانب أدريان حين دخل الممرضان غرفة لورين وطلبوا منها الذهاب معهم . فنظرت الى الابرة التي كان يخفيها احد الممرضان خلف ظهره
لتهرب نحو السرير تحاول رمي الغطاء عليهما والفرار
لكن خطتها قد فشلت لان احدهما امسك بها من الخلف كي يتيح للآخر غرز الابره بجلدها وسط صراخها ومقاومتها ..
" ماذا تريدون مني ! "
التفتت الى زجاج نافذة الباب وكان أدريان ينظر اليها بنظرات هادئه لترفع ذراعها نحوه تصرخ
" أيها الحقير ! هل انت تحاول رميي في احد مشافي المجانين ؟! "
ابتعد عن الباب يزفر بضيق لتربت الجدة كاترين على ظهره تقول بصوتها الحنون
" ستشكرك حين تتعافى لاحقاً .. "
التفت اليها وقال بحزن
" ماذا لو ازداد الامر سوءً ؟! ماذا لو قاموا بتعذيبها ؟! "
سمع صراخها وهرع يدخل الغرفه بينما قلبه ينبض بشدة ليجدها على الارض تصارع تشبثهم بها .. ليرتخي جسدها وتبدأ بإغلاق عينيها تدريجياً حتى غابت عن الواقع ..
ركض نحوها خائفاً لكن الطبيب المسؤول وقف امامه يقول
" لا تقلق .. ستكون بأمان معنا .. لقد قاموا بتخديرها لانها كانت تقاوم "
ركض احدهم ومعه النقاله ليرفعها الاخر ويضعها فيها .. وخرجوا من الغرفه وسط تحديق أدريان بلورين . وكان شعرها الطويل يكاد يلامس الارضيه البارده البيضاء
بعد أربعة ايام ..
قرر أدريان زيارة لورين في المشفى والإطمئنان على حالتها رغم سوء الجو فقد كان ممطراً بشده
وحين وصل لم يجدها في غرفتها ، ساوره الشك في انه ربما هم يعذبون فيها ويغرزون ابراً حاده في جلدها ، كان خائفاً كالجحيم حتى سمع صوت ممرضه من خلفه تقول بصوتها الأنثوي
" هل اتيت لزيارة المريضه لورين ؟ "
التفت اليها بسرعه وقال
" اين هي ؟! "
ابتسمت له وقالت
" لقد طالبت بالخروج رغم ان الجو ماطر .. لكن الطبيب رفض بالبدايه لذا قامت بتكسير سريرها والصراخ بصوت عالي اخاف المرضى التي كانت غرفهم ملتصقة بغرفتها وما كان على الطبيب اللا ان يعطيها الإذن بالخروج "
فأتاها الرد بسرعه
" اين هي إذن ؟! "
اشارت نحو باب يقع في الزقاق وقالت وهي تتراجع الى الخلف
" انها هناك خلف ذلك الباب .. هناك ممرض يراقبها لذا لا تخف اذا رأيت رجلاً مختبئ في الخارج "
ركض ولسببٍ ما كان يشعر بغبطة السعادة .. وحين خرج لم يكترث لتبليل المطر لجسده واتلافه لبدلته الرسمية ..
كان يركض وسط تلك الحديقه التي ترتوي من قطرات المطر البارده المنعشة .. وعبير الازهار تداعب أنفه الإرستقراطي ..
فلمح جسداً ضئيلاً نحيل صاحبته ترتدي الابيض الخاص بالمرضى .. وشعرها البندقي الطويل الذي كان يلامس ظهرها النحيل .. لم يخطئ بالشخص .. كانت هي لورين التي لم تكترث اذا ما تبللت او لا ..
كانت تشبه الغيوم الداكنه .. .. بدت كئيبه
" انسه لورين "
صوته الخشن الكاريزمي اثار رعبها
لتلتفت اليه وهي تشهق بينما يدها على صدرها .. فقابل وجهها الحسن بوجهه الفتّان الذي كان المطر يعانقه ولحيته السوداء القصير تقطر وعيناه الشمسية تنظر اليها بتمعن ..
قالت بإرتباك من نظراته العميقة لها
" سيد أدريان .. مالذي تفعله هنا ؟ "
نظَّف حلقه وهو ينظر الى وجهها الانوثي والى عيناها الزرقاء المائله للون البنفسجي والتي لطالما كانت زرقاء اللون .. ولكن حين يصبح المكان مظلماً او داكن سيبدو لون عيناها كما لو انه بنفسجي.. لهذا لطالما لقّبها بينه وبين نفسه بالحسناء صاحبة العيون البنفسجية ..
ثم قال بصوته الخشن وعيناه تحاصرها
" رؤيتي إليكِ تُفقدني التركيز .. اسف "
امسك برأسه واغمض عيناه الرطبة بفعل المطر .. ثم اكمل وسط استغرابها
" لقد قاومت فعلاً .. لكنني دائماً اخسر .. ولمدة ١٣ سنه حاولت الفوز دون اي فائده اعود خاسراً "
تنهد وتقوست شفتيه الورديه بينما هي أعادت خصلتها البندقيه خلف اذنها تنظر اليه ليكمل
" انا حقاً اتيت الى هذه البلاد لأجلكِ انتـِ فقط لورينزو "
هزت رأسها بتشوش وقالت وهي تنظر الى عيناه الغارقة بها تماماً
" لم .. افهم .. "
توترت شفتيه المتورده وارتجف ذقنه الملتحي لكنه همس تلك الكلمات بصوت مرتعش
" انــا اعــشقُكـِ ! "
_______________
الفصول منتهية من عام ٢٠١٦ ولكن الرواية يُعاد تصحيحها وتعديلها في عام ٢٠١٩ .. اتمنى تكونوا صبورين معي لاني انشغل مو دايم اصحح الفصول وانشرها .
وش رايكم بالبارت ؟
وش ردة فعلكم لما استعادت لورين ذاكرتها ؟
مساحة لذكر الله ؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/66/العـشق-يشبهك
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━