325
في الصباح الباكر.
استيقظ إي هيون باكرًا وظل يحدق بصمت وهدوء في الأطباق المعروضة أمامه.
فمنذ ذلك اليوم الذي تناول فيه الطعام مع دانغ تشيونهوا بدا وكأن الأطباق التي ذكر إي هيون حينها أنها لذيذة أصبحت تُقدم له واحدة تلو الأخرى.
'لا يبدو الأمر…… مجرد وهم.'
هل يعقل أن دانغ تشيونهوا قد أعطى تعليمات للطباخ؟
بالطبع، لم تكن إشادته بالطعام مجرد مجاملة فضلاً عن أنهم لم يقتصروا على تقديم الأطباق التي حددها وحدها بتكرارٍ ممل، لذا لم يكن الأمر يزعجه كثيراً.
فضلاً عن أنه لم يستطع تناول الكثير على أي حال لفقدانه الشهية بسبب الإعياء والحمى.
طق-طق-طق-طق-طق—
وتحت قدميه، كان الثعلب الصغير ينقضّ بشراهة على قطع الدجاج المسلوق والمفتَّت إلى قطع صغيرة.
ومع كل حركة من شدقيه الصغيرين كانت قطع الدجاج تختفي من الطبق واحدة تلو الأخرى.
"هل هو لذيذ؟"
"كيانغ!"
"أعتقد أن الوقت قد حان لأعطيك اسمًا أنت أيضًا."
فليس من المناسب الاستمرار في مناداته بـالثعلب أو الثعلب ذو الذيلين إلى الأبد.
لكن حتى ياكسون لم تطلق عليه اسمًا خاصًا بعد.
وبما أن له مالكًا حقيقيًا فمن الصواب والأدب أن يتلقى اسمه منها.
'يجدر بي إرسال رسالة أطلب منها فيها تحديد اسم له.'
وبعد أن أنهى وجبة الصباح، قرأ كتاب وأتم ممارسة الطاقة الداخلية باستخدام أسلوب طاقة العناصر الخمسة
وعندما قرع إي هيون الجرس ليعلن عن انتهائه من جلسة تنظيم الطاقة والتنفس ورد صوتٌ حذرٌ للغاية من خلف الباب
"سيدي الشاب هناك نبأ عاجل هل لي بالدخول؟"
لم يكن القادم سوى نائب رئيس الخدم الذي تولى إدارة المهام مؤقتًا في غيابه
ولأنه كان يعلم أن إي هيون قيد التأمل وضبط الطاقة فقد انتظر حتى انتهاء الجلسة دون إزعاجه رغم خطورة الأمر ومستعجله.
"ادخل."
دخل نائب رئيس الخدم بحذر ثم انحنى بإجلال وألقى التحية على إي هيون.
"ما الأمر؟"
"ألم يكن من المقرر أن تحضر اليوم كشاهد في قاعة تنفيذ القانون ؟ لقد تم إلغاء ذلك الموعد."
أعاد إي هيون السؤال بملامح يعلوها الاستغراب
"لماذا؟"
"في الواقع……"
تردد نائب رئيس الخدم وهو يلتفت حوله دون داعٍ، ثم قال بصوت كأنه همس
"يُقال إن السيد دانغ غا غيوم قد شنق نفسه."
"…… ماذا؟"
****
في قاعة الاجتماعات التابعة لإحدى البنايات داخل مقر إقامة السيد الأكبر دانغ هوي .
جلس شيوخ فصيل السيد الأكبر حول الطاولة وعلامات التجهم والوجوم تجلل وجوههم جميعًا دون استثناء.
"إذن، ما تعنونه هو أن السيد الأكبر قد أبلغ قاعة تنفيذ القانون عن السيد الذي حاول الاعتداء على السيد الثالث فارتعد دانغ غا غيوم خوفًا وشنق نفسه الليلة الماضية؟ ومن بين كل الناس تصادف أن والده ينتمي إلى فصيل المحايدين؟"
"هذا صحيح ويُقال إن احتجاجات فصيل المحايدين تنهال كالمطر حاليًا على قصر سيد العشيرة بسبب هذه الحادثة. "
"عجبًا أليس السيد الثالث من السلالة المباشرة في النهاية؟! في الأصل مجرد محاولة رفع اليد على سيدٍ من السلالة المباشرة هو أمرٌ غير معقول مطلقًا فما بالهم يقيمون كل هذه الضجة وكأن خطأً قد ارتُكب؟!"
"…… في الواقع بفضل تدخّل السيد الأكبر في الوقت المناسب لم يمسّ السيدَ الثالث أيُّ أذى إلا أن السيد دانغ غا غيوم قد تعرض لضربٍ مبرح في ذلك المكان على يد السيد الثاني لذا يسري حديثٌ مفاده أنه أقدم على الانتحار لعجزه عن تحمل تلك الإهانة الشديدة……"
"……."
"……."
ساد القاعةَ صمتٌ ثقيلٌ ومطبق في لحظة.
نقَر أحد الشيوخ بلسانه في انزعاج وعصبية
"تشس…… تشس تشس! كنتُ أعلم أن حادثةً كهذه ستقع يومًا ما! كنتُ أعلم أن طبع السيد الثاني الشرس وتهوره سيجلبان الكارثة لا محالة!"
"مهلاً، إن كان الأمر كذلك فلماذا لا يذهبون ويحاسبون فصيل السيد الثاني بدلاً من صب جام غضبهم على السيد الأكبر?!"
"بحسب ما بلغنا فإن السيد الأكبر كان حاضراً في ذلك الموقع أيضًا ولم يمنع السيد الثاني بالشكل الكافي بل إنه سارع إلى الإبلاغ عن ذلك للسيد فور عودته لذا يحملون السيد الأكبر المسؤولية ويتهمونه بالقسوة المفرطة تجاه سيد شاب."
"هههه الأمر جليٌّ كعين الشمس إنهم يستغلون هذه الحادثة كفرصة لتوجيه ضربة قاسية إلى السيد الأكبر."
"المتسبب في الجلبة شخصٌ آخر فكيف ينبغي على السيد الأكبر أن يتحمل التبعات ويرقع ما أفسده غيره؟"
"هذا ما أقوله تمامًا."
"بل إن أمعنتم النظر ستجدون أن المشكلة الأساسية تكمن في السيد الثالث.كيف لسيدٍ أن يكون على هذا القدر من الضعف حتى يتجرأ أبناء الفروع على ضربه والتطاول عليه؟ لا توجد إهانةٌ وخزيٌ أكبر من هذا تش تش تش."
في تلك اللحظة تحدث أحد الشيوخ الذين كانوا يلتزمون الصمت بحذرٍ وتأنٍ
"ألم يستفق السيد الثالث من فراش مرضه منذ فترة قصيرة فقط؟ ناهيك عن أنه لا يملك قوةً أو فصيلاً يحميه بصراحة فلم يكن أمامه بدّ من مداراة الوضع وتجنب المواجهة بدلاً من التصدي لهم."
"مهلاً، لماذا تدافع عن السيد الثالث فجأة وتتحيز له؟"
"أنا لا أدافع عنه أليست هذه هي الحقيقة؟ ثم إن رعاية السيد الأكبر واستثنائه له بشكلٍ خاص منذ عودته هذه المرة تشيران إلى احتمال انضمام السيد الثالث إلى فصيلنا."
"وما النفع الذي سيجلبه انضمام السيد الثالث إلى فصيلنا؟"
"ليس الأمر كما تظن لقد سمعتُ أن دور السيد الثالث كان كبيراً للغاية في الخروج من عالم المان سانغ فضلاً عن تسويته لحادثة مانغتشو في المرة السابقة وأرى أن دهاء السيد الثالث وفطنته ليسا بالشيء الهين على الإطلاق."
"…… آها، أذكر الآن! ألم يحضر حفيدك تجمع التنين هذه المرة؟ ولهذا السبب تنحازون للسيد الثالث وتأخذون بـ—"
"ما هذا الهراء؟! ما علاقة حفيدي ليُقحم في هذا الحديث الآن?!"
"كفّوا جميعًا! ألا ترون أن النقاش يتشعب ويحيد عن مساره الرئيسي!"
وبعد مشادة قصيرة استقر الوضع أخيراً فسعل الشيخ الذي تدخل للوساطة بتكلف وغير مجرى الحديث
"ههه، على أي حال وبالعودة إلى لب الموضوع أليس السيد الثاني هو من فقد أعصابه وضايق دانغ غا غيوم بالضرب المبرح في ذلك الموقع؟ في تقديري كان لذلك الأثرُ الأكبرُ في دفعه لاتخاذ قرار الانتحار."
"همم."
"هذا احتمالٌ واردٌ للغاية."
"إذن، ما رأيكم أن نتخذ قراراً بأن نضمّ صوتنا إليهم ونحمل السيد الثاني مسؤولية هذه الحادثة أيضًا؟"
"أنا أؤيد هذا الطرح."
"حسنٌ، إذن—"
"غير مقبول."
انقطع حديث الشيوخ فجأةً إثر هذه الكلمة المقتضبة التي تخللت نقاشهم دون مقدمات.
التقطت أعين الشيوخ—الذين التفتوا جميعًا نحو الباب في آنٍ واحد—شخصًا واقفًا هناك.
سيدٌ يفيض بانطباعٍ خالٍ من أي ثغرة كأنه خنجرٌ حادّ صقله أبرع حدادي الموريم.
لم يكن سوى السيد الأكبر دانغ هوي
"اـ، السيد الأكبر."
خطا دانغ هوي نحو مقعد الصدارة وجلس عليه ثم جال ببصره في الشيوخ واستطرد قائلاً بهدوء ورزانة
"لا نية لديّ على الإطلاق لإلقاء مسؤولية هذه الحادثة على كاهل أخي الثاني لذا أرجو من الشيوخ أن يضعوا ذلك في حسبانهم."
"ولكن يا السيد الأكبر ألا تعلم أبعاد الأمر؟ رغم أن السيد دانغ غا غيوم قابعٌ الآن في حالة غيبوبة وفاقدٌ للوعي إلا أنه لو لم يستفق للأبد أو لو آل أمره إلى مكروه قد يتفاقم الوضع فوق ما نتخيل ففصيل رئيس مجلس الشيوخ سيسعى جاهداً لتهويل هذا الأمر وتلطيخ سمعتك بأي طريقة."
"وهل ستحُفظ هيبتي وكرامتي إن ألقيتُ باللائمة على أخي الثاني؟"
"……."
وعندما أطرق الشيوخ وصمتوا، واصل دانغ هوي حديثه بأسلوب متزن
"أدرك جليًا الخوف والحرص اللذين يساوران الشيوخ وأنا ممتنٌ من أعماق قلبي لثقتكم ودعمكم المستمر لي دائمًا."
"……."
"ولكي أكون عند حسن ظنكم سأتولى حسم هذه الحادثة بنفسي وبصورة ناصعة أرجو أن تثقوا بي وتنتظروا."
"…… حسنًا فهمنا لكن يُرجى أن تضع في اعتبارك أنه إذا خرج هذا الوضع ووصل إلى مرحلة لا يمكن السكوت عنه فلن نتمكن من الوقوف مكتوفي الأيدي."
"سأضع ذلك نصب عيني."
***
"…… ولهذا السبب أتيتَ لزيارتي."
"بالضبط."
ارتشف دانغ هوي شايَهُ بملامح هادئة ووقارٍ تام وعلى الرغم من خطورة الموقف لم يستطع إي هيون إلا أن يبتسم ابتسامة سخرية خفيفة.
"مع أنني أظن أن لدى شقيقي الأكبر الكثير ممن يستطيعون تقديم مشورة صائبة في موقفٍ كهذا."
"هذا صحيح."
وضع دانغ هوي كؤوس الشاي جانبًا واستطرد بحديثه بأسلوب رزين
"لكنهم سيقدمون نصائح تُعنى بسلامتي وحمايتي وحدي وأنا لا أرغب في تسوية هذه الحادثة بطريقة تعتمد على نجاة جلدي بمفردي دون أضرار."
"…… حقًا لقد فهمتُ مقصدك."
وفجأة، حدق دانغ هوي في ملامح إي هيون بدقة وتأمل
"ألم تنخفض حمّاك حتى الآن؟"
"آه، لقد خفت كليًا الآن."
على الرغم من أنه لا يعلم متى قد تعاوده الحمى وترتفع مجدداً.
"…… حسنًا على أي حال أتيتُ إليك طمعًا في أن أجد لديك حلولاً أو تدابير ناضجة."
"همم."
وبينما غرق إي هيون في التفكير لبرهة كان دانغ هوي يحتسي الشاي براحة ويتريث في انتظاره دون استعجال.
ورغم أن الوضع يبعث على وجع الرأس إلا أنه لم يظهر عليه أي أثرٍ للتردد أو العجلة.
فحتى لو لم يستطع إي هيون الابتكار بحيلة مبتكرة فإن دانغ هوي سيسعى لحسم هذه الأزمة بقوته الخاصة بشتى الطرق.
لأنه شخصٌ من هذا الطراز.
"……."
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعامل فيها إي هيون مع مثل هذا الموقف—أي حادثة انتحار ناجمة عن ضغوطات خارجية.
إذ سبق له أن مر بحدثٍ مشابه عندما كان في الأرض؛ إذ كان أخاه الأصغر حينها واحداً من أفراد عصابة الجناة
بالطبع، سياق الحادث الحالي يختلف تمامًا عما حدث حينها.
وأبرز فارقٍ بينهما هو أن دانغ غا غيوم لا يزال على قيد الحياة.
فلحسن الحظ، اكتشفه أحد الخدم في الوقت المناسب وجرى إنقاذه إلا أنه لم يسترد وعيه بعد.
قام إي هيون من مقعده
"لنذهب أولاً لزيارة السيد غا غيوم مع جلب هدية مريضٍ مناسبة."
"…… لا أظن أن عائلته ستسمح لنا بالدخول."
"نعم ، ولهذا السبب بالذات يجب أن نأخذ معنا هديةً يستحيل عليهم رفضها."
ومع تلك الكلمات، ارتفع حاجبا دانغ هوي قليلاً باستغراب
"هديةٌ يستحيل رفضها؟"
***
"ارحلا من هنا، أرجوكما."
نطق بها دانغ نا غاك ، والد دانغ غا غيوم بنبرة مليئه غضبٌ لم يستطع كبحه أو إخفاءه بالكامل.
"لم يسترد غا غيوم وعيه بعد وليس في وضعٍ يسمح له بإبداء أصول اللياقة والاحترام للسيد الأكبر."
ورغم أنه صيغ بأسلوب موارب إلا أن فحوى كلامه كان يتساءل بمرارة: كيف تجرؤ على المجيء ورؤيته بعدما وُصل ابني إلى حد الانتحار بسببك؟
ورغم الملامة اللائمة من دانغ نا غاك ظل وجه دانغ هوي ثابتًا ودون أي اضطراب وقال بهدوء
"فهمت إذن سأنسحب الآن ولكن لأجل ابنك أيضًا أرجو أن تسمح للشخص الذي جلبته معي بتفقده ومعاينته."
"الشخص الذي جلبته معك؟ ماذا—"
" سيد قاعة الادوية والطب ينتظر بالخارج حاليًا."
اجتاح الذهول دانغ نا غاك فور سماع تلك الكلمات وانكمشت ملامحه
"سيد…… قاعة الأدوية والطب؟"
"نعم و مخافة أن تتفاجأ إن أدخلته مباشرة دون إذن طلبت منه الانتظار لبرهة في المقاهي المجاورة وكما تعلم فهو شديد المشاغل ومزدحم الأوقات لذا يفضل لو يتمكن من معاينة حالة السيد غا غيوم فوراً."
"……."
في مقهى يبتعد قليلاً عن دار عائلة دانغ نا غاك.
دَخل دانغ هوي إلى المكان ثم اتجه نحو إحدى الطاولات في الطابق الثالث وجلس.
ولم يكن من يحتسي الشاي في الجهة المقابلة للطاولة سوى إي هيون وليست سيد قاعه الطب؛ إذ لم يطلب منها أحدٌ من الأساس القدوم لمعاينة دانغ غا غيوم
وضع إي هيون كأسه
"كيف سير الأوضاع؟"
"لقد رفض."
"……."
مهما كان حجم الغضب المشتعل ضد دانغ هويرفإن أي والدٍ لديه ابنٌ فاقدٌ للوعي سيتلهف لمعاينته من قبل سيد قاعة الطب والادوية دون تردد؛ إذ إنه يعد الطبيب الأبرز والأعلى كفاءة في عشيرة سيتشوان دانغ بأكملها.
حدق إي هيون في عمق كأسه وضيق عينيه بتمعن
"يبدو أنه بات من الضروري للغاية أن نتحقق من حالة السيد دانغ غا غيوم بأنفسنا."