279
"إذن، سآتي معك."
قال بانغ سوول ذلك وأمسك بذراعه، فالتفت إليه إي هيون.
كان إي هيون يعلم جيداً؛ يعلم أن بانغ سوول لا يفعل هذا بسبب عدم ثقته به.
ولو لم يكن الوضع بهذه الخطورة، لما حاول إي هيون استخدام هذا الجسد كرهينة لكسب الثقة أيضًا
ولكن لم يكن أمامه خيار آخر في الوقت الراهن؛ ففي ظل هذا الوقت العصيب والحرِج، لم تكن هناك طريقة لإجبار خصم معادٍ على التصديق سوى بالرهان بحياته.
همس إي هيون بالقرب من أذن بانغ سوول بحيث لا يسمعه أحد غيره
"لا تقلق ، هل يعقل أن أسمح لجسد صديقك بالموت حقًا؟"
"……."
كان يعلم تمام العلم في قرارة نفسه أن هذا تصريح دنيء وذكاء خبيث؛ لأنه إن تصرف إي هيون على هذا النحو، فلن يكون بمقدور بانغ سوول القول بأنه لا يثق به.
حدق بانغ سوول في إي هيون بنظرة حادة ونارية وملامح تشي بأن لديه كمًا هائلاً من الكلام الذي يود قوله، ثم أطلق سراح ذراعه ببطء.
وعندما بدأ إي هيون يسير بمفرده حقًا نحو جانب تحالف الساودو، شهر الحارس الشخصي الكامن لتشو إيل غانغ سيفه العريض بنظرات توجس وحذر
"توقف مكانك."
"ألم أقل لكم؟ أنا أستطيع إبطال مفعول السم الذي أصاب الزعيم الشاب."
"وكيف لنا أن نصدق هذا الكلام؟ كيف لطفل غرير مثلك أن—"
لم يكلف إي هيون نفسه عناء الشرح المفصل والطويل في مثل هذا الوضع.
بل شمر عن كمه فوراً، واستحثّ طاقة سم ساهونور من نوى السموم الخاصة به.
ثم فتح غطاء أداة إشعال النار ونفخ فيها بقوة لإحياء الشعلة؛ وذلك كي يراها الجميع بوضوح، خاصة وأن أغلب الموجودين لم يتقنوا تقنية الرؤية الليلية
وحينها.
"…… ذلك الشيء!"
ارتجفت أحداق أعين الجميع دهشة وذهولاً
إذ كانت زهرة سوداء تتفتح من كف إي هيون وتنتشر بسرعة خاطفة نحو معصمه.
"هل يعقل أنك أنتَ أيضًا مسموم بـساهونور ?!"
"…… ليس تسممًا ، بل لقد امتصصتُ سم ساهونور في نوى السموم الخاصة بي وبقيتُ على قيد الحياة كما ترون."
إن طاقة السم المخزنة داخل نوى السموم لا تؤذي جسد صاحبها طالما أنه يحسن التعامل معها بأمان.
غير أنه تعمد إيذاء ونقع نفسه بالسم ليثبت لهم الحقيقة التي ذكرها للتو
وكأنه يقطع نفسه بسيفه.
’تبًا هذا مؤلم بدرجة لا تُصدق كما متوقع……!‘
وفي اللحظة التي انقبض فيها وجه إي هيون من شدة الألم، تلاشى ذلك النقش الأسود واختفى في لمح البصر.
"هووو."
اتسعت أعين الحاضرين ذهولاً عندما رأوا هذا المشهد ورغم أن عينيه اغرورقتا بالدموع من شدة الآلم إلا أن إي هيون رفع طرف شفتيه متظاهراً بالارتياح والهدوء وهو يتصبب عرقًا بارداً.
"…… أظن أن معنى هذا التصرف واضح، حتى لمن لا يملكون دراية بالفنون السامة ؟"
"…… هل يعني هذا أنك—"
"أجل ، يمكنني امتصاص سم ساهونور، فقد سبق لي وأن فعلت ذلك بالفعل."
"……."
لم تقتصر الصدمة على أتباع الزعيم الشاب فحسب، بل شملت أيضاً رجال تحالف الموريم والقائدة جيغال تشاي مون إذ عجزوا جميعاً عن استيعاب الأمر.
’امتص سم ساهونور؟!‘
في مثل هذا العمر الصغير؟
لكن تلك الأنماط السوداء التي التفت حول ذراع ذلك الفتى قبل قليل كانت بلا شك الآثار المميزة لسم ساهونور
"هل تسمحون لي الآن بتمريض الزعيم الشاب والاطلاع على حالته؟ يبدو أن وضعه حرج للغاية."
تردد الحارس الشخصي الكامن للزعيم الشاب وفكر لبرهة وملامح الحيرة تعلو وجهه، ثم أومأ برأسه موافقًا في النهاية.
ففي الحقيقة، لم يكن هو نفسه واثقاً من إمكانية إنقاذ الزعيم الشاب عبر نقل الطاقة الداخلية إليه، وإن حاول هذا الفتى تدبير أي حيلة خبيثة، فيمكنه قطع عنقه في اللحظة.
"ضع هذا في ذهنك جيداً إن حاولت لعب أي حيلة ة—"
"أجل، أعلم ذلك جيداً."
وهكذا، تقدم إي هيون نحو تشو إيل غانغ بينما كانت شفرة حادة ومصقولة موجهة نحو عنقه مباشرة كان تشو إيل غانغ ملقىً على الأرض والعرق البارد ينهطل منه كالمطر.
وبينما كان وعيه مشوشًا للغاية، استعاد إدراكه فجأة ولوى طرف شفتيه بسخرية
"ما هذا…… هل جئت لتضع حدًا لحياتي وتجهز عليّ؟"
"أغلق فمك، قبل أن تموت حقًا."
كانت هذه الكلمات بمثابة تحذير وجهه إي هيون لأنه كان على وشك ضخ طاقته الداخلية الداعمة ، غير أنها بدت في آذان الآخرين كتهديد صريح لا يدع مجالاً للشك.
"أوه، يا لك من مخيف."
ومسك إي هيون بمعصمه، وما هي إلا لحظات قليلة حتى بدأت البقع السوداء التي تغطي وجه تشو إيل غانغ ويديه تبهت وتتلاشى تدريجيًا
فقد كانت طاقة السم السارية في جسد تشو إيل غانغ تُشفط بالكامل وتنهمر نحو يد إي هيون.
وفي ظل حبس أتباع تشو إيل غانغ لأنفاسهم وهم يراقبون المشهد بذهول، اختفت تلك الآثار المخيفة والمرعبة بالكامل من على بشرته في النهاية.
"سيدي الزعيم الشاب، هل أنتَ بـ……!"
وقبل أن يكمل أحد محاربي تحالف الساودو صراخه، كمم الحارس الشخصي الكامن فم ذلك التابع بسرعة.
وعندما أخرج التابع صوتًا مكتومًا ونظر إلى الحارس بعينين مستغربتين، أشار الحارس بنظرة صامتة نحو إي هيون مستخدمًا ذقنه.
"آه."
كانت بشرة الزعيم الشاب ولونه يستعيدان عافيتهما بالتدريج، غير أن إي هيون لم يفتح عينيه بعد؛ وكان ذلك نتيجة طبيعية ومحتمة كونه سحب السم المتغلغل في جسد تشو إيل غانغ وامتصه بالكامل داخل جسده هو.
وبالنظر إلى بقع زهور اللوتس السوداء التي كانت تظهر وتختفي مراراً وتكراراً على وجه إي هيون ويديه، يبدو أنه كان يخوض معركة طاحنة وضارية ضد السم في تلك اللحظة.
وعلى أي حال، وبما أنه أصبح وليّ نعمة أنقذ حياة سيدهم، لم يكن بمقدورهم التجرؤ على إزعاجه أو التشويش عليه لئلا يسقط في الانحراف الشيطاني
وفور أن استعاد تشو إيل غانغ وعيه واستوعب مجريات الوضع، التزم الصمت هو الآخر وظل ينتظر استيقاظ إي هيون.
وهكذا، استمر ذلك الصمت المطبق الذي يحبس الأنفاس لبرهة من الوقت وفي النهاية، اختفت البقع بالكامل من جسده، وكأنه نجح أخيراً في كبح طاقة السم والسيطرة عليها.
ومن ثم.
"هووو……."
تنهد إي هيون وهو يتصبب عرقًا بارداً، وفتح عينيه بصعوبة بالغة.
وحينها، برقت عينا تشو إيل غانغ ببريق غريب وهو يراقب ذلك المشهد.
فقد كان هو نفسه قد جلب معه أقوى وأعتى دواء مضاد للسموم يمكنه الحصول عليه تحسبًا لأي طارئ، ورغم تجرعه لهذا الدواء، إلا أنه فشل في طرد طاقة السم التي تفشت في جسده وسقط مغشيًا عليه.
أما إي هيون، فقد سيطر على هذا السم بقوته الذاتية فقط ودون تلقي العون من أي شيء آخر.
’لقد سمعتُ أن السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ لم يتقن الفنون القتالية بشكل جدي قط.‘
بل والادهى من ذلك، إن ما امتصه للتو لم يكن سوى سم ساهونور الفتاك! وبينما كان وعيه مشوشًا ، التقط أذناه حديثًا يفيد بحديث الفتى عن امتصاصه لهذا السم من قبل، وتبين أن ذلك كان حقيقة لا خيالاً.
"يبدو أنني أصبحتُ مدينًا بحياتي للسيد الشاب الثالث لعائلة دانغ."
"نعم، هذا صحيح."
وما إن أجاب إي هيون دون أدنى تردد أو شك، حتى قطب الحارس الشخصي الكامن لتشو إيل غانغ ما بين حاجبيه غيظاً.
في الواقع، لم يكن كلامه مجانبًا للصواب، ولكن أليس من استخدم هذا السم بالأساس هم فرقة الأفعى السوداء التابعة لعائلة دانغ نفسها؟
ومع ذلك، أن ينطق بتصريح يؤكد فيه فضله وكأنه أمر بديهي دون ذرّة خجل، جعل تصرفه يبدو في غاية الوقاحة.
سأله تشو إيل غانغ بنبرة هادئة غير مبالية
"هل هناك شيء ترغبه مني؟"
"نعم."
"ما هو؟"
"سأشرح لكم الآن ما حدث في هذه الليلة، لذا أرجو أن تستمعوا إليّ حتى النهاية دون أن تقاطعوني وإذا اقتنع الزعيم الشاب ببراءة عائلتي، فسأخبركم حينها بما أرغبه."
انطلقت ضحكة ساخرة من الحارس الشخصي الكامن إثر تلك الكلمات؛ إذ بدا له الأمر وكأنه مجرد حيلة خبيثة منه لإلقاء حجج واهية وتخفيف اللوم عن عائلته.
غير أن تشو إيل غانغ أجاب برحابة صدر على غير المتوقع
"حسنًا، لا يوجد سبب يمنعني من الاستماع إلى هذا القدر في الواقع، لقد جئتُ إلى هنا بالأساس بدافع الفضول لمعرفة كيف تجري الأمور وما الذي يحدث حقًا كما أن لديّ أسئلة ومآخذ أودّ مساءلة تحالف الموريم بشأنها، لذا يروقني هذا جداً."
لوى تشو إيل غانغ طرف شفتيه بسخرية، وألقى نظرة خاطفة على جيغال تشاي مون الواقفة على الجانب الآخر ثم أردف
"إذن، يا سيد عائلة دانغ الشاب الثالث هل لنا أن نستمع إلى قصتك العظيمة تلك أو أياً كان ما ستقوله؟"
"اتفقنا."
"آه، قبل ذلك."
أشار تشو إيل غانغ بذقنه نحو أتباعه وأصدر أوامره
"المكان مظلم للغاية والجو يفتقر للحرارة أشعلوا بعض النيران هناك."
"أمرك."
وما إن صدر الأمر، حتى أسرع أتباعه يجمعون أغصان الأشجار من الأرجاء، وأشعلوا نيرانًا في منتصف المساحة الفاصلة بين المعسكرين المتواجهين.
ومع تصاعد أصوات طقطقة الخشب وإضاءة الشعلات الحمراء للأنحاء، بدا المكان وكأن مسرحًا قد جُهّز للتّو على ضفة النهر المظلمة.
مدّ تشو إيل غانغ يده نحو جهة النار بأسلوب يجمع بين اللباقة والمتعة والمتكبر، وكأنه يدعو البطل الرئيسي لبدء العرض
"تفضل من هنا، يا سيد دانغ الشاب الثالث."
ابتسم إي هيون بسخرية خفيفة، وخطا بخطوات ثابتة نحو منتصف الساحة المضاءة بوهج النيران.
وأثناء تفحصه لما حوله، تملكه شعور غريب وعجيب؛ وذلك لأنه
’…… في الرواية، كانت هذه الحادثة هي الشرارة والنقطة التي أشعلت فتيل الحرب الكبرى بين الفصائل الأرثوذكسية والشيطانية .‘
رغم أن المكان والتوقيت، بل وحتى الشخص المستهدف في محاولة الاغتيال كان مختلفًا تمامًا
إلا أن هناك نقطة أصل واحدة مشتركة: وهي وقوع حادثة اغتيال لسليل مباشر من القوى المعادية باستخدام سم ساهونور
ففي الرواية الأصليّة، كان الميت هو سيد الطائفة الشيطانية الشاب.
فور تلقي عائلة دانغ إشعاراً أحادي الجانب من الطائفة الشيطانية كانت أول خطوة اتخذتها في الرواية هي المطالبة الحثيثة والشديدة لمعاينة الجثة.
قد يبدو الأمر غير متوقع بالنسبة لكيان يحمل اسم الطائفة الشيطانية إلا أن الأوضاع الداخلية لديهم في ذلك الوقت كانت في غاية الفوضى والاضطراب، مما أدى إلى وجود فصيل يدعو للسلام ويسعى لتجنب الحرب
وبفضل وساطة هذا الفصيل، أُتيحت الفرصة لمعاينة الجثة في نقطة منتصف بحضور ممثلين عن تحالف الموريم ولكن…….
جميع الشخصيات التي حضرت ذلك اللقاء لقيت حتفها بطريقة غامضة ومجهولة!
ولحسن الحظ، أرسل أحد مسؤولي تحالف الموريم رسالة زاجل فورية قبل موته، مما أتاح تبرئة عائلة دانغ من التهمة الموجهة إليها، غير أن حقيقة ما حدث بالضبط في موقع الحادثة ظلت غارقة في الغموض إلى الأبد؛ إذ اقتصرت الرسالة على جملة قصيرة ومقتضبة بسبب خطورة الوضع وشدة العجلة
’عائلة دانغ لم تقتل السيد الشاب للطائفة الشيطانية‘
.
اشتبه تحالف الموريم في أن الفصيل الداعي للحرب داخل الطائفة الشيطانية هو العقل المدبر وراء الهجوم، ولكن بعد سقوط الشخصيات المحورية لفصيل السلام صرعى، أُسدل الستار وأُعلنت بداية الحرب الكبرى بين الفصائل الأرثوذكسية والشيطانية
وفي تلك الحرب، تلقت عائلة دانغ أعنف وأشرس الهجمات من الطائفة الشيطانية على الإطلاق.
ونتيجة لذلك، قضى دانغ تشيونهاك نحبه أولاً في ميدان المعركة، إلى جانب بانغ مو غييول الذي كان الوحيد الذي لبّى نداء الاستغاثة وهبّ لنجدتهم.
ولم يلبث دانغ هوي، الذي ورث منصب سيد العائلة بعده، أن لاقى هو الآخر حتفه في مأساة مروعة.
فمنذ ما قبل اندلاع الحرب، كان الصراع بين الفصائل الداخلية للعائلة على أشده، ناهيك عن تعرض الخزينة السرية للنهب، لتتوالى عليهم المصائب والكوارث من كل حدب وصوب؛ ولم يكن اندحار عائلة دانغ وزوالها في ظل تلك الظروف سوى مسار حتمي لا مفر منه.
والآن، كانت بداية تلك المأساة وشيكة التكرار والحدوث بالنص، مع تغير التوقيت والمكان والشخصيات فقط.
أجل، إنها الحرب ذاتها التي فكّر إي هيون في منعها وتفاديها فور سقوطه وانتقاله إلى هذا العالم!
نظر إي هيون إلى الجمع الحاضر الذين كانت أعينهم متسمرة عليه تنتظر ما سينطق به
"أولاً، سأبدأ بالحديث عن نقطة التساؤل الأكثر أهمية بالنسبة لكم: أولئك الذين جاءوا إلى هنا وشنوا هجومًا على الزعيم الشاب ليسوا من رجال فرقة الأفعى السوداء ."
"وما دليلك؟"
عندما سأل تشو إيل غانغ، أجاب إي هيون
"لقد سمعتُ من السيد الشاب الأكبر لعائلة بانغ إذ ذكر أنهم قالوا إنهم جاءوا للانتقام للثأر لمقتل السيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ."
"أجل، هذا ما حدث."
"لكن شقيقي الأكبر لم يمت."
"ماذا؟"
"أخي الأكبر، تفضل بالخروج."
ومع تلك الكلمات، انشق صف رجال تحالف الموريم، وظهر دانغ هوي ودانغ تاي يول برفق أتباع كل منهما.
وبخلاف دانغ هوي الذي كان يحتفظ بملامح هادئة وباردة، كان وجه دانغ تاي يول مقتضبًا ومشبوك الحواجب كأنه تجرع طعمًا مريرًا لسبب ما.