الفصل 32
لم يكن الصباح قد أضاء المعسكر بالكامل حين دوّى صوت البوق بين الخيام.
فتح تانغ شين عينيه، وجلس على فراشه الضيق. احتاج إلى لحظات حتى يتذكر المكان الذي يقيم فيه، ثم نهض وبدأ يرتب فراشه كما طُلب منهم في اليوم السابق.
لم يكن النوم في المعسكر مريحًا، ولم تكن الوجبات كثيرة، لكنّه اعتاد خلال الأيام الماضية أن يستيقظ في وقت مبكر من أجل العمل. لذلك لم يجد صعوبة كبيرة في مغادرة فراشه، وإن كان جسده لا يزال يشعر ببعض التعب.
ارتدى زيه العسكري، وثبّت حزامه، ثم تناول معداته التي وضعها إلى جانبه قبل النوم.
كان الدرع التدريبي الخفيف والسيف الخشبي من الأدوات التي تسلّمها في اليوم السابق. لم تكن قيمتهما في مظهرهما، بل في كونهما جزءًا من التدريب الذي ينتظره. ومع ذلك، لم يكن يعرف بعد كيف يستخدمهما على نحو صحيح.
خرج من الخيمة، فوجد عددًا من الجنود الجدد قد بدأوا يتجمعون في الساحة.
كان بعضهم يتثاءب، بينما راح آخرون يتفقدون أحزمتهم ويتأكدون من أنهم لم ينسوا شيئًا. ولم يكن الجميع معتادًا على الحياة العسكرية؛ فقد جاء بعضهم من القرى، وجاء آخرون من المدن، وكان لكل واحد منهم عاداته التي اعتادها قبل الانضمام إلى الجيش.
لكن المعسكر لم يكن يهتم كثيرًا بما اعتادوه في حياتهم السابقة.
فمنذ لحظة قبولهم، أصبح عليهم اتباع النظام نفسه.
وقف تانغ شين في مكانه، وانتظر حتى اكتمل العدد.
وبعد قليل، ظهر الرقيب هان مو، يسير بخطوات ثابتة، وقد حمل في يده لوحًا خشبيًا صغيرًا دوّن عليه بعض الملاحظات.
كان رجلًا عريض الكتفين، تبدو على وجهه آثار سنوات من الخدمة. لم يكن من كبار القادة، لكنه قضى وقتًا كافيًا في الجيش ليعرف أن تدريب الجنود الجدد لا يبدأ بتعليمهم كيف يضربون، بل بكيفية الوقوف والاستماع وتنفيذ الأوامر دون إرباك من حولهم.
توقف أمام الصفوف، ثم نظر إلى الجنود واحدًا تلو الآخر.
«هل نام الجميع جيدًا؟»
لم يجبه أحد.
رفع هان مو حاجبه.
«لم أطلب منكم أن تصمتوا. سألت سؤالًا.»
تردد جندي في الصف الأمامي، ثم أجاب:
«كان النوم مقبولًا، أيها الرقيب.»
نظر إليه هان مو.
«جيد. احتفظ بهذه الإجابة لنفسك عندما تنام في العراء تحت المطر. عندها ستعرف الفرق بين النوم المقبول والنوم الجيد.»
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه أحد الجنود، لكنه سرعان ما أخفاها عندما التفت هان مو نحوه.
قال الرقيب:
«اليوم لن نتحدث طويلًا. سنكمل ما بدأناه بالأمس، وسنتعلم كيف نحافظ على ترتيبنا ونحن نحمل المعدات. من لا يستطيع الوقوف مع رفاقه دون أن يصطدم بهم، فلن يكون مستعدًا لحمل السلاح بينهم.»
ثم أشار إلى الساحة.
«اصطفوا!»
تحرك الجنود إلى أماكنهم.
لم يكن الاصطفاف صعبًا في ظاهره، لكن بعضهم تقدم أكثر من اللازم، بينما تأخر آخرون. وحين حاول أحد الجنود تعديل موضعه، اصطدم كتفه بالجندي المجاور له.
قال هان مو بصرامة:
«توقفوا.»
ساد الصمت.
تقدم الرقيب إلى منتصف الصف، وأشار إلى المسافة بين جنديين.
«أنتم تنظرون إلى أقدامكم فقط، ولا تنتبهون إلى من يقف بجانبكم. إذا تحرك أحدكم دون أن يعرف موضع رفيقه، فسيجره معه إلى الخطأ.»
ثم عاد إلى مكانه.
«أعيدوا الاصطفاف.»
هذه المرة، تحرك الجنود ببطء أكبر. أخذ كل واحد منهم يراقب موضعه وموضع من بجانبه، حتى استقام الصف بعد محاولات قليلة.
أومأ هان مو.
«أفضل. لا أريد منكم أن تتحركوا ببطء طوال الوقت، لكن السرعة التي تفسد النظام لا فائدة منها.»
---
بدأ التدريب بالسير في تشكيل منتظم.
كان على الجنود أن يتقدموا بخطوات متقاربة، ويحافظوا على المسافة بينهم، ويتوقفوا عند سماع الأمر، ثم يغيروا اتجاههم دون أن تتفكك الصفوف.
في البداية، بدا الأمر سهلًا.
رفع تانغ شين قدمه مع بقية الجنود، وتقدم إلى الأمام، ثم توقف حين سمع الأمر.
لكن المشكلة ظهرت عندما طلب منهم هان مو تغيير الاتجاه.
تحرك الصف الأمامي إلى اليمين، بينما تأخر بعض الجنود في الخلف. حاول تانغ شين أن يلحق بمن أمامه، فزاد سرعة خطواته، ثم وجد نفسه قريبًا جدًا من الجندي الذي يسير إلى جانبه.
اصطدم ذراعه بذراع رفيقه.
التفت الجندي نحوه بضيق.
«انتبه إلى موضعك.»
خفض تانغ شين سرعته فورًا، وعاد إلى المسافة المناسبة.
لم يوبخه هان مو وحده، بل أوقف المجموعة كلها.
«لماذا اختل الصف؟»
لم يجب أحد.
أشار الرقيب إلى الجنود في الخلف.
«لأن كل واحد منكم حاول إصلاح خطئه بمفرده. عندما تأخر بعضكم، أسرع الآخرون للحاق بالمقدمة، فتحولت المشكلة الصغيرة إلى اضطراب في الصف كله.»
ثم نظر إليهم بجدية.
«في الجيش، لا يكفي أن تعرف كيف تتحرك. عليك أن تعرف متى تتحرك، وأن تلاحظ ما يحدث حولك. قد تكون خطوتك صحيحة في موضعها، لكنها تصبح خطأ إذا أفسدت ترتيب رفاقك.»
استمع تانغ شين إلى كلامه، ثم نظر إلى الأرض أمامه.
لقد ارتكب الخطأ نفسه الذي كان يرتكبه أحيانًا أثناء التدريب على الحركات القتالية؛ فعندما يشعر بأن حركته غير صحيحة، يحاول تصحيحها بسرعة، فيفقد توازنه أو يفسد ما يأتي بعدها.
أما هنا، فلم يكن الخطأ يؤثر فيه وحده.
كان يؤثر في المجموعة كلها.
أعاد هان مو ترتيب الجنود، ثم أمرهم بتكرار السير.
هذه المرة، لم يحاول تانغ شين تعويض أي تأخر بزيادة سرعته. حافظ على خطواته، وراقب حركة الجندي الذي أمامه، وانتبه إلى المسافة بينه وبين رفيقه.
وحين جاء أمر تغيير الاتجاه، تحرك مع الصف بدلًا من أن يحاول الوصول إلى الموضع الجديد وحده.
لم يكن أداؤه مثاليًا، لكنه لم يتسبب في اضطراب الصف هذه المرة.
استمر التدريب حتى ارتفعت الشمس فوق أسوار المعسكر، وبدأ العرق يظهر على جباه الجنود.
عندها رفع هان مو يده.
«استراحة قصيرة. لا تبتعدوا عن الساحة، ولا تتركوا معداتكم مبعثرة.»
تفرق الجنود قليلًا، وجلس بعضهم قرب الجدار لشرب الماء.
أما تانغ شين، فجلس على الأرض وأخرج قارورة الماء من حقيبته.
كان جسده يشعر بالتعب، لكنّ التعب لم يكن جديدًا عليه. فقد اعتاد العمل لساعات طويلة في السوق، ثم التدريب على الحركات الأساسية من كتابه بعد انتهاء العمل.
ومع ذلك، كان التدريب العسكري مختلفًا.
في السوق، يستطيع أن يتوقف قليلًا عندما ينتهي من حمل الصناديق. أما في الصف، فعليه أن يراعي وقت الاستراحة الذي يحدده المسؤول، وأن يحافظ على انتباهه حتى عندما يبدأ التعب بالتأثير في حركاته.
أخذ رشفة من الماء، ثم أخرج دفتره الصغير.
كتب فيه:
«عند السير مع المجموعة، لا أحاول تعويض الخطأ بالسرعة. أراقب المسافة أمامي وجانبي، وأتحرك مع الصف.»
توقف لحظة، ثم أضاف:
«خطأ فرد واحد قد يؤثر في الجميع.»
أغلق الدفتر وأعاده إلى حقيبته.
لم يكن يكتب ليجعل من نفسه جنديًا مميزًا، بل لأنه وجد أن تسجيل الأخطاء يساعده على تذكرها. وإذا استطاع أن يتجنب الخطأ نفسه في المرة التالية، فقد وفر على نفسه جهدًا كان سيضيع في تصحيحه.
---
بعد انتهاء الاستراحة، أمر هان مو الجنود بأخذ الدروع التدريبية والسيوف الخشبية.
وقف أمامهم، ثم رفع درعه ليروه.
«السيف والدرع ليسا زينة ترتديها في ساحة التدريب. لكل منهما وظيفة، ومن لا يفهم وظيفتهما سيجعل حملهما عبئًا عليه.»
أشار إلى الدرع.
«الدرع وسيلة للحماية، لكنه لا يحمي كل جسدك مهما كان حجمه. عليك أن تعرف كيف تحمله، وكيف تحافظ على توازنك، وكيف تتحرك دون أن تعيق رفاقك.»
ثم رفع السيف الخشبي.
«أما السيف، فلا تحتاج إلى التلويح به في كل اتجاه لتثبت أنك تعرف استخدامه. الحركة غير المحسوبة قد تتركك عاجزًا عن الدفاع عن نفسك، وقد تؤذي من يقف إلى جانبك.»
تقدم خطوة إلى الأمام.
«اليوم ستتعلمون حمل السلاح والتحرك به. لن نبدأ بمبارزات، ولن أسمح لأحد بأن يتصرف وكأنه خبير.»
تبادل بعض الجنود النظرات.
كان بينهم فتى طويل اعتاد العمل في مزرعة، وقد بدا واثقًا من نفسه منذ بداية التدريب. أمسك بالسيف الخشبي ورفعه أمامه، ثم أخذ يحركه في الهواء بحماس.
لاحظ هان مو ذلك.
«أنت. ما اسمك؟»
استقام الفتى بسرعة.
«ليو تشن، أيها الرقيب.»
«هل تدربت على السيف من قبل؟»
«لا، لكنني كنت أعمل في قطع الأخشاب، وأظن أنني أستطيع تعلمه بسرعة.»
اقترب هان مو منه، ثم نظر إلى السيف في يده.
«قد تكون قويًا في حمل الفأس، لكن السيف ليس فأسًا. لا تفترض أن قدرتك على استخدام أداة واحدة تعني أنك تتقن كل الأدوات.»
أشار إليه أن يخفض السيف.
«ابدأ من جديد.»
ثم التفت إلى بقية الجنود.
«راقبوا جيدًا. لا تقلدوا الحركات التي ترونها دون أن تفهموا سببها.»
---
بدأ هان مو بشرح الطريقة الأساسية لحمل الدرع.
طلب من الجنود أن يثبتوا أحزمتهم، ويتأكدوا من أن الدرع لا يتحرك بحرية عند رفع الذراع. ثم جعلهم يرفعونه أمام أجسادهم، مع إبقاء أقدامهم في وضع يسمح لهم بالتقدم أو التراجع.
لم يكن المطلوب أن يرفعوا الدرع بأقصى قوتهم، بل أن يجدوا وضعًا يستطيعون المحافظة عليه دون إرهاق أنفسهم سريعًا.
حين رفع تانغ شين درعه، شعر بأن وزنه يسحب ذراعه إلى الأسفل. حاول أن يرفعه أعلى، فشد كتفه، ثم لاحظ أن وضع قدمه الأمامية أصبح غير ثابت.
تذكر نصيحة هان مو السابقة بشأن المسافة بين الجنود، وتذكر أيضًا ما تعلمه من كتابه عن أهمية التوازن.
خفض الدرع قليلًا، وعدّل موضع قدميه، ثم رفعه من جديد.
هذه المرة، شعر أن حمله أصبح أسهل قليلًا.
مر هان مو بجانبه، ولاحظ التغيير.
«لا بأس. حافظ على هذا الوضع، لكن لا تجعل الدرع يغطي رؤيتك.»
أومأ تانغ شين.
ثم انتقل الرقيب إلى السيف.
أوضح لهم كيف يمسكون بالمقبض دون أن يشدوا أصابعهم أكثر من اللازم، وكيف يحافظون على اتجاه النصل الخشبي أمامهم دون أن يرفعوا أذرعهم إلى وضع متعب.
بعد ذلك، طلب منهم تنفيذ حركة بسيطة: رفع السيف إلى موضع الاستعداد، ثم إعادته إلى وضعه الأول بهدوء.
كرر تانغ شين الحركة.
في المحاولة الأولى، تحرك السيف أسرع مما ينبغي، وكاد طرفه يصطدم بدرع الجندي المجاور.
توقف فورًا وقال:
«أعتذر.»
نظر الجندي إليه، ثم هز رأسه.
«انتبه في المرة القادمة.»
لم يكن هناك داعٍ إلى الشجار. فكلاهما ما زال يتعلم، والخطأ الذي يمكن إصلاحه بالاعتذار والانتباه لا يحتاج إلى تحويله إلى مشكلة أكبر.
أعاد تانغ شين الحركة، هذه المرة ببطء.
كان عليه أن يراعي موضع السيف، ووزن الدرع، والمسافة بينه وبين الآخرين في الوقت نفسه. لم يكن أي من هذه الأمور صعبًا وحده، لكن جمعها جعل التدريب أكثر تعقيدًا مما توقع.
وقف هان مو أمام الصف وقال:
«لا تنظروا إلى السيف وحده. انظروا إلى موضع أقدامكم، وإلى المسافة بينكم، وإلى قدرتكم على التوقف عندما تحتاجون إلى ذلك. السلاح الذي لا تستطيع التحكم فيه ليس مصدر قوة.»
ثم أمرهم بتكرار الحركة عدة مرات.
ومع كل تكرار، صار تانغ شين أكثر انتباهًا إلى التفاصيل الصغيرة. لم يصبح سريعًا، ولم يتقن استخدام السيف، لكنه بدأ يميز بين الحركة التي يستطيع التحكم فيها والحركة التي تتجاوز قدرته الحالية.
وبعد مدة، جمع هان مو الجنود في صفين متقابلين، مع ترك مسافة واسعة بينهم.
«لن تتقاتلوا. سينفذ الصف الأول حركة الاستعداد فقط، ثم يعود إلى وضعه، وبعدها ينفذ الصف الثاني الحركة نفسها. أريد أن أرى قدرتكم على تنفيذ الأوامر دون أن يتقدم أحد من تلقاء نفسه.»
بدأ الصف الأول.
رفع الجنود سيوفهم الخشبية.
ثم أعادوها إلى مواضعها.
جاء دور الصف الثاني.
رفع تانغ شين سيفه مع رفاقه، لكنه لاحظ أن الجندي الذي أمامه تأخر قليلًا. كاد ينتظر حتى يراه يتحرك، لكنه تذكر أن الأمر صدر للمجموعة كلها، وأن عليه تنفيذ الحركة في وقتها ما دام موضعه آمنًا.
أكمل الحركة بهدوء، ثم أعاد السيف إلى وضعه.
لم يختل الصف.
أومأ هان مو، ثم أمرهم بالتكرار.
هذه المرة، أخطأ جندي آخر، فرفع سيفه في وقت غير مناسب. لم يتبعه الباقون، ولم يحاول أحد إصلاح خطئه بحركة عشوائية. توقفوا عند الأمر التالي، وانتظروا تعليمات الرقيب.
قال هان مو:
«هذا أفضل. لا تجعلوا خطأ رفيقكم سببًا في ارتكاب أخطاء أخرى. انتظروا الأمر، وحافظوا على مواضعكم.»
شعر تانغ شين أن التدريب بدأ يكشف له جانبًا جديدًا من الحياة العسكرية.
فهو لا يتعلم استخدام السلاح فحسب، بل يتعلم أيضًا كيف يمنع ارتباكه من التأثير في الآخرين.
وكان هذا أصعب من مجرد حفظ حركة جديدة.
---
مع اقتراب الظهيرة، أنهى هان مو التدريب وأمر الجنود بإعادة المعدات إلى أماكنها.
جمع تانغ شين الدرع والسيف الخشبي، ثم تفقدهما قبل أن يضعهما في المخزن المخصص. لم يكن يريد أن يُسجل عليه إهمال في الأدوات التي تسلمها، خصوصًا أنه لا يملك المال لتعويض أي شيء يتلف بسبب خطئه.
وحين انتهى، وجد هان مو واقفًا قرب مدخل المخزن.
أشار إليه الرقيب.
«تانغ شين، أليس كذلك؟»
استقام تانغ شين.
«نعم، أيها الرقيب.»
«لاحظت أنك لم تعد تسرع كلما أخطأت.»
لم يعرف تانغ شين ما الذي ينبغي أن يقوله، فاكتفى بالإنصات.
تابع هان مو:
«هذا أمر جيد، لكن لا تبالغ في البطء أيضًا. في بعض المواقف، لن يكون لديك وقت طويل للتفكير. المطلوب أن تتعلم الحركة الصحيحة حتى تستطيع تنفيذها دون أن تفقد انتباهك لما حولك.»
ثم أشار إلى الساحة التي غادرها الجنود قبل قليل.
«أنت ما زلت في البداية. لا تشغل نفسك بأن تصبح أفضل من غيرك خلال أيام قليلة. تعلم ما يُطلب منك، وحافظ على معداتك، ولا تتصرف من تلقاء نفسك عندما لا تعرف ما الذي يجري.»
«سأفعل ذلك، أيها الرقيب.»
نظر هان مو إليه لحظة، ثم قال:
«جيد. عد إلى مجموعتك.»
انحنى تانغ شين انحناءة بسيطة، ثم غادر.
لم يمنحه الرقيب وعدًا بترقية، ولم يقل إنه يمتلك موهبة استثنائية. كانت نصيحته عملية ومباشرة، وهذا ما جعل تانغ شين يأخذها بجدية.
فهو لم يكن بحاجة إلى من يخبره بأنه سيصبح قويًا في المستقبل. كان بحاجة إلى معرفة ما ينبغي أن يفعله الآن، وما الأخطاء التي عليه تجنبها.
---
بعد الوجبة، عاد الجنود إلى أماكن إقامتهم لبعض الراحة.
جلس تانغ شين قرب فراشه، وأخرج كتاب الفنون القتالية الذي احتفظ به منذ أيامه الأولى في المدينة. كان غلافه قد أصبح أكثر اهتراءً، لكن صفحاته ما زالت صالحة للقراءة.
فتح الكتاب عند الصفحات التي تتحدث عن الوقفة الأساسية والضربة المستقيمة والتراجع الدفاعي.
قرأ الملاحظات التي كتبها سابقًا، ثم أضاف إليها ما تعلمه اليوم.
لم يحاول أن يقلد حركات السيف والدرع كما لو أن الكتاب يشرحها له بالكامل. فالمعلومات التي يملكها لا تكفي لتعليم كل شيء، كما أن التدريب العسكري له ظروفه الخاصة.
لكنه وجد أن بعض المبادئ تتشابه: التوازن، والتحكم في الحركة، والانتباه إلى المسافة، وعدم التضحية بالثبات من أجل السرعة.
أغلق الكتاب قليلًا، ثم وقف في المساحة الضيقة بجانب فراشه.
اتخذ الوقفة التي تدرب عليها من قبل، ونفذ ضربة مستقيمة ببطء، ثم أعاد يده إلى موضعها وتراجع خطوة قصيرة.
لم يكرر الحركة مرات كثيرة؛ فقد شعر بالتعب بعد التدريب الصباحي، ولم يرد أن يفسد ما تعلمه بسبب الإرهاق.
بدلًا من ذلك، راجع الحركة في ذهنه، ثم جلس وكتب:
«التدريب العسكري يعلمني أن أتحرك مع الآخرين، والكتاب يساعدني على فهم جسدي وحركاتي. لا ينبغي أن أخلط بين الأمرين، لكن يمكنني الاستفادة مما أتعلمه في كليهما.»
تأمل ما كتب قليلًا.
كان يعرف أن حمل السيف لا يجعله مبارزًا، وأن حمل الدرع لا يجعله قادرًا على صد كل ضربة. وحتى لو أتقن الحركات الأساسية، فإنه سيظل بحاجة إلى التدريب الطويل والخبرة حتى يفهم كيف يستخدمها في المواقف المختلفة.
أما الوصول إلى مرتبة الفنان القتالي الثالث، فلم يكن أمرًا يستطيع الحكم عليه من خلال يوم أو يومين من التدريب.
لقد قطع خطوات صغيرة منذ بدأ رحلته، لكنه لا يزال بعيدًا عن امتلاك أساس متين.
أعاد الكتاب إلى حقيبته، ثم استلقى لبعض الوقت.
---
في المساء، خرج تانغ شين مع بقية الجنود إلى الساحة لتفقد المعدات وترتيبها قبل حلول الليل.
كانت الحركة في المعسكر أكثر نشاطًا مما كانت عليه عند وصوله. مرت عربات محملة بالصناديق قرب المخازن، ودخل عدد من الجنود وهم يحملون سجلات وأكياسًا كبيرة. وفي مكان بعيد، كان بعض المسؤولين يتحدثون مع قادة المجموعات.
لم يكن تانغ شين قادرًا على معرفة ما يجري من بعيد.
ربما كانت الإمدادات تصل وفق الجدول المعتاد، وربما كانت هناك استعدادات إضافية لأمر لم يُعلن بعد. لم يكن لديه ما يكفي من المعلومات ليحكم على الأمر.
ولم يحاول سؤال كل من يمر بجانبه؛ فقد تعلم أن كثرة الأسئلة لا تعني بالضرورة الحصول على إجابات مفيدة، وأن بعض الأمور لا يعرفها الجنود الجدد أصلًا.
أكمل عمله، ثم عاد إلى خيمته.
قبل النوم، أخرج دفتره مرة أخرى، وكتب في آخر الصفحة:
«تعلمت اليوم أن ثبات الصف لا يعتمد على جندي واحد، وأن السلاح يحتاج إلى تحكم وتدريب. لم أتقن السيف أو الدرع، لكنني أصبحت أعرف بعض أخطائي.»
أغلق الدفتر ووضعه إلى جانب الكتاب.
كان الغد سيحمل تدريبًا جديدًا، وربما أخطاء أخرى يحتاج إلى تصحيحها. ولم يكن يعرف متى سيُطلب منهم أداء مهمة خارج المعسكر، أو متى ستتغير حياتهم من مجرد التدريب إلى عمل عسكري حقيقي.
لكنه لم يعد يفكر في ذلك طوال الوقت.
في الوقت الحالي، كان عليه أن يثبت نفسه في الأمور الصغيرة: أن يستيقظ في الموعد، وينفذ الأوامر، ويحافظ على معداته، ويتعلم دون أن يظن أنه أصبح خبيرًا.
أما الطريق الطويل أمامه، فلم يكن من الممكن اختصاره بحركة واحدة أو قرار سريع.
أغمض تانغ شين عينيه، بينما خفتت الأصوات في المعسكر شيئًا فشيئًا.
وفي الخارج، استمرت العربات في نقل الإمدادات إلى المخازن.
لم يعرف تانغ شين إلى أين ستقوده هذه الاستعدادات، ولا ما الذي ينتظره بعد انتهاء التدريب الأساسي.
كل ما عرفه أن حياته القديمة في البحث عن عمل يومي قد ابتعدت عنه، وأنه بدأ يدخل عالمًا له نظامه وقواعده ومخاطره.
وكان عليه أن يتعلم كيف يعيش فيه، خطوة بعد خطوة.