الفصل 23
مرّ اليوم التالي دون أحداث استثنائية.
استيقظ تانغ شين في موعده المعتاد، وتناول وجبة بسيطة في النُّزل، ثم خرج يبحث عن عمل. لم يكن يريد أن ينتظر اليوم الذي حدده التاجر لمعرفة مصير الرحلة إلى مدينة السهول البيضاء دون أن يحاول كسب شيء من المال خلاله.
كانت مدخراته محدودة، وأي يوم يقضيه بلا عمل يعني أن المبلغ الذي جمعه سينقص بدلًا من أن يزداد.
وجد عملًا قصيرًا لدى بائع في السوق، ساعده في نقل صناديق من الأدوات المنزلية إلى متجر قريب. لم يكن العمل صعبًا من حيث الفهم، لكنه احتاج إلى جهد بدني متواصل، خصوصًا أن بعض الصناديق كانت أثقل مما تبدو عليه.
أنهى مهمته قبل الظهر، وتسلّم أجره، ثم اشترى طعامًا يكفيه حتى المساء.
لم ينفق شيئًا آخر.
كان قد بدأ يفهم أن المشكلة ليست في مقدار المال الذي يكسبه في يوم واحد فحسب، بل في قدرته على الاحتفاظ بجزء منه بعد تلبية احتياجاته الأساسية. فإذا أنفق كل ما يكسبه، فلن يستطيع الادخار مهما تعددت الأعمال التي يحصل عليها.
عاد إلى النُّزل لفترة قصيرة، ثم جلس قرب النافذة وأخرج دفتره.
كتب ما كسبه في ذلك اليوم، وأضافه إلى المبلغ السابق، ثم قارن مجموع مدخراته بالمصروفات التي قد يحتاج إليها إذا سافر.
أجرة الطريق.
الطعام.
احتمال التأخر يومًا أو يومين.
والمال الذي ينبغي أن يحتفظ به للعودة إذا لم يجد عملًا في المدينة الأخرى.
توقف عند النقطة الأخيرة.
لم يكن يعرف إن كان التاجر سيتكفل بالطعام أثناء الرحلة، ولا إن كان سيحصل على أجر يومي أم مبلغ ثابت بعد انتهاء المهمة. كما لم يعرف المدة التي ستستغرقها الرحلة في ظل تأخر بعض القوافل.
لم تكن لديه معلومات كافية لاتخاذ قرار.
أغلق الدفتر، ثم وضعه في كيسه.
«سأسأل أولًا. لا فائدة من حساب أرقام لا أعرف أساسها.»
كان هذا أبسط ما يستطيع فعله.
---
في فترة ما بعد الظهر، توجه إلى مدرسة السور الشرقي.
لم يكن يريد أن يجعل البحث عن المال يستهلك كل وقته، كما لم يكن يريد أن يبالغ في التدريب حتى يعجز عن العمل في اليوم التالي. لذلك حاول أن يحافظ على قدر ثابت من الممارسة، ولو كانت قصيرة.
اختار مساحة جانبية لا تعيق المتدربين، وبدأ بمراجعة وقفته.
ثبت قدميه، ثم نفذ اللكمة المستقيمة ببطء. راقب حركة كتفه، وحاول ألا يجعل جسده يميل إلى الأمام أكثر مما ينبغي. وبعد عدة محاولات، انتقل إلى التراجع الدفاعي الذي صححه تشو هان في اليوم السابق.
في المرة الأولى، تحرك بسرعة أكبر من اللازم، فاضطر إلى إعادة توازن جسده.
وفي المرة الثانية، تراجع ببطء شديد، حتى شعر أن الحركة لن تنفعه إذا احتاج إلى الابتعاد عن خصم يتحرك نحوه.
توقف قليلًا.
كان يعرف الآن أن تنفيذ الحركة بصورة صحيحة لا يعني بالضرورة تنفيذها بالسرعة المناسبة. لكنه لم يكن يعرف بعد كيف يوازن بين الأمرين في كل موقف.
أعاد المحاولة، مع التركيز على بقاء قدميه في وضع يسمح له بالحركة التالية.
هذه المرة، كانت الخطوة أكثر استقرارًا.
لم تكن سريعة، ولم تمنحه قدرة على مواجهة خصم حقيقي، لكنها لم تُفقده توازنه أيضًا.
واصل التدريب حتى بدأ التعب يظهر في ساقيه، ثم خفف من سرعة حركاته بدلًا من إجبار نفسه على الاستمرار.
وبينما كان يستريح، مر تشو هان في طريقه إلى الساحة.
لاحظ المدرب أنه يعيد الحركة نفسها، فتوقف بجانبه.
«ما زلت تتدرب على التراجع؟»
أومأ تانغ شين.
«أحاول أن أجعل الخطوة أكثر ثباتًا، لكنني لا أستطيع تنفيذها بسرعة دون أن أفقد بعض التوازن.»
نظر تشو هان إلى موضع قدميه، ثم قال:
«إذًا لا تجعل السرعة هدفك الآن. إذا كنت لا تستطيع الحفاظ على توازنك أثناء الحركة، فإن زيادة سرعتها ستجعل الخطأ أصعب في التصحيح.»
سكت لحظة، ثم أضاف:
«لكن لا تتعود أيضًا على البطء إلى درجة يصبح معها التحرك السريع أمرًا غريبًا عليك. ابدأ بحركة مستقرة، ثم زد سرعتها قليلًا عندما تستطيع تكرارها دون أن يتغير وضع جسدك كثيرًا.»
سأل تانغ شين:
«وهل يمكنني معرفة متى أصبحت الحركة جيدة بما يكفي؟»
أجابه تشو هان:
«عندما تستطيع تنفيذها بصورة متكررة، ولا تحتاج إلى التوقف كل مرة لإصلاح وضع قدميك. وحتى عندها، فهذا لا يعني أنك أتقنتها في القتال. التدريب المنفرد شيء، واستخدام الحركة أمام شخص يتحرك ويغير اتجاهه شيء آخر.»
أومأ تانغ شين.
كان الجواب منطقيًا. لم يكن بإمكانه الحكم على مهارته من محاولة ناجحة واحدة، كما أن تكرار حركة في ساحة هادئة لا يثبت أنه سيستطيع استخدامها تحت الضغط.
شكر تشو هان، ثم عاد إلى التدريب.
لم يبق المدرب بجانبه، ولم يحول الملاحظة إلى درس خاص. فقد كان لديه متدربون آخرون ومسؤوليات داخل المدرسة.
أما تانغ شين، فواصل الممارسة بالقدر الذي تسمح به قدرته الحالية.
لم يكن قد أصبح فنانًا قتاليًا، ولم يشعر أن جسده تغير فجأة. لكنه بدأ يتعلم كيف يراقب أخطاءه بدلًا من الاكتفاء بتكرار الحركات على أمل أن تتحسن من تلقاء نفسها.
---
في صباح اليوم التالي، عاد تانغ شين إلى المخزن الذي عمل فيه قبل يومين.
كان التاجر يقف أمام الباب، يتحدث مع رجل يرتدي ملابس سفر بسيطة، وإلى جانبه عربة محملة ببعض الأكياس الفارغة.
انتظر تانغ شين حتى انتهى الحديث، ثم تقدم.
«جئت كما طلبت، سيدي. هل اتضحت تفاصيل الرحلة؟»
نظر إليه التاجر، ثم أشار إلى الداخل.
«تعال. لن أستطيع أن أعدك بشيء قبل أن تعرف الشروط.»
دخل تانغ شين إلى المخزن، ووقف أمام طاولة صغيرة عليها دفتر وسجل آخر للحمولة.
قال التاجر:
«العربة التي سنستخدمها ستنقل أدوات منزلية وبعض البضائع القابلة للتخزين إلى مدينة السهول البيضاء. لن تكون رحلة تجارية كبيرة، لكننا نحتاج إلى شخص يساعد في عد الصناديق، ومطابقة العلامات، وتسجيل ما يُسلَّم عند الوصول.»
سأل تانغ شين:
«كم ستستغرق الرحلة؟»
«إذا سارت الأمور بصورة طبيعية، فقد نصل خلال يومين. لكنني لن أعدك بذلك. هناك محطة على الطريق يتأخر عندها بعض الناقلين بسبب خلافات تتعلق برسوم المرور. لا نعرف إن كانت الأمور ستتحسن قبل انطلاقنا.»
«وهل ستسلك العربة طريقًا آخر إذا طال الانتظار؟»
هز التاجر رأسه.
«ذلك يعتمد على حالة الطريق الآخر، وعلى ما إذا كانت تكلفته الإضافية أقل من خسارة الوقت. لا يمكنني أن أقرر الآن.»
لم يكن الجواب مطمئنًا تمامًا، لكنه كان صريحًا.
تابع التاجر:
«أما الأجر، فسأدفع لك مبلغًا ثابتًا مقابل المهمة كاملة، مع توفير الطعام أثناء الطريق. لكن إن اضطررنا إلى البقاء في المدينة الأخرى أيامًا إضافية، فسنتحدث عن العمل والأجر قبل أن أطلب منك البقاء. لن أطلب منك أن تنتظر بلا مقابل.»
ذكر التاجر المبلغ.
حسب تانغ شين الأمر في ذهنه. لم يكن الأجر كبيرًا، لكنه أفضل من عدة أعمال قصيرة متفرقة، خصوصًا أن الطعام أثناء الطريق لن يُخصم من مدخراته.
ومع ذلك، لم يتسرع في الموافقة.
«وماذا عن أجرة العودة؟ هل ستدفعونها إذا لم تكن هناك شحنة راجعة؟»
ابتسم التاجر ابتسامة خفيفة.
«سؤال جيد. لا، لن أستطيع أن أضمن لك أجرة العودة إذا لم نكن بحاجة إلى نقل شيء في ذلك الاتجاه. قد نجد عربة عائدة تقبل أن تحملك مقابل مبلغ مناسب، لكن ذلك ليس أمرًا أستطيع تأكيده الآن.»
كان هذا هو الجزء الأصعب.
إذا انتهت المهمة في مدينة السهول البيضاء ولم يجد عملًا أو عربة مناسبة للعودة، فقد يضطر إلى إنفاق جزء من مدخراته. وإذا أنفق كل ما جمعه، فسيعود إلى نقطة البداية، وربما يجد نفسه في وضع أسوأ لأنه سيظل بحاجة إلى دفع أجرة النُّزل في مدينة النهر الهادئ.
خفض تانغ شين عينيه إلى السجل الموضوع على الطاولة.
«هل يمكنني معرفة موعد الانطلاق النهائي قبل أن أوافق؟»
«نعم. سننتظر حتى مساء اليوم. إذا وصل تأكيد من المحطة، فسننطلق في الصباح التالي. وإن لم يصل، فسأؤجل الرحلة بدلًا من أن أرسل العربة دون معرفة الشروط.»
فكر تانغ شين قليلًا، ثم قال:
«أحتاج إلى بعض الوقت لأحسب مصروفاتي. سأعطيك جوابي قبل المساء.»
لم ينزعج التاجر.
«هذا حقك. لكن إن وافقت، فعليك أن تكون مستعدًا للانطلاق في الصباح. لا أستطيع الاحتفاظ بالمقعد إلى أجل غير محدد.»
«أفهم ذلك.»
خرج تانغ شين من المخزن.
لم يكن مترددًا لأنه يخشى السفر، بل لأنه لم يكن يريد أن يخلط بين الرغبة في تغيير وضعه وبين اتخاذ قرار غير محسوب. فالرحلة قد تمنحه دخلًا جيدًا وتجربة جديدة، لكنها قد تكلفه أيضًا ما ادخره خلال الأيام الماضية.
وكان عليه أن يوازن بين الاحتمالين.
---
اتجه إلى السوق، واشترى قطعة خبز وبعض الطعام الرخيص، ثم جلس في مكان هادئ بعيدًا عن ازدحام الباعة.
أخرج دفتره وبدأ الحساب من جديد.
إذا وافق على الرحلة، فسيحصل على الأجر المتفق عليه، ولن يحتاج إلى دفع ثمن الطعام أثناء الطريق. لكن عليه أن يحتفظ بجزء من المال للطوارئ، وألا ينفق كل ما لديه لمجرد أن الرحلة قد تفتح أمامه فرصًا أخرى.
أما إذا رفض، فسيبقى في مدينة النهر الهادئ، حيث يعرف أماكن العمل المعتادة، ويستطيع مواصلة التدريب في مدرسة السور الشرقي. غير أن دخله سيظل متقطعًا، ولن يعرف متى ستظهر فرصة أخرى تسمح له بزيارة مدينة جديدة.
لم يكن أي الخيارين مضمونًا.
ومع ذلك، لاحظ أن لديه شيئًا لم يكن يملكه عندما وصل إلى المدينة أول مرة: خبرة صغيرة في العمل، ومعرفة أفضل بمصروفاته، وقدرة على تقدير المخاطر التي لم يكن ينتبه إليها سابقًا.
لم تجعله هذه الأمور قويًا، لكنها ساعدته على اتخاذ قرار أكثر عقلانية.
أغلق الدفتر، ثم نظر إلى الطريق الممتد نحو البوابة الشرقية.
«سأذهب، بشرط أن أحتفظ بما يكفي للعودة أو للعيش بضعة أيام إذا لم أجد وسيلة مناسبة.»
لم يكن ذلك قرارًا نهائيًا بعد، لكنه حدد الشرط الذي سيبني عليه موافقته.
عاد إلى المخزن قبل حلول المساء.
كان التاجر يراجع سجل الحمولة، وبدا عليه الانشغال.
اقترب تانغ شين وقال:
«أوافق على العمل في الرحلة، بشرط أن أحصل على الأجر المتفق عليه عند تسليم البضائع، وأن أعرف مسبقًا إذا تغير موعد العودة أو طُلب مني البقاء مدة إضافية.»
رفع التاجر رأسه.
«هذا معقول. ستأخذ أجرك بعد أن نتأكد من تسليم الحمولة ومطابقة السجل. وإذا احتجنا إلى بقائك، فسنتفق على الأجر الجديد قبل أن تبدأ أي عمل إضافي.»
مد يده إلى السجل، وكتب اسم تانغ شين ضمن العمال المرافقين للشحنة.
«كن عند البوابة الشرقية صباح الغد. لا تتأخر. وإذا لم تصلني أخبار تؤكد صلاحية الطريق قبل الانطلاق، فسأبلغك بالتأجيل.»
أومأ تانغ شين.
«سأكون هناك.»
---
عاد إلى النُّزل قبل حلول الليل، وبدأ الاستعداد للرحلة.
لم يكن يملك الكثير من الأغراض التي تستحق الحمل. وضع ثيابًا إضافية في كيس صغير، واحتفظ بدفتره وأقلامه، ثم تأكد من أن النقود التي ادخرها موزعة بطريقة لا تجعله يفقدها كلها إذا ضاع الكيس.
ترك بعض المال في مكان منفصل عن بقية مدخراته، وأبقى ما يحتاج إليه للطعام والطوارئ قريبًا منه.
بعد ذلك، أخرج الحجر الرمادي ووضعه أمامه.
تأمله قليلًا، ثم قال:
«مرحبًا أيها الحجر الرمادي.»
أجابه الحجر:
«مرحبًا، تانغ شين.»
سأل تانغ شين:
«هل تستطيع مساعدتي في معرفة ما إذا كانت الرحلة إلى مدينة السهول البيضاء آمنة؟»
لم يأتِه رد.
انتظر قليلًا، ثم أدرك أن السؤال يتجاوز ما يعرفه الحجر أو ما يستطيع الإجابة عنه في الوقت الحالي. لم يكن قد أخبره عن الطريق، ولم يكن لدى تانغ شين سبب للاعتقاد بأن الحجر يعرف أحوال المحطات والقوافل.
أعاد الحجر إلى مكانه.
«لا بأس. سأعتمد على ما أستطيع التحقق منه بنفسي.»
لم يشعر بخيبة أمل كبيرة. لقد تعلم أن قدرته ليست بابًا مفتوحًا لكل إجابة، وأن مجرد قدرته على التحدث مع الحجر لا يعني أنه يستطيع الحصول على معرفة لا يملكها.
كان عليه أن يواصل الاعتماد على الملاحظة والسؤال والحساب، مثل أي شخص آخر.
استلقى بعد أن أنهى استعداداته، وحاول النوم مبكرًا.
في الصباح، سيغادر مدينة النهر الهادئ للمرة الأولى منذ وصوله إليها، إن لم يطرأ ما يؤجل الرحلة.
لم يكن يعرف الكثير عن مدينة السهول البيضاء، ولا عن الطرق التي تربطها بالمدن الأخرى. ولم يكن يتوقع أن يجد فيها حلًا لجميع مشكلاته.
كان يريد فقط أن يكسب أجرًا، وأن يرى مكانًا جديدًا، وأن يختبر ما إذا كانت الفرص خارج المدينة أكبر مما وجده داخلها.
أما التدريب، فسيواصل العمل عليه عندما تسمح الظروف.
فهو لا يزال بعيدًا عن بلوغ مرتبة الفنان القتالي الثالث، ولا تزال حركاته الأساسية تحتاج إلى وقت طويل حتى تصبح ثابتة تحت الضغط. لم تكن الرحلة ستغير ذلك، لكنها قد تمنحه فرصة لفهم العالم الذي يعيش فيه بصورة أوسع.
وفي الخارج، بدأت أصوات السوق تخفت تدريجيًا، بينما استعدت العربات التي ستغادر المدينة في الصباح.
لم تكن جميع الطرق مفتوحة بالقدر المعتاد، ولم يكن أحد يستطيع ضمان أن الرحلة ستسير وفق الخطة.
لكن تانغ شين اتخذ قراره بعد أن عرف الشروط، وحسب ما يستطيع تحمله، وحدد مقدار المخاطرة التي يمكنه قبولها.
وللمرة الأولى منذ وصوله إلى المدينة، لم يكن ينتظر فرصة تظهر أمامه فحسب.
لقد اختار أن يسعى وراء واحدة، مع علمه بأنها قد تنجح وقد تفشل.