الفصل 20
مرّت ثلاثة أيام منذ أن ساعد تانغ شين في مراجعة الشحنة التي وصلت إلى مخزن التاجر.
خلال تلك الأيام، عاد إلى المخزن مرتين، وفي كل مرة حصل على عمل لبضع ساعات. لم تكن المشكلة المتعلقة بالصناديق قد حُسمت بالكامل، لكن الجزء المطابق من البضائع سُلّم إلى مدرسة السور الشرقي، بينما بقيت الصناديق الأخرى معزولة حتى تصل معلومات إضافية من الجهة التي أرسلتها.
لم يعد تانغ شين يشغل نفسه كثيرًا بتلك المسألة.
فهو لم يكن مسؤولًا عن المخزن، ولا يملك القدرة على معرفة ما جرى قبل وصول البضائع. أما ما يستطيع فعله، فهو أداء العمل الذي يُطلب منه، وتجنب ارتكاب أخطاء قد تحرمه من فرص العمل القليلة المتاحة له.
لكن صباح اليوم الرابع، لاحظ شيئًا مختلفًا.
عندما وصل إلى السوق القريب من النزل لشراء وجبته المعتادة، وجد أن سعر الخبز الذي اعتاد شراءه قد ارتفع قليلًا.
لم يكن الارتفاع كبيرًا إلى درجة تمنعه من الشراء، لكنه كان كافيًا لجعله يعيد حساب ما ينفقه كل يوم.
وقف أمام البائع، وأخرج العملات من كيسه.
«ألم يكن السعر أقل من هذا قبل أيام؟»
أجابه البائع وهو يضع قطع الخبز في سلة خشبية:
«كان كذلك، لكن تكلفة الحصول على الدقيق ارتفعت. لا أستطيع أن أبيع بالسعر القديم إلى الأبد.»
نظر تانغ شين إلى الخبز، ثم إلى العملات التي بقيت في يده.
«هل ارتفع سعر الدقيق في المدينة كلها؟»
هز البائع كتفيه.
«لا أعرف ما يحدث في كل مكان. التاجر الذي أشتري منه أخبرني أن شحنته الأخيرة كلفته أكثر، وأن وصولها تأخر. إذا استمر الأمر، فقد أضطر إلى رفع السعر مرة أخرى.»
لم يكن في كلام الرجل ما يدل على أنه يخفي شيئًا. بدا أقرب إلى شخص يحاول شرح سبب اضطراره إلى تغيير سعر بضاعته.
دفع تانغ شين ثمن الخبز، ثم ابتعد عن الكشك.
لم يكن ارتفاع السعر وحده مشكلة كبيرة، لكنه تذكر أن بعض الأدوات التي يستخدمها المتدربون في مدرسة السور الشرقي تعتمد على الخشب والقماش والزيوت، وأن تأخر وصول البضائع قد يؤثر في توفرها أيضًا.
ومع ذلك، لم يكن يريد أن يربط كل حادثة بالأخرى دون دليل.
فارتفاع سعر الخبز قد يكون نتيجة نقص الدقيق، ونقص الدقيق قد يكون مرتبطًا بتكاليف النقل أو بمحصول أقل من المعتاد أو بأسباب أخرى لا يعرفها.
أما تأخر أدوات التدريب، فربما كان له سبب مختلف تمامًا.
لم يكن لديه ما يسمح له بالجزم.
أكمل وجبته البسيطة، ثم اتجه إلى المخزن.
---
وجد تانغ شين المشرف واقفًا أمام طاولة الحسابات، يتحدث مع رجلين لم يرهما من قبل.
كان أحدهما يرتدي ثياب تاجر متوسطة الجودة، ويحمل دفترًا صغيرًا، بينما بدا الآخر أقرب إلى وكيل يتولى متابعة عمليات التسليم.
قال التاجر بصوت منخفض، لكنه لم يخفِ انزعاجه:
«لقد أرسلت طلب الشراء منذ أسبوع، ولم تصلني الكمية كاملة. وإذا تأخر التسليم أكثر، فسأضطر إلى البحث عن مورد آخر.»
أجابه المشرف:
«نحن لا نرفض تسليم بضاعتك. لكن جزءًا من المواد التي طلبتها لم يصل بعد، ولا يمكنني أن أرسل إليك شيئًا لا أملكه.»
«كان الاتفاق واضحًا.»
«والسجلات واضحة أيضًا. البضائع التي وصلت إلى المخزن أقل من الكمية المطلوبة.»
فتح التاجر دفتره، وأشار إلى أحد الأسطر.
«بحسب هذا السجل، غادرت الشحنة كاملة من مستودع المورد.»
رد المشرف:
«لكنها لم تصل كاملة إلى هنا. إذا كنت تريد معرفة أين حدث النقص، فعلينا مراجعة الطريق الذي سلكته الشحنة، لا تبادل الاتهامات.»
ساد الصمت للحظات.
ثم أغلق التاجر دفتره.
«حسنًا. سأمنحكم يومين إضافيين. لكنني لن أقبل تأجيلًا آخر دون تفسير.»
استدار الرجل وغادر، بينما تنهد المشرف قبل أن يعود إلى أوراقه.
كان تانغ شين يقف عند مدخل المخزن، ينتظر أن يُسمح له بالبدء في العمل.
لم يكن يريد التنصت على حديث لا يخصه، لكنه لم يستطع تجنب سماع بعض الكلمات.
تأخر التسليم.
نقص الكمية.
ارتفاع التكلفة.
كانت هذه العبارات تتكرر في أماكن مختلفة خلال الأيام الأخيرة، وإن لم يكن يعرف ما إذا كانت تشير إلى مشكلة واحدة أم إلى مشكلات متعددة.
اقترب من المشرف.
«صباح الخير، سيدي. هل توجد أعمال اليوم؟»
رفع الرجل رأسه.
«نعم. نحتاج إلى نقل بعض الصناديق إلى القسم الخلفي، ثم ترتيب الأدوات التي وصلت بالأمس. لكن انتبه إلى العلامات المكتوبة على الأغطية، فقد تغير ترتيب بعض السلع.»
أومأ تانغ شين، ثم بدأ العمل.
---
لم يمض وقت طويل حتى أدرك أن ترتيب البضائع أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه في الأيام السابقة.
كان المخزن يستقبل أدوات تدريب ومواد خامًا يستخدمها الحرفيون في صناعة بعض المعدات، إلى جانب سلع أخرى لا علاقة مباشرة لها بفنون القتال.
لكن وصول الشحنات لم يعد منتظمًا كما كان.
وصلت بعض البضائع في وقتها، بينما تأخرت أخرى. واضطر العمال إلى نقل الصناديق بين الأقسام أكثر من مرة، لأن المكان المخصص لها كان ينتظر سلعًا لم تصل بعد.
لم تكن الفوضى شاملة، لكنها زادت من الوقت الذي يحتاجون إليه لإنجاز العمل.
وبينما كان تانغ شين ينقل مجموعة من الألواح الخشبية، سمع أحد العمال يتذمر:
«لو استمرت الأمور هكذا، فسنقضي نصف اليوم في نقل الصناديق من مكان إلى آخر.»
أجابه عامل آخر:
«على الأقل، ما زالت هناك بضائع تصل. سمعت أن بعض التجار ينتظرون شحناتهم منذ مدة أطول.»
«ومن أين تأتي المشكلة؟ هل هي من الموردين أم من الطرق؟»
هز العامل الثاني رأسه.
«من يدري؟ كل شخص تسمعه يذكر سببًا مختلفًا.»
لم يتدخل تانغ شين في الحديث.
واصل حمل الألواح، ثم وضعها في القسم المخصص لها.
كان يستطيع أن يفهم أن اضطرابًا ما بدأ يؤثر في حركة التجارة، لكنه لم يكن يعرف مصدره أو حجمه الحقيقي.
فربما كانت بعض القوافل قد تأخرت بسبب الأمطار أو تلف الطرق، وربما واجه التجار خلافات في العقود، وربما حدثت مشكلات في المخازن التي تسبق هذا المخزن في سلسلة النقل.
ولم يكن من الحكمة اختيار سبب واحد لمجرد أنه سمعه من عامل عابر.
بعد ساعات من العمل، استدعاه المشرف.
«أريدك أن تساعد في إعداد قائمة بالمواد التي اقترب مخزونها من النفاد. لا أحتاج إلى حسابات معقدة، فقط سجل الكمية الموجودة في كل قسم، وقارنها بما هو مدون في الدفتر.»
قبل تانغ شين المهمة.
كانت أكثر هدوءًا من نقل الصناديق، لكنها تتطلب الدقة. بدأ يعدّ القطع، ويقارنها بالأرقام المسجلة، ثم يضع إشارة بجانب المواد التي تحتاج إلى طلب جديد.
عندما وصل إلى أدوات التدريب الخشبية، وجد أن المخزون أقل مما كان عليه في المرة السابقة.
أما الأشرطة القماشية ومواد تثبيت المعصمين، فقد بقي منها ما يكفي لبعض الوقت.
سجل النتائج، ثم أعاد الدفتر إلى المشرف.
راجع الرجل القائمة، وقطب حاجبيه عند رؤية كمية الألواح الخشبية.
«سنحتاج إلى طلب شحنة جديدة قريبًا.»
ثم انتقل إلى الصفحة التالية.
«أما القماش، فيمكننا الانتظار قليلًا.»
رفع تانغ شين عينيه.
«هل ستصل الشحنة الخشبية قريبًا؟»
أجابه المشرف:
«لا أعرف. طلبنا الكمية، لكن موعد وصولها لم يتأكد بعد.»
ثم أغلق الدفتر.
«هذه هي المشكلة عندما يعتمد عملك على بضائع تأتي من أماكن أخرى. يمكنك تنظيم مخزنك كما تشاء، لكنك لا تستطيع التحكم في كل ما يحدث قبل أن تصل البضاعة إلى بابك.»
لم يكن كلامه موجهًا إلى تانغ شين وحده، بل بدا كأنه يشرح لنفسه حقيقة يعرفها جيدًا، لكنه اضطر إلى مواجهتها أكثر من مرة خلال الأيام الأخيرة.
حفظ تانغ شين هذه الفكرة في ذهنه.
في البداية، كان يظن أن العمل يتوقف على مقدار الجهد الذي يبذله العامل، وعلى سرعة إنجازه للمهمة.
لكنه بدأ يرى أن هناك عوامل أخرى لا يستطيع التحكم فيها.
قد يعمل المخزن بكفاءة، ومع ذلك يتعطل بسبب شحنة متأخرة. وقد يكون التاجر مستعدًا لدفع المال، لكنه لا يستطيع شراء بضاعة لم تصل إلى السوق أصلًا.
لم يكن هذا مختلفًا تمامًا عن وضعه الشخصي.
فحتى لو تدرب بجد، فإنه لا يستطيع تعلم تقنية لا يملك كتابها، أو الالتحاق بمدرسة لا يستطيع دفع رسومها.
كان عليه أن يعمل ضمن الإمكانات المتاحة له، وأن يبحث عن فرص أخرى حين لا تكفيه الوسائل الحالية.
---
انتهى عمل تانغ شين في المخزن قبل الظهيرة بقليل.
حصل على أجره، ثم اتجه إلى السوق لشراء بعض الطعام قبل أن يذهب إلى مدرسة السور الشرقي.
وفي الطريق، مر بعدة متاجر تبيع أدوات التدريب.
كان أحدها يعرض عصيًا خشبية وألواحًا صغيرة تستخدم في تمارين التوازن، بينما تخصص آخر في بيع الأشرطة القماشية ومواد تثبيت المعصمين.
توقف تانغ شين أمام المتجر الأول، وتأمل الأسعار المكتوبة على لوحة معلقة قرب المدخل.
لم يكن ينوي شراء شيء، لكنه أراد أن يعرف مقدار ما قد يحتاج إليه إذا أراد امتلاك أداة بسيطة تساعده على التدريب.
وجد أن سعر بعض الأدوات أعلى مما كان يتوقع.
لم يكن الارتفاع كبيرًا في جميع السلع، كما أن بعض الأدوات احتفظت بأسعارها السابقة. لكنه لاحظ أن الألواح الخشبية وبعض العصِي أصبحت أغلى قليلًا.
سأل صاحب المتجر:
«هل ارتفعت أسعار هذه الأدوات مؤخرًا؟»
أجابه الرجل، وهو يعيد ترتيب مجموعة من العصي:
«بعضها فقط. الخشب الذي أشتريه لم يصل بالكمية المعتادة، كما أن تكاليف نقله أصبحت أعلى. أما الأدوات التي صنعتها من مخزون قديم، فلم أغير أسعارها بعد.»
«وهل تتوقع أن ترتفع مرة أخرى؟»
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
«لو كنت أعرف ما سيحدث في الأيام القادمة، لربما أصبحت أغنى تجار المدينة.»
لم يكن في صوته غضب، بل شيء من السخرية من الأسئلة التي لا يستطيع أحد الإجابة عنها.
ثم أضاف:
«إن كنت تريد شراء شيء، فلا تتعجل. قارن الأسعار بين المتاجر أولًا. بعض التجار يرفعون السعر بمجرد أن يسمعوا أن البضائع ستتأخر، حتى لو كان لديهم مخزون يكفيهم لأسابيع.»
شكره تانغ شين، ثم واصل طريقه.
كانت النصيحة مفيدة له، خصوصًا أنه لم يكن يملك مالًا يسمح له بشراء الأشياء دون التفكير في قيمتها.
لكنها جعلته يتساءل عن أمر آخر.
إذا كانت بعض المتاجر تملك مخزونًا قديمًا يكفيها، بينما ترفع متاجر أخرى الأسعار بسبب تأخر الشحنات، فهل كانت الزيادة نتيجة نقص حقيقي في السوق، أم أن بعض البائعين يحاولون الاستفادة من خوف المشترين؟
لم يكن يعرف.
وقد يكون الأمر مختلفًا من متجر إلى آخر.
لذلك قرر ألا يشتري أي أداة في الوقت الحالي.
لم يكن يحتاج إلى إنفاق المال لمجرد أن الأسعار قد ترتفع مستقبلًا. كان يستطيع مواصلة التدريب على الحركات الأساسية دون أدوات إضافية، وإن كان ذلك سيحد من أنواع التمارين التي يمكنه ممارستها.
كان الحفاظ على ماله أهم من شراء شيء لا يحتاج إليه الآن.
---
وصل تانغ شين إلى مدرسة السور الشرقي بعد الظهيرة.
كانت الساحة أقل ازدحامًا من المعتاد، لأن بعض المتدربين كانوا يتدربون داخل القاعات، بينما انشغل آخرون بترتيب الأدوات التي وصلت حديثًا.
لاحظ أن عددًا من الألواح الخشبية قد نُقل إلى جانب الساحة، لكن بعضها لم يكن كافيًا لتجهيز جميع التمارين التي اعتاد المتدربون أداءها.
لم يسأل عن السبب.
اكتفى بأداء العمل الذي كُلف به، ثم انتظر حتى سنحت له فرصة التدريب.
بدأ بوقفة التدريب، وحاول أن يثبت قدميه دون أن يشد عضلات ساقيه أكثر من اللازم.
بعد ذلك، تدرب على نقل الوزن من قدم إلى أخرى، ثم نفذ اللكمة المستقيمة ببطء.
كان قد بدأ يلاحظ خطأً يتكرر عنده كلما تعب: يميل إلى دفع جسده كله إلى الأمام، كما لو أنه يحاول تعويض ضعف ذراعه بزيادة اندفاع الجذع.
توقف، وأعاد الوقفة.
ثم حاول تنفيذ الحركة مرة أخرى مع الحفاظ على توازن أفضل.
لم تكن اللكمة قوية، ولم تصبح سريعة فجأة، لكنه استطاع إكمال عدة تكرارات دون أن يضطر إلى تصحيح موضع قدميه بعد كل مرة.
وبعد استراحة قصيرة، انتقل إلى التراجع الدفاعي.
كان هذا التمرين أصعب عليه من الوقفة الثابتة، لأنه يتطلب الحفاظ على التوازن أثناء الحركة. وفي بعض المحاولات، كان يضع قدمه الخلفية في موضع يجعل العودة إلى الوقفة الأصلية أبطأ مما ينبغي.
لم يحاول إخفاء الخطأ عن نفسه.
أعاد الحركة ببطء، ثم كررها مرة أخرى.
بعد عدة محاولات، سمع صوت تشو هان من خلفه.
«أنت تتقدم بصورة أفضل عندما تتوقف عن الاستعجال.»
التفت تانغ شين.
«ما زلت أرتكب الأخطاء نفسها أحيانًا.»
«وهذا طبيعي. لا تتوقع أن تختفي الأخطاء لمجرد أنك فهمت سببها. عليك أن تتدرب حتى تستطيع تصحيحها دون أن تضطر إلى التفكير طويلًا في كل مرة.»
نظر تشو هان إلى قدميه، ثم أشار إلى موضع القدم الخلفية.
«في التراجع، لا يكفي أن تبتعد عن الموضع الذي كنت فيه. عليك أن تنتهي في وضع يسمح لك بالحركة التالية. إذا اضطررت إلى إعادة ترتيب قدميك بعد كل خطوة، فستكون قد ابتعدت، لكنك لم تستعد توازنك بالكامل.»
أومأ تانغ شين.
كان هذا فرقًا مهمًا لم ينتبه إليه من قبل.
فهو كان يركز على تنفيذ خطوة التراجع نفسها، ولم يفكر كثيرًا فيما ينبغي أن يحدث بعدها.
أعاد الحركة أمام تشو هان.
تراجع خطوة، ثم حاول العودة إلى الوقفة الأساسية.
هذه المرة، تحرك ببطء أكبر، لكنه استطاع تثبيت قدميه بصورة أفضل.
قال تشو هان:
«أفضل. كررها بهذا الشكل، ولا تحاول زيادة السرعة قبل أن تستقر الحركة.»
ثم ابتعد لمتابعة بقية المتدربين.
لم يمنح تانغ شين درسًا خاصًا، ولم يطلب منه البقاء بعد انتهاء وقت التدريب. كانت مجرد ملاحظة قصيرة أضافت تفصيلًا جديدًا إلى ما يحاول تعلمه.
لكن تانغ شين أدرك فائدتها.
لم يعد الهدف مجرد التراجع عن الخصم، بل القدرة على إنهاء الحركة في وضع يسمح له بمواصلة الدفاع أو تغيير الاتجاه.
كانت خطوة صغيرة في فهمه لفنون القتال، لكنها جعلته يرى أن الحركات لا تُقاس كل واحدة منها وحدها، بل بما تسمح به من حركة تالية.
واصل التدريب مدة قصيرة، ثم توقف قبل أن ينهك جسده.
---
عندما عاد إلى النزل في المساء، كان أول ما فعله هو حساب نفقاته.
وضع العملات التي كسبها خلال اليوم على الطاولة، ثم خصص منها ما يحتاج إليه للطعام والمبيت.
بعد الحساب، اكتشف أن ارتفاع الأسعار، وإن كان محدودًا، بدأ يؤثر في المبلغ الذي يستطيع ادخاره.
لم يكن الأمر كارثيًا، لكنه لم يستطع تجاهله.
إذا استمرت تكاليف المعيشة في الارتفاع، فسيحتاج إلى العمل ساعات أطول أو إيجاد مصدر دخل أفضل. وإذا زاد وقت العمل، فسيقل الوقت المتاح للتدريب.
أما إذا قلل من الطعام أو المبيت أكثر مما ينبغي، فقد يؤثر ذلك في قدرته على تحمل العمل والتدريب معًا.
لم يكن أمامه حل مثالي.
أخرج كتيب فنون القتال، وقرأ الصفحة التي تتحدث عن التوازن مرة أخرى. ثم أغلقه، ووضعه بجانب الحجر الرمادي.
«مرحبًا أيها الحجر.»
«مرحبًا.»
سكت تانغ شين قليلًا، ثم قال:
«أحاول أن أتعلم فنون القتال، لكنني أحتاج إلى المال والطعام والوقت. وإذا زدت العمل، قل وقت التدريب. وإذا قللت العمل، فقد لا يكفيني المال. هل ترى طريقة تجعلني أتجاوز هذه المشكلة؟»
أجابه الحجر بعد لحظات:
«أستطيع مساعدتك في التفكير في الخيارات التي تذكرها، لكنني لا أستطيع خلق وقت إضافي أو توفير المال من دون مصدر. عليك أن تحدد ما الذي يمكنك تغييره في ظروفك الحالية.»
تنهد تانغ شين.
«إذًا، لا يوجد حل سحري.»
«لم تذكر لي موردًا أو وسيلة يمكن استخدامها لحل المشكلة مباشرة. يمكنك البحث عن عمل أكثر انتظامًا، أو تقليل الوقت الضائع بين الأعمال، أو تنظيم التدريب بحيث تستفيد من الوقت المتاح. لكن لكل خيار حدود.»
لم يشعر تانغ شين بخيبة أمل.
كان يعرف أن الحجر لا يستطيع أن يجعل حياته سهلة لمجرد أنه سأله. وقد بدأ يفهم أن فائدته الحقيقية لا تكمن في إعطائه إجابة جاهزة عن كل مشكلة، بل في مساعدته عندما تكون لديه معلومات كافية عن الشيء الذي يريد تطويره أو فهمه.
أما مشكلته الحالية، فكانت تتعلق بموارده ووقته، لا بسر غامض يمكن للحجر أن يكشفه.
فكر قليلًا، ثم قال:
«ربما أحتاج إلى التوقف عن التعامل مع كل يوم وكأنه يوم منفصل. إذا استطعت الحصول على عمل منتظم، فسأعرف كم من الوقت أستطيع تخصيصه للتدريب.»
«هذا خيار يمكن أن تدرسه.»
لم يضف الحجر شيئًا آخر.
جلس تانغ شين أمام الطاولة، وأخرج الورقة التي دوّن عليها أخطاءه في التدريب.
على جانبها، كتب مواعيد العمل التي يعرفها حتى الآن، ثم أضاف الوقت الذي يحتاج إليه للذهاب إلى المخزن والمدرسة والعودة إلى النزل.
لم يكن الجدول دقيقًا تمامًا، لأن العمل لم يكن ثابتًا، لكنه كشف له أن بعض الوقت يضيع في التنقل والانتظار دون أن يستفيد منه.
استطاع أن يحدد موضعين يمكنه تحسينهما: أن يذهب إلى المخزن في موعد مبكر بدلًا من الانتظار طويلًا في السوق، وأن يستغل فترات الاستراحة القصيرة في مراجعة ما قرأه من الكتيب، دون أن يحاول ممارسة حركات تحتاج إلى مساحة أو تركيز لا يتوفران له.
لم يكن هذا كافيًا لحل جميع مشكلاته، لكنه قد يمنحه وقتًا إضافيًا دون أن يحتاج إلى التضحية بالطعام أو المبيت.
طوى الورقة، ثم أعادها إلى الحقيبة.
---
في الخارج، كانت مدينة النهر الهادئ تستعد لليل.
أغلق بعض التجار متاجرهم، بينما بقي آخرون منشغلين بمراجعة حساباتهم. وفي المخازن، كانت هناك بضائع تنتظر النقل، وطلبات لم تصل كاملة، وعقود تحتاج إلى إعادة ترتيب.
لم يكن تانغ شين يعرف تفاصيل ما يجري بين التجار، ولم يكن يعرف إن كانت ارتفاعات الأسعار وتأخر الشحنات ناتجة عن مشكلة واحدة أو عن عدة أسباب منفصلة.
لكنه بدأ يلاحظ أن المدينة لا تعمل وفق ما يريده كل شخص بمفرده.
فالتاجر يحتاج إلى البضائع التي ينتجها غيره، والمدرسة تحتاج إلى الأدوات التي يبيعها التجار، والعامل يحتاج إلى أجر يحصل عليه من عمل لا يملكه.
وعندما يتغير شيء في إحدى هذه الحلقات، فقد يصل أثره إلى أشخاص لم يسمعوا حتى باسم المكان الذي بدأت فيه المشكلة.
لم تكن هذه معرفة سياسية عميقة، لكنها كانت صورة أولية عن الطريقة التي ترتبط بها مصالح الناس.
أما تانغ شين، فلم يكن يريد أكثر من إيجاد موضع ثابت لنفسه داخل هذه المدينة الواسعة.
كان يحتاج إلى دخل يستطيع الاعتماد عليه، وإلى تدريب منتظم، وإلى فرصة للحصول على معرفة أفضل مما يملكه الآن.
ولم يكن أي من هذه الأمور مضمونًا.
أطفأ المصباح، ثم استلقى على فراشه.
في الأيام القادمة، سيعود إلى المخزن ويسأل عن العمل المتاح. وسيواصل التدريب في مدرسة السور الشرقي متى سمحت له الظروف. وإذا ارتفعت الأسعار أكثر، فسيتعين عليه إعادة حساب نفقاته مرة أخرى.
لم يكن يعرف ما إذا كان اضطراب الشحنات سيستمر، ولا ما إذا كانت المدينة ستتأثر به على نطاق أوسع.
لكنه عرف أن تجاهل التغيرات لن يجعلها تختفي.
ولهذا، قرر أن يراقب ما يحدث، دون أن يتسرع في الحكم على أسبابه.
ففي مدينة النهر الهادئ، لم تكن الأسعار مجرد أرقام مكتوبة على ألواح المتاجر؛ كانت انعكاسًا لمصالح متشابكة، بدأت آثارها تصل إلى حياة الناس العاديين.
ولم يكن تانغ شين قد رأى من تلك المصالح سوى طرف صغير.