سأحرق كل شيء
اندفعت كلّ الذكريات دفعةً واحدة.
تذكّرتُ. الأشياء التي كنتُ قد نسيتها، والأشياء التي كنتُ أبحث عن إجاباتٍ لها.
لا بدّ أنّني كنتُ أحدّق في الفراغ، أحاول استيعاب السيل الذي كان يتدفّق داخلي.
وعندما استعدتُ وعيي، أخرجتُ هاتفي وأرسلتُ رسالة.
رسالة موجّهة إلى إريك إيرهارت ويكاتيرينا.
[أين فالكون؟]
ردّ إيرهارت أولًا.
إجابته الملتفّة أعادت ذكرى أخرى إلى مكانها.
[ألن يكون يقضي وقته في قصر القارّة القديمة؟]
آه، صحيح. أنا أعرف تمامًا أين يقع ذلك المكان.
لقد دُعيتُ إلى هناك من قبل، قبل أن تبدأ الحرب.
قفزتُ من مقعدي.
"هيلد؟"
"ماذا تفعل؟"
ناداني الناس، لكن لم تكن لديّ أي طاقة للردّ.
توجّهتُ نحو النافذة الضخمة في غرفة الاجتماعات. الطابق السادس. لو قفزتُ من هنا وذهبتُ قليلًا أبعد، فسأصل إلى موقف السيارات تحت الأرض.
فتحتُ النافذة بقوّة.
"أنت!"
"هيلدبرت!"
وضعتُ قدمي على إطار النافذة .
"انزل!"
قفزتُ.
تمسّكتُ بالحواف وأنا أسقط، أبطئ سرعتي، وهبطتُ على الأرض بسلام.
لم يكن هناك الكثير من الناس في الخارج، لكن القلّة الموجودة صرخت عند ظهور شخص يسقط فجأةً من السماء.
لكن لم يكن لديّ مجال للاهتمام.
اندفعتُ راكضًا نحو موقف السيارات.
الغضب يلتفّ حول جسدي.
الحزن والندم. شيء يشبه الاستياء كان على وشك أن ينفجر داخلي.
***
[يبدو أنّه تذكّر.]
وصلت رسالة من سبيتفاير.
قرأها كولتون، ثم أعاد هاتفه إلى جيبه الداخلي. كان قد فكّر بالفعل أنّ الوقت قد حان تقريبًا.
لن يستغرق وصوله وقتًا طويلًا.
ذاك الجالس على القمّة المطلقة للقوّة الحالية.
ذاك الذي وضع كلّ شيء تحت قدميه، تكلّم بهدوء:
"عزّزوا المحيط."
"نعم!"
ليس أنّ ذلك سيوقفه فعليًا.
جاييون، التي كانت تقف إلى جانبه، ضحكت بخفّة.
كانت جاييون اليوم مطيعة.
أزاحت شعرها إلى الخلف بأصابع مطليّة بالأحمر القاني.
"سيكون هنا قريبًا. لقد دعوتَه من قبل، أليس كذلك؟"
بالفعل.
كان سيهرع إلى هنا، متجاهلًا كلّ شيءٍ آخر. لم تكن المسافة بعيدة.
غالبًا قريبًا.
في أيّ لحظة الآن…
كواااانغ!
عند مدخل المجمّع الواسع، دوّى هديرٌ هائل من البوابة الأمامية.
انطلقت صفّارات الإنذار، وبدأ الأمن يندفع في كلّ اتجاه. ضحكت جاييون، أمّا كولتون فلم يلتفت حتى إلى مصدر الضجيج.
مشى عبر الأرض بعصاه.
لو كان القادمون بلا شأن.
لو كانوا يملكون قوّة يمكن للبشرية تجاهلها بسهولة. لو كان التيتان تافهين إلى هذا الحد، لما اندلعت الحرب. لكانوا قد عاشوا كمهاجرين مضطهدين، يتجوّلون بلا أرض، لا ينتمون إلى التيار العام، يواجهون تمييزًا أعمى، لكن دون تهديدٍ مباشر لحياتهم.
لكن رغم قلّتهم، كانوا خطرين بشكلٍ ساحق.
حتى الاشتباك الصغير الذي اندلع لحظة ظهورهم ملأ البشرية بالرعب.
ولو لم تدرك البشرية أنهم لا يشيخون، لقضت عليهم قبل أن يتقنوا تكنولوجيا الأرض.
ولو لم يقترب ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض بذلك العرض الذي لا يُصدّق، لكان التاريخ أبسط بكثير.
"سأسمح لكم بدراسة أجسادنا التي لا تشيخ. وفي المقابل، احموا حياتنا."
كان ذلك اقتراح هيلدبرت.
وقد قبلته البشرية بشغف. كان عرضًا لا يمكن رفضه.
ومن هنا نشأ سلامٌ قصير.
سلامٌ بدا يومًا وكأنه أبدي. وربما كان يمكن أن يستمر إلى الأبد.
لكن هناك دائمًا من يملكون عقولًا مرتابة.
وبحلول الوقت الذي حصلت فيه البشرية على سرّ الشباب الأبدي، بدأ بعض أصحاب النفوذ الذين عرفوا بوجود التيتان يدفعون بفكرة أنه يجب القضاء عليهم.
"إنهم خطرون للغاية."
قوّتهم القتالية الفردية.
والمعرفة التي يملكونها.
"يجب أن نقضي عليهم قبل أن يتعلّموا المزيد عنا."
لم يكن التيتان سذّجًا ليفوتهم ذلك التغيّر في الأجواء.
بانغ!
"ادفعوهم إلى الزاوية! حاصروهم!"
بانغ! بانغ! راتاتاتاتات!
هنا انقسمت الآراء.
الصراع بين قائدي العمالقة.
أصرّ هيلدبرت على أن يختبئوا بين البشر.
بينما أصرّ كايل على أن يضربوا البشرية ويستولوا على موقع الشيوخ لأنفسهم.
وكان في رأي كايل بعض الوجاهة. فعندما اندلعت الحرب، اكتشفوا أنهم أقوى بكثير مما توقّعته البشرية. لم تكن معركةً مستحيلة الفوز.
وفي عصرٍ انتشرت فيه وسائل الإعلام الفردية، كان من المنطقي الاعتقاد أنهم لن يستطيعوا الاختباء إلى الأبد.
ربما كان هيلدبرت سيوافق كايل—
لولا ذلك الرجل.
وبشكلٍ أدق، لولا أصحاب النفوذ من البشر الذين يفكّرون بالطريقة نفسها التي يفكّر بها.
『إن كان لا بدّ أن يُؤخذ منّا، فسنحرق كلّ شيء.』
أصحاب النفوذ من نوع كولتون كانوا يؤمنون بذلك تمامًا.
ولم يكن عزمهم كذبة. فبدلًا من الانحناء تحت أقدام الغزاة، وبدلًا من أن يقع ما يملكونه في أيدي الأعداء—
الهواء العذب، والبراعم التي تشقّ طريقها من الأرض—كلّ شيء.
كوااااانغ!
"جميع الأفراد إلى مواقعكم!"
"أنتم تملكون القوّة لالتهام البشرية."
تلك المرأة—أعلى سلطة في ذلك الوقت، المرأة ذات الإرادة الحديدية التي حاول كولتون كسرها—قالت هذا لهيلد.
"لكننا نملك القوّة لتدمير الأرض."
حتى لو اختفت البشرية مع الكوكب—
"بمجرد الضغط على بضعة أزرار، سينتهي كلّ شيء."
الشخص الذي أرعب كايل والبشرية أكثر من غيره—ري من المرحلة العاشرة—لم يصدّق هذا.
حتى لو ركعوا للعدو، ما زال بإمكانهم النجاة. فلماذا يختار أحد الدمار المتبادل مع وجود هذا الخيار؟ لقد اعتبر تهديدات الشيوخ مجرّد خدعة،
وظنّ أنهم يستخدمون الكلمات فقط للترهيب.
وكايل، الذي كان قد ركع يومًا أمام عدو، لم يثق بكلام الشيوخ .
قبل قدومه إلى الأرض، كان قد ركع عند قدمي الإمبراطور لينقذ شعبه.
وقد قبّل خاتم الإمبراطور الأحمر.
لم يكن أحد ليرغب في الدمار المتبادل أكثر منه، لكنه لم يستطع أن يدفع شعبه نحو الموت.
"سيغيّرون رأيهم عندما تقترب الهزيمة."
ظلّ كايل يقول هذا لهيلد بلا توقّف.
"في النهاية، حياتهم هم—الأيام الإضافية التي يمكنهم عيشها—ستكون أهم. سينتظرون فرصة للنهوض عند أقدامنا. البشرية لن تختار الفناء أبدًا. أبدًا."
"وأن نختبئ على أمل رحمة البشر…"
لم يثق ري برحمة البشرية.
وبشكلٍ أدق، لم يثق بحياة تعتمد على رحمة أصحاب النفوذ.
"أنت تعرف جيدًا كم يصبح وضعنا هشًّا في اللحظة التي يغيّرون فيها رأيهم."
عائلة أحد الكونت، التي اتُّهمت زورًا بالخيانة، كادت أن تُمحى.
حتى اندلاع الحرب، كان هيلدبرت طالب قد قتل من البشر أكثر من أي عملاق آخر.
والآن أصبح هذا اللقب يعود إلى صاحب المرحلة العاشرة.
"هل تتذكر الشاحنة؟"
سألت جاييون بمرح.
"تلك الضخمة ذات اللون الأسود القاتم! ظننتُ حقًا أنني أشاهد فيلمًا!"
"كانت هجمة ممتازة."
أجاب كولتون، وهو يشعر بثقل عصاه.
لكن في النهاية، خسر هيلد أمام البشرية.
كانت الأرض موطن البشرية. ولم يتزعزع عزم المتشددين قط. مهما قتل هيلد من السنيور المنتمين إلى جانب كولتون، كان هناك دائمًا آخرون يعرفون موقع المفتاح—وكثيرون مستعدون للضغط عليه.
وسواء كانوا متشددين أم لا، لم تكشف البشرية أبدًا موقع القنبلة لأي عملاق.
ومع ذلك، قاتل لفترة طويلة.
أبقى هيلد كايل وري على التوازن الدقيق لأطول مدة ممكنة. وخلال ذلك، واصل القضاء على المتشددين.
لكن حين قتل أحد الشيوخ تيتانًا بريئًا، تدهورت الأمور بسرعة.
"لديّ اقتراح."
كانت لحظة يمكن أن تندلع فيها الحرب في أي ثانية.
في اليوم الذي كانت فيه الحرب على وشك الاشتعال، اقترب كولتون من هيلد ومدّ يده.
"لكلٍّ منّا شيء يريده، أليس كذلك؟"
تذكّر كولتون كيف رفع هيلد رأسه ببطء.
تلك العينان الذهبيتان المشعلتان بنيّة القتل. حادّتان، لكن بلا نور.
صافح هيلد يد كولتون—ذلك الذي وعد بإخفاء كلّ التيتان يختار العيش في الخفاء حتى النهاية. وكان ذلك ثمن إيقاف كايل وري.
حتى التيتان الذين عارضوا البشرية من قبل، كانوا يتوسّلون المأوى إن غيّروا رأيهم.
لم يستطع أبدًا التخلّي عن رفاقه.
كوا-غوا-غوا-غوا-غوانغ!
"التيتان الذين نُفوا سيظلون يؤمنون حتى النهاية بأن المفتاح كان كذبة."
*(يقصدون القنبلة النووية غير موجودة)
وهكذا سيكرهون هيلد إلى الأبد.
الرجل الذي أدار ظهره لهم في اللحظة الأخيرة. الذي فعل كلّ ما بوسعه ليمنع انتصارهم على البشرية.
القائد الذي أقنع ثلث شعبه بالركوع عند أقدام الشيوخ.
في النهاية، اختار هيلدبرت الطريق الذي أنقذ أكبر عدد ممكن من بني جنسه. لأنه لم يستطع اختيار الطريق الذي يحوّل كلّ شيء إلى خراب.
خرج ليواجه صديقه لهذا السبب.
لو لم يُدر ظهره للدمار، لما بقي شيء هنا الآن.
لا البشرية، ولا التيتان، ولا حتى العشب الأخضر المُعتنى به بعناية.
ثُد!
دوّى ارتطامٌ ثقيل في مكان قريب.
استدار كولتون وايزمان ببطء.
رأى المجمّع مدمّرًا، ملوّثًا بالدماء. القصر الذي كان جميلًا في السابق أصبح الآن خرابًا تامًا. الجدران الحجرية، والممرات المُعتنى بها بدقّة—كلّ شيء تمّ تمزيقه.
كانت الجثث متناثرة على طول الطريق.
أما الفاعل، فكان مقيّدًا على الأرض.
مثبّتًا بالرماح والرصاص، ومُطرحًا أرضًا بلا حراك. أربعة حرّاس ضغطوا بأحذيتهم بقوّة على ظهر هيلد.
الرجل تحت أقدامهم، المغمور بالدماء، حدّق نحو كولتون.
ممتلئًا بالكراهية.
"كولتون."
صوته كان يحترق، غارقًا في دمٍ يغلي.
"أنا أكرهك."
اقترب كولتون منه.
توقّف أمامه ثم ركع ببطء على ركبةٍ واحدة. ارتبك رجاله، لكنه لم يهتم.
شعرٌ أبيض وملامح نظيفة و جميلة . هيلد، بعينيه الذهبيتين الحادّتين.
رغم أنه عاد بلا ذكريات، لم يتغيّر كثيرًا.
طبيعته اللطيفة وواقعيته الباردة.
وتلك النظرة التي تحمل كراهيةً وثقةً في آنٍ واحد وهو ينظر إليه.
رفع كولتون فكّ صديقه القديم الملطّخ بالدم.
"أنا احترمك بشدة."
ذاك الذي حكم بأدقّ صورة.
ذاك الذي رفض أن يشيح بنظره عن الواقع، حتى وهو يترك أسوأ الخيارات مطروحة.
ذاك الذي سعى إلى طريقة—أي طريقة—لينقذ حتى فردًا واحدًا إضافيًا من بني جنسه.
ذاك الذي بحث عن مستقبلٍ يمكن أن يستمر.
"صديقي منذ زمنٍ طويل."
ذاك الذي أزال كلّ من وقف في طريقه.
ذاك الذي وقف في وجه ري وكايل، حاميًا البشرية، والأرض، والتيتان، وكلّ ما كان كولتون يمسك به بين يديه.
"ورقتي الرابحة."
كان هيلد قد منع الفناء.
لكن ذاك الذي أنقذ العالم—
أصبح خائنًا في نظر بني جنسه.
________________________________
أشرح بطريقة شوي مختصرة الفصل
بعد دراسة البشر للتيتان، انتهت فائدتهم عندهم، وبدأ الخوف يسيطر على البشر من قوة التيتان واحتمال حكمهم للأرض.
تصاعد التوتر حتى قتل البشر شخص بريء من التيتان(أظن طفل صغير)، ومن هنا بدأ الصراع الحقيقي بين الطرفين.
التيتان كانوا واثقين من قدرتهم على الانتصار، لكن البشر امتلكوا سلاحًا قادرًا على إبادة الأرض بالكامل (القنبلة النووية).
ري وكايل اعتقدوا أن الأمر مجرد تهديد، وأن البشر لن يصلوا لمرحلة استخدامه… لكن هيلد كان يرى العكس.
ولإنقاذ أكبر عدد ممكن من التيتان، اتخذ قراره و تحالف مع كولتن وخان ري وكايل.
ومن هنا، وُصف بأنه خائن… رغم أن نواياه كانت لإنقاذ قومه 💔
هيلدااT_T
