الفصل 483 - لن أتوسل الغفران
الفصل السادس
«لن أتوسل الغفران»

رحبوا معنا بالمدقق الأعظم “القاضي الموقر” فيصل.. بدءًا من هذا الفصل فصاعدًا بإذن الله راح يستمر بتدقيق ترجمتي..
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
كان تدفق الدم من كتفه وفخذه المصابين بجروح غائرة، وأنفاسه الخشنة المشبعة بحرارة محمومة، وشحوب وجهه من فقدان الدم، كلها تجعل من الواضح أن العد التنازلي لموته قد بدأ.
ما لم يتلقَّ العلاج فورًا، ستكون حياته في خطر، إذ لا يمكن إيقاف العد التنازلي.
لكن، لو أُلقِي سحر الشفاء، فسينجو بالتأكيد. كانت إصابة قابلة للعلاج تمامًا.
سوبارو: [ومع ذلك، لماذا…]
بجوار الطاحونة المسحوقة، وسط رائحة الخشب المحترق العالقة من الجمرات المتبقية، واجه سوبارو «عدوًا» في العاصمة الإمبراطورية التي كانت تغرق تدريجيًا، وإن ببطء.
ومع ذلك، كان شخصًا لم يعد يمكن تسميته «عدوًا»، تود فانغ.
――لم يكن تسمية تود «عدوًا» شيئًا أراد سوبارو فعله بعد الآن.
منذ لقائهما الأول، ظلّ تود يُخضعه لشتى أنواع المعاناة. استُهدف سوبارو وقُتل مرات عديدة، ونُقشت في ذاكرته صور الموت والخوف التي غذّت ضغينة عميقة الجذور.
في كل مرة تعامل فيها سوبارو مع هجمات تود، وعاد بالموت، كان في النهاية يلغي كل مأساة حدثت.
الغابة التي عاش فيها شعب الشودراك أُحرقت، مما أدى إلى إبادتهم. في الهجوم المفاجئ على مدينة القلعة غوارال، قُتل فلوب مرات عديدة. خلال عملية أسر قاعة مدينة غوارال، اختبر سوبارو الإحساس بالسير على حبل مشدود أُضرمت فيه النار.
كانت ذروة كل ذلك في المذبحة على جزيرة المصارعين، في غينونهيف، حيث قُتل تانزا، وإيدرا، وهيين، وويتز، وغوستاف، والعجوز نول، والعديد من الرفاق الآخرين في الجزيرة. لكن سوبارو تمكن حتى من قلب تلك النتيجة.
لم تكن لدى سوبارو نية التظاهر بأن أفعال تود لم تحدث قط.
كان الأمر فقط أنه من خلال كفاح سوبارو لحماية ما هو عزيز عليه بالعودة بالموت، مُحيت أفعال تود هذه تدريجيًا.
السبب الذي جعل سوبارو يعتبر تود عدوًا كان شيئًا موجودًا داخل عقل سوبارو وحده.
وأخيرًا، الآن بعد أن ضربت كارثة غير مسبوقة العاصمة الإمبراطورية واضطروا للتراجع، أظهر تود استعدادًا للتعاون مع سوبارو والآخرين لحماية خطيبته.
في الواقع، بدون تعاون تود، كان سيكون من الصعب إيجاد تدابير مضادة فعالة ضد فيضان الزومبي، وكان سيتطلب محاولات عديدة للوصول إلى نتيجة يهرب فيها الجميع.
كان الأمر ذاته صحيحًا في المعركة ضد ذلك الزومبي، المحارب ذي العين الواحدة.
من أجل هزيمة ذلك العدو المشوّه الذي تحول إلى وحش، احتاج سوبارو أيضًا تعاون تود. كان كلاهما يعرف أنه بدون الآخر، ستكون حياته في خطر.
لهذا كانوا بحاجة لخطوة واحدة إضافية.
لو فقط خطا خطوة إضافية، لكان بإمكان سوبارو السير إلى جانب تود كابحًا مشاعره المتضاربة.
ومع ذلك――،
سوبارو: [لماذا…!]
تود: [لا تتحدث بكل هذا النفاق. لقد تجنبت هذا للتو لأنك أيضًا كان لديك حدس طفيف. ليس الأمر أنك تفاعلت مع نيتي في القتل، كنت فقط حذرًا طوال الوقت، أليس كذلك؟]
أغلق تود عينه اليمنى المحتقنة بالدم بينما تحدث سوبارو بصوت مرتجف.
بوجه بدا وكأنه يتعامل مع طفل أفعاله غير معقولة، وقعت نظرة تود على الفأس الطافي في الهواء――أو هكذا بدا له، إذ كانت يد سوداء قد أمسكت بالسلاح.
في عقل سوبارو، كان الفأس مرادفًا لتود.
خبر سوبارو الضرب على رأسه بفأس تود أكثر من مرة أو مرتين. رغم أنه أخذها من يد تود، إلا أن مجرد رؤيتها في زاوية نظره كانت كافية لجعل أسنان سوبارو تصرّ من عدم الارتياح.
أصاب تود الهدف تمامًا. كان سوبارو حذرًا منه طوال الوقت.
لذا، بمجرد أن أدار ظهره لتود المصاب، فعّل سوبارو اليد الخفية لحماية رأسه، لأن ذلك كان أضمن طريقة لقتله في حال كان هو المستهدف.
لكن، بالتأكيد لم يتمنَّ حدوثه.
لا شيء مما حدث كان يجب أن يحدث قط.
في تلك الحالة――،
تود: [خطئي، خطئي. لقد وقعت مباشرة في فخك.]
سوبارو: [هذا ليس صحيحًا…]
تود: [نحن منفصلون عن الآخرين، لذا بمجرد أن تعاملنا مع العدو، فكرت أن تلك فرصتي لكن… أنت ممثل بارع.]
سوبارو: [أنت مخطئ…]
تود: [هل خططت لتفجيري بذلك الانفجار سابقًا؟ إن كان الأمر كذلك، فمن المؤسف أن هدفك كان خاطئًا.]
سوبارو: [لا! أردت حقًا التعاون معك…!]
تود: [――وفّر عليّ أكاذيبك.]
ابتلع سوبارو ريقه بينما ضرب صوت تود البارد.
بعين واحدة مغلقة، نظر تود في عيني سوبارو بنظرة خالية من أي حرارة أو رطوبة. لم تحتوِ نظرته أي أثر كان موجودً قبل لحظات لتقييم سوبارو.
كان تود قد أنهى تقييم سوبارو بالفعل، ولهذا كان على هذه الحال الآن.
تود: [يجب أن تدرك ذلك في أعماقك أيضًا. نحن ببساطة لا نستطيع فهم بعضنا البعض.]
سوبارو: [――――]
تود: [أنا أظهر ريبة تجاه الآخرين، وأنت تثق بالآخرين أكثر مما ينبغي. مهما تبادلنا الكلمات، قيمنا مختلفة.]
مغيّرًا موضعه ببطء، راقب تود سوبارو بحذر، خاصة فأسه الطافي في الهواء. عضّ سوبارو أيضًا شفته وحدّق في تود بحزن، وعيناه على الفأس المعلّق في الهواء.
لم يستطع أي منهما فهم الآخر، كما قال تود. استمر سوبارو في التساؤل إن كان ذلك صحيحًا بالفعل.
تساءل إن لم يكن هناك حقًا سبيل لجعل الأمور تسير بينهما.
سوبارو: [إن قتلتني هنا، كيف ستتعامل مع الزومبي و…]
تود: [لا تعرف متى تتوقف. طالما خرجت من العاصمة الإمبراطورية، كل شيء بخير. بفضل مساعدتك، تمكنا من إيصال كاتيا إلى أسوار المدينة. بعد ذلك، أنا أفضل حالًا بدونك.]
سوبارو: [لماذا! ليس لديّ أي نية لإيذاء كاتيا-سان! لم أكن حتى أنوي القتال معك! ومع ذلك!]
تود: [――لكنك كنت مستعدًا للاختيار بين إنقاذ كاتيا وعدم إنقاذها، أليس كذلك؟]
سوبارو: [هاه…؟]
ألقى تود، الواقف أمام سوبارو الذي كان يرفع صوته، تعليقًا باردًا.
تصلبت وجنتا سوبارو بينما شعر كما لو أن ماءً باردًا صُبّ عليه من كلمات تود.
لم تكن لديه أي فكرة عما كان يعنيه.
في المقام الأول، كان ذلك متناقضًا مع ما ادّعاه سوبارو. لم تكن هناك حاجة للاختيار بما أن سوبارو لم يكن ينوي إيذاء كاتيا في المقام الأول، لذا كان مثل هذا الاتهام في غير محله.
ومع ذلك، تجمدت أفكار سوبارو.
――لم يفت تود تلك اللحظة.
تود: [――لن أتوسل غفرانك.]
مستغلًا لحظة تعثر سوبارو في الكلام، خفض تود قامته وانقض عليه.
كان الإحساس بتقلص المسافة بين الطرفين كبيرًا لدرجة أن كل خلية في جسد سوبارو صرخت. أمر سوبارو فورًا اليد الخفية، الممتدة في الهواء، بأن تعيد رمي الفأس الذي انتزعته نحو تود.
لكن――،
سوبارو: [غياه، غاااه!!؟]
في لحظة، تلطخت رؤية سوبارو بالأحمر الزاهي من إحساس حارق اخترق فخذه الأيمن.
كانت سكينًا مغروسة في فخذ سوبارو الأيمن.
كانت في يد تود قبل لحظة فقط. قبل أن يقفز مباشرة، كان قد رماها في فخذ سوبارو بينما كان سوبارو غير قادر على التفكير، وقد تحمل وطأة الإصابة كاملة.
ثم، بينما كان مشتتًا بالألم، تعطلت اليد الخفية التي كان يُفترض أن ترمي الفأس――انتُزع الفأس الطافي عائدًا، واصطدمت ركلة تود الأمامية بصدر سوبارو.
سوبارو: [أوف!]
سقط جسد سوبارو للخلف بصرخة ألم، غير قادر على وضع ثقل على ساقه المطعونة. ارتطم ظهره، وارتطمت مؤخرة رأسه، وهكذا أصبحت أفكاره المشتتة أكثر تشتتًا.
ساقاه، وصدره، ورأسه، وظهره، ثم، نصل الفأس الساقط أمامه――.
سوبارو: [آآآآآآه!]
صرخ بيأس وأجبر اليد السوداء على إيقاف الفأس أثناء هبوطه.
برزت اليد الخفية المُفرط في استخدامها من صدر سوبارو لإيقاف الفأس الذي اقترب من طرف أنفه، وحشّد يديه ليمنع النصل المرتجف من السقوط، مقاومًا نية القتل بأذرعه الثلاث.
ثم، دفع تود، الممسك بالفأس، بقوته الكاملة أيضًا لإسقاط النصل المتذبذب.
ساقه المطعونة تؤلمه. صدره الذي رُفس يؤلمه. ظهره الذي ضُرب يؤلمه. رأسه يؤلمه أيضًا. إن اخترق هذا الفأس وجهه، فسيؤلمه أكثر من كل ذلك، بل سيؤلمه حتى الموت.
تود: [أنت عنيدٌ أكثر من اللازم…! استسلم ومُت بالفعل…!]
سوبارو: [مستحيل… بالتأكيد، مستحيل…!]

بيده على حافة الفأس، استخدم تود وزنه الكامل لمحاولة قتل سوبارو.
قاوم سوبارو بذراعيه الثلاث، بما في ذلك اليد الخفية، لكن يدي الطفل وسلطته، التي لم تكن تمتلك ميزة تُذكر سوى كونها غير مرئية، لم تستطع دفع تود بعيدًا.
من الخارج، كان سيبدو مواجهة موت سخيفة وبائسة للغاية.
كانت المعركة بين سوبارو وتود فظة وغير متكلفة في مثل هذه المرحلة الحرجة من معركة العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، حيث تنافس حشد من الجنود والمحاربين بمهاراتهم وأسلحتهم المصقولة جيدًا.
لم تكن لديهم مهارات مدربة، ولا أسلحة خاصة، ولا أوراق رابحة يمكنها التغلب على الآخرين.
بمعايير الإمبراطورية الفولاكية، كانت هذه معركة حياة أو موت منخفضة المستوى――المعركة الحاسمة بين ناتسوكي سوبارو وتود فانغ، شخصان لم يستطيعا فهم بعضهما البعض.
تود: [أنت متناقض بشكل لعين! عيناك تقولان إنك مستعد للموت في أي لحظة، وأنت مستعد لوضع حياة الآخرين على الميزان بأنانية، لكن عندما يتعلق الأمر بهذا، تقاوم بيأس. هذا مخيف!]
سوبارو: [لا تقل شيئًا غير معقول كهذا…! وكأنني مستعد للموت في أي وقت!. أنا أيضًا لم أضع حياة أي أحد على الميزان…! لا أريد أن أموت!]
تود: [مُت!]
سوبارو: [لا!]
كانت عينا تود، المبرّدتان بنية قتل سوداء، على وشك تجميد قلب سوبارو المتسارع. وبينما استمر احتكاك نصل الفأس العنيف المحصور بينهما، لم يكن بوسع معركتهما الضارية أن تستمر إلى الأبد.
لأن――،
سوبارو: [غه، غيه…]
كبت سوبارو أنة في مؤخرة حلقه بينما تسرب الدم من شحمتَي أذنيه.
كان ذلك الارتداد بسبب الاستخدام المفرط لسلطة اليد الخفية. كانت هذه إشارة تحذير صارخة من جسد سوبارو المتآكل. لكن، لم يكن أمامه خيار سوى الاعتماد عليها. وإلا، فسيشطر النصل الساقط وجه سوبارو إلى نصفين.
تود: [يبدو أن تلك الحيلة الغريبة تقترب من حدودها.]
ساعدت هيئة سوبارو المروعة وتدفق الدم تود على فهم عواقب استخدام اليد الخفية. عرف أنه إن واصل بهذا الإيقاع، سيصل سوبارو إلى حدوده أولًا.
قبل أن يحدث ذلك، مهما تطلب الأمر――كان ذلك ما فكّر فيه في تلك اللحظة.
كلاهما: [――هـڪ!؟]
سوبارو وتود، المتنازعان على الفأس القاتل، تشتّتا للحظة بزئير هائل.
كان شيئًا بعيدًا عن مركز العاصمة الإمبراطورية، بعيدًا عن سوبارو ورفاقه――الخزان عند حافة المدينة، خلف قصر الكريستال، الذي كان يحجز كمية كبيرة من الماء، وصل إلى حدوده وبدأ في الانهيار.
بزئير، انفجرت شقوق عبر الجدار الساند بأكمله، وتدفقت كمية هائلة من الماء إلى العاصمة الإمبراطورية. كان الأمر كما لو أن موجة عملاقة تتقدم إلى عالم بلا محيطات، ومع اجتياح الأمواج للعاصمة الإمبراطورية، امتدت آثارها حتى بلغت المواجهة المميتة بين سوبارو وتود.
ثم――،
سوبارو: [أه، آآآآه――!!]
تود: [――هـڪ.]
للحظة وجيزة، انصرف انتباه تود إلى الصوت المدوّي، وجمع سوبارو كل قوة استطاع حشدها.
بينما كان جسده ممددًا على الأرض، ناسيًا ألم السكين المغروسة في ساقه للحظة، استدار على جانبه وسحب نصل الفأس بكل قوة يده الخفية حتى ارتطم بالأرض بجوار رأسه.
حتى تود، الذي كان يضع كل قوته في الفأس، لم يستطع تحدّي مثل هذا الزخم. سقط الفأس بجوار رأس سوبارو مباشرة وسقط تود على الأرض معه.
سوبارو: [هاا، هاا… فيو.]
واصل سوبارو التدحرج جانبيًا بزخمه، ليخلق مسافة بينه وبين تود والفأس.
كانت السكين في ساقه تضرب الأرض مرارًا وتسبب له ألمًا شديدًا. بكى بينما كان يتدحرج، متحملًا العذاب لأن الابتعاد كان أكثر أهمية بالنسبة له.
في النهاية، بعد ما بدا كعشر أو عشرين دحرجة، ارتطم جسد سوبارو ببقايا مبنى، فأجبره ذلك على التوقف. هناك، تمكن بطريقة ما من النهوض على ذراعيه، نازفًا من جبهته المجروحة――ثم رآها.
تود: […هذا الرجل مُغيظ تمامًا.]
نهض تود على ركبتيه، متمتمًا بغضب. بينما استدار ليواجه سوبارو المتباعد، لاحظ الفأس المغروس بعمق في كتفه الأيسر.
سوبارو: [――――]
عندما تمكن سوبارو من تفادي الفأس في محاولته اليائسة، سقط تود فوقه.
كان نصل الفأس مغروسًا بعمق، شاقًا عظم ترقوته لدرجة أنه بدا وكأنه وصل إلى قلبه، لكن تود، ماسحًا فمه وباصقًا الدم، لم يُظهر أيًا من ضعف رجل يحتضر.
كان الأمر كما لو أنه يتمتع بصلابة مفرطة.
كان جسده قد قُطع في أماكن مختلفة بسبب دوره كطُعم للزومبي، وتلقى أضرارًا جانبية من انفجار الغبار، وفوق كل ذلك، كان لديه فأس بارز من جسده، لكنه لم يبد مكترثًا بذلك.
أصبح سبب عدم اكتراث تود واضحًا أخيرًا لسوبارو.
كان ذلك――،
تود: [――هل لاحظت؟ خطئي، خطئي.]
كان هناك انزعاج واضح في نبرة تود، خالٍ من أي خفة أو تساهل.
كان صوتًا مليئًا بغضب مفرط تجاه نفسه أكثر من خصمه، بسبب فشله في منع رؤية شيء لم يكن يُفترض أبدًا أن يُرى ولم يرد هو نفسه كشفه أيضًا.
بينما كان يُظهر غضبه بالكامل، انتزع تود الفأس بعنف من كتفه. اندفع الدم من الجرح المشوّه بشدة مرة واحدة بقوة، ثم توقف النزيف فورًا.
كانت قدرة التعافي تلك من النوع قد يتطور لدى فصيلةٍ ما للحد من الآثار السلبية للإصابات أثناء القتال أو الصيد. كان ذلك النوع من القدرة على التعافي الذي شاهده سوبارو عدة مرات في هذا العالم الآخر.
رغم أنه لم يكن هناك فرق ملحوظ عن سوبارو من حيث المظهر، إلا أن هناك بالتأكيد دمًا مختلفًا يجري في عروقه.
كان نصف بشري. و――،
سوبارو: [――هل أنت.. نصف وحش؟]
تود: [صحيح. لكن هذا ليس كل شيء.]
أمام سوبارو المرتبك، ضيّق تود عينيه وأكد نصف شكوكه فقط. أجاب تود على سؤال سوبارو بنصف إجابة.
تشوّهت وجنتاه بشكل غير إنساني، وتوهجت عيناه بغضب بلون الدم――،
تود: [――أنا مستذئب.]

△▼△▼△▼△
――في هذا العالم، كانت هناك أشياء معينة تُعتبر بغيضة بمجرد وجودها فقط.
برز أنصاف الإلف بشكل لافت بين تلك الكائنات البغيضة، إذ ارتبطت سمعتهم بإرتباطهم بالساحرة التي كادت أن تدمر العالم ذات مرة. وكانت هذه السمعة السائدة في جميع البلدان.
وفي مكان آخر، كان أنصاف البشر عديمو الشعر يُعتبرون نذير شؤم في مدن كاراراغي؛ وفي المملكة المقدسة غوستيكو، كلما اقترب الشعر والعيون من السواد، إزداد نبذ المرء، إذ كان يُعتبر مكروهًا من الأرواح.
وبالمثل، داخل الإمبراطورية الفولاكية، حيث تعايشت أعراق مختلفة من أنصاف البشر، كان هناك عرقان يُستنكر وجودهما――شعب الخُلد وشعب الذئاب.
في العصور القديمة، قيل إن هذين العرقين، شعب الخُلد وشعب الذئاب، قد أُدينا لخيانتهما المرأة الأكثر حبًا في قلوب أهل الإمبراطورية الفولاكية وإعدامها، جريمة لن يُغفر لهم بسببها أبدًا.
نتيجة لذلك، تخلى شعب الخُلد عن وطنهم وهربوا خارج البلاد بالحفر في الأرض. أما شعب الذئاب، الذين لم يعرفوا كيف يهربون، فقد طُوردوا حتى حافة الانقراض.
امتد غضب هذه الإمبراطورية إلى الأراضي المجاورة، وإن وُجد أي من شعب الخُلد أو شعب الذئاب في بلد آخر، يُرحّلون عبر الحدود إلى الإمبراطورية ليُعدموا. كان هذا تاريخ شعب الخُلد وشعب الذئاب――المطاردين، كما كانوا يُسمونه عادةً.
في العصر الحديث، قيل إن شعب الخُلد استخدموا قدراتهم على الحفر تحت الأرض للاختباء من العالم الخارجي. أما شعب الذئاب الباقون، فقد أخفوا أصلهم بإدعائهم أنهم من شعب الكلاب لإخفاء هوياتهم الحقيقية، وشخص واحد فقط في العالم――هاليبل، المعجب، الأقوى في مدن كاراراغي، أعلن علنًا أنه من شعب الذئاب.
إمبراطورية تطارد شعب الذئاب بلا رحمة، شعارها الوطني، في مفارقة ساخرة، ذئبًا مطعونًا بالسيوف.
كان ذئب السيف أكثر الرموز تبجيلًا في الإمبراطورية، بينما الذئب الذي هرب خوفًا من أن يُطعن بسيف كان الأكثر احتقارًا.
لذلك، في هذا العالم، واصل وجود شعب الذئاب وأنصاف الوحوش من دم شعب الذئاب――أي المستذئبين――، حمل لعنة لا يمكن غفرانها أبدًا.
△▼△▼△▼△
سوبارو: [مسـ… تذئب…]
ذُهل سوبارو تمامًا عند ذلك الإعلان من تود، وهو يدير في يده الفأس الذي نزعه من كتفه.
معرفة السرّ غير المعروف كثيرًا الذي يحمله تود، الذي كان شخصًا كثيرًا ما اشتبك معه، وعدم معرفة أي عاطفة يشعر بها، إيجابية أم سلبية، أمر واحد، لكن ما شعر به أكثر من أي شيء آخر كان الخوف.
كان نفورًا فطريًا من الصوت الذي وصل إلى أذنيه، «مستذئب».
――لم تكن لدى سوبارو أي معرفة بتاريخ نبذ المستذئبين في هذا العالم.
لم يكن يعرف شيئًا عن حقيقة أن شعب الذئاب وشعب الخُلد كانا مكروهين في الإمبراطورية، وأن سبب ذلك كان خيانة امرأة تُدعى إيريس، وأن هويتها الحقيقية كانت يورنا ميشيغوري، وأن إمبراطورها الحبيب لم يكن فينسنت فولاكيا.
لم يكن يعرف شيئًا عن أي من الظروف الكامنة.
حتى دون معرفة أي شيء عنها، فهمت روح سوبارو. ――كم كان وجود المستذئبين غريبًا في هذا العالم.
تود: [تلك النظرة من الدهشة مختلفة قليلًا عما توقعت. بدوت مندهشًا لأنني نصف وحش، لكن لم تبد مندهشًا لأنني مستذئب.]
نظر تود إلى سوبارو الصامت وجعّد حاجبيه بوجه بدا وكأنه يرمي توقعاته جانبًا.
تود: [لكن الآن يمكننا فعل هذا دون أي تحفظات غريبة، أليس كذلك؟ فالشنق مصير المستذئبين. إنها لعنة تجري في دمائهم. أنت أيضًا――]
سوبارو: [لماذا؟]
تود: [همم؟]
سوبارو: [لماذا، هل وصل الأمر إلى هذا؟ لم أفكر أبدًا…]
لم يستطع أن يقول إنه لم يفكر أبدًا في قتل تود.
لكن هذا لم يكن بسبب دم تود أو أصله، بل لأن ما يفعله كان يتعارض مع سوبارو، ولم يكن أمامه خيار سوى الاشتباك معه.
ومع ذلك، الطريقة التي تحدث بها تود الآن――،
سوبارو: [لا تتظاهر بأن دمك هو سبب كونك عدوي.]
تود: [――――]
سوبارو: [لقد اصطدمت بي مرات عديدة، لأن المشكلة كانت بيني وبينك! ليس بسبب ما أنت عليه أو لأن دمك استفزني!]
صارًّا على أضراسه، ضغط سوبارو بقبضته على الأرض ورفع نفسه.
اجتاح جسده الألم الشديد الناتج عن السكين المغروسة في ساقه بسرعة هائلة، لكنه في الوقت نفسه صفّى ذهنه، وأوضح له الغضب المتأجج في صدره.
سوبارو: [ولديك الجرأة لتقول إن ذلك بسبب كونك مستذئبًا أو شيئًا من هذا القبيل، لأنه مناسب لك…!]
تود: [أوي أوي، مناسب لي؟ لن أستمع لهذا، قادمًا منك…]
سوبارو: [اخرس تمامًا! لماذا، لماذا أنت هكذا!؟]
لم يسر شيء واحد في صالح سوبارو؛ كلما حمل مشاعر إيجابية، قادته إلى أفعال سلبية، وكلما راودته أفكار إيجابية، جرّت عليه مشاكل سلبية.
بعد مساعدة كاتيا، وإنقاذ ريم وفلوب، وتوحيد القوى لهزيمة ذلك الزومبي الهائل، حاول الآن قتل سوبارو، موبّخًا إياه على أفكاره، وفوق كل ذلك، كان مستذئبًا.
سوبارو: [لماذا، لماذا!؟]
تود: [لا تذهب وتتحدث عن ظروف ولادة الناس. الأمر كما هو. ربما نامت والدتي مع كلب. بالتفكير في الأمر، كان هناك دائمًا كلب كبير يعيش في مؤخرة المنزل، ربما كان ذلك والدي؟]
سوبارو: [لا، أنا لست من يتحدث عن ذلك! أنت من يتحدث عن ولادتك!]
تود: [――――]
سوبارو: [أنا لست من ينظر إليك بتلك النظرة…!]
لم تكن لدى سوبارو أي فكرة عن نوع الحياة التي عاشها تود كمستذئب.
ولا حتى أراد أن يعرف. لو عرف، على الأرجح سيبحث عن سبب لغفران تود. لذلك، لم يرد أن يعرف. لم يرد سوبارو أن يغفر لتود لمجرد أن يجد له عذرًا لا مفر منه.
لهذا――،
سوبارو: [――لقد اتخذت قراري.]
تمتم سوبارو، وصوته متوتر، ورأسه فوضوي بالغضب والألم.
سماع تمتمة سوبارو، ضيّق تود عينيه. حتى بدون كلمات، دفعه الصمت للتساؤل عما قرر فعله.
مدفوعًا بذلك، أعلن سوبارو قراره.
سوبارو: [لن أقتلك. لن تسير الأمور كما تريد.]
تود: [――――]
عند إعلان سوبارو الهادئ، لم يكن لدى تود ما يقوله في المقابل.
لكن، لم يبقَ صامتًا. ――ضحك.
تود: [ها، هاهاها، ها! ها! ها! ها!]
عابثًا بشعره بيده التي لا تمسك بالفأس، فتح تود فمه وضحك. غير مكترث بأن شعره وجبهته كانتا تتلطخان بالدم، فتح تود فمه واسعًا وانفجر ضاحكًا.
ثم، بعد أن ضحك لبعض الوقت، هزّ رأسه بلطف،
تود: [أنت وحش. أكثر بكثير من ذلك الزومبي.]
بوضوح أكثر من أي وقت مضى، حدّق في سوبارو بعاطفة ظاهرة في عينيه.
فهم سوبارو ما كانت، تلك العاطفة المخفية خلف نية القتل السوداء؛ كانت هذه أول مرة تُكشف فيها. مرات عديدة من قبل، كان قد رآها في المرآة.
كان خوفًا. ――كان الخوف من الأشياء غير المفهومة التي تجلب الموت.
تود: [انعدام الوعي الذاتي صفة سيئة. أنت تختار بين الأرواح. من تُنقذ، من تدع يموت، أنت تقرر كما تشاء. تُظهر حظوة لأولئك الذين يتملقونك، لكن لا تهتم بمن لا يفعلون. أنا، لن أتردد في تملق أي أحد، لكن…]
سوبارو: [――――]
تود: [كيف يمكنني أن أساير شخصًا يقرر من يعيش ومن يموت بناءً على نزواته المتقلبة؟]
――كان ذلك إنذار تود فانغ الأخير.
سوبارو: [――――]
بعد أن بصق ذلك، صرّت عظام تود بينما تغيّر شكله.
الجروح التي كانت تطل من خلال تمزقات زيّه العسكري الإمبراطوري أُغلقت، وغُطّي جلده بفراء حيواني يطابق لون الشعر على رأسه. برز أنفه واتسع فمه كما لو كان يتمزق، بدأت أسنانه البيضاء حديثة النمو تصبح أكثر حدة، محوّلة مظهره إلى وحش مفترس.
بدا تمامًا كما أعلن. مستذئب.
وقف على ساقين، وتعامل مع سلاحه بذراعين، وينهش خصمه بأنيابه الشرسة حتى يزهق حياته. تحوّل إلى ذلك النوع من الوجود――لا، انكشفت طبيعته الحقيقية.
تود: [مُت.]
بإيجاز، خطا تود نحو سوبارو مرة أخرى بتلك النية في كلماته.
كانت خطواته كبيرة، ورفس الأرض بساقيه الخلفيتين بسرعة جعلتها تنفجر. كان هدفه قتل سوبارو، مصدر خوفه الذي لم يفهمه، وعدم السماح ببقاء خصم يعرف هويته الحقيقية.
انفجرت روح سوبارو القتالية بينما أدرك ذلك.
سوبارو: [――اليد الخفية.]
قفز تود، الآن مستذئب، نحو سوبارو بفأس في يده.
قبل أن يصل الفأس إليه، التقط سوبارو الأنقاض بالذراع السوداء الممتدة من صدره، وأطاح بالفأس بعيدًا إلى الجانب الآخر، متجاوزًا رأس تود.
تود: [――هـڪ!]
لكن حتى لو ذهب فأسه، أصبح لدى تود الآن سلاح آخر، أنيابه.
كان سوبارو قد استخدم أيضًا اليد الخفية لصد الفأس، مما جعله غير قادر على الاعتماد على سلطته لصد أنياب تود.
بدلًا من ذلك، سحب سوبارو السكين المغروسة في ساقه بيده.
سوبارو: [غيه، غاااه!!]
صارخًا من الألم الشديد الذي لم يعتد عليه أبدًا، أمسك سوبارو السكين التي سحبها بكلتا يديه، وثبّتها في الفجوة بين أنياب تود بينما كان يعضّ عليها.
أوقفت السكين الأنياب الحادة التي كانت تنطبق، ودُفع وجه سوبارو للأسفل مرة أخرى بينما سال لعابه من فم المستذئب الذي كان يعض السكين، وتقطر على وجنتيه.
تود: [――أوه!!]
سوبارو: [آآآآآآه!!]
وهكذا، اندفعت أنيابه إلى الأمام، مقتربة من رقبة سوبارو.
بينما كان يحاول يائسًا إيقافه، صرخ سوبارو من الألم.
سوبارو: [أنا… لن أقتلك…!]
صرخ بينما كان على وشك أن يُقتل، قبل لحظة من أن تحفر أطراف أنيابهما في رقبته.
من كان على وشك أخذ حياة كان يُوبَّخ من قِبَل من كانت حياته على وشك أن تُؤخذ.
وعلى هذا الحال، كان سوبارو سيُغلب، رغم أن رأسه كان على وشك أن تُزهق حياته بقضم أنياب تود له، ورغم أنه كان على وشك العودة إلى نقطة ما خلال المعركة.
كان تود، الرجل الذي يشعر بالحزن والاستياء تجاه العالم لأسباب يجهلها سوبارو――.
وحدث ذلك في تلك اللحظة بالذات.
???: [――كفى.]
فاجأ ذلك الصوت سوبارو، وكأنه نقر على أوتار روحه بقوة.
كل نفس من أنفاس الوحش، وكل هدير صغير من الأرض، وكل فوضى مستمرة في أجزاء مختلفة من العاصمة الإمبراطورية، كان كل ذلك جحيمًا صاخبًا، يهيج فيه كل صوت كما يشاء.
حتى في عالم كهذا، لم يستطع شيء أن يعيق ذلك الصوت.
كان الأمر كما لو أن وجود ناتسوكي سوبارو نفسه قد خُلق ليتردد صداه مع ذلك الصوت.
تود: [غوه――]
مباشرة بعد ذلك، بينما كان جسد تود يضغط على جسد سوبارو، محاولًا إنزال أنيابه لإنهاء حياته، أطاح به اصطدام هائل من الجانب.
سوبارو: [――――]
أمام سوبارو مباشرة، اندفع تود، بعد أن أصبح مستذئبًا، إلى مرمى النظر؛ وانعكست في عيني الأول شظايا جليدية لامعة كانت تتساقط كالمطر. وما نثرها كان مطرقة مشكّلة من الجليد.
بضربة بكامل القوة باستخدام مطرقة جليدية كبيرة، أُرسل تود طائرًا.
ومن أرجحت تلك المطرقة الجليدية بكلتا يديها، وجعلت شعرها الفضي الطويل يرقص، كانت فتاة بزي أبيض بجسد جميل بشكل مذهل――،
سوبارو: [――إميليا.]
تحرك فم سوبارو لا شعوريًا ليردد الاسم الذي لمع فجأة في ذهنه.
نظرت الفتاة خلفها، ورمشت عيناها الجمشتيتان، والتقتا بعيني سوبارو السوداوين. شهق سوبارو لا إراديًا، مأسورًا بجمال عينيها.
إميليا: [أنت هناك، تعال!]
سوبارو: [هاه؟]
كان قد نسي أن يتنفس، أو ربما كان يحبس أنفاسه، لكن انقطع ذلك قسرًا.
أصابع بيضاء، ممتدة بقوة عظيمة، سحبت جسد سوبارو إلى ذراعيها بقوة لا يمكن تصورها من مظهرها. دون تردد، التقطت الفتاة، إميليا، سوبارو المغطى بالطين والدم، وثنت ركبتيها قائلةً: «حسنًا»،
إميليا: [هاا!]
بصرخة، قفزت إميليا ورفست جدار مبنى قريب، وقفزت أعلى بكثير إلى سطح مبنى. كان سوبارو، الملفوف في حضنها، مذهولًا، لكنه فهم قريبًا.
تحتهم، كان الشارع أسفل المبنى الذي هبطت عليه إميليا بسوبارو بين ذراعيها يُجرف بسرعة هائلة بمجرى من المياه الموحلة، مبتلعًا كل شيء على مرأى البصر.
إميليا: [كان ذلك خطرًا… كدت أن تُبتلع بالماء.]
أمام ذلك المشهد الساحق، ربتت إميليا على صدرها بارتياح.
لم ينقل رد فعل إميليا الكثير من الإلحاح أو الإحساس بالمأساة، رغم أن المشهد المثير لليأس كان ساحقًا حيث ابتُلعت كِلا أنقاض طاحونة الحبوب التي فُجّرت بانفجار الغبار والشارع الذي جرّ فيه تود الزومبي حتى تجهزت الطاحونة في الفيضان المفاجئ جنبًا إلى جنب.
لو كانت أبطأ قليلًا، لابتلع التيار سوبارو، تمامًا كما قالت إميليا. لو حدث ذلك، لما كان هناك طريقة لينجو――،
إميليا: [――هـڪ، من كان ذلك الرجل!؟]
تود، الذي كان على وشك عضّ سوبارو حتى الموت، أُرسل طائرًا من قبل إميليا.
بافتراض أن تود فشل في الهروب، فهل كان سيُبتلع بالفيضان المفاجئ أيضًا؟ لو ابتُلع بقوة الماء، لما كانت هناك طريقة لتود ان ينجو من تيار ماء بهذه القوة.
ناسيًا ألم ساقه، نظر سوبارو بسرعة حوله وبحث عن تود في شوارع العاصمة الإمبراطورية الموحلة التي ابتلعها الماء العكر. لم يكن سوبارو يعرف حتى إجابة السؤال عما إذا كان يريد أن يُعثر على تود أم لا.
إميليا: [يا، اهدأ! من تبحث عنه… أوه! بالنظر عن كثب، أرى أنك مصاب بجروح بالغة! يجب أن أعالجك فورًا…]
بينما كان سوبارو ينظر حوله بجنون، لاحظت إميليا الجرح في ساقه، وتحركت لتجلسه على حافة السطح،
إميليا: [انتظر! مستخدم سحر الشفاء سيكون هنا قريبًا…]
سوبارو: [لا يوجد وقت لذلك! اتركيني وحدي، و…]
إميليا: [أنت من يحتاج للنهوض…]
رفعت إميليا حاجبًا لسوبارو بينما كان يحاول النهوض، متجاهلًا نصيحتها. لكن، قُوطِع توبيخها قبل أن يصل إلى خاتمته.
اتسعت عيناها الجمشتيتان الكبيرتان، وكان بإمكانه رؤية المشهد خلفه منعكسًا في عينيها الجميلتين.
بينما كان سوبارو جالسًا على حافة السطح، خرج المستذئب من خلفه وهو يشق الماء وفتح فمه الفاغر ليعضّ مؤخرة رقبة سوبارو.
سوبارو: [――――]
إما أن تسحبه العضة إلى الماء، أو أن تطبق بلا رحمة على وريده الوداجي 【1】. كانت لحظة لن تستطيع حتى إميليا، أمامه مباشرة، إيقافها في الوقت المناسب.
حتى الفيضان المفاجئ لم يثنِ إصرار تود العنيد محاولًا قضم حياة سوبارو.
في تلك اللحظة――،
???: [――لا تلمس…]
تردد صدى صوت ريح قوية بينما سمع خطوات تدوس على السطح.
لا سوبارو المنهك، ولا إميليا البعيدة جدًا، كانا قادرين على إيقاف هجوم تود.
بدلًا من ذلك، كانت فتاة بعينين زرقاوين شاحبتين غاضبتين هي التي قفزت.
???: [――إياه!!]
في نفس الوقت الذي أُطلق فيه ذلك الصراخ، أُنطلق فأسٌ أُرجح بكل القوة.
كان سوبارو قد أطاح بالفأس بعيدًا بينما انقضّ المستذئب نحوه. بطريقة ما، هبط في يدي الفتاة، وعاد إلى صاحبه، الذي كان يحاول عضّ سوبارو.
تود: [――غاه.]
وجاءت الضربة الثانية في موضع الجرح القديم في كتفه الأيسر، حيث كان الفأس قد غُرس بعمق. أوقف الاصطدام اندفاع المستذئب، وأُطيح بجسده الضخم بعيدًا، وقذف في المياه الموحلة.
برشة عالية وعمود من الماء، هذه المرة، غرق المستذئب――تود فانغ، تحت السطح.
???: [هاا، هاا، هاا…]
الفتاة التي أرجحت الفأس، تتنفس بصعوبة وكتفاها يرتفعان ويهبطان، ضمت رأس سوبارو إلى صدرها. بينما فعلت ذلك، أسقطت الفأس من يديها المرتجفتين في الماء وركعت في مكانها.
ثم، التقت العينان الزرقاوان الشاحبتان للفتاة――لريم، بعيني سوبارو السوداوين.

ريم: [يبدو… أنك بخير.]
سوبارو: [لست بخير حقًا، لكن…]
رد سوبارو بنبرة متذبذبة لريم بينما خفض زوايا عينيه بإحساس خفيف بالارتياح.
ثم، نظر خلفه بحثًا عن تود، الذي أُلقِي في الماء بضربة ريم. ――لم يكن موجودًا في أي مكان. لم تكن هناك طريقة للعثور عليه، وحتى لو عُثِر عليه.
سوبارو: [――هـڪ.]
مع تصاعد الإحباط والمرارة داخله، وضع سوبارو يده على صدره.
لم يستطع سوبارو وتود فهم بعضهما بأي شكل. وما أراد سوبارو أن يفهمه تود، وما لم يرغب تود في أن يفهمه سوبارو، لم يتحقق أيٌّ من ذلك.
كان ذلك ما أحبطه. كان محبطًا ومخيبًا للآمال للغاية.
بذلك الإحساس بالإحباط العاجز――،
إميليا: [ريم! الحمد لله. عالجي جروح هذا الفتى! ثم، بسرعة، إلى سوبارو…]
ريم: [انتظري لحظة! هذا هو الطفل! هذا الفتى هو هو! هذا هو من يسمي نفسه ناتسوكي سوبارو…]
إميليا: [هاه! ذلك الطفل هو سوبارو!؟ لكنه لطيف جدًا…؟]
ببطء، شيئًا فشيئًا، تسربت قوة سوبارو على حافة السطح، وأمامه مباشرة، كانت المرأتان اللتان ساعدتاه――إميليا وريم، تصرخان بهذا وذاك عن سوبارو.
ثم، مع هاتين الاثنتين أمامه، مرت في عقله فكرة كم مضى منذ آخر مرة رآهما تتحدثان معًا، وتلاشت――.
سوبارو: [تود، أيها الأحمق اللعين…]
ومع بلوغ إحباطه وهزيمته ذروته، خفت وعي سوبارو فجأة.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة: AurenZzZ
تدقيق: القاضي الموقر
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※