الفصل 5 - إسمكِ
الفصل الخامس: إسمكِ
أول تفاعلٍ وديٍّ له في هذا العالم…
وبعد زهاء ثلاثين دقيقة من عرضه المساعدة في ذلك التبادل الدافئ:
”―ما هذا الذي تفعله بالضبط؟”
لم تتقدم التحقيقات قيد أنملة!
كانت عينا الفتاة تتطرقان برودة وهي تطرح سؤالها، وتستقر نظراتها غير الراضية على سوبارو الذي اكتشف شيئاً للتو، وتحديداً—
سوبارو: ”تلك النظرة الباردة تبعث في نفسي شعوراً غريباً… انتظر، أيعقل أنني ماسوشي* طوال هذا الوقت؟!”
*ماسوشي: تحمل نفس معنى “مازوخي”، وهي حب الخضوع والإهانة
الجميلة: ”لا علم لي بهذه ‘الماسوشية’ أو غيرها، لكن الجليّ لدي أنك تتفوه بهراءٍ محض!”
ودون أن تكلف نفسها عناء إخفاء حنقها، كتفت ذراعيها وزفرت بتنهيدة حارة.
كان نقدها لاذعاً، لكنه كان مستحقاً وبشدة بالنظر إلى ما حققه سوبارو طوال الدقائق الثلاثين الماضية؛ فقد تطوع لمساعدتها في البحث عن ممتلكاتها المفقودة، لكن العقبات التي واجهت تحقيقهما جعلت المهمة معقدة للغاية:
أولاً: أنه يجهل تماماً مكان وجوده! وهو أمرٌ معذور فيه بالنظر إلى استدعائه الحديث من عالم آخر، لكنه أضحى عقبة كؤوداً كون الفتاة هي الأخرى تجهل جغرافية هذه المنطقة؛ إذ افترض كل منهما معرفة الآخر بالطريق، وانتهى بهما المطاف بهدر عشر دقائق كاملة في التخبط داخل الأزقة الخلفية! قصة طريفة لو حُكيت، لكنهما لم يستطيعا الضحك عليها حينها.
ثانياً: أنه لا يجيد قراءة لغتهم! لقد أغفل هذا الأمر لأن التواصل الشفهي لم يشكل عائقاً، لكن مع التمعن في المحيط من حوله، لاحظ رموزاً شبيهة بالهيروغليفية* مكتوبة بخط اليد في كل مكان؛ ولم يستوعب الأمر في البداية، غير أن وجودها على اللافتات واللوحات جعل من الواضح أنها الأبجدية المعتمدة في هذا العالم (ما لم تكن الرموز السحرية صرخة العصر هنا!). ونتيجة لذلك، تعذر عليه التمييز بين المتاجر أو الاستدلال بلوحات الإرشادات.
الهيروغليفية: لغة مكتوبة بالرموز عند المصريين القدماء.
وباختصار، فإن الكليشيه المعتاد لـ “لماذا يتحدثون ويكتبون اللغة ذاتها؟!” لم يتحقق منه سوى الشق الأول؛ ولكن إن فكر المرء أنه كان سيرمى ميتاً في إحدى القنوات المائية لولا امتلاكه قدرة الفهم الشفهي، لتبين أن وضعه ليس بهذا السوء.
سوبارو: ”وحتى مع ذلك، فإن الارتفاع الصاروخي في مستوى الصعوبة سخيفٌ للغاية…!”
فبعيداً عن قصص الأبطال الذين يُمنحون قدرات خارقة لا تُقهر، كان الأمر أشبه بمن يُلقى في الساحة دون أدنى مقومات الاستعداد! والأهم من ذلك كله، المشكلة الرئيسية التي أثارت حنق الفتاة—
الجميلة: ”لقد ظللتَ تختبئ خلفي طوال هذا الوقت فحسب، ولم تكن مفيداً بأدنى درجة!”
سوبارو: ”أعني… الحديث مع غرباء التقيتهم للتو مرعبٌ نوعاً ما…”
الجميلة: ”أنتَ لستَ طفلاً صغيراً…!”
عقدت حاجبها المتناسقين كأنها تعاني من صداعٍ حاد، وتحدثت بنبرة ترثي لحاله بها.
وتماماً كما خشي سوبارو، أثبتت عقبة استقاء المعلومات من الغرباء أنها تفوق طاقته؛ فقد تدهورت مهاراته الاجتماعية والتواصلية بشكل حاد خلال العام الماضي، فاكتفى بالالتصاق بها بصمت كطفلٍ خجول يتبع والده.
كان يود حتماً إبداء ردٍّ يبرر خيبة أملها، غير أن جبنه المتأصل حال دون خروج الكلمات. وهنا، شرع القط المستقر على كتفها —والذي كان صامتاً حتى اللحظة— بهز ذيله قائلاً:
باك: ”أهدي قليلاً… على الأقل هو لا يضمر أي نية سيئة.”
الجميلة: ”هذا أسوأ بكثير! بصراحة، كان من الأسهل عليّ تصديق أنه يعرقلني عمداً! أن تكون عديم الفائدة كلياً بدافع النية الحسنة أمرٌ أصعب في التعامل معه من العداوة الصريحة!”
باك: ”نظرة عميقة ومستنيرة بحق، أليس كذلك؟”
موقف القط غير المبالي جعل الفتاة تتنهد بأسى، ثم نظرت نحو الشارع مجدداً وتابعت: “ولكن رغم ذلك…”
الجميلة: ”الأمر شاقٌ بحق.”
خرجت هذه الشكوى الخافتة من بين شفتيها. فبعد أن غادرا الزقاق السالف والشارع الرئيسي المتصل به، باتا الآن بعيدين عن صخب العمران مع دخولهما أزقة الأحياء الفقيرة؛ ورغم الإحباط الذي تملكها، واصلا البحث حتى انتهى بهما المطاف هنا:
الجميلة: ”لقد ذكروا أن البضائع المسروقة يجري تصريفها عادة في الأحياء الفقيرة…”
سوبارو: ”نحن نعرف الموقع وهيئة الجاني، فلماذا لا نترك الباقي للـ شُرطـ… أقصد: الحراس؟ سنعثر عليه فوراً إن استنفرنا عدداً كبيراً من الأشخاص للبحث!”
كان أحد الباعة على بُعد شارعين قد دلهما على زقاق ضيق يؤدي إلى الأحياء الفقيرة. وصحيحٌ أن الشمس كانت آيلة للغروب، غير أن المكان —رغم قربه من الشارع الرئيسي— كان يتشح بالكآبة لأسباب أبعد من مجرد نقص الضوء؛ إذ جعلت أجواؤه المقبوضة ورائحته الكريهة وجه سوبارو يتقطب لا إرادياً.
سوبارو: ”الأجواء، والمزاج العام، بل وحتى طبائع السكان هنا… كلها تبدو سيئة! الأفضل أن نستدعي أحداً.”
”مستحيل!”
لم يكن مقترحه نابعاً من الخوف أو التوتر فحسب، بل قدمه بعد تفكير ملي بمصلحة الفتاة وسلامتها، غير أنه قوبل برفض قاطع في التو واللحظة! ذهل سوبارو بهذا الجزم، بينما بدا على الفتاة شيءٌ من الاعتذار أردفته بقولها:
الجميلة: ”أنا آسفة… لكن هذا لن يجدي نفعاً؛ فلا أظن أن الحراس سيهرعون لأجل حادثة سرقة بسيطة كهذه… كما أنني لا أستطيع الاعتماد عليهم لظروف خاصة.”
أطبقت شفتيها ونظرت إليه وكأنها تقول: “لكنني لا أستطيع الإفصاح عن السبب”. وفهم سوبارو ضمناً أنها لا ترغب في الخوض بالتفاصيل، فرفع يده إقراراً بالامتثال. فهو ليس جلفاً لدرجة التدخل في شؤون غيره، فضلاً عن أن الانخراط المفرط مع الآخرين أمرٌ مجهد؛ ولو كان مهتماً بالعلاقات الاجتماعية لما غدا منعزلاً عن العالم بالأصل!
سوبارو: ”حسناً، ما الخطوة التالية إذن؟”
ورغم أنه لم يعلم شيئاً عن ظروفها، سألها سوبارو عن خطوتها القادمة؛ فعدم التقصي عن أسبابها والقرار بشأن مساعدتها أمران منفصلان تماماً. قد يجهل ظروفها، لكنه يأبى أن يكون ناكراً للجميل.
وربما لرجاح ظنها بأن سوبارو سيتخلى عنها، ارتفع حاجبا الفتاة بذهول عند سماع سؤاله! أما القط على كتفها فشرع يؤدي رقصة خفيفة وهو يشير إليه قائلاً:
باك: ”ألم أقل لكِ ذلك؟ لا أثر لأي نية سيئة لديه!”
وممازحاً كعادته، بدا في غاية البهجة، غير أن تعبيراته استحالت جادة فجأة وهو يضيف:
سوبارو: ”لكن عليكِ القرار بحذر… حلول الليل وشيك، وحينها لن أتمكن من مد يد العون؛ بضعة أوباش* لن يشكلوا عائقاً، ولكن… كوني حذرة.”
أوباش: جمع لكلمة “وَبَش/ بَشَة” وتعني الأخلاط من الناس السافلين أو الفوغاء والرعاع الذين لا خير فيهم ولا نظام لهم.
الجميلة: ”أجل، أنتَ على حق… حسناً، سأفكر في الأمر… سأفكر، ولكن…”
كان ردها يقطر ترددًا. وبينما بدا أنها تصارع في اتخاذ موقفها، تملك سوبارو الفضول فجأة فسأل القط:
باك: ”عن ماذا كنت تتحدث للتو؟ ألا يمكنك التواجد في الأرجاء ليلاً؟”
باك: ”لتوضيح الأمر بدقة: رغم مظهري اللطيف هذا، إلا أنني روحٌ في الواقع! ومجرد التجسد يستهلك كمية هائلة من المانا*؛ لذا أعود بالكامل ليلاً إلى ‘مربطي الروحي’ لأركز على استعادة طاعتي وشحن طاقاتي. أستطيع القول إن دواماً من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً يُعد مثالياً لي!”
المانا: الطاقة السحرية
سوبارو: ”من التاسعة إلى الخامسة؟! تبدو كـ موظف حكومي… شروط توظيف الأرواح صارمة على نحو غير متوقع!”
كانت مصطلحات غريبة مثل “الروح” و”المربط الروحي” تتطاير في الهواء وكأنها بديهية، غير أن أوتاكو معاصر أفسدته الألعاب والأنمي لن يجد صعوبة في استيعابها على أي حال!
وعموماً، فإن القط الذي أمامه —أو بالأحرى، عقد باك— لا يتضمن وردية ليلية! ورغم أنه لا يبدو موثوقاً به بالمرة، إلا أن رعب بلطجية الزقاق منه يشير إلى أن الكائنات المعروفة بـ “الأرواح” تملك قوة بطاشة تليق بسمعتها.
كائنٌ يبعث على الرهبة أكثر بكثير من تلك الفتاة التي تبتكر الجليد بالسحر! وعلى عكس أجواءه الهادئة اللطيفة، قد تكون طبيعته الحقيقية طبيعة ضارٍ مفترس يشتاق للدماء!
سوبارو: ”بالتفكير في الأمر بهذه الطريقة، أنت مرعبٌ على نحو غير متوقع! دعني أقولها لك بصراحة: أنا مليء بالعضلات والأوتار، ومذاق لحمي سيء وصعب الهضم للغاية!”
باك: ”أستطيع قراءة أفكارك إلى حد ما… لذا دعني أخبرك: أنتَ مجنونٌ بحق، أليس كذلك؟”
شعر سوبارو أنه كان يرمي لقول ذلك بطريقة مواربة، لكنه فشل تماماً! ثم تقطبت جبهة باك الفروية في إيماءة تشبه التجهم وقال:
باك: ”بالحديث عن ذلك، أنا لا أعرف اسمك حتى الآن… لا أظن أننا قدمنا أنفسنا رسمياً.”
سوبارو: ”آه، هذا صحيح! لنبدأ بي إذن…”
نحنح سوبارو ليصفي حنجرته، ثم استدار في مكانه واستعرض بوضعية مسرحية وهو يوجه إبهامه نحو السماء:
سوبارو: ”اسمي هو ناتسوكي سوبارو! تائهٌ تماماً ومفلسٌ كلياً! سررتُ بلقائك!”
باك: ”يبدو أنك في مأزقٍ حقيقي، هاه؟ حسناً إذن، أنا باك… سررتُ بلقائك.”
كان سوبارو قد مد يده بحسن نية، فطار باك نحوها مباشرة مؤدياً مصافحة ديناميكية بجسده الكامل؛ ومن منظور طرف ثالث، كان الأمر يبدو وكأن سوبارو يطبق عليه بيسراه ويمعسه*!
يمعسه: يضغط عليه بقوة
كان باك فروياً وناعماً تماماً كما كان في هيئته العملاقة. وبمجرد أن اشتبع سوبارو من هذا الملمس النعيم، التفت نحو الفتاة واقفةً بجانبه؛ حيث كانت نظراتها تغلي حنقاً وهي تتابع هذا التبادل المريب بين فتى وحيوان!
الجميلة: ”لماذا لا يمكنك تنحية هذا السلوك المفرط في الود جانباً ولو للحظة واحدة؟ هذا لا داعي له مطلقاً!”
سوبارو: ”لقد كنتُ في أقصى درجات الضياع حتى وجدتُ خيطاً أتشبث به! تباً، لن أفلت هذا اللقاء أبداً… فحياتي بأكملها تعتمد عليه!”
الجميلة: ”إن عزيمتك هذه بلا أي فائدة على الإطلاق… قل لي، هل تتذكر حتى تحت أي ذريعة انضممت إلينا؟”
سوبارو: ”بالطبع! أنتِ تبحثين الآن عن شخصٍ بدلاً من غرض، وأنا الوحيد الذي يعرف هيئته! أتظنين أنني سأسمح لكِ بالتخلص مني بهذه البساطة؟ لن أسرّب أسراري أبداً!”
الجميلة: ”رغم أنني أتذكر تمتمتك بـ: ‘شعرٌ أشقر… وأسنانها… آه، لا عليكِ’ وما شابه بينما كنت تختبئ خلفي وأنا أستجوب الناس، لذا فقد أفشيتَ الكثير بالفعل!”
سوبارو: ”تباً لغبائي المطبق!!”
قبض على رأسه وانحنى في مكانه من شدة الصدمة؛ فقد كان الأمر أشبه بـ لاعِب بوكر يعرض أوراقه على خصمه بكامل إرادته! كانت محاولة التفاوض بهذه الطريقة تدعو للسخرية ببساطة. ورغم أنها كانت أول خيط تواصل ودي له في هذا العالم، بدا وكأنها على وشك الانزلاق من بين يديه، مما ملأه بقلق عارم. أما باك، فابتسم بسخرية وهو يرقب تخبط سوبارو:
باك: ”حسناً، كِلاكما يملك مشاكله الخاصة، فلنستمع إليك لاحقاً ونمنح الأولوية للقضية الراهنة. وعلى أية حال، إنه اسمٌ غير عادي… يملك رنيناً جميلاً.”
الجميلة: ”أظن ذلك، فهو ليس اسماً متداولاً في الأرجاء هنا. وبالحديث عن هذا، فإن لون شعرك وعينيك، بل وحتى ثيابك… كلها فريدة للغاية! من أين أتيت؟”
سوبارو: ”وفقاً للكليشيه المعمول به: من مملكة صغيرة في أقصى الشرق، على الأرجح!”
نمطٌ مألوف ومستهلك في قصص العوالم الموازية؛ أرضٌ معزولة في أقصى الشرق تشبه “زيبانغو*”! كليشيه سحري يكفيك فيه الادعاء بأنك من دولة نائية ليتقبل الجميع ذلك ببساطة، نظرًا لشح المعرفة بالجغرافيا الدولية في مثل هذه العوالم. غير أن ردها جاء صاعقاً:
زيبانغو: اسم تاريخي قديم يطلق في الأدبيات الفانتازية على “اليابان الأسطورية”
الجميلة: ”لوغونيكا هي الدولة الأقرب إلى الشرق على خريطتنا القارية… ولا يوجد شيءٌ على الإطلاق إلى الشرق من هنا!”
سوبارو: ”مستحيل! ماذا بحقك؟! أهذه هي حدود الشرق إذن؟! وماذا عن زيبانغو المحبوبة؟!”
الجميلة: ”أنت لا تملك أدنى فكرة عن موقعك، ومفلسٌ بالكامل، وتخشى الحديث مع الغرباء… مستقبلك لا يبدو واعداً على الإطلاق، ومن نواحٍ متعددة!”
بدت الفتاة قلقة، وعيناها تفيضان بالشفقة وهي تتأمل حالة سوبارو المذعورة. ورغم محاولاتها المستميتة لإخفاء ذلك، كانت طبيعتها الطيبة الم مساعِدة تطغى على تصرفاتها؛ إذ جعلها وضعه العاجز كلياً غير مرتاحة على الإطلاق. راقبهما باك بابتسامة دافئة وهما يتعذبان بالتفكير، ثم شرع ينكز شاربيه وقال:
باك: ”حسناً، تجرع هذا الواقع الآن… وعلينا اتخاذ خطوتنا التالية؛ فلم يتبقَ لدي سوى أقل من ساعة، فاتخذي قراركِ.”
الجميلة: ”―سأدخل. لا أنوي السماح لها بالفرار، وسيكون الوقت قد فات إن نقلت الشارة إلى مكان بعيد لا تطاله أيدينا.”
كان هذا ردها حازماً على باك، ثم التفتت نحو سوبارو وقالت:
الجميلة: ”سأتقدم إلى الداخل الآن، ولكن… الطريق أمامنا سيكون أكثر خطورة بمراحل. وحين يحل الليل، سيكثر الأوباش الذين يسعون في الشر، فضلاً عن أن هذا المكان يقطنه أناسٌ خاضوا معارك طاحنة. إن كان الأمر يرعبك، فيمكنك الانتظار هنا، أو تتبع خطاي من الخلف كما كنت تفعل.”
سوبارو: ”أي نوعٍ من الدجاج* سأكون إن اخترت البقاء في الخلف؟! أنا قادمٌ حتماً! وسألتصق بخطواتكِ طوال الوقت!”
الدجاج: تعني “جبان”
الجميلة: ”ليس هناك خيارٌ للتقدم من الأمام إذن… حسناً، هذا يناسبني تماماً؛ إذ لن أضطر إلى القلق بنفس القدر!”
تنهدت لمراتٍ كثيرة لدرجة أنه فقد القدرة على العد! وتفكر سوبارو في كيف أنه جعل تعابير وجهها تزداد جهامةً دائماً… وبالعودة بذاكرته، لم يرها تبتسم ولو لمرة واحدة؛ كان هذا وجهها وهي غاضبة، لذا فمن المرجح أن ابتسامتها هي ألطف شيء في هذا العالم!
سوبارو: ”أتعلمين ما الفرق بين علبة الكبريت وعلبة الصفيح؟! الأولى تُشعل النار، والثانية تُشعل النزال! (Can a match box? No, but a tin *can!)”
*: دعابة مبتذلة، يعتمد سوبارو فيها على الجناس الإنجليزي بين Can (علبة/يستطيع) وMatch box (علبة كبريت/يلتقي في نزال)، وتُرجمت حرفياً بـ “هل يمكن لعلبة الكبريت أن تلاكم؟”
الجميلة: ”… ما هذا الهراء على غفلة؟”
سوبارو: ” غريب! لا ردة فعل إطلاقاً… ولكن لماذا؟ آه! تباً! ألا يملك هذا العالم علباً صفيحية؟! أوه… أممم… هل ثلاجتكِ تعمل؟… ألا توجد ثلاجاتٌ هنا أيضاً؟!”
باك: ”هذه الغرابة والشذوذ في كلامه وتصرفاته… أليسا ناجمين عن لعنةٍ أو شيء من هذا القبيل؟”
الجميلة: ”لا، بل كان ذلك طوعياً بالكامل! بل ووضع فيه قلبه وروحه… لأجل مسعىً عارٍ عن أي معنى إطلاقاً!”
وربما لتخمينه سبب صراع سوبارو الهائل، شرح باك الأمور بطريقة مواتية نسبياً؛ غير أن ذلك لم يزد الفتاة إلا شكاً وريبة في سوبارو، والذي بدا لها وكأنه أُصيب بعطلٍ مفاجئ في عقله!
وندماً على أن جناسه اللفظي السيئ لا يعمل إلا في عالمه الأصلي، هز سوبارو رأسه بيأس؛ فالتركيز بشدة على ما أمامه وفقدان رؤية الصورة الكبيرة كان دائماً أحد عيوبه المتأصلة!
سوبارو: ”إذن ما الفرق بين رجل الثلج وامرأة الثلج؟… كرات الثلج*!”
دعابة مبتذلة أخرى -_-: “Snowballs” تعني كرات الثلج، ولكنها جناس لفظي ياباني يُشير مجازياً إلى “خصيتي رجل الثلج”
لقد وجد أخيراً دعابةً لا تعتمد على المعرفة الحديثة، غير أن رد فعل الفتاة لم يكن مشجعاً بأدنى درجة؛ إذ التفتت بعيداً ببرود قارس!
استقرت عيناها على اتجاه الزقاق، في إشارةٍ واضحة إلى أنها لن تتماشى مع مزاحه بعد الآن… وبذلك ارتدت رغبته اللحظية في رؤية ابتسامتها عليه بالكامل، وأتت بنتيجة عكسية مأساوية!
الجميلة: ”―هل أنتَ مرتاحٌ الآن، سوبارو؟”
نادت الفتاة سوبارو —الذي بلغت كراهيته لذاته حدها الأقصى حالياً بسبب محاولته المروعة ونتيجتها الأشد روعة—!
وحقيقة أنها نطقت بإسمه للمرة الأولى —فضلاً عن فكرة استخدام فتاة لاسمه بهذه التلقائية وبلا كلفة— جعلته يتوتر وينقبض قليلاً:
سوبارو: ”نـ، نعم! هـ، هادئٌ تماماً! في غاية الثبات! أشعر بشعور رائع… يمكنني الفوز!”
الجميلة: ”لماذا ترتجف هكذا؟… أنا أفهم أنك خائف، لكننا لم ندخل بعد! سيكون من الأفضل لك حقاً الانتظار هنا إن كنت مرعوباً إلى هذا الحد.”
ومع هذا القلق الموجه في غير محله، أطلقت تنهيدة خافتة وحولت انتباهها بعيداً بحق.
وبينما كان يراقبها وهي تسير نحو الزقاق، أدرك سوبارو فجأة أنها لم تكن تنوي تركه حتى لو نجحت في مهمتها؛ فمن خلال طلبها منه الانتظار هنا، كانت تعطيه إشارة ضامنة إلى أنها ستعود لأجله بمجرد العثور على ممتلكاتها! وفي أقل من الساعة التي عرفا فيها بعضهما، أضحى عجزها الغريب عن الخداع أو المناورة لتحقيق مكاسب شخصية جلياً كالشمس!
سوبارو: ”هذا مريع… أنا لستُ رائعاً بالمرة!”
ورغم أنه تطوع للمساعدة، إلا أنه كان عالة بلا أي فائدة لها على الإطلاق، وفوق ذلك جعلها تقلق عليه! لقد تجاوز بمراحل مجرد كونه شخصاً اتكالياً.
صفع خديه بقوة، واستخدم ألم الصفعة لإجبار نفسه على الاستفاقة والتقدم للأمام. كان لا يزال يملك جبلاً من الشكاوى؛ فأي شخص سيكون عاجزاً إن أُلقي فجأة في مثل هذا العالم القاسي، ولم يكن يجلد نفسه بقسوة لأجل ذلك… ومع ذلك:
سوبارو: ”الاعتماد عليها في كل شيء سيكون أمراً مثيراً للشفقة! يجب عليّ على الأقل أن أحمي ظهرها!”
ورغم اتكاله عليها، سيتوجب عليه الوقوف على قدميه سديداً. غير أنه —ورغم استجماع تركيزه— انتهى به المطاف بالتركيز على تفصيلة صغيرة أخرى!
سوبارو: ”بالتفكير في الأمر… هناك شيءٌ آخر.”
عندما ناداها من الخلف، رآها تطرف بنظرها إليه من بين خصلات شعرها الفضي؛ وحتى هذه النظرة الجانبية كانت جذابة بشكل أسر، لكن سوبارو استجمع شتاته وأخرج سؤاله:
سوبارو: ” لقد سمعتُ اسم قطكِ، لكنني لم أسمع اسمكِ قط!”
هذا السؤال اللعوب جعلها تنظر نحو الأمام وتلوذ بالصمت لبرهة… وتسبب صمتها في ذعر سوبارو، متسائلاً عما إذا كان قد أفسد الأمر؛ فربما كان صمتها السابق إشارة إلى أنها لا تريد الإفصاح عن اسمك لها! هل يعقل أن اضطرابه الاجتماعي —الذي يجعله عاجزاً عن قراءة قلوب الآخرين، ناهيك عن قلب امرأة— لا يزال يلاحقه―؟
الجميلة: ”―ساتيلا.”
سوبارو: ”أوه؟”
وبينما كان يتعذب بالتفكير في ذلك، فاجأته همستها المفاجئة؛ إذ لم تلتفت حتى لتنظر إليه، بل أعادت نطق الاسم ببرودٍ خالٍ من أي عاطفة:
ساتيلا: ”يمكنك مناداتي بِـ ساتيلا.”
وبينما كانت تُفصح عن اسمها، كانت نبرتها وجفاء موقفها يُوحيان بوضوح بأنه لا ينبغي له مناداتها بذلك الاسم مطلقاً! كان سوبارو يود معرفة اسم عائلتها إن أمكن؛ إذ لم يستطع تجرؤ نطق اسمها الأول هكذا ببساطة، فانتهى به المطاف إلى اللجوء للصمت. وفي الوقت الحالي، سيكتفي بمخاطبتها بضمير الكاف (أنتِ)، كـ “حل وسط” وتنازلٍ مثير للشفقة نوعاً ما!
وخلف كواليس هذا التبادل، تمتم باك مخبأً بين خصلات شعرها:
باك: ”―هذا اختيارٌ في غاية السوء والتطرف…”
غير أن كلماته تلك لم تصل إلى مسامع أي منهما.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※