الفصل 3 - أول مواجهة مع السحر
الفصل الثالث: أول مواجهة مع السحر
”الزمن نفسه قد توقف”؛ عبارةٌ حُرِيٌّ بها أن تُقال للحظات كهذه… فعند مدخل الزقاق، كانت تقف فتاةٌ واحدة.
لقد كانت فتاةً آيةً في الجمال؛
ربطت شعرها الفضي الطويل الذي يلامس خصرها، ونظرتها الثاقبة تفيض بالذكاء والحصافة، وملامحها الناعمة تجتمع فيها الجاذبية الفاتنة مع غضارة الشباب، وكانت تنضح بهالة نبل تتضوع بسحرٍ آسر.
بلغ طولها نحو 160 سنتيمتراً، ولم تكن ثيابها ذات الطابع الأزرق الملكي مبهرجة، بل إن بساطتها كشفت عن حضورها الباهي وزادت من ألقه. وكان الرمز الوحيد اللافت هو الشعار المنقوش على معطفها ـ طائرٌ يشبه الصقر ـ وحتى عظمته ورونقه لم يكونا سوى مكملٍ لجمالها السامي.
الجميلة: ”لن أدعكم تعيثون فساداً هكذا… كفوا فوراً.”
تحدثت مرة أخرى، فسرى صوتها ليحدث قشعريرةً اهتزت لها الأبدان.
كان صوتها كأنه رنين جرسٍ فضي؛ عذباً على الأذنين، وكانت لكلماتها مهابةٌ تزلزل القلوب.
انتاب سوبارو الذهول لدرجة أنه نسي مأزقه تماماً ولم يعد يرى في الوجود سواها.
ولم يكن قطاع الطرق بأحسن حال؛ ففي مواجهة هيبتها تلاشت سطوتهم السابقة، حتى أن وجه الرجل الحامل للسكين شحب واصفرّ وهو يتراجع إلى أقصى الزقاق.
أحد الرجال: ”انتظري، انتظري، انتظري! أرجوكِ انتظري! نحن لا نفهم ما يجري، لكننا سنطلقه فوراً! لذا أرجوكِ سامحينا…”
الجميلة: ”يسرني أن أراكم كُرماء هكذا. لم يفت الأوان بعد، لذا أعيدوا ما سرقتموه.”
أحد الرجال: ”كان ذلك خطأنا… إيه؟ ما سرقناه؟”
الجميلة: ”أرجوكم، إنه أمرٌ بالغ الأهمية. كنتُ لأتغاضى عن أي شيء آخر، إلا هذا الشيء بالذات. ― إن أعدتموه الآن، فسأبقي على أرواحكم.”
ورغم أن كلماتها بدت ورائها نبرة رجاء، إلا أن العبارات الأخيرة كانت مشحونة بصرامةٍ وغضبٍ جليّين.
نظرتها كانت حادة، ويدها الممدودة نحوه كانت فارغة، ومع ذلك كان ثمة شيءٌ يستعصي على الوصف يتركز في كفها… شيءٌ استشعر خطره كل من كان في الزقاق.
أحد الرجال: ”انـ-انتظري! … أمم، ربما ثمة خلطٌ أو خطأ ما؟”
الجميلة: ”… ماذا؟”
أشاروا إلى سوبارو الذي كان لا يزال منبطحاً تحت أقدامهم.
أحد الرجال: ”أوه، أنتِ لستِ هنا لإنقاذ هذا الصعلوك، أليس كذلك؟”
الجميلة: ”… ما أغرب الثياب التي يرتديها! أكان بينكم نزاعٌ داخلي إذن؟ لا يمكنني القول إنني أقر تجمهركم عليه هكذا، لكن إن سألتموني إن كانت تربطني به أي صلة، فالجواب قطعاً لا.”
وظناً منها أنهم يحاولون تشتيتها، ظهر الانزعاج في نبرتها. فارتبك الرجال وأخذوا يتحدثون بعجلة وهلع:
أحد الرجال: ”و-انتظري! إن كنتِ لا تريدين هذا الفتى، فلا شأن بيننا إذن! أما عن الشيء المسروق منكِ، فربما كانت تلك الفتاة التي مرت قبل قليل!”
الجميلة: ”آ-آه، صحيح! الفتاة التي كانت هنا قبل قليل ركضت على الجدار نحو السطح!”
أحد الرجال: ”أجل، هناك! إنها تبعد نحو ثلاثة شوارع من هنا الآن!”
وبينما كانت إجاباتهم تنهال متتالية، التقت عينها بعيني سوبارو.
كانت نظرتها تسأل عما إذا كانوا يصدقونها، فأومأ سوبارو برأسه غريزياً دون أن يقدر على الكذب.
وعندئذ أومأت الفتاة برأسها على كره مُستوعبةً الموقف.
الجميلة: “يبدو أنكم لم تكونوا تكذبون… إذن مضت من ذلك الاتجاه؟ يجب عليّ الإسراع إذن.”
أدارت ظهرها لهم ومضت مستعدةً للرحيل.
تنفس الرجال الصعداء بوضوح، ولعن سوبارو حماقته لأنه انساق مع الجو وهدر الفرصة الوحيدة لنجاته. غير أن—
الجميلة: “ورغم ذلك كله، لا يمكنني التغاضي عما يجري أمام عيني.”
التفتت وهي تصوب كفها نحوهم ― وأطلقت ‘مقذوفاً كالصخر’ تشكل في يدها نحو الرجال المذهولين.
انطلقت القذيفة بسرعة تضاهي رميات محترفي رياضة البيسبول وبمسار مباشر موجه نحو أجسادهم.
تردد صوت اصطدام أجرام صلبة باللحم ثلاث مرات متتالية، فطار الرجال في الهواء وهم يصرخون من شدة الألم.
وبعد أن أصابت القذائف أهدافها، ارتطم بالحيطان ضجيجٌ حاد وتساقطت كتلٌ ثلجية بجانب سوبارو… كتل ثلج بحجم قبضة اليد؛ وجودها كان يتحدى منطق الفصول بل وقوانين الفيزياء ذاتها، وما إن أدت غرضها حتى تشتتت وتلاشت وكأن الهواء قد ابتلعها.
سوبارو: ”―سحر!”
الكلمة الأنسب لشرح هذه الظاهرة انطلقت من فمه على الفور. لم يسمعها ترنم بتعويذة أو تتلو شيئاً، لكن ذلك الثلج قبل قليل قد تشكل وسقط حتماً من كف يدها.
وبعد رؤية ذلك يحدث فعلياً أمامه، أدرك شيئاً ما:
”هذا ليس خيالياً كما ظننت… إنه يشعر بالواقعية على نحو مخيب للآمال.”
لقد تخيل تناثر الضوء أو تدفق الطاقة بجموح، لكن الواقع لم يكن سوى بعض كتل الثلج التي برزت للوجود بسرعة واختفت بالسرعة نفسها، دون أن تحمل أدنى لمحة من الهالة المرتجاة.
”لقد… فعلتها بجدية الآن.”
بعيداً عن انطباعات سوبارو، فإن الرجال الذين أُصيبوا بذلك الهجوم الواقعي قد تعرضوا لأضرار جسيمة؛ فإثنان منهم كانا يعانيان لثبات أقدامهما وهما ينهضان مجدداً، أما الثالث فربما أُصيب في موضع قاتل، إذ سقط فاقداً للوعي تماماً. ورغم نزيفهم، بدا الاثنان اللذان لا يزالان واقفين مستعدين للقتال، حتى إن الرجل المجاور لصاحب السكين كان يمسك بجسم يشبه سكين حطب صدئة وهو يستعد للمواجهة.
أحد الرجال: ”لا أبالي سواء كنتِ ساحرة أو أي شيء آخر! نحن الاثنان معاً سنقتلكِ… أتحسبين أنكِ تستطيعين الفوز ضدنا كلينا؟”
رفع الرجل صاحب السكين صوته بغضب وهو يضغط على أنفه المكسور بيده الأخرى، لكن الفتاة لم تبدُ عليها أي علامة من علامات التراجع.
الجميلة: ”أفترض أن اثنين ضد واحد قد يكون أمراً غير عادل.”
؟؟؟: ”إذن، اثنان ضد اثنين ينبغي أن يكون أمراً متكافئاً، أليس كذلك؟”
ترنم صوتٌ آخر ملأ الزقاق؛ صوتٌ حادٌّ ومحايد الجنس، وكأنه يتحدث نيابة عن الفتاة.
أخذ سوبارو يقلب نظرته حوله بدهشة وشاركه الرجال رد الفعل نفسه؛ فلم يستطيعوا العثور على أي شخص قد ينطق بتلك الكلمات، لا عند المدخل وبالتأكيد ولا داخل الزقاق.
وبينما كان الثلاثة في حالة من الذهول والارتباك، مدّت الفتاة يدها وكأنها تستعرض وجوده:
كان كفها متجهاً للأعلى، و’ذاك الكائن’ يطفو فوق أطراف أصابعها البيضاء.
؟؟؟: ”من المحرج نوعاً ما أن يُنظر إليّ هكذا.”
قال ذلك وهو يمسح وجهه بخجل… ‘ذاك الكائن’ كان قطاً صغيراً يتسع لكف اليد ويقف منتصباً.
كان فروه رمادياً وأذناه متدليتين، وبالنسبة لسوبارو كان يشبه إلى حد كبير قط الشورت هير الأمريكي؛ هذا إن استثنينا أنفه الوردي وطول ذيله. رؤية هذا الكائن العجيب الشبيه بالقط جعلت الرجل صاحب السكين يرتعد وهو يصرخ:
أحد الرجال: ”―مستخدمة أرواح!”
الجميلة: ”صحيح. إذا انسحبتم الآن، فلن ألاحقكم. فكروا بسرعة، فليس لدي وقت أهدره.”
نقَر الرجال بألسنتهم عند كلماتها وأخذوا يحملون صديقهم المغشي عليه خارج الزقاق. وبينما كانوا يمرون بجانب سوبارو ويقتربون من المخرج، ألقوا نظرة إلى الخلف نحو الفتاة و―
أحد الرجال: ”انتظري فقط أيتها الشقية الملعونة! من الأفضل أن تكوني حذرة في المرة القادمة التي تقررين فيها التجول هنا!”
القط الرمادي: ”إذا وضعتَ يداً عليها، فستُعذب حتى نهاية الزمان… رغم أنك ستكون في الحياة الآخرة قبل ذلك بكثير على أي حال.”
حاولوا جاهدين توجيه التهديدات، لكن الرد كان استخفافياً بلغة صارمة للغاية.
القط الموجود في كفها تصرف بلا مبالاة، لكن وجوههم استحالت أكثر شحوباً من أي وقت مضى وهم يفرون بصمت خارج الزقاق.
والآن بعد أن غادروا، لم يتبقَّ سواها أمام سوبارو.
الجميلة: ”―لا تتحرك.”
متناسياً الألم الذي يسري في جسده، حاول سوبارو النهوض لشكرها، لكنها أوقفته في مكانه بصوت بارد كالثلج خالٍ من أي عاطفة.
كانت عيناها مليئتين بالحذر؛ وحتى بعد أن فهمت أن سوبارو لم يكن معهم، لم تفكر فيه بوضوح كشخص مأمون الجانب.
ورغم ذلك، كان مأخوذاً بجمال عينيها البنفسجيتين الكهرمانيتين. لم يكن معتاداً على التعامل مع الحسناوات، لذا تسبب ذلك وحده في احمرار وجهه وإبعاد عينيه. ورؤية ذلك جعلت الفتاة تبتسم بصرامة وهي تحافظ على نظرتها الحذرة:
الجميلة: ”ضميرك المذنب جعلك تحيد بنظرك… يبدو أن ظني بك كان في محله.”
القط الرمادي: ”أشك في ذلك، فلم أشعر بوجود أي خبث منه على الإطلاق… كان ذلك مجرد رد فعل ذكوري غريزي لا أكثر.”
الجميلة: ”أنتَ اصمت يا باك! ― وأنتَ… أتعرف من سرق شارتي، أليس كذلك؟”
أسكتت الفتاة القط بينما ألقت بسؤالها باتجاه سوبارو. بدت ممتلئة بالثقة والشموخ وهي تطرحه، غير أن—
سوبارو: ”أسفٌ لإحباطكِ، لكن ليس لدي أدنى فكرة.”
الجميلة: ”لا يعقل?!”
انهار قناع الشموخ والاعتزاز في لحظتها، ليظهر تعبيرها العفوي المعتاد لبرهة؛ واختفى موقفها المهيب تماماً وهي تلتفت نحو القط في كفها بهلع:
الجميلة: ”مـ-ماذا الآن؟ أيعقل أننا أهدرنا وقتنا بحق…؟”
باك/القط الرمادي: ”أنتِ تهدرين الوقت حتى في هذه اللحظة، وعليكِ الإسراع بحق؛ فالجاني يحظى حتماً بـ الحماية المتسامية للرياح بالنظر إلى السرعة الخارقة التي ركض بها.”
الجميلة: ”لماذا تتعامل مع الأمر وكأنه لا يعنيك؟”
باك: ”أنتِ من أخبرتني ألا أتأخر أو أتدخل على أي حال… بغض النظر عن ذلك، ماذا ستفعلين بشأن هذا الفتى؟”
ابتسم سوبارو بمرارة عندما عاد ليصبح محط الحديث مجدداً. وبدت الفتاة وكأنها أدركت للتو أنه ما زال طريحاً هناك. تصنّع سوبارو الشجاعة والتماسك لأجلها ونهض قائلاً:
سوبارو: ”لقد فعلتِ ما فيه الكفاية… أنتِ في عجلة من أمركِ، أليس كذلك؟ من الأفضل أن تنطلقي.”
―سأساعدكِ إن كنتِ ترغبين في ذلك، ما رأيكِ؟
خطط لقول هذا وهو يخلل أصابعه في شعره ويدع أسنانه تلمع بابتسامة واثقة، غير أن—
”هاه؟”
”آه، من الأفضل ألا تحاول الـ―… أوه، فات الأوان.”
شعر برأسه يثقل وجسده يترنح بلا ثبات. حاول إسناد نفسه على الجدار، لكن يده لم تقبض سوى على الفراغ، ليعود مجدداً ويتمدد على الأرض التي كان عليها قبل قليل. سقط دون أي حماية مباشرة على أنفه، فتسبب الألم الحاد في يتلاشى وعيه وينجرف.
”―حسناً، ماذا سنفعل الآن؟”
”ليس الأمر وكأننا نعرفه، ولن يموت من هذا… لذا دعنا نتركه وشأنه.”
مع خبوّ وعيه، استطاع التقاط أجزاء متقطعة من حديثهما. هذه فانتازيا العالم الموازي بلا ريب؛ قاسية حتى عندما يتعلق الأمر بالرحمة واللطف.
يجري التخلي عني في زقاقٍ مهجور… وجهة نظر سوداوية.
حسناً، كنتُ على وشك الموت، لذا فإن مجرد بقائي حياً يُعد نعمة بحد ذاته… وجهة نظر إيجابية.
طفت هذه الأفكار الفاترة والواهية عبر عقله بينما أخذ وعيه يغيب ببطء―
”حقًا؟”
”حقًا!”
وقبل أن يفقد وعيه تماماً، لمح الفتاة وهي تلتفت ونحوه وجهها يشتعل حمرةً:
الجميلة: ”―أنا حتماً، حتماً لن أبقى لمساعدته!”
―لطيفة للغاية حتى وهي غاضبة… فانتازيا عالم موازي حقيقية.
كانت تلك أفكاره الأخيرة قبل أن يغرق في ظلام غيبوبته.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※