الفصل 12 - لمّ الشمل مع الساحرة
الفصل الثاني عشر: لمّ الشمل مع الساحرة
“―كفاك سرحاناً يا فتى، أتريد شراء الآبا أم لا؟”
حين عاد الوعي إلى سوبارو، وجد أمامه ثمرة حمراء ناضجة.
وبينما شخص بصره نحو تلك الفاكهة الشبيهة بالتفاح، طافت بخلده خواطر تافهة كقولهم: “يسمونها فاكهة الحكمة، هاه؟”
فاكهة محرمة تقود آكلها إلى الطرد من النعيم.
لعل قضمة منها تكفيه للهرب من هذا الواقع العصي على الفهم.
“أوي، أتسمعني؟”
عقد البائع في منتصف العمر حاجبيه وصاح مجدداً في وجه سوبارو الذي لم يُبدِ أي حراك.
تناهى النداء إلى زاوية بعيدة في وعيه، فرفع رأسه مباغتاً وجال ببصره في الأرجاء.
كان واقفاً أمام دكان فاكهة في شارع يفيض بضوء ظهيرة يوم جديد.
ضم المتجر تشكيلة واسعة من الثمار والخضار؛ مشهد مألوف عاينه من قبل، لكن الفارق كان حاضراً في تفاصيل الزحام.
غصت الطريق بالمارة؛ ألوان شعر يستحيل أن تراها في عالمه القديم، وأعراق متباينة يستحيل وجودها أصلاً، يذرعون المكان بخطوات هادئة كأن الأمر طبيعي تماماً.
حك سوبارو رأسه وهو يرمق هذا الصخب العارم بحيرة.
عادت ذراعه اليسرى للحركة، وحين لمس بطنه وجد كل شيء على حاله؛ لا أثر لأحشاء مسكوبة، ولا علامة تدل على شفرة مزقت عينيه.
“لست أفهم شيئاً مما يجري هنا إطلاقاً…”
ومع خروج تلك الكلمات من فمه، دهمه غثيان مفاجئ ودوار عنيف خارت على إثره قواه لتنثني ركبتاه تحته.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
“تفضل، هذا ماء، أتقوى على الشرب؟”
أخذ سوبارو القدح بيده، وارتشف منه بحذر.
كان الماء بارداً ينساب ليبلل حلقه الجاف برفق، فخفف عنه قدراً من ذلك الكرب الجاثم على صدره.
“آه… هذا ما كان ينقصني بالضبط، شكراً لك. ―أنت رجل طيب بحق يا عم.”
“كف عن هذا الإطراء، فليس من المضحك في شيء أن تسقط مغشياً عليك أمام بابي، حتى لا يظن الناس أن علّتك من بضاعتي! الزم هذا الظل حتى تسترد عافيتك.”
رد الرجل بنبرة جافة خالية من أي تردد، ثم انصرف عائداً إلى دكانه.
بقي سوبارو جالساً على قارعة الطريق يرمق البائع وهو يبتعد، ثم أسند ظهره إلى جدار المحل وأطلق زفرة طويلة.
هذا الرجل الخشن الملامح، الذي عرف وجهه جيداً الآن، هو من بادر إلى نجدته حين دهمه الدوار وكاد يهوي أرضاً.
فرغم فظاظته الظاهرة، سارع إلى إحضار منشفة مبللة وقدح ماء فور أن خمن إصابة الفتى بضربة شمس، ثم حمله إلى الظل ليرتاح.
حقا، لا يُقاس المرء بمظهره قط؛ ففي هذا العالم عجائز صلع ومفتولو العضلات يفيضون بطيبة الأجداد، وفي مقابله نساء فاتنات يتلذذن بسفك الدماء والقتل.
“حسبتُ بطني وعينيّ قد هُلكا…”
همس بالعبارة وهو يمسح جفنيه بأطراف أصابعه، ليتأكد ثانية من سلامة بصره.
بطبيعة الحال، لم يكن لبطنه أي جرح، وكتفه الأيسر سليم معافى؛ لقد تلاشت جراحه للمرة الثانية دون أثر، ولأمر مجهول وجد نفسه مقذوفاً أمام دكان هذا الرجل من جديد.
“ولكن… كان ذلك مروعاً… بحق.”
أنزل يديه عن عينيه وأخذ يتأملهما.
ورغم أنه لم يكن يلمس شيئاً، أخذت أصابعه ترتجف بخفة، قبل أن يصعد الارتجاف عبر ذراعيه ليتحول إلى قشعريرة باردة هزت أركان بدنه.
مجرد استدعاء تلك اللحظات في ذاكرته جعل أسنانه تصطك ذعراً؛ فانكمش على نفسه دافناً رأسه بين ركبتيه، وغمره هول المشهد لدرجة خنقت صخب الشارع من حوله بينما كان جسده يرتعد دون توقف.
كان ذلك الرعب مقززاً، غريباً، ساحقاً، ومجرداً من كل منطق؛ كأنه التجسيد الحي لليأس المطلق.
لم يسبق له أن واجه شراً بهذا الحقد، ولا ذاق ألماً أو وحشية بتلك القسوة، ولا تمزق جسده إلى ذلك الحد البشع.
لقد هلك هو ومن عرفهم في ثوانٍ معدودة؛ وكان الرعب مفجعاً إلى حد لم يدع له خياراً سوى الانزواء والانكماش على نفسه.
ورفض عقله مجرد التفكير في مواجهة ذلك الكيان الشاذ مرة أخرى.
“كفّ عن التفكير في الأمر، كفّ عن ذلك!، هذا جنون مطبق! لا فائدة ترجى، ولا حيلة بيدي… كان ذلك موتاً محققاً، ولا يمكن أن يكون أي شيء آخر سواه. ومجرد بقائي حياً بعد كل ذلك حظ يفوق الخيال، أليس كذلك؟”
طالباً التأييد من العدم، أخذ سوبارو يلتمس الأعذار لنفسه في يأس مرير.
توالت في مخيلته مشاهد المذبحة الفظيعة التي حلت بروم، ولحظات فيلت الأخيرة وهي تسقط صريعة بعد تلك الضربة القاتلة.
ثم داهمته الذكرى المرعبة لتمزيق جسده، وتهشيم عظامه، وشق بطنه، وسلب بصره في الظلام.
أحس بغثيان يعتصر جوفه ومشاعـر مظلمة تفيض في صدره، فسارع إلى سكب ما تبقى من الماء في الكوب فوق رأسه.
لم تكن كمية كبيرة، لكنها كفت لتغمر فروة رأسه ببرودة منعشة.
مسح قطرات الماء المتساقطة من غرة شعره، ثم صفع وجنتيه مراراً وتكراراً ليستعيد تماسكه وهدوءه.
“حسناً، فلنستجمع شجاعتنا ولنطرد هذا الكرب. الأمر في غاية البساطة: سأنسى كل ما يمت لذلك الوكر بصلة! هناك جبل من الأمور التي يجب أن أفكر فيها وأرتبها؛ كالبحث عن طريقة للعيش في هذا العالم مثلاً. كل ما في الأمر أنني تورطتُ في ورطة أثناء حيرتي، وثم…”
―أُنقذت حياتي، وأردتُ رد ذلك الجميل، ثم رأيتُ الموت بعيني.
“تباً، ألم أقل لنفسي أن أكف عن التفكير في ذلك؟!”
وحتى إن بذل وسعه ليتناسى، ظل طيف تلك الفتاة ذات الشعر الفضي يلمع في ذاكرته؛ فجلّ ما مر به في هذا العالم منذ وطئت قدماه أرضه كان مرتبطاً بها بطريقة أو بأخرى، واستحال عليه نسيان أمرها والالتفات لشؤونه الخاصة.
غير أن استرجاع ذكرياته معها كان يقوده في النهاية، وبلا مفر، إلى تلك النهاية المأساوية المليئة بالعذاب واليأس.
عادت أفكاره تدور في حلقة مفرغة نحو الهاوية.
لم يهدأ ارتعاش أطرافه، وتوالت عليه الخواطر السوداوية حتى غاب عنه أي بصيص أمل.
ما الذي ينبغي عليه فعله؟ وكيف يسعه النجاة والنجاح؟ أيكفيه أن يقف متفرجاً دون أن يحرك ساكناً؟ في تلك اللحظة، عجز عقله عن التقاط أدنى خيط يرشده.
“أوي، كيف حالك الآن؟ أتشعر بتحسن؟”
أطل البائع بوجهه من وراء دكانه وطرح سؤاله بنبرة يملؤها الاهتمام.
ورغم محاولات سوبارو للتظاهر بالتماسك، أظهر قلق الرجل طيبة قلبه الحقيقية؛ ولم يشأ سوبارو أن يثقل على كرمه أكثر من ذلك، فعزم على مغادرة المكان:
“آه، أظنني استعدتُ رشدي وهدأتُ قليلاً. أعتذر عن إزعاجك وإثارة المشاكل أمام دكانك.”
نهض واقفاً محاولاً إخفاء ضعفه، ثم أعاد الكوب الفارغ. بدا أن البائع يود قول شيء وهو يتناوله، لكنه آثر الصمت ولم يلح عليه.
“سأرد لك هذا الصنيع يوماً ما، أعدك بذلك.”
“لا حاجة لذلك إطلاقاً؛ لكن إن يسّر الله لك بعض المال يوماً، فعرّج عليّ واشترِ بعض الآبا.”
بدت ملامح سوبارو مستكينة هادئة إثر تربيتة البائع الخفيفة على كتفه، قبل أن يرفع الرجل يده مودعاً ويعود لعمله.
شعر سوبارو بشيء من الطمأنينة أمام عفوية الرجل وطيبته، فأخذ نفساً عميقاً وتقدم نحو قارعة الطريق. كانت أمواج المشاة تتدفق بنسقها المعتاد كما كانت حين انكمش على نفسه، وبدا الشارع الرئيس بمتاجره الممتدة ينبض بالحياة والإشراق كعادته.
“… بيت الغنائم.”
مر الخاطر بباله: لعله من الأجدر به الذهاب إلى هناك.
فكر في الأمر، غير أن قدميه أبتا التحرك قيد أنملة نحو ذلك الاتجاه؛ فالذهاب إلى هناك يعني مواجهة ذلك الكابوس من جديد.
وإن ساءت الأمور وصادف إلسا ثانية، فستهدر حياته التي كُتبت له بأعجوبة دون أي ثمن.
أن يُستدعى إلى عالم مجهول، ليهلك فيه دون أن يترك أثراً أو يحقق غاية…
“هه، ولن يختلف الأمر كثيراً إن وليتُ الأدبار هارباً.”
ابتسم ساخراً من ضعفه، ودس يديه في جيبي بنطاله وشرع في المشي.
في الاتجاه المعاكس تماماً لبيت الغنائم؛ هذا ما استقر عليه قراره.
سيتخلى عن كل شيء، ويستسلم تماماً، ويتعامى عن المعروف الذي طوق عنقه.
فهذا هو ديدنه حتى قبل أن تطأ قدماه هذا العالم؛ لم يكن يقحم نفسه في أمر لا يعنيه، حريصاً على تجنب أي عناء. أشياء كالأخذ والعطاء والروابط الإنسانية برمتها لم تكن سوى عبء يثقل كاهله، وتلك كانت فلسفته في العيش.
وفي موقف كهذا، يستحيل أن يتغير طبـ―
“إيه…؟”
حين رفع رأسه وخطا خطوته الأولى، أفلتت من بين شفتيه تنهيدة حيرة وذهول.
وفي مدى بصره المتسع، بدا أن أمواج المارة تتفادى الاصطدام به وهو مسمر في عرض الطريق.
كان هناك كائن فارع بجلد يشبه الزواحف، وشبه-بشري من سلالة الوحوش لا يبلغ طوله سوى خصر سوبارو، وراقصة يافعة بشعر وردي، وفارس يتحزم بستة سيوف،
―وفتاة برداء أبيض ناصع، يتهادى شعرها الفضي بخفة مع كل خطوة تخطوها.
رمقته الفتاة بنظرة عابرة، ثم انحرفت جانباً لتتجاوزه وتمر بقربه دون أن تلامسه.
تمايلت خصلات شعرها المرفوع، فعبقت الأجواء برائحة زكية تشبه الزهور دغدغت أنفاسه. أما عيناها البنفسجيتان المتقدتان بالعزيمة، فقد تجاهلتا وجوده تماماً، ترنوان بحدة وثبات نحو الأمام فقط، نحو الدرب الذي عكفت على المضي فيه.
وقارها وهيبتها كما عهدهما، وجمالها المتلألئ لا تشوبه شائبة؛ كانت الفتاة التي أضناه البحث عنها تخطو أمامه رأي العين.
”انتـ―”
عجز عن الصراخ في التو، واحتبس الصوت في حنجرته وهو يهرول في أثرها.
انسلت الفتاة بخفة وسلاسة وسط زحام المارة؛ بينما كان عقله مشتتاً، حائراً ومضطرباً وهو يلاحق ذلك البريق الفضي، ليناديها بصوت كاد يخنقه البكاء:
”مهلاً، انتظري… تمهلي قليلاً… أرجوكِ انتظري!”
التفتت نحوه للحظة خاطفة، بعينين باردتين كأنها ترمق شخصاً غريباً لا تعرفه البتة.
لم تمضِ سوى ساعات قليلة على لقائهما، فما كان في نظرها سوى عابر سبيل لا أكثر؛ وربما كانت تمقته الآن، بعدما ضرب بأبسط تحذيراتها عرض الحائط وجرّ عليها الويلات.
وحتى لو كانت تنظر إليه بهذا الازدراء، لم يتوقف سوبارو عن مطاردتها.
كان يجهل حقيقة ما تكنّه له، وأراد على الأقل أن يسمع ذلك منها مباشرة.
فإن كان مقدراً له أن يتألم، فليكن بأثر كلماتها الصريحة لا بسياط أوهامه وظنونه.
”أرجوكِ انتظري… ―ساتيلا!”
وحين يدركها، ماذا يريد أن يقول لها تحديداً؟
في اللحظة التي لمع فيها الجواب في صدره، صرخ باسمها كأنه تذكره لتوه.
شقت صيحته جلبة الشارع الصاخب، وبلغت مسامع الفتاة التي كانت تبتعد عنه رويداً رويداً.
تسمرت الفتاة ذات الشعر الفضي في مكانها على الفور.
شق طريقه وسط الزحام حتى بلغها، ووضع كفه على كتفها النحيل:
”أرجوكِ لا تتجاهليني! كان ذنبي حين اختفيتُ فجأة، أعلم ذلك حقاً… لكني لا أفهم كنه ما يجري حولي أيضاً! حتى أنني قصدتُ بيت الغنائم للبحث عنكِ، لكني لم أعثر لكِ على أثر…”
بدت ملامح ساتيلا مشدوهة ويده مستقرة على كتفها.
وحين استدارت نحوه، لم يخرج من فمه سوى سيل متلاحق من الأعذار؛ كان يتكلم بسرعة لاهثة، متذرعاً بكل مبرر كأنه يخشى أن يناله منها لوم أو صدود.
ولعل نظراتها الثاقبة التي بدت كأنها تسبر غوره هي ما دفعه لذلك.
ومع ذلك، ورغم وطأة تلك النظرات، شعر سوبارو بوميض من الراحة يبدد وحشة قلقه.
للوهلة الأولى، لم يكن يظهر عليها أي أثر لجرح بليغ؛ ربما تداركها أحد بالعلاج بعد مأساة بيت الغنائم، أو لعلها داوت جراحها بنفسها، لكن المهم في نهاية المطاف:
”معذرة، أخذتني الحماسة فرحتُ أثرثر عن نفسي فقط… لكن المهم حقاً أنكِ بخير ولم يمسسكِ سوء.”
كان لقاؤهما مجدداً كفيلاً بأن يغمره بسعادة لا تدانيها سعادة.
وعلى ذكر ذلك، تحول قلقه التالي نحو رفيقها الصغير― بوك، وعما إذا كان سالماً؛ فقد كان في جعبة سوبارو اعتذارات لا تنتهي يتعين عليه تقديمها إليه.
فقد أخل بوعد قُطع بين رجلين، وتلك نقيصة لا تغتفر.
”أنت…”
ما إن كف سوبارو عن الثرثرة، حتى انطلقت ساتيلا بالكلام لتكسر حاجز الصمت.
لم تمضِ سوى سويعات معدودة، ومع ذلك خُيل إليه أنه لم يستمع إلى رنين ذلك الصوت الفضي الشجي منذ أمد بعيد.
ها هي ذي ماثلة أمامه، وبمقدوره أن يمد يده ليمسها؛ لقد بلغها أخيراً… مشاعر فياضة غمرت وجدانه في لحظة شاذة. غير أن―
”فيمَ تفكر بحق―؟”
وبينما استسلم سوبارو لمشاعر الارتياح، رمقته بنظرة غاضبة مشتعلة.
توردت وجنتاها البيضاوان بحمرة غيظ، ونفضت جسدها بحركة حاسمة لتزيح يده عنها؛ ثم تراجعت خطوة إلى الوراء لتباعد بينهما، وعيناها تفيضان بعداء صريح وهي تحدق فيه.
جعل رد فعلها القاسي وغير المتوقع سوبارو يبتلع ريقه ويلتزم الصمت.
لكن حين فكر في الأمر، بدا ما حدث طبيعياً؛ فبالنسبة لها، كان مجرد تجرئه على الوقوف أمامها بعد ما جرى مدعاة للعجب.
وطّن نفسه على تقبل أي لوم أو توبيخ تصبه على رأسه، غير أن عزيمته هذه―
“لا أعلم من تكون أصلاً، لكن أن تنادي فتاة باسم ساحرة الحسد… فيمَ تفكر بربك؟!”
تحطمت تماماً أمام هذا الرد المباغت الذي لم يخطر له على بال.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
أمام تلك الكلمات الصادمة، أحس سوبارو كأن عقارب الزمن قد توقفت فجأة.
تلاشت جلبة المارة من حوله، ولم يعد يطرق مسمعه سوى خفقات قلبه المتسارعة ونبرة الفتاة ذات الشعر الفضي الغاضبة.
خُيل إليه أن سائر الأصوات سكنت― كلا، بل انقطعت بالفعل.
“ماذا…؟”
تمتم بالكلمة وهو يدير رأسه بارتباك ليتفقد المكان، فاستوعب ما حدث:
كان كل من في ذلك الشارع المزدحم بالأكشاك والسابلة شاخصين بأبصارهم نحوهما.
تجمد الجميع وسادهم صمت مطبق، وكأن أدنى حركة باتت جرماً لا يُغتفر.
بدا الأمر وكأن الحوار المقتضب بينهما قد فرض سطوته التامة على حركة الشارع بأسره.
“أسألك: فيمَ تفكر؟ انطق!”
غير أن الفتاة لم تمهله فرصة للحيرة رغم ذهوله البادي.
كانت نبرتها حازمة وقاسية، لكن سوبارو لم يحر جواباً؛ فهو يجهل أصلاً علّة غضبها.
بدا وكأن كلاً منهما يغرد في سرب بعيد تماماً عن الآخر في فهم أصل المشكلة.
“سأكرر سؤالي مرة أخرى: ―لمَ ناديتني باسم ساحرة الحسد؟”
“لا، في الحقيقة… قيل لي…”
“لستُ أدري من ألقى بهذه الترهات في أذنك، لكنها مزحة سمجة وعديمة الذوق إلى أبعد حد، وأنت مليم أيضاً لأنك جاريته في ذلك. ―ساحرة الحسد، منبع كل المحرمات، مجرد النطق باسمها أمر مستهجن تأنفه النفوس، فكيف بك تجرؤ على مناداة شخص به؟!”
وبغضبها الصريح ذاك، ألقت به الفتاة ذات الشعر الفضي في بحر لجيّ من الحيرة والتشتت.
أومأ جمع الحاضرين برؤوسهم موافقين على كلامها؛ وكان ذلك دليلاً قاطعاً على صواب ما قالته، مما زاد من تخبطه وعجزه عن الاستيعاب.
لم يفهم ما ترمي إليه؛
فهو لم يزد على أن نطق باسمها الذي عرفها به.
ومع ذلك، عدّت ذلك إساءة كبرى، وأيدها الحشد في غضبها بلا تردد.
وجد نفسه يعاقب على خطأ يجهل كنهه، ودون أن يملك أدنى فكرة عما اقترفت يداه ليراجع موقفه أو يصلحه.
“―إن كان هذا كل ما لديك، فسأمضي لشأني؛ فلا وقت لديّ لأضيعه في هذا العبث.”
قالت كلماتها بينما أطرق سوبارو برأسه خجلاً، ثم انصرفت بخطوات واثقة، وشعرها الفضي يتهادى خلفها. همّ سوبارو بالنداء عليها، لكن الحروف تحجرت في حلقه.
إن ناداها بالاسم ذاته، فسيقع في المحظور مرتين؛ لكن… بأي اسم يناديها إذن؟
شل هذا التردد بصيرته وقدرته على التصرف،
فلم يجد بداً من الوقوف مكتوف اليدين يراقب ما يدور أمامه بجمود.
“―!”
انطلقت شهقة خافتة من أعلى مظلة دكان مجاور يعلو رأس سوبارو بقليل.
قفز ذلك الخيال الصغير، لتهبط به الجاذبية بخفة نحو الأرض، وفي اللحظة التي لامست فيها قدماه الثرى، انطلق يمتطي صهوة الرياح بسرعة جنونية.
كانت تلك الرياح العاصفة ترتدي أسمالاً بالية، تتمايل خلفها خصلات شعر ذهبية؛ انسلّت برشاقة خارقة بين جموع المشاة كأن قوى سامية تسدد خطاها، وامتدت كفها الخاطفة لتخترق رداءً أبيض نُقش عليه رسم صقر.
لم تكن سوى ملامسة خاطفة في جزء من الثانية، لكنها كفت الرياح لتبلغ مأربها.
تطايرت أطراف الرداء الأبيض مع هبة الريح، ثم انطلقت الفتاة مبتعدة فور أن التفتت صاحبة الرداء:
“لا تقل لي إنها―!”
ارتفعت صيحة الفتاة ذات الشعر الفضي فزعاً، ودست يدها سريعاً في ثنيات ردائها.
لم تظفر بما كانت ترجوه، فجحظت عيناها وهي ترقب ذلك الظل العاصف يبتعد في المدى.
كانت تلك الرياح تقبض بكفها على شارة نُحت عليها رسم تنين، وحين عاين سوبارو المشهد من الخلف، أفلتت الصرخة من حنجرته بغريزة لا إرادية:
“فيلت؟!”
تسبب النداء في اهتزاز مسار الرياح للحظة كأن الحيرة باغتتها، غير أن سرعتها لم تفتر؛ فغابت عن صخب الشارع لتبتلعها عتمة زقاق مجاور في طرفة عين.
كان صنيعاً مباغتاً فائق السرعة، ومصادفة خاطفة في رمشة عين؛ لم يلمح المشهد إلا لهنيهة، لكن المؤكد أن ذلك كان على الأرجح―
“لقد سُرقت! ألهذا السبب عطلتني إذن…؟ هل أنت شريكها في هذه الحيلة؟!”
صاحت الفتاة غاضبة في وجه سوبارو، الذي ظل متسمراً في مكانه كالصنم عاجزاً عن مجاراة تسارع الأحداث.
رفعت كفها نحوه على الفور متأهبة، لكنها بدت وكأنها عدلت عن رأيها في اللحظة الأخيرة، فانطلقت تركض صوب الزقاق الذي توارت فيه تلك الرياح الخاطفة.
“مهلاً، انتظري! الأمر مجرد سوء تفاهم! أنا لست…”
اندفع سوبارو خلفهما إلى داخل الزقاق ليلحق بهما ويوضح حقيقة الأمر.
وبينما كان يلهث في ركضه، كانت الشكوك والتساؤلات تنهش عقله بلا هوادة.
تدفقت عليه كميات هائلة من المعلومات دفعة واحدة، وعجز ذهنه المشوش عن معالجة هذا السيل؛ وفوق كل هذا، كان إحساسه بأنه ذاق طعم الموت مرتين هذا اليوم كافياً ليزلزل ثباته تماماً.
“ألا يملك أحدكم ذرة من الرحمة تجاهي؟! لماذا استُدعيتُ إلى هذا المكان اللعين أصلاً؟!”
صرخ بتلك الكلمات من فرط سخطه وعبثية ما يمر به، وهو يتعثر في خطواته داخل عتمة الزقاق.
لم يكن واثقاً من قدرة لياقته على الصمود طويلاً، لكنه لم يتوقع أن يخسر أمامهما في سباق قصير؛ كان يمني النفس باللحاق بهما وتبديد كل هذا اللبس والشك.
هذا ما كان يرجوه أثناء ركضه، لكنه صُدم فجأة:
“تباً… طريق مسدود؟!”
بصق كلماته بغيظ حين ارتطم بحائط صلب يعترض سبيله.
لم يكن للاثنتين أي أثر هناك. وتذكر أن فيلت كانت تملك رشاقة مذهلة تمكنها من تسلق الجدران بسهولة، في حين أن ساتيلا قادرة على تجاوز أي عقبة دون عناء بفضل سحرها.
“لا أمانع التسلق، لكن… أشك في قدرتي على اللحاق بهما بهذه الطريقة.”
وفوق ذلك، إن اتسعت المسافة بينهما، فلن تسعفه طاقته على مواصلة الركض.
ورغم أنه واظب على تدريبات القوة البدنية داخل غرفته، إلا أنه عجز عن ممارسة تمارين التحمل والتنفس بالقدر ذاته؛ لذا كان ضعف لياقته وقصر نفسه نقطة ضعفه القاتلة، وها هو يضطره للتخلي عن المطاردة هنا أيضاً.
“إن تعذر اللحاق بهما الآن، فماذا عن بيت الغنائم؟ طالما أن ساتيلا وفيلت حيتان ترزقان… فلا بد أن روم حي يرزق أيضاً.”
رأى أن الخيار الأسلم هو أن يسبقهما إلى هناك وينضم إلى روم بأسرع ما يمكن.
وعليه الآن الخروج من هذا المأزق والتوجه مباشرة نحو الأحياء الفقيرة. وهكذا، استدار ليعود أدراجه:
“… لا بد أنكم تمزحون معي.”
كانت هناك ظلال تسد مخرج الزقاق بالكامل في وجهه.
ثلاثة رجال بثياب رثة ومظهر بائس، تنبعث منهم خشونة فجة تكشف عن طباعهم العنيفة المرتسمة على وجوههم.
وفي هذه اللحظة، بات مجرد تكلف عناء وصف أولئك الواقفين في طريقه أمراً يبعث على الضجر والسأم؛
فهؤلاء الأوباش الذين يتخذون من الأزقة المظلمة مسرحاً لجرائمهم، يعترضون طريقه للمرة الثالثة في اليوم نفسه.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※