الفصل 712 - قانون التحكيم
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
ترجمة: MuhamedR
الفصل 712: قانون التحكيم
ما إن صُدر أمر اعتقال من الأمير الثاني حتى شهق الحشد المحيط ذهولًا. بل إن حتى الأتباع والنبلاء ذوي الخبرة الحاضرين، والمبعوثين الأجانب الذين جابوا البلدان، والحرس الشجعان، تبدلت ألوان وجوههم عند سماع ذلك.
لم يستطع الكونت نوح جافيا، من ميناء الجرف الملحي، إخفاء صدمته، لكنه بذل قصارى جهده للحفاظ على رباطة جأشه، صونًا لسمعة عائلته المعروفة بلقب “قوس صائد الشمس”. غير أن ابنته الكبرى، ذات الأعوام الستة عشر، وقفت إلى جواره تحدق في زاين، وقد وضعت يدها على فمها من شدة الذهول.
أما الكونت بروس سيوكادر، من عائلة “زهرة دوار الشمس” من جزيرة الخضرة الدائمة، فقد راح يتأمل الدوق والأمير بنظرات معقدة، وفي الوقت نفسه أشار إلى خدمه وسألهم عن أمر ما.
(م.م: اخترت دوار الشمس بدلًا من عباد الشمس)
وكان وجه الكونت أتشيسون لاسيا، من أرض المستنقعات، محتقنًا بالغضب، وجسده كله يرتجف، فيما ظل يتمتم بكلمات متواصلة. ولولا أن ابنه الأكبر أوقفه، لربما تفوه بما لا يليق بنبيل.
أغلقت التوأمتان كارابيان مروحتيهما في اللحظة نفسها، ثم تقاربتا وهمستا لبعضهما بقلق. لكن كلما قالت كاشا شيئًا، هزت كينا رأسها بجدية نافية.
أما قائد أسطول ذئاب البحر، فقد ارتسمت على وجهه ملامح شرسة. دفع عشيقته عنه بعنف، وأمسك بمساعده الأول، ثم شرع يتباحث معه في حالة من الهياج، ولم تفارق لسانه كلمات من قبيل “المخرج” و”مغادرة الميناء” و”الإبحار”.
وحوّل هارشا، مبعوث إمارة تيلينور التجارية، نظره إلى مكان آخر. ثم حكّ موضع حاجبيه، حيث لم يكن له حاجبان أصلًا، وأخذ يتأمل تاليس الذي بدا مصممًا على موقفه، وقد ازدادت ابتسامته إثارة للاهتمام شيئًا فشيئًا.
أما ضيف سلالة عشيرة الدم القادم من تل المأدبة الكبرى، المستشار يانيك هوليير، فأشار إلى خادمه القلق كي يتراجع. ثم رفع رأسه متأملًا، ووجّه نظره الثاقب إلى الطرف الآخر من الحشد؛ حيث وقف لي كورليوني، القادم من مملكة الليل، صامتًا لا ينبس ببنت شفة، مكتفيًا بالتحديق في القمر الساطع البارد في السماء.
وسط الأضواء المتمايلة والفوضى العارمة، ظل كبير الخدم العجوز المخضرم آشفورد وحده محتفظًا بهدوئه. قبض بقوة على ذراع هيلي وجذبها إلى الخلف، ثم همس لها بشيء محاولًا منع الشابة المنفعلة من الإقدام على فعل قد تندم عليه. أما الفارس كاسيان، بردائه الرث، فقد وقف أمامهما حاجزًا الطريق، مساعدًا كبير الخدم العجوز على حماية سيدته.
تناقل الناس في المدرجات وخارجها الخبر من شخص إلى آخر، وسرعان ما غرقت الساحة بأكملها في الفوضى، ولم يكن فيلق اليشم استثناءً من ذلك.
“اهدؤوا! اهدؤوا! أعيدوا تنظيم صفوفكم!”
زأر الفارس سيشيل، موبخًا مرؤوسيه الذين دب الاضطراب في صفوفهم خلفه، حتى أخذت تشكيلاتهم تتفكك.
“لكن سيدي…” جمع أحد الضباط، الذي كان يحمل مصباحًا أبديًا، شجاعته وقال: “لقد قال إن هذا أمر الملك…”
استدار سيشيل وصاح مدويًا:
“لم تسمع شيئًا!”
أذهل زئيره الضابط، ثم أحكم تثبيت خوذته الخضراء فوق رأسه وقال: “أجل، بالطبع يا سيدي… لكن ماذا ينبغي لنا أن نفعل؟”
(م.م: في الحقيقة هم يرتدون خوذات خضراء لكن أهل مدينة اليشم اعتادوا السخرية منهم بــ”القبعات الخضراء”)
“اثبتوا في مواقعكم!” صرخ سيشيل بأعلى صوته.
“أيها القائد، هل نبادر بالهجوم؟” سأل ضابط ثانٍ، وهو يراقب حرس بحيرة النجوم الذين أحاطوا بالأمير بحذر. “حتى نمنعهم من…”
“لكنهم شخصيات نافذة من العاصمة…” قال ضابط آخر بقلق. “إذا تحركنا ضدهم…”
“وماذا لو هاجمونا هم؟ هل لن ندافع عن أنفسنا؟”
“لا يتحرك أحد من دون أمري!” حاول سيشيل جاهدًا كبح مرؤوسيه المتوترين والمندفعين، ثم ألقى نظرة استغاثة نحو زاين. “لا تنسوا أين نحن، ومن الذي يدفع رواتبكم!”
لكن الأجواء المتوترة والفوضوية لم تؤثر في أهل مدينة اليشم وحدهم.
في خط المواجهة الأمامي، ألقت ميراندا نظرة دهشة وريبة على تاليس. أما رالف، فقد حدق في صفوف الجنود ذوي القبعات الخضراء أمامه، وملامح وجهه متجهمة، وركبتاه مثنيتان قليلًا. ولحسن الحظ، كان جلوفر قد توقع ذلك، فأمسك بكتفه وأوقف الأبكم قبل أن يقدم على أي تصرف متهور.
“غريب… انظروا إلى رد فعل هؤلاء القبعات الخضراء.” شعر دي دي، المنتمي إلى حرس بحيرة النجوم، بالأمواج المضطربة تتلاطم من كل اتجاه، فساوره القلق. “يخيّل إليّ أننا نحن من يحاصرهم، لا العكس!”
“إحساسك في محله.” أجاب بول بصوت عميق، وعيناه معلقتان بظهر الأمير الهادئ، وقد غرق في التفكير.
“سمو الأمير.” وصل وايا كاسو إلى خلف تاليس، ثم كرر أمر الأمير غير مصدق:
“أعتذر عن التأكد من الأمر مرة أخرى، لكن… أتريد منا اعتقال الدوق زاين؟ هنا؟ والآن؟”
ثم نظر أمامه.
كان يقف خلف زاين ما لا يقل عن سريتين من جنود اليشم المدججين بالسلاح. كانوا مدربين جيدًا، ورغم ما اعتراهم حتمًا من اضطراب وذعر، فقد ظلوا مصطفين بإحكام، مستعدين للاندفاع لحماية الدوق في أي لحظة.
ثم أدار وايا نظره إلى ما حوله.
من دون أن يشعر أحد، كان جنود اليشم المدرعون بالأخضر قد أحاطوا بهم، مدفوعين بأوامر ضباطهم، وعزلوهم عن بقية الحشد. اصطف الجنود في صفوف وتشكيلات قتالية، مستعدين للقتال. وبدا تاليس وحرس بحيرة النجوم خلفه كجزيرة معزولة وسط بحر هائج، تتلاطم عليها الأمواج من كل جانب.
وفي مسافة أبعد، احتشد أصحاب القبعات الخضراء في كل زاوية تقريبًا، من المدرجات إلى الممرات. انتشر الرماة بأقواسهم وسهامهم في المواقع المرتفعة، بل إن فرسانًا مهيبين أخذوا يجوبون المحيط الخارجي، يوبخون المتفرجين ويلقون نظرات غريبة متيقظة على حرس بحيرة النجوم.
في مقدمة الصفوف، لم يجب تاليس وايا، ولم يُبدِ استياءً من تأخر تابعه في تنفيذ الأمر.
كل ما فعله أنه ظل يحدق باهتمام شديد في زاين المقابل له.
وكان دوق الساحل الجنوبي يبادله النظرات الباردة.
“على الجميع أن يظلوا هادئين، ويحافظوا على رباطة جأشهم.” همس جلوفر. كان يراقب الحشد المضطرب من حوله، وقد أطبق على أسنانه وشد أعصابه. “من الآن فصاعدًا، سأتولى القيادة.”
“لكن سمو الأمير أمرنا باعتقال المشتبه به.” نظر نِيس إلى دوق الساحل الجنوبي المقابل، وقد بدا متحمسًا للمبادرة، فيما قبض على سيفه. “فلماذا لا…”
تغيرت ملامح دي دي، فأمسك بيده وقال: “لا!”
في الجهة المقابلة، لمح أحد الضباط حادّي البصر حركة نِيس، فصاح مذعورًا:
“إنهم يستعدون للتحرك!”
أثار رد فعله ذعر زملائه، وسرعان ما انتشر الهلع والعداء بينهم. وأخذت صفوف فيلق اليشم تضطرب كالأمواج:
“استعدوا للدفاع!”
“أيها الفيلق، احموا الدوق!”
“هل سنخوض قتالًا حقًا؟”
“اثبتوا في مواقعكم! حافظوا على الصفوف!”
“إنه ابن الملك…”
“الدفاع عن النفس ليس خيانة، أليس كذلك؟”
“أجبروهم على التراجع!”
وللحظة، لم تتوقف صيحات الأوامر والجدال والصراخ ونداءات القتال، حتى أصوات انتزاع الأسلحة من أغمادها. أما المتفرجون البعيدون، فقد تعالت صيحاتهم مرارًا وتكرارًا.
ارتبك أفراد حرس بحيرة النجوم جميعًا، فتخذوا تشكيلًا متلاصق الظهور، وواجهوا الجنود المضطربين المحيطين بهم من كل جانب. ثم أخذوا يقتربون ببطء من الأمير، متبعين وايا.
عقد تاليس حاجبيه.
“قلت لكم أن تظلوا هادئين!” أطبق جلوفر على أسنانه، لكنه لم يجد وقتًا لمحاسبة نِيس على تصرفه، رغم أن الأخير كان قد تجمد في مكانه بالفعل أمام الأمواج البشرية المتدفقة من كل اتجاه.
“الوضع كارثي. الجميع يقبضون على أسلحتهم، والخوف والتوتر يسيطران عليهم.” قالت ميراندا بصوت خافت. “لا توجد لحظة أنسب من هذه لاندلاع اشتباك بين المعسكرين.”
“يا سامية الغروب، ليتني أعود لاقتحام قصر النهضة مرة أخرى…” أمسك دي. دي بنِيس وأبقاه في مكانه، بينما كان يتأمل الحشود الكثيفة من جنود فيلق اليشم، وقد أصابه الصداع.
“حقًا؟”
“حسنًا، لا بأس بالتمني فقط…”
“يا سامية الغروب، لم يكن ينبغي لنا أن نوزع قواتنا.” أدرك نِيس ذلك وهو يواجه الكتلة الخضراء من الأعداء أمامه، وقد ارتجفت يده قليلًا وهي تقبض على مقبض سيفه. “كان علينا أن…”
“إنهم يزيدون عن ألف رجل، هذا من دون احتساب القوات المنتشرة في الخارج. ما الفائدة من اكتمال عددنا في مكان واحد؟” قال مورغان باستخفاف.
“الأمر لا يتعلق بالأعداد وحدها.” في وسط المجموعة، انصب نظر بول على الأمير والدوق.
“لقد قال سموه: باسم الملك…”
تصلبت أجساد الحرس جميعًا.
“إذا اشتبكنا مع فيلق اليشم في هذه اللحظة، أو حتى تسببنا في إراقة الدماء وسقوط قتلى وجرحى، فلن يعود الأمر مجرد خصومة بين سمو الأمير والدوق.” قال بول بجدية. “فالشرارة التي ستتولد حين نشهر سيوفنا قد تشعل المملكة بأسرها.”
ما إن سمعوا ذلك حتى شعر الجميع بأن خطواتهم أصبحت ثقيلة للغاية. وحدق نِيس في مقبض سيفه، وقد شحب وجهه.
“إذًا، من الذي سيشهر أول سيف، ذلك السيف الذي سيُسجل اسمه في صفحات التاريخ؟” أدار بول رأسه ونظر إلى أفراد المجموعة. “ما رأيك أن تبدأ أنت يا دي. دي؟”
ابتلع دويل ريقه، وأرخى قبضته عن مقبض سيفه، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة لطيفة ومتواضعة.
“لكن الخبر السار هو…” قالت ميراندا وهي تومئ برأسها، محدقة في الفارس سيشيل الذي كان يصرخ بالأوامر في الجهة المقابلة. “أنهم لا يجرؤون على ذلك أيضًا.”
“اصمتوا!” في تلك اللحظة، دوى صوت زاين من بين الحشد، عاليًا وحادًا.
“اثبتوا! تراجعوا!”
“أعيدوا أسلحتكم إلى أغمادها!”
“أتسارعون إلى الموت؟”
“التزموا بمواقعكم!”
وبقيادة سيشيل، سارع الضباط القريبون إلى الاستجابة واحدًا تلو الآخر. وانتقلت أوامر الدوق من رتبة إلى أخرى، وبعد بضع ثوانٍ، أخذ الحشد المضطرب يتراجع تدريجيًا تحت وطأة التوبيخ والأوامر الصارمة، حتى خفتت الضوضاء أخيرًا.
لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الأمير والدوق إلى مسافة تقل عن ثلاثة أمتار، لكن حرس بحيرة النجوم خلف تاليس وفيلق اليشم ظلوا متقابلين بطبيعة الحال، يترصد كل طرف منهم التهديدات المحتملة والخصوم المحتملين.
واجه الطرفان بعضهما من بعيد، وازدادت الحدود الفاصلة بينهما وضوحًا، فيما حبست القلوب أنفاسها.
أخذ زاين نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى تاليس.
“ألم تعد تنوي التظاهر بعد الآن؟” كان في كلمات زاين شيء من الارتياح الذي غاب عنه طويلًا.
“لقد عجزت أخيرًا عن كبح نفسك، فكشفت عن نواياك الحقيقية، وأردت التخلص مني نهائيًا؟”
“أنت مجرد مشتبه به يا زاين.” قاطعه تاليس. “لم يصدر بعد حكم نهائي بإدانتك بالتهم المذكورة.”
وألقى نظرة على فيديريكو، الذي كان رجال الشرطة يضغطون به إلى الأرض.
“أجل.” أطلق زاين ضحكة ساخرة متكررة. “حتى الآن فحسب.”
اشتدت ملامح تاليس حين رأى موقف الطرف الآخر.
“لماذا يا تاليس؟ لماذا؟” كانت هيلي، الواقفة إلى الجانب، تقاوم بكل قوتها يد كبير الخدم التي تمسك بها.
“لقد وعدتني! كان لديك حل أفضل بالتأكيد! أتذكر؟ القرار الحاسم في اللحظة المناسبة!”
حين رأى تاليس هيلي، لم يستطع منع الحزن من التسلل إلى قلبه.
“ألم تفهمي بعد يا هيلي؟” أطلق زاين شخيرًا ساخرًا.
“إنه هنا ليدمرنا، لكنه لا يجرؤ على الاعتراف بذلك، بل إنه أجبن من أن يفعلها بنفسه، لذلك يختلق الأعذار ليخدع نفسه.”
تقطع نفس تاليس للحظة.
“لا أريد تدمير أي شيء يا زاين، ما دمت أنت…”
“كفى!” قاطعه زاين بصوت مرتفع، وقد امتلأ كلامه بالسخرية. “كفاك من “لا أريد تدمير أي شيء”! لقد طال بك الغرق في وهم الرجل الطيب يا تاليس!”
ارتجف تاليس لدى سماعه ذلك.
ترددت نظرات هيلي بين أخيها وتاليس، ذهابًا وإيابًا، وقد ارتسمت الحيرة على تعبيرها.
“متى ستخلع قناعك أخيرًا وتستيقظ إلى الحقيقة؟ متى ستعترف بأنك لست قديسًا؟ بل مجرد إنسان منافق يتظاهر باشمئزاز الدماء، ويرفض تلويث يديه أو حتى مواجهة الدماء التي يراها أمامه!” سخر زاين.
وهم الرجل الطيب…
ورفض تلويث يديك…
بينما كان تاليس يصغي إلى كلماته، تسلل البرد إلى قلبه.
【أنت تسير على حافة الهاوية، لكنك تطمع بمشاهدة السماء من الأعالي.】
أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا طرد كلمات الملك من ذهنه.
يبدو أن تلك العبارة صحيحة…
لكن صوتًا في أعماق قلبه تحدث بهدوء:
عدوك هو أكثر من يعرفك حق المعرفة يا تاليس.
لكن المشكلة هي…
هل أنت هش ومنافق كما وصفك؟
أم أنك قادر على فعل المزيد؟ وهل تجرؤ على ذلك؟
قبض تاليس يديه، وضغط دون وعي على غورتاكسارا عبر جيبه.
عليك أن تفعل هذا يا تاليس.
أنت تعلم أن عليك ذلك.
“استسلم يا زاين، وتعاون معنا طواعية. أضمن لك أن تنال المعاملة التي تليق بدوق.” رفع الأمير رأسه وقال بصوت عالٍ وحاسم. “سواء فيما مضى، أو… فيما سيأتي.”
ازدادت نظرات زاين برودة.
“فيما سيأتي؟” تغير وجه هيلي. “ماذا تقصد؟”
“وما الذي يمكن أن يعنيه غير ذلك؟” سخر زاين. “بعد أن أستسلم، وبعد أن يتفضل هو برأفةٍ منه بالسماح للجلاد بأن يوجه إليّ ضربة سريعة تنهي حياتي.”
عقد تاليس حاجبيه قليلًا.
“لقد حاولت يا هيلي، حاولت حقًا.”
ثم استدار نحو زاين.
“لكن بعض الناس… بعض الناس لا يستطيعون ببساطة تعلم التراجع طواعية خطوة واحدة ويتركون مجالًا للتسوية.”
تحت ضوء المصابيح المعلقة في المدرجات المحيطة، حدق تاليس في زاين، وكأنه يحاول انتزاع شيء من أعماق عينيه.
“إلا إذا أجبرهم أحد على ذلك.” قال تاليس ببرود.
بالسيف.
“يبدو أننا توصلنا أخيرًا إلى اتفاق.” سخر زاين.
بلغ الحديث هذه النقطة، فتوقف الاثنان عن الكلام.
فهمت هيلي شيئًا ما، وأخذت تنظر إلى هذا تارة وإلى ذاك تارة أخرى، وقد غمرها خذلان عميق.
تنهد كبير الخدم آشفورد، بينما قال الفارس كاسيان، الواقف إلى جواره، كلمة اعتذار قبل أن يعترض طريق الآنسة الشابة، التي بدت وكأن روحها قد غادرت جسدها، ويعيدها إلى الخلف.
أثار الصمت المفاجئ بين الأمير والدوق اضطرابًا جديدًا في الحشد المحيط، وبدأ الناس يتناقلون الأحاديث والتكهنات.
كان وايا واقفًا بين أفراد الحرس، يحدق في ظهر تاليس، وقد اختلطت المشاعر في عينيه.
“زاين كوفيندير، الخيار لك.” قال تاليس بهدوء. “إما أن تتراجع طواعية، أو تقاوم الاعتقال…”
“وتصبح عدوًا للمملكة؟”
تحركت نظرات زاين. أدار رأسه ونظر إلى الجنود والحشد الذين غمرهم التوتر والقلق، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
“بل على العكس.” بردت نظراته قليلًا، وأومأ برأسه وهو يهمس: “أنت من يعادي المملكة.”
تجمد تاليس في مكانه.
وفي اللحظة التالية، تبدلت ملامح زاين، وراح يتحدث بصوت مرتفع:
“سمو الأمير تاليس!”
رفع صوته حتى يسمعه الجميع.
“أعلم أنك تحمل ضغينة تجاهي، والسبب الوحيد هو أنني رفضت عرض زواجك الوقح!”
ما إن سقطت كلماته حتى تغير لون وجه تاليس فجأة.
ضج الحشد، ثم تعالت همهمات النقاش، وأخذ كثيرون يوجهون أنظارهم نحو هيلي.
“زاين، أيها الوغد!” قالت هيلي، وقد شحب وجهها هي الأخرى. حدقت في أخيها بدهشة، وتمتمت بكلمات غاضبة.
“لكن هذه مدينة اليشم، جوهرة إقليم الساحل الجنوبي، وأحد أهم الأقاليم الإقطاعية في المملكة. ولطالما تمتعت بقوانينها الخاصة، ولا يحق لضيف أجنبي أن يتجاوز حدوده ويتجاهل تقاليد الإقطاع وقوانين مدينة اليشم، فيفرض القانون ويصدر الأحكام على أرضنا!”
كان زاين يتحدث بلهجة مفعمة بالاستقامة والحق.
هذا سيئ.
عقد تاليس حاجبيه.
“لكنّك حاكم المدينة، وأنت نفسك موضع اشتباه. فهل يمكن حقًا الوثوق بأن قوانين مدينة اليشم ستضمن العدالــ…”
“وماذا في ذلك؟!” صاح زاين.
تحدث دوق الساحل الجنوبي ببرود، جاذبًا أنظار الجميع إليه.
“سمو الأمير تاليس، أنت لم تتوج ملكًا، ولا تملك أي سلطة تخولك ذلك، ولا تحمل مرسومًا ملكيًا. لذا فإن تجاوزك حدود صلاحياتك في إقطاع أحد أتباع المملكة، وسعيك للانتقام لتصفية حسابات شخصية، تصرف غير لائق على الإطلاق!”
ثم غيّر مسار حديثه:
“أما قوانين مدينة اليشم، فما شأن الغرباء بها؟”
ازدادت همهمات الحشد المحيط، ولا سيما الأتباع الإقطاعيون، وبدأ تاليس يشعر بأن الأمور تسير في اتجاه سيئ.
“وصحيح، إذا كنت قد أدنتني بالفعل يا سمو الأمير، فما عليك إلا اتباع الإجراءات الرسمية، ورفع عريضة إلى جلالة الملك، ودعوة المجلس الأعلى للنبلاء للانعقاد، كي يفصل عظماء المقاعد الحجرية التسعة عشر في حسنات دوق الساحل الجنوبي وسيئاته!”
ازدادت الفوضى في نقاشات الحشد، وأخذ كثيرون يشيرون إلى الدوق وإلى الأميرين بحماسة واندفاع.
“وإلا، ففي أرض مدينة اليشم، وداخل حدود إقطاع عائلة زهرة السوسن، حتى جلالة الملك نفسه عليه أن يزن الأمور مليًا قبل أن يتدخل!”
ارتجف جفن تاليس.
“وبالطبع، إن أصررت على معاقبتي بتجاوز صلاحياتك…”
تقدم زاين إلى الأمام، ورفع يديه عاليًا كي يراه الجميع.
“فتذكر يا سمو الأمير أن كلماتك هي صوت العائلة المالكة، وأن أفعالك هي أفعالها. وكلتاهما ستنتشر في أرجاء المملكة بأسرها، ولن يقتصر صداهما على مدينة النجم الأبدي وحدها.”
توقف زاين أمام تاليس، وعيناه تشعان بوميض بارد.
“قد تكون مدينة اليشم نائية، لكنها متصلة بسائر الأرجاء؛ وقد تكون عائلة زهرة السوسن صغيرة، لكنها لا تسقط أمام أعدائها!”
ثم هز كميه في وقار مهيب، وتابع:
“ورغم أن بنات الساحل الجنوبي قد يكن رقيقات وضعيفات، فإن كرامتهن لا تُعلى عليها كرامة، وحريتهن لا تُقدر بثمن، ولا تستطيع حتى سطوة العائلة الملكية أن تكسر إرادتهن!”
ما إن انتهى من كلامه حتى كان الأتباع الإقطاعيون أول من هتف وصفق، وأبدى كثيرون موافقتهم على كلماته. وسرعان ما امتدت موجة السخط هذه إلى المتفرجين في المحيط الخارجي والمدرجات. وكان من بينهم كثيرون أخذوا يطلقون التهديدات بحماسة، وفي مقدمتهم الكونت بينتوس الشاب. حتى فيلق اليشم، الذي كانت معنوياته منخفضة قبل قليل، دبّت فيه حماسة الدفاع عن الدوق، واستعاد جنوده روحهم القتالية؛ فأخذ كثيرون يضربون أسلحتهم بعضها ببعض تأييدًا له، مما أثار حيرة حرس بحيرة النجوم.
لكن في تلك اللحظة، أطلق دي. دي ضحكة خافتة وسط الصفوف.
“يا رفاق، هل تعرفون ما أهم شيء في هذا الموقف؟”
“حياتنا؟” أجاب نِيس بتردد.
“الهيبة!” أجاب دي دي بحسم، فالتفت إليه الآخرون دون أن يتمالكوا أنفسهم.
تقدم دويل خطوة إلى الأمام، ورفع رأسه ونفخ صدره، ثم كشف عن أسنانه في وجه أحد جنود اليشم الذي كان يستفزه.
“لا تُظهروا خوفًا، ارفعوا سيوفكم، وحافظوا على وجوه عابسة. لا يمكننا أن نفقد هيبتنا!”
سخر مورغان.
“لقد قلتها من قبل: عددهم لا يقل عن ألف، أما نحن فبضعة أفراد فحسب.” نظر مورغان باستهزاء إلى الفارق العددي بين الطرفين. “فما نفع هذه الهيبة اللعينة؟”
“لهذا السبب تحديدًا تكون الهيبة مفيدة إلى هذا الحد.” زفر دي دي، وأرخى عضلات وجهه المتشنجة، ثم واصل رسم تعبير شرس على محياه. “لأنها كل ما تبقى لنا.”
أُخذ أفراد المجموعة على حين غرة.
ولم يستطع بول منع نفسه من إلقاء نظرة على دي. دي، وقد امتلأت عيناه بالدهشة.
“كلامك معقول.” مرر الرجل القادم من الصحراء الغربية يده على قوسه، ثم اتخذ وضعية قتالية مبالغًا فيها، مهيبة ومخيفة في مظهرها، لكنها عديمة الفائدة عمليًا، ما جعل الجنود المقابلين لهم يتوجسون منه بشدة.
“لقد أصبت.”
أمام الحشد المتدفق، شعر تاليس بثقل هائل يستقر على كتفيه.
“أتذكر أنك قلت إن خلافاتنا تخصنا وحدنا، وإنك لن تجر هيلي إلى هذا الأمر أبدًا.” قال لزاين بصوت خافت، وملامحه قاتمة.
توقف دوق عائلة زهرة السوسن، الذي كان يفرض هيبته على الحشد قبل لحظات، للحظة لدى سماعه ذلك.
أدار رأسه ببطء. كانت هيلي تتجاهل العيون التي لا تحصى والمسلطة عليها، ولم تكن تحدق إلا في الأرض أمامها، بينما تقبض بقوة على قفازيها.
خفت بريق عيني زاين.
“لكنها محقة. لقد جُرت هيلي إلى هذا الأمر منذ زمن بعيد.” أخذ زاين نفسًا عميقًا. “والفضل يعود إليك وإلى والدك.”
“أصبحت أفهم الآن ما تشعر به هيلي.” تحدث تاليس فجأة بصوت بارد. “حقًا، إنها تستحق أخًا أفضل.”
تبدلت ملامح زاين على الفور.
وازدادت نظراته إلى تاليس برودة.
“أنت لا تعرف شيئًا، بحق خالق الجحيم.” قال زاين، وقد تسارعت وتيرة كلامه فجأة. “أيها الوغد اللقيط، الذي لم يُلصق به حتى اسم عائلته إلا في وقت لاحق!”
سخر تاليس.
وبعد أن انتهى زاين من كلامه، عادت ملامحه إلى الجدية.
تراجع خطوة إلى الوراء، ثم رفع صوته:
“أظن أنك متعب بالتأكيد يا سمو الأمير. ما رأيك أن أرافقك إلى القصر لتستريح؟”
اختفت ابتسامة زاين، وخفض صوته وهو يقول جملته التالية:
“أم أنك مصمم على المضي في طريقك، وما زلت مصرًا على اعتقالي، وإشهار سيفك في وجهي… بل وفي وجه المملكة بأسرها؟”
أطلق الدوق ضحكة ساخرة.
“حان دورك الآن لتختار يا تاليس.”
في وجه المملكة…
ظل تاليس صامتًا طويلًا.
لقد فشل في إجبار زاين على الاستسلام.
ولا سيما أن زاين لم يكن يكترث حتى لأمر أخته، وكان قادرًا على استخدامها بهذه الدرجة من الحسم.
فما الذي يمكنه استخدامه لإجبار زاين على التراجع؟
هل يستخدم حياته هو نفسه، مثلًا؟
بعد بضع ثوانٍ، أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم تراجع إلى الجانب، وأمسك بمقبض سيف الحارس!
تبدلت ملامح زاين، وأطلق شخيرًا ساخرًا، ثم تراجع هو الآخر وأمسك بخنجر مخبأ عند خصره!
اشتد التوتر في الأجواء فجأة، وتعالت شهقات كثيرين!
سحب الفارس سيشيل سيفه الطويل، وصاح غاضبًا. لم يجرؤ على توجيه طرف نصله مباشرة نحو تاليس، فوجهه بدلًا من ذلك نحو حرس بحيرة النجوم الواقفين خلفه.
“من يجرؤ على التقدم؟!”
وبمجرد أن فعل سيشيل ذلك، سحب الجنود في الصفوف الأمامية المحيطة بهم أسلحتهم واحدًا تلو الآخر، وبدت عليهم ملامح شرسة، وكأنهم يتهيؤون لتطويقهم.
اشتد التوتر من جديد، وتبادل المتفرجون الهمسات، عاجزين عن إخفاء رعبهم.
داخل حرس بحيرة النجوم، شحب وجه نِيس، الذي كان يواجه هذا العدد الهائل من الأعداء للمرة الأولى.
“نحن… لم نتقدم، أليس كذلك؟”
“الأمير هو من تقدم.” قال جلوفر، الذي لم يكن يملك سوى ذراع واحدة صالحة للاستخدام، وهو يقبض على مقبض سيفه ويصدر الأمر بحسم: “أيها الحرس الملكي، أشهروا أسلحتكم!”
وبناءً على الأمر، سحب أفراد حرس بحيرة النجوم القلائل سيوفهم في اللحظة نفسها، وإن تأخر نِيس قليلًا من شدة خوفه، قبل أن يسحب سيفه بتذكير من دي. دي، ثم واجهوا فيلق اليشم مباشرة!
“اللعنة، ظننت أننا لن نضطر إلى القتال بعد كل هذا…” أخذ طرف سيف نِيس يتمايل يمينًا ويسارًا، لكن الأعداء كانوا يحيطون بهم من كل اتجاه. “كيف بدأ مجددًا… كيف اندلع القتال مجددًا بهذه السرعة؟”
“بدأ؟” حدقت ميراندا بحذر في عدد من ضباط الفيلق. “لا، لم ينتهِ أصلًا.”
“هاهاها، ليس سيئًا!” ضحك مورغان في هذه اللحظة بالذات، وأخذ يتحسس مقبض سيفه، ونظر بنظرات خبيثة إلى مجموعة من الجنود غلاظ البنية أمامه. “لقد اشتقت إلى هذا المشهد حقًا…”
“حسنًا إذًا، هيا يا رفاق، ارسموا على وجوهكم أشرس تعبيراتكم.” أطبق دي دي على أسنانه، وكان صدره يعلو ويهبط، فيما بدا وجهه مبالغًا في الشراسة. “تخيلوا أن غضب المملكة يقف خلفكم ليحمي ظهوركم، شرسًا ويمكن الاعتماد عليه…”
“بل سيبدأ بقطع رأسك بفأسه، حتى يتخلص من إزعاجك.” أطلق مورغان شخيرًا ساخرًا.
“لحظة، هل سنقاتل حقًا؟ وفقًا لما قاله السيد الشاب بول قبل قليل…” قال نِيس بتوتر. “إذا لوحت بسيفي لاحقًا، وقطعت أحد كبار الشخصيات عن طريق الخطأ، فأشعلت المملكة وأطلقت شرارة حرب، فماذا سيحدث؟”
هبطت معنويات المجموعة، واضطربت أفكارهم.
في ظل الأجواء المشحونة، كان حرس بحيرة النجوم يشعرون بالقلق بسبب الفارق العددي الهائل، لكن فيلق اليشم المقابل لهم كان متوترًا ومترددًا هو الآخر، إذ لم يكن بوسعه تجاهل هيبة الأمير.
كان لكل طرف تحفظاته، وبدا الموقف بالغ الحساسية.
“ألا يمكننا أن ننجز الأمر بسرعة ونعتقل الدوق فحسب؟” تساءل دي. دي بحذر.
“من بين أيدي ألف جندي ذي قبعة خضراء؟” أبدى مورغان شكه.
“ولا تنسوا الفارس سيشيل، وصديقه رث الثياب ذاك.” أضاف نِيس بقلق.
تجهم وجه دي. دي.
“حاولوا ضبط أنفسكم.” استند بول بظهره إلى ظهر أحد رفاقه، وكانت كلماته مشبعة بخيبة الأمل. “حاولوا ألا تقتلوا أحدًا. والأهم من ذلك، لا تصيبوا الدوق بأذى، وإلا فلن تلبث الحرب الأهلية أن…”
“إذا بدأنا القتال بهذه العقلية يا سيد بوزدورف…” كانت نظرات ميراندا حادة. “فصدقني، سنشهد بالتأكيد سقوط ضحايا.”
أُخذ بول على حين غرة.
“إذا اندلعت حرب… أعني، إذا اندلعت حقًا، حتى لو اقتصرت المعارك على مدينة اليشم وحدها، فكم شخصًا سيموت؟”
تحدث دي. دي بعبوس، فاشتدت نظرات الجميع.
“لن تعرفوا.” قال مورغان ببرود، بلكنة تل حافة النصل. “إذا اندلعت فعلًا، فسنكون قد متنا جميعًا قبل حلول نهاية اليوم، ولن نعيش حتى نشهد اندلاع الحرب.”
جعلت كلمات مورغان قلوب الجميع تهوي إلى قاع صدورهم.
تبًا، يا لهم من حفنة من الجبناء! فكر رالف باحتقار.
“ألم تروا غضب المملكة من قبل؟” في تلك اللحظة، تكلم وايا، الذي ظل صامتًا طويلًا، فجأة. “أعني، باستثناء الآنسة أروندي والأبكم؟”
انحرف الحديث إلى موضوع آخر، فأُخذ الجميع على حين غرة.
“آه… هل تُحتسب الصور الشخصية؟” شحب وجه نِيس، وارتجفت يده التي تمسك بالسيف قليلًا.
“رأيته بضع مرات عندما كنت أحرس قاعة بالارد. وبصراحة، إنه قصير القامة…” قلب دي دي عينيه.
“لمحته من بعيد مرة، وكان ضخم البنية للغاية.” حرّك جلوفر طرف سيفه بحذر، مصوبًا إياه ذهابًا وإيابًا نحو الأعداء من زاويته.
“سمعت أبي يتحدث عنه. إنه أسهل في التعامل من الجناح الأسطوري.” أدار بول جسده يمينًا ويسارًا، وأخذ قوسه يتحرك بلا توقف، مما جعل كثيرًا من جنود فيلق اليشم الذين وقعت أعينهم على خط تصويبه يتراجعون لا إراديًا. “لماذا تسأل؟”
ابتسم وايا.
“لأن أراكا مورخ، الملقب بغضب المملكة، أشد المحاربين الحديديين بأسًا في مملكة الكوكبة بأسرها…”
أخذ نفسًا عميقًا. وفي مواجهة بحر الأعداء، لم يعد متوترًا أو مرتجفًا، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة مرتاحة.
“لن يقف أبدًا، أبدًا، أبدًا خلف رفاقه.”
أُخذ أفراد المجموعة على حين غرة، لكن وايا كان قد تقدم بخطوات واسعة، حتى بلغ مقدمة الصفوف، وواجه اتجاه زاين مباشرة.
“لا تقلقوا. إذا أصدر الأمير أمره، وإذا وصلنا حقًا إلى تلك المرحلة…”
رفع وايا سيفه ذا الحد الواحد، وواجه صفوف الأعداء المتراكمة، وقد استقرت في عينيه نظرة حازمة.
“فسأكون أنا من يوجه الضربة الأولى.”
أثار ذلك دهشة المجموعة على الفور، فتبادل أفرادها النظرات.
إلى أن تنهد دي. دي وقال:
“اللعنة، لقد استأثر وحده بلحظة البطولة!”
وبعد بضع ثوانٍ، انفجر الجميع ضاحكين في اللحظة نفسها، وخف التوتر في الأجواء كثيرًا.
وحده رالف لم يشاركه الضحك، بل أطلق شخيرًا ساخرًا ولوى شفتيه بازدراء.
أنت من سيوجه الضربة الأولى؟ اللعنة، كأنك تقول إن الآخرين لن يصيبهم مكروه ما دمت أنت من يبدأ القتال. يا لك من منافق بغيض!
“ركزوا!” كان جلوفر يضغط بظهره على رالف، وأطبق على أسنانه مقاطعًا حديثهم. “أعطوا الأولوية لحماية الأمير لاحقًا، وحافظوا على تشكيلكم، ولا تتركوا أي ثغرة!”
لكنهم كانوا مليئين بالثغرات منذ زمن بعيد. هكذا فكر رالف وهو يطلق شخيرًا باردًا.
منذ اللحظة التي وصلوا فيها إلى مدينة اليشم.
لكن في تلك اللحظة، أرخى تاليس، الواقف أمامهم، قبضته عن مقبض سيفه وابتسم.
“أنت محق يا زاين. لا يحق لي تجاوز صلاحياتي والتدخل في إنفاذ القانون بمدينة اليشم!” قال الأمير بصوت مرتفع.
أدهش هذا التصريح كثيرين، فسكنت النقاشات الصاخبة في المكان، حتى إن حرس بحيرة النجوم، الذين كانوا مستعدين للمخاطرة بحياتهم لاعتقال زاين، أخذوا ينظرون بعضهم إلى بعض في حيرة.
عقد زاين حاجبيه قليلًا، وبدا وكأنه لم يفهم سبب تراجع تاليس.
“جيد جدًا.” لكن الدوق أظهر سرعة بديهة فائقة، وسرعان ما ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. “لقد أمرت بالفعل بإعداد وليمة في القصر. وبما أن تجمع اختيار القادة قد انتهى، فلماذا لا…”
“التحكيم.”
ابتسم تاليس وبسط يديه.
“ماذا؟”
“قلت: التحكيم!” صاح تاليس بصوت مرتفع.
تبدلت ملامح زاين.
“حسب علمي، هناك من يتهمك يا زاين.” استدار تاليس لمواجهة الجميع. “إنه أحد نبلاء المملكة، ابن الفيكونت الراحل جوشوا كوفيندير، من مدينة قوس البحر، فيديريكو كوفيندير، الذي يحمل اسم عائلتك نفسه. إنه يتهمك بقتل الشهود لإسكاتهم، وقتل أقربائك، والاستيلاء على المنصب بالقوة!”
“إنه وصمة عار على عائلة كوفيندير، وكان عليه أن يغير اسم عائلته منذ زمن بعيد.” قال زاين بامتعاض. “ثم إن لمدينة اليشم قوانينها الخاصة…”
“وأنت أنكرت التهم!” تجاهل تاليس كلامه وتابع. “أنت، أحد نبلاء المملكة، والدوق الحامي الحالي على الساحل الجنوبي، وسيد مدينة اليشم، زاين كوفيندير من عائلة زهرة السوسن، تنكر هذه الاتهامات، وتصفها بأنها افتراء وتشهير، بل وتسعى إلى ملاحقة المتهم على جرائم ارتكبها في الماضي.”
سادت الحيرة بين الحشد، وتبادل الناس النظرات، بينما أخذت الظلال في عيني زاين تزداد قتامة.
“وبما أن نبيلين يحملان رأيين مختلفين، وعجزا عن التوصل إلى اتفاق…” بدا تاليس واثقًا من نفسه. “فإنني أنا، الأمير الثاني ودوق بحيرة النجوم، تاليس جاديستار، بصفتي طرفًا ثالثًا محايدًا مستقلًا، لا أملك إلا أن أتولى الفصل في نزاعكما من خلال… التحكيم النبيل المقدس!”
ما إن انتهى من كلامه حتى اندلعت موجة عارمة من النقاش بين الأتباع الإقطاعيين.
“التحكيم؟” استوعب زاين ما سمعه، وقد اضطرب صوته. “من قال ذلك؟!”
استدار تاليس وأشار إلى وسط الحشد.
“هو من قال ذلك!”
التفت الجميع في اللحظة نفسها، فرأوا فيديريكو ممددًا على الأرض، وحوله عدد قليل من رجال الشرطة الذين كانوا يحرسونه، وقد بدت عليهم علامات الذعر.
“إن لم تصدقوني، فاسحبوا فيديريكو إلى هنا الآن واسألوه إن كان قد قدم التماس يطلب فيه مني التوسط لإجراء التحكيم بينكما، أيها ابنا العم!” قال تاليس بصوت عالٍ.
ازدادت الهمهمات ارتفاعًا، وما إن سمع فيديريكو ذلك حتى انفجر ضاحكًا من أعماق قلبه.
“هاهاهاهاهاها!”
وبعد بضع ثوانٍ، هوى أحد رجال الشرطة الجريئين بمرفقه عليه، فانهار فيديريكو على الأرض مطلقًا أنينًا مكتومًا، وانقطعت ضحكاته فجأة.
ضاقت عينا تاليس، وأطلق نظرة حادة نحو زاين.
“بالطبع، إلا إذا كنت لا تنوي السماح له بالكلام، وتريده فقط أن يختفي في هذه اللحظة، أمام عينيّ وأمام المملكة بأسرها.”
اضطرب الحشد من جديد، واضطر الحرس ورجال الشرطة المكلفون بحفظ النظام إلى مضاعفة جهودهم في الصياح والسيطرة على الموقف.
ظل زاين صامتًا طويلًا قبل أن يتكلم ببطء:
“هذا ليس شأنًا يخص مدينة اليشم وحدها يا سمو الأمير. إنه شأن خاص بعائلة كوفيندير، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتولى طرف خارجي الفصل فيه بالتحكيم…”
“هذا قانون منصوص عليه في الميثاق الدستوري المقدس للكوكبة: مهما كانت الجرائم التي ارتكبها فيديريكو، فإنه يظل أحد نبلاء المملكة، ومن حقه طلب التحكيم من نبيل أعلى منه مرتبة.”
بسط تاليس ذراعيه، ونطق كلماته بوضوح:
“ولا سيما حين يكون الطرف الآخر ذا مكانة رفيعة، ونفوذ واسع، وثروة طائلة، بينما يكون المدعي وحيدًا، لا يجد ملاذًا يطلب فيه الإنصاف.”
ظل زاين هادئًا، لكنه لم يستطع منع نفسه من تبادل نظرة مع هيلي، التي بدت ملامحها قاتمة.
“لا علاقة لهذا الأمر بمدينة اليشم يا زاين، ولا بعائلة كوفيندير، فضلًا عن أنه لا يمت بصلة بالضغائن الشخصية بيني وبينك، أو بيني وبين هيلي!”
لم يتوقف تاليس، بل واصل عرض حجته بتسلسل منطقي:
“إنه حق مقدس أصيل لجميع نبلاء مملكة الكوكبة، بل ولجميع الرعايا في بعض الحالات، منذ اليوم الذي أسس فيه تورموند المملكة، وشهدت سامية الغروب على ذلك، وفقًا لقوانين الإمبراطورية القديمة. وهو حق يمتد من الأمراء والنبلاء رفيعي المقام، وصولًا إلى ملاك الأراضي والفرسان المحليين؛ قانون وُضع لحماية الضعفاء من استبداد الأقوياء.”
ضيق عينيه.
“ينبغي أن تكون أدرى مني بمغزى هذا الأمر يا لورد زاين. ففي نهاية المطاف، لقد أجريت مؤخرًا تحكيمًا نبيلًا لصالح أحد البارونات، وأوقفتَه عن ظلم المزارعين في إقطاعه.”
تغيرت ملامح زاين قليلًا. حاول جاهدًا الحفاظ على رباطة جأشه، ثم سخر قائلًا:
“التحكيم؟ أنت؟ وبأي حق؟”
“لأنني طرف محايد، وموقفي كفيل بإثبات نزاهتي، ولأن مكانتي لا تقل عن مكانة أي دوق.”
“لا تقل عن مكانة دوق؟ أنت تعرف جيدًا كيف تضفي على نفسك ألقابًا براقة.” ازدادت نظرات زاين برودة. “الدوق الأعظم تاليس، حاكم قلعة بحيرة النجوم، الذي لا يتجاوز إقطاعه بلدة كاملة وقريتين.”
ابتسم تاليس ابتسامة طفيفة، متجاهلًا سخرية الطرف الآخر.
“ومع ذلك، فإن أطراف النزاع، مهما علت مكانتهم أو عظم نفوذهم، ملزمون بقبول التحكيم من طرف ثالث، ولا يجوز لهم تحت أي ذريعة استغلال سلطتهم لتحقيق مصالح شخصية أو التصرف باستبداد.”
تقدم تاليس خطوة إلى الأمام، وواجه نظرات زاين مباشرة.
“إلا إذا لم يعد خاضعًا لأحكام الميثاق الدستوري المقدس للكوكبة.” قال الأمير بصوت عميق. “إلا إذا نبذ سامية الغروب، وتبرأ من العهد المقدس الذي قطعه أسلافه، بصفتهم واحدًا من آلاف الأتباع الإقطاعيين، مع ملك النهضة ونبي الغروب القديس موهزارد، أمام تمثال الإلهة.”
ومع مواصلة تاليس حديثه، انتقلت عيناه ببطء نحو دوق الساحل الجنوبي، وازدادت نبرة كلماته حدة:
“إلا إذا… لم يعد من رعايا مملكة الكوكبة.”