الفصل 522 - قالت إنها لا تريد أن تكون كذلك
دعم الرواية لزيادة التنزيل الفصول :
أنواع تبرعات المتوفرة
إمايلك لتواصل معك (ليس ضروي)
الفصل 522: قالت إنها لا تريد أن تكون كذلك
بينما أظلمت السماء وفقدت الشمس أشعتها، أخذت السماء الزرقاء نفسها تتحول إلى الظلام. لم يبقى في السماء سوى ضوء النجوم المتلألئ، مما جعل الأرض تندمج بدورها في الظلام الغامض.
كان هذا التغير، إلى جانب التموجات القوية التي انتشرت من جبل فانغ كانغ لان، أشبه بلهب ساطع يحترق وسط الظلام. استطاع جميع الناس في جزيرة المستنقع الجنوبي الشعور به بوضوح.
لم يعد البرج قائمًا فوق قمة الجبل، فقد تحول إلى أنقاض. وكان هناك حفرة عميقة في الأرض. وفي الواقع، كانت هناك أيضًا موجات خافتة وغير واضحة من الهواء المتجمد تنتشر من المنطقة في جميع الاتجاهات.
كانت فانغ كانغ لان تجلس على الأرض متربعة، وتنظر إلى سو مينغ وعلى وجهها ابتسامة سعيدة.
تقدم سو مينغ بضع خطوات، ثم جلس أمامها. استقرت عيناه على وجه المرأة. راوده شعور مبهم بأنه عاد إلى الماضي، لكن الظلام المحيط بهما جعل ذكرياته أيضًا باهتة وغير واضحة.
بعد وقت طويل، تحدث سو مينغ بصوت خافت: “لقد مر وقت طويل.”
ابتسمت فانغ كانغ لان ابتسامة خفيفة، ولفت خصلة من شعرها حول إصبعها، ثم وضعت الجمجمة اليشمية التي كانت تحملها في يدها جانبًا.
“لم يمر وقت طويل إلى هذا الحد.”
نظر سو مينغ إلى فانغ كانغ لان. وبينما كان يتأمل الفرحة في عينيها والوجه الذي ظل محفورًا في ذكرياته، وجد نفسه فجأة عاجزًا عن معرفة ما يريد قوله. في هذا الظلام، وعلى هذه الجزيرة الواقعة في المستنقع الجنوبي، في أعماق البحر، عادت الأحداث التي وقعت في الماضي إلى الظهور أمام عينيه.
مر الوقت ببطء، وبدا أن فترة طويلة قد انقضت. أخذت الابتسامة على وجه فانغ كانغ لان تتلاشى تدريجيًا، حتى حل محلها الهدوء. تنهدت في قلبها، ثم خفضت رأسها ببطء. ومثل سو مينغ، التزمت الصمت.
سأل سو مينغ بصوت خافت: “كيف حال مدينة جبل هان؟”
أغمضت فانغ كانغ لان عينيها وتمتمت: “لم تعد موجودة.”
“قبيلتك…”
“تفرقت.” فتحت فانغ كانغ لان عينيها ونظرت إلى سو مينغ، إلى الوجه الذي لم تستطع نسيانه طوال العشرين عامًا الماضية. ربما لم تكن هذه المدة طويلة، لكنها لم تكن قصيرة أيضًا. فضلًا عن ذلك، وقعت أحداث كثيرة للغاية خلال هذه الأعوام العشرين.
عاد الاثنان إلى الصمت وسط الظلام، وكأنهما لم يعودا يملكان ما يقولانه لبعضهما.
بعد فترة، كسر سو مينغ الصمت قائلًا:“أخبرتني الأخت الكبرى زي يان بما مررتما به خلال السنوات الماضية…”
عضت فانغ كانغ لان شفتها السفلى، ثم همست بصوت خافت: “لقد ضحت الأخت الكبرى زي يان بالكثير من أجلي، لكنني لا أستطيع رد الجميل لها.”
“لهذا وضعت خطة الاغتيال التي نفذتها للتو لقتل ذلك الشخص المسمى يون لاي؟” نظر سو مينغ إلى المرأة التي بدت وديعة ولطيفة أمامه. كانت كما رآها في الماضي تمامًا، إذ تخفي خلف مظهرها الوديع شخصية صلبة.
“من المؤسف أن كل ذلك ذهب سدى. لم يعد بإمكاني استخدامه.” خفضت فانغ كانغ لان رأسها ونظرت إلى يدها. ثم رفعت رأسها فجأة، واستقرت عيناها المتلألئتان على وجه سو مينغ.
“لو لم أمتلك القدرة السامية التي تسمح لي برؤية ماضي الآخرين، ولو لم أعرف ما حدث لك خلال الأعوام العشرين الماضية، فهل كان سيبقى لدينا المزيد لنتحدث عنه؟”
فتح سو مينغ فمه، وكأنه يريد قول شيء ما، لكنه اختار في النهاية التزام الصمت. كانت هذه المرأة قد أحبته في الماضي، وما زالت تحبه حتى الآن، لكنه لم يكن يعرف كيف يرد على مشاعرها. وفي الواقع، ظلت صورته عنها في قلبه جامدة أيضًا، متوقفة عند تلك الصورة التي احتفظ بها من الماضي.
“تعرفنا على بعض في مدينة جبل هان.”
“وذهبنا معًا إلى عشيرة السماء المتجمدة.”
“لقد دمرت بذرة الحب التي غرسها سي ما شين في داخلي منذ أعوام بفضلك. أنت… لست مدينًا لي بشيء”، قالت فانغ كانغ لان بصوت خافت. تردد صوتها اللطيف في الهواء المحيط بهما، وبعث الإحساس نفسه الذي تبعثه المرأة ذاتها؛ فكلاهما كان وديعًا ورقيقًا.
“نحن صديقان.” تحدث سو مينغ بصوت خافت عندما سمع كلمات فانغ كانغ لان.
“صديقان…؟ نحن صديقان.” تمتمت فانغ كانغ لان، وظهرت ابتسامة على وجهها من جديد، لكنها كانت مختلفة تمامًا عن الابتسامة التي أظهرتها له عندما تعرفت عليه للتو.
لم تكن تلك ابتسامة فرح، بل كانت تحمل في طياتها لمحة من الألم.
“أعرف بالفعل سبب مجيئك إلى هنا…”
“إما أن تأخذني معك، أو… لا تتدخل في شأني.” أغمضت فانغ كانغ لان عينيها مجددًا.
التزم سو مينغ الصمت.
“بما أنك لن تأخذني معك، فلماذا أتيت إلى هنا إذن؟ أليس من الأفضل أن تتركني أغرق في عالم ذكرياتي؟ سو مينغ… ارحل!” ظلت فانغ كانغ لان مغمضة العينين، لكن صوتها اللطيف حمل نبرة حازمة.
“لا أستطيع إخراجك من هذا المكان، لكنني أستطيع قتل الشخص الذي يجبرك على فعل ما لا تريدينه.” نظر سو مينغ إلى فانغ كانغ لان وتحدث بصوت منخفض.
“لا أحتاج إلى ذلك. ولماذا قد أكون غير راغبة؟ إذا كنت لن تأخذني معك، فعليّ أن أختار كيف سأعيش.” ظل وجه فانغ كانغ لان هادئًا، وبقيت كلماتها رقيقة كما كانت دائمًا، لكن الحزن كان يختبئ خلف ذلك اللطف. استطاع سو مينغ الشعور به.
ظل صامتًا للحظة، ثم ألقى نظرة معقدة على فانغ كانغ لان ونهض بصمت، متجهًا بعيدًا نحو المسافة.
لم يستطع قبول فانغ كانغ لان. لم يكن السبب أن هذه المرأة لا تستحقه، بل كان يكمن في سو مينغ نفسه. لم يكن يريد أن تثقل كاهله الكثير من الهموم والارتباطات. لقد دفن الحب في الجبل المظلم منذ أعوام طويلة. كما أن كلمات النساء وتصرفاتهن خلال حدث المقامرة بالكنوز في عالم تسعة يين جعلته يدرك المزيد من الحقائق عن هذا العالم.
“أحسد باي سو حقًا… أريد أن أعرف، سو مينغ، أي امرأة كان من الأصعب عليك محوها من قلبك طوال هذه الأعوام؟” وصل صوت فانغ كانغ لان الناعم واللطيف من خلف سو مينغ.
توقفت قدمه للحظة، وظهرت الوجوه التي رآها أمام عينيه. كان بعضها واضحًا وبعضها باهتًا، لكنها جميعًا تلاشت في النهاية، ولم يبقى منها شيء… لو اضطر إلى اختيار واحدة، فربما كانت الفتاة المسماة باي لينغ، التي جعلت قلبه يخفق في صباه، هي التي ظل من الصعب عليه نسيانها حتى يومنا هذا.
لكن ذلك أصبح من الماضي بالفعل.
“أنت رجل عديم القلب… سو مينغ…” بدا أن فانغ كانغ لان قد خمنت بالفعل ما يدور في ذهنه، فتحدثت من خلفه بصوت خافت.
‘ربما.’ أجاب سو مينغ بصمت في قلبه. وإلى جانب باي لينغ، كانت هناك امرأتان أخريان تركتا أعمق أثر في قلبه. إحداهما باي سو، والأخرى تيان لان مينغ.
لكن باي سو لم تسلك طريق العودة الذي أتاحه لها سو مينغ. أما تيان لان مينغ، فقد أدى تجنبها النظر إليه ثم التزامها الصمت في عالم تسعة يين إلى تراجع ذلك الانطباع العميق تدريجيًا وعودته إلى مستوى عادي.
بعد رحيل سو مينغ، لم يبقى على الجبل سوى فانغ كانغ لان. فتحت عينيها بهدوء وهي لا تزال جالسة في مكانها. وانهمرت الدموع على وجهها، حتى غدا العالم الذي تراه ضبابيًا.
“أستطيع رؤية ماضي الآخرين، لكنني لا أستطيع رؤية مستقبلي أنا…”
همست بذلك بصوت خافت، ومع اشتداد ألمها، انهمرت المزيد من الدموع من عينيها. عندما ظهر أمامها مجددًا الشخص الذي لطالما وجدت صعوبة في نسيانه طوال هذه الأعوام العشرين، كانت النهاية بينهما كما كانت من قبل. لم يتغير شيء يُذكر.
‘ربما يكون النسيان هو الخيار الأفضل.’ خفضت فانغ كانغ لان رأسها، لكن في اللحظة التي أمالت فيها رأسها إلى الأسفل، ظهر شخص آخر على الجبل، على مسافة منها.
كان رجلًا يرتدي رداءً واسعًا. كان أصلع الرأس، وعيناه تشعان بضوء قاتم. أحاطت به هالة شيطانية، وبدا وكأنه اندمج مع الجبل الذي يقف عليه.
حدق في فانغ كانغ لان والأنقاض المحيطة بها ببرود، ثم أخذ يسير نحوها.
بدا جسده كأنه وهم. وكلما اقترب في سيره، بدأ الهواء المحيط به يتشوه، واستمر في الالتواء حتى أصبح الرجل على بُعد مئة قدم من فانغ كانغ لان.
“لقد أُعد هذا من أجلي، أليس كذلك؟” كان الرجل بطبيعة الحال يون لاي، الشخص الذي تحدثت عنه زي يان. وبعد أن مسح المنطقة بنظره، ألقى نظرة على المكان الذي كان ينبغي أن تكون فيه الشمس، فتقلصت حدقتا عينيه.
رفعت فانغ كانغ لان رأسها ونظرت إلى يون لاي بدون تعبير، دون أن تتكلم.
“كان من المفترض أن يجعلني البرج الذي كان قائمًا هنا، إلى جانب موجات التموجات المنبعثة من الرونيات الموجودة داخله، أتجمد للحظة عندما أقع في تأثيرها.” تحدث يون لاي بهدوء، ثم استقرت عيناه على الحفرة.
“بعد خروجي من البرج، كنت سأخطو إلى رون آخر. كان هذا الرون قادرًا على تجميدي، وحتى بمستوى زراعتي، كنت سأُحبس للحظة.” ظهرت لمحة من الإعجاب على وجه يون لاي، وتقدم بضع خطوات أخرى.
“وبعد ذلك كانت ستأتي هالات السيوف التسع والتسعون المنبعثة من الجبل. وبمجرد أن تغطي المنطقة بأكملها، كانت ستمنعني من اكتشاف حركتك القاتلة الحقيقية وهي تهبط من السماء.” توقف يون لاي على بُعد ثلاثين قدمًا من فانغ كانغ لان، واستقرت عيناه على جسدها.
“لا بد أنك تملكين وسائل أخرى كنت ستواصلين استخدامها حتى تتمكني من قتلي أيضًا. ليس سيئًا! ليس سيئًا على الإطلاق! كما توقعت من المرأة التي أرغب فيها. لديك عقل مدبر وروح صبورة تتحمل الكثير. لكن تلك العاهرة زي يان لا بد أنها متورطة في هذا أيضًا، أليس كذلك؟” انفجر يون لاي ضاحكًا فجأة.
“لا أفهم. من أين يأتي كل هذا الحقد الذي تحملينه تجاهي؟ لولاي، لكان مصيرك بائسًا، وكذلك تلك العاهرة زي يان. لولاي، لكنتي أصبحتي شبحًا الآن.”
“لم يكن عليكما سوى دفع ثمن مقابل ذلك. كل ما في الأمر أنك ستصبحين محظيتي، لا أكثر. إنها صفقة، فلماذا تكرهينها؟ القوي يفترس الضعيف، وهذا قانون وضعته السماء نفسها. إذا أردتي البقاء على قيد الحياة، وإذا أردتي الحصول على حماية أصحاب القوة، فكيف يمكنك ألا تتخلي عن شيء في المقابل؟”
“وقد عاملتك بطريقة مختلفة عن جميع النساء الأخريات. إذا لم تكوني راغبة، فلن أجبرك. لقد مرت عدة أعوام منذ ذلك الحين، فهل أجبرتك يومًا على شيء؟” هز يون لاي رأسه وسأل ببطء.
“لماذا تسأل وأنت تعرف الإجابة بالفعل؟ ما تقدّره فيّ هو مهاراتي وقدراتي السامية. لقد رأيت أيضًا ذكرياتك، بما فيها كل ما يتعلق بالمصادفات التي تظاهرت بأنها جمعتك بي وبأختي الكبرى.”
“لقد ساعدتك مرات عديدة في الماضي. ولن أتحدث حتى عن دوافعك الخفية ومكائدك، فالمساعدات التي قدمتها لك وحدها تكفي لأكون قد رددت ثمن حمايتك.”
ردت فانغ كانغ لان بهدوء.
“هذا لا يكفي. لا أستطيع تحمل قتلك بهذه الطريقة. لكنني غيرت رأيي بشأن تلك العاهرة زي يان، وسآخذها معي… أما أنت، فيمكنني أن أسامحك، لكن ليس لديك خيار. يجب أن تأتي وتصبحي محظيتي!” ومض بريق في عيني يون لاي. ثم تقدم خطوة أخرى، فلم تعد المسافة بينهما تتجاوز عشرين قدمًا.
“لقد رحل بالفعل، فلا داعي لإضاعة وقتك في الاختبار والشرح.”
ظهرت لمحة من الازدراء في عيني فانغ كانغ لان.
“وأيضًا، كلمة “يجب” غير موجودة في قاموسي. إذا لم أكن أنا، فانغ كانغ لان، راغبة في فعل شيء، فسأختار الموت بدلًا منه. وأنا. لا. أريد. أن. أكون. محظيتك!”
ضيق يون لاي عينيه وأطلق شخيرًا باردًا. رفع قدمه وخطا خطوة أخرى، عازمًا على الاقتراب من فانغ كانغ لان.
لكن في اللحظة التي رفع فيها قدمه، انطلق من خلفه صوت شديد البرود، حتى إن برودته بدت كأنها ريح متجمدة لاذعة تمر على جلده.
“قالت إنها لا تريد ذلك، ألم تسمعها؟”
في اللحظة التي دوى فيها ذلك الصوت، استدار يون لاي بسرعة، وكان أول ما وقعت عليه عيناه شخصًا ظهر خلفه في وقت لم يستطع تحديده. كان يرتدي رداءً طويلًا، وينسدل شعره الأسود على رأسه. امتلك وجهًا وسيمًا، لكن تعابيره كانت ببرودة الشتاء.
ضيق يون لاي عينيه، وبدأ يوزع قوته بصفته بيرسيركر في المرحلة المتوسطة من عالم روح البيرسيركر على جسده بأكمله، مما جعل الهواء المحيط به يتشوه بعنف شديد، حتى بدا وكأنه على وشك التمزق. وقف هناك محدقًا في سو مينغ، ثم ابتسم فجأة.
“من النادر أن أجد بيرسيركر قويًا مثلي. إذا كنت ترغب في هذه المرأة، فأخشى أنني قد أسأت معاملتها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
******
فانغ كانغ لان رهيبة