الفصل 518 - المحظية
دعم الرواية لزيادة التنزيل الفصول :
أنواع تبرعات المتوفرة
إمايلك لتواصل معك (ليس ضروي)
الفصل 518: المحظية
في اللحظة التي أدركت فيها زي يان أن سو مينغ هو ذلك الفرد من عشيرتها الذي ينتمي إلى القمة التاسعة، ضاقت عيناها، ولم تستطع تصديق ما تراه. في الحقيقة، كانت لا تزال غير متأكدة تمامًا قبل لحظات، لكن ما إن ناداها بـ “إبنة أخيه التلميذة” حتى تجمدت زي يان في مكانها، مذهولة وكأن صاعقة ضربتها.
“أنت… هل أنت سو مينغ حقًا؟”
نظرت زي يان إلى سو مينغ. وحتى في تلك اللحظة، ظل من الصعب عليها أن تربط بين الشخص الذي تتذكره من القمة التاسعة وهذا الشخص الذي استطاع، بمجرد تلويحة من يده، أن يجعل بيرسيركر قويًا في المرحلة المتوسطة من عالم روح البيرسيركر يموت وهو يتراجع مذعورًا.
“ينبغي أن تناديني بالعم السيد.”
نظر سو مينغ إلى زي يان، وارتسمت ابتسامة على وجهه. فبالنسبة إليه، لم تكن المرأة التي تقف أمامه مجرد الأخت الكبرى لزي تشي، بل كانت أيضًا المرأة التي أُعجب بها أخوه الأكبر الثاني إلى حد ما.
“العم السيد… سو.” ترددت زي يان للحظة، ثم ضمت قبضتها إلى راحة يدها بصورة غريزية وانحنت لتحيته. ظل الذهول ظاهرًا في عينيها.
“لم أعد إلى أرض البيرسيركر منذ سنوات طويلة. كيف حال القمة التاسعة؟”
نظر سو مينغ إلى المرأة الواقفة أمامه. لقد فقدت بالفعل هالتها الشبابية. فالفتاة الرشيقة التي كانت في الماضي أصبحت الآن امرأة في منتصف العمر. ربما لم تكن التجاعيد عند زوايا عينيها واضحة جدًا، لكنه استطاع رؤية بعضها.
كان الزمن رحيمًا بهذه المرأة. فلم يسلبها الكثير من شبابها، بل منحها مظهرًا قديمًا ووقارًا ينم عن النضج. لقد تحولت فتاة الماضي إلى امرأة متزوجة تتمتع بالرقة والجاذبية.
كانت جميلة في الماضي، وحتى بعدما تقدمت في العمر، ظلت جذابة بما يكفي لتحريك قلوب الرجال. كان لديها سحر يميزها عن الفتيات الشابات. ومع ذلك… عندما رأى سو مينغ المسافة التي تفصلها عن يا مو، شعر بأن علاقتهما ليست عادية.
عندما سمعت زي يان سؤال سو مينغ، كبحت الصدمة في قلبها، وحلت محلها مشاعر مختلطة. لم يخطر ببالها قط أن سو مينغ، الذي اختفى قبل عشرين عامًا، سيقف أمامها يومًا بهذه القوة. كانت هذه قوة لا تجرؤ حتى على الحلم بامتلاكها.
في تلك اللحظة، كان يستحق حقًا أن تناديه بالعم السيد، ومن دون أن تدرك ذلك، ظهرت على وجهها ملامح احترام امتزجت بالمشاعر المعقدة التي تتقلب في داخلها.
“لقد انقسمت عشيرة السماء المتجمدة… قبل خمس سنوات. رحلت بوابة السماء، وأخذت معها كثيرًا من التلاميذ المتميزين، حتى تتمكن بقوة بوابة السماء من مقاومة كارثة الأراضي القاحلة الشرقية فوق السماوات التسعة.”
“لا تزال الجبال على الأرض قائمة، لكنها هُجرت… أما أفراد عشيرتنا من القمم الأخرى، فقد تفرق معظمهم. رحلتُ مع بعض أخواتي اللواتي كانوا تحت إشراف السيد نفسه… واجهنا أشياء كثيرة في الطريق، واستمر ذلك حتى… التقينا بالسيد يون لاي…” عندما قالت زي يان هذه الكلمات، خيمت الكآبة على تعابيرها، وبدا أنها تجد صعوبة في التعبير عما تريد قوله.
“كانت العشيرة في حالة من الفوضى آنذاك. أنا… لم أولي القمة التاسعة اهتمامًا كبيرًا.” عندما قالت زي يان ذلك، لاحظت أن حاجبي سو مينغ انعقدا قليلًا.
“لكنني أتذكر أن العم السيد الثاني رحل قبل اندلاع الفوضى ببضع سنوات، ويبدو أنه لم يعد حتى الآن”، أضافت زي يان بسرعة.
التزم سو مينغ الصمت. وبعد وقت طويل، رفع رأسه ونظر نحو أرض البيرسيركر البعيدة.
“ماذا عن سيدي؟”
“أنا… لست متأكدة تمامًا من أخبار السيد الأكبر تيان شي زي. لكنني أعرف أن أخاك الأكبر الأول خرج من عزلته بعد خمس سنوات من المعركة الكبرى بين الشامان والبيرسيركر. لا أدري إن كان قد عاد بعد رحيله.”
فكرت زي يان للحظة، ثم أجابت بسرعة. ونظرت إلى سو مينغ. ربما لم يلتقيا منذ عشرين عامًا، لكن ذكريات الماضي ظلت حاضرة في ذهنها. لقد كان العم السيد الثاني في القمة التاسعة معجبًا بها، ولم يكن من الممكن أن تعجز عن ملاحظة ذلك.
لكن عندما تذكرت الأمر، شعرت زي يان، إلى جانب الأسى، بأن الزمن قد تغير كثيرًا.
‘لو كنت قد ارتبطت بأخيه الأكبر الثاني، فربما…’ شعرت زي يان بوخزة ألم في قلبها، ثم التزمت الصمت.
كان يا مو يقف إلى الجانب في ذهول. ومع استماعه إلى محادثة زي يان وسو مينغ، أخذت عيناه تتسعان تدريجيًا. حدق في سو مينغ بذهول، وتسارعت أنفاسه فجأة.
‘مو سو… مو سو… سو مينغ…’
نظر يا مو إلى سو مينغ، ودخل عقله في حالة من الفوضى. لقد تعرف عليه، وأدرك أنه الشخص الذي تحدث معه طويلًا بجانب النار في قبيلة بحر الخريف، عندما كانا هناك معًا.
كما تمكن من التعرف على…
“تحياتي، أيها الكبير. أنا يا مو. لن أنسى أبدًا أنك منحتني فرصة لإعادة تشكيل نفسي!” تراجع يا مو بضع خطوات، ثم ضم قبضته إلى راحة يده وانحنى أمام سو مينغ انحناءة عميقة.
كان في الحقيقة يقدم تحيته إلى هونغ لو، الذي ظهر أمامه في الماضي، تعبيرًا عن امتنانه له لأنه منح يا مو كامل قوة الحياة الخاصة بشامان المرحلة المتأخرة في قبيلة بحر الخريف، بعدما قتلها. وكان ذلك هو السبب الذي جعله يقطع نصف الطريق نحو أن يصبح شامانًا من المرحلة المتأخرة.
ومع مرور الزمن، أخذت الأحداث التي وقعت في الماضي تنكشف تدريجيًا أمام الأشخاص الذين كرسوا أنفسهم لمعرفة حقيقته، ولا سيما أولئك الذين سبق لهم رؤية سو مينغ ومعرفته.
“لم أتوقع أن يكون الكبير مو من العشيرة نفسها التي تنتمي إليها حبيبتي. فكلاكما ينحدر من عشيرة السماء المتجمدة التابعة للبيرسيركر…” ارتسمت على وجه يا مو ملامح احترام واضحة، وعندما وقف، غمره شعور عميق بالعاطفة.
“حبيبتك؟”
ومض بريق حاد في عيني سو مينغ. لم يعرف يا مو منذ وقت طويل، بل لم يكن بوسعهما حتى اعتبار نفسيهما صديقين. كانا في أفضل الأحوال مجرد معرفة عابرة. وكانت علاقته به مختلفة تمامًا عن علاقته بزي يان.
وبالنسبة إلى الآخرين، بدا ذلك البريق في عيني سو مينغ أشبه بوميض ضوء ذهبي. انبعث من عينيه فجأة ضغط هائل أثقل قلوب جميع الكائنات الحية وأرواحها، حتى شعر يا مو وكأن عقله على وشك التحطم. فتراجع مرة أخرى، ودوّت أصوات مدوية في رأسه. شعر وكأنه سفينة وحيدة تتقاذفها أمواج بحر هائج، وأنه على وشك الانهيار في أي لحظة.
كان هذا الضغط الهائل أشبه بهيبة قائد مهيب وجليل. فتغير تعبير يا مو تغيرًا جذريًا، وكادت أنفاسه تتوقف. في تلك اللحظة، استحوذ سو مينغ على مجال رؤيته بالكامل، بل وعلى روحه كلها. وكأن حياة يا مو ستنتهي بمجرد أن تخطر فكرة واحدة في ذهن سو مينغ.
تقدمت زي يان بسرعة ووقفت لتحجب نظرة سو مينغ عن يا مو. ارتسم على وجهها، الذي ترك الزمن آثاره عليه، تعبير معقد. فتحت فمها وكأنها تريد قول شيء.
“هذا شأنك الشخصي، ولا علاقة له بي. لكنني لا أفهم أمرًا واحدًا. ما الذي ينقص أخي الأكبر الثاني حتى لا يكون جديرًا بك؟” عبس سو مينغ ونظر إلى زي يان، ثم هز رأسه.
“اذهبي.”
شحب وجه زي يان. وفي صمت، ضمت قبضتها إلى راحة يدها بتحية احترام لسو مينغ، ثم سحبت يا مو، الذي ظل يبدو مذهولًا بعض الشيء، وغادرت معه. وبينما كانا على وشك الرحيل، ترددت زي يان للحظة قبل أن تستدير وتنظر إلى سو مينغ.
“العم… السيد سو، هل ما زلت تتذكر هان كانغ زي؟ عندما وقع ذلك التغيير في العشيرة، جاءت معي إلى هذا المكان. إن كنت لا تزال تتذكرها، فأنا أرجوك، ساعدها…” نظرت زي يان إلى سو مينغ وتحدثت بصوت خافت.
“أرجوك، من أجل أننا ننتمي إلى العشيرة نفسها، ومن أجل إخلاصها الشديد في حبك في الماضي… ساعدها، العم السيد سو…”
“هان كانغ زي…”
عندما سمع سو مينغ هذا الاسم، ظهرت في ذهنه صورة امرأة جميلة. تذكر نظراتها الرقيقة، وشخصيتها الوديعة، وعينيها الحازمتين، وما حدث في مدينة جبل هان، وكل صراعاته مع سي ما شين.
كانت هذه الذكريات ضبابية إلى حد ما في ذهنه، لكنها أخذت تزداد وضوحًا مع مرور كل لحظة.
“فانغ كانغ لان”، قال سو مينغ بهدوء.
“نعم! الأخت الصغرى فانغ!” عندما سمعت زي يان سو مينغ يذكر اسم هان كانغ زي، لمع الحماس في عينيها.
“قبل أربع سنوات، أراد السيد يون لاي أن يتخذ الأخت الصغرى فانغ محظية له، لكن الأمر تأجل لأنها أرادت مواصلة تدريبها على الزراعة. وتكرر الأمر نفسه قبل عامين. أما الآن، فقد أوشكت الأخت الصغرى فانغ على إكمال تدريبها، وسيصعب عليها الاستمرار في تأجيل الأمر. وما إن يخرج السيد يون لاي من عزلته ويطلب ذلك مجددًا، فلن تتمكن الأخت الصغرى فانغ من رفضه…” نظرت زي يان إلى سو مينغ وأسرعت في شرح الأمر.
ظل سو مينغ صامتًا. أخذت صورة المرأة في ذكرياته تزداد وضوحًا. عادةً، عندما يتذكر ما حدث له في الماضي، كان يشعر دائمًا وكأن حجابًا يغطي ذكرياته. لم تكن عشرون عامًا فترة طويلة، لكن سو مينغ مات وتناسخ عددًا لا يحصى من المرات في عالم الخلود الأبدي، مما جعل هالة قديمة تلازم وجهه باستمرار، رغم أن الآخرين لم يكونوا قادرين على رؤيتها.
انتظرت زي يان جواب سو مينغ. مر الوقت، لكن حتى بعدما استعاد يا مو وعيه وبدأ ينظر إلى سو مينغ بخوف، ظل سو مينغ صامتًا. اكتفى بالوقوف في مكانه والنظر إلى الأفق، غارقًا في أفكاره.
ازداد وجه زي يان شحوبًا. وفي النهاية، أخذت تضحك ضحكات متقطعة وهي تنظر إلى سو مينغ، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها تدريجيًا.
“انسى الأمر. لا علاقة لهذا بك، ولا يوجد سبب يدفعك إلى مساعدتها. أعلم أن أخاك الأكبر الثاني كان معجبًا بي في الماضي. ولو استطعنا إعادة الزمن إلى الوراء وعدت إلى الماضي، لاخترت قبول مشاعره…”
“لكن ذلك مستحيل، أليس كذلك…؟”
“يا مو محق. أنا شريكته في الزراعة المزدوجة. ولم أعد تلك الفتاة الشابة التي كنتها. لم أكتفي بأن أصبح شريكته في الزراعة المزدوجة، بل كنت أيضًا محظية السيد يون لاي، ثم منحني إياه كما لو كنت شيئًا من الأشياء!”
كان وجه زي يان شاحبًا كالرماد. بدت ضحكاتها المتقطعة بائسة وكئيبة، وانهمرت الدموع على خديها. بدا وكأنها كتمت مشاعرها لسنوات طويلة، ولم تعد قادرة على حبسها في داخلها. فانفجرت مشاعرها دفعة واحدة.
“يمكنك أن تحتقرني كما تشاء، لكنك لست مكاني. ولن تتمكن أبدًا من فهم ما تضطر فتاة إلى فعله حتى تنجو بعدما تتخلى عنها عشيرتها، وتجد نفسها في مواجهة الفوضى التي تعم أرض البيرسيركر، فضلًا عن احتمال وقوع كارثة الأراضي القاحلة الشرقية في أي لحظة!”
“لطالما كانت كانغ لان وديعة ورقيقة. فكيف كان لنا نحن الاثنتين أن ننجو وسط الفوضى التي سبقت الكارثة، عندما فقد العالم نظامه ولم يبقى فيه سوى قانون الغاب؟!”
“استمر الأمر على هذا الحال حتى التقينا بالسيد يون لاي. لقد أعجب بكانغ لان، لكن تحت شخصيتها الوديعة تكمن صلابة أيضًا. كانت تفضل الموت على الخضوع له. لذلك حللت محلها وأصبحت محظية السيد يون لاي. حاولت إرضاءه بكل طريقة ممكنة، وهذا وحده ما أتاح لنا النجاة خلال الكارثة والوصول إلى أرض الشامان.”
“لكل شخص الحق في اختيار الطريقة التي ينجو بها. وحتى إن كان اختياره خاطئًا، فنحن على الأقل ما زلنا على قيد الحياة. وحتى لو كان القرار صائبًا… يمكنك اختيار عدم مساعدة كانغ لان. ففي النهاية، هي من أخطأت عندما أبقت في قلبها شخصًا غير مناسب طوال عشرين عامًا!”
مسحت زي يان دموعها، وظهر الحزم في عينيها. لم تعد تنظر إلى سو مينغ، بل تحولت إلى قوس طويل وانطلقت في السماء. تبعها يا مو بصمت. كانت نظراته إلى زي يان مفعمة بالحنان الشديد والشفقة العميقة، وفي عينيه اهتمام خفي بها.
لقد أحب يا مو زي يان. فعندما رآها للمرة الأولى قبل عدة سنوات، وقع في حب هذه المرأة التي كانت تخفي أحزانها خلف سلوكها الساحر المعتاد.
وتحول هذا الإعجاب إلى حب يدوم إلى الأبد ولا يضعف في قلب يا مو، بعدما رآها ذات مرة تقف وحيدة عند شعاب صخرية، تنظر إلى مياه البحر في ذلك العالم. كانت الدموع تلمع في عينيها، إلى جانب الإرهاق المتجذر في أعماقها.
ولهذا السبب، توسل إلى الشامان النهائي زونغ زي حتى يساعده، ودفع ثمنًا باهظًا لشراء زي يان من يون لاي، الذي كان قد سئم منها آنذاك.
رفع سو مينغ رأسه ونظر إلى زي يان وهي ترحل مع يا مو. ربما بدا هادئًا، لكن كلمات زي يان حركت شيئًا في قلبه.
“أين هي؟” سأل بصوت ضعيف. لم يكن قد فكر أصلًا في رفض طلبها، لكنه غرق في ذكرياته للحظة، مما جعل زي يان تسيء فهمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود