الفصل 2 - المصعد، وحيداً
◈ كيف تعيد كتابة قصص الأشباح ◈
الفصل 2: المصعد، وحيداً
──────
كان المتجر الصغير القريب من مسكني مقفلاً، ولعل السبب في ذلك أن الموظف ذا الدوام الجزئي قد ذهب إلى دورة المياه، فلم يكن أمامي خيار آخر سوى التوجه إلى متجر آخر يبعد مسيرة خمس عشرة دقيقة.
‘علبة طعام جاهزة لصباح الغد، وربما أجرب ذلك الرامن الجديد… أوه، وبعض الجعة والمقرمشات أيضاً.’
لم أخرج في الأصل إلا لشراء وجبة خفيفة لآخر الليل، غير أن يديّ سرعان ما امتلأتا بالأغراض.
«هل ترغب في كيس؟ والدفع بالبطاقة؟»
«نعم، من فضلك. سأدفع عبر الهاتف، تفضل.»
أخرجتُ هاتفي من جيبي بعد أن ظل يهتزّ بلا توقف من كثرة الإشعارات، حتى إنني شعرتُ بشيء من الحرج وأنا أمدّ يدي ليمسح أمين الصندوق رمز الاستجابة السريعة الخاص بالدفع.
وما إن وضع أمين الصندوق المشتريات كلها في الكيس، حتى التقطته وهرعتُ إلى الخارج.
‘ما سرّ كل هذه الإشعارات ماذا بحقك؟’
يوجد منشور جديد في سجل الزوار!
يوجد منشور جديد في سجل الزوار!
يوجد منشور جديد في سجل الزوار!
يوجد منشور جديد في سجل الزوار!
«ماذا؟ هل تسلّط عليّ أحد برامج النشر الآلي الخبيثة؟»
كنتُ قد سمعتُ عن انتشار روبوتات الإعلانات الخبيثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة، ويبدو أن أحدها قد وجد طريقه إلى مدونتي أيضاً؛ فعزمتُ على حذفه والإبلاغ عنه فور وصولي إلى المنزل، وضاعفتُ من سرعة خطواتي.
‘أوه، يا لحسن الحظ.’
يبدو أنني لم أكن الصياد الوحيد الذي خرج بحثاً عن وجبة في جوف الليل في هذه الساعة، إذ كان المصعد متوقفاً بالفعل في الطابق الأول.
كان المبنى السكني الذي أقطنه يضم أربعين شقة صغيرة موزعة على عشرة طوابق، ومع ذلك لم يكن فيه سوى هذا المصعد الوحيد.
والأرجح أنه المصعد الأصلي ذاته منذ تشييد المبنى؛ فقد كان يزحف ببطء شديد كيرقة، ويتعطل بلا نهاية، حتى إنه متى ما صعد إلى الأعلى، كان عليك في العادة أن تنتظر دهراً كاملاً ريثما يعود إلى الأسفل.
ألقيتُ نظرة سريعة خلفي للتأكد من عدم قدوم أي شخص آخر لركوبه، ثم ضغطتُ بسرعة متلاحقة على زر إغلاق الباب، وحين ضغطتُ على زر الطابق السابع، أخذ المصعد يرتفع مصحوباً بأنين محركه القديم.
«وصل المصعد.»
«ماذا؟ هل تعطل مجدداً؟»
توقف المصعد عند الطابق الرابع، وكان هذا العطل يتكرر مرة واحدة في الأسبوع على الأقل؛ إذ يتوقف عند طابق غير الذي ضغطتَ عليه، ويبدو أن مالك المبنى لن يفكر في استبداله إلا بعد أن يسقط بنا فعلاً.
نقرتُ بلساني متضجراً، ثم ضغطتُ على زر الطابق السابع مرة أخرى، فعاد المصعد إلى التحرك من جديد.
الخامس، السادس…
وفجأة،
طَقّ.
«أوغ!»
اهتزّ المصعد بعنف، وهبط جسدي فجأة بقوة، حتى ظننتُ للحظة أنه يهوي بالفعل، ثم انفتح الباب وسط قرقعة معدنية.
‘الأجدر بي أن أكمل الصعود على قدمي، فالمسافة المتبقية لا تتجاوز طابقين.’
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالخروج، تجمّد جسدي في مكانه.
فبدلاً من الممر المألوف، اندفعت إلى الداخل رائحة رطوبة عفنة يرافقها مشهد غريب تماماً عن هذا العالم.
«ما… ما هذا…؟ ماذا فعلتُ…؟»
كان البلاط الأبيض ملطخاً بلون وردي باهت من أثر الدماء، ونصف مصابيح الفلورسنت محطماً يومض وينطفئ على نحو متقطع.
وعلى طاولة عمليات جراحية، كان هناك شيء يشبه كتلة من اللحم البشري ممدداً بلا حراك، بينما امتلأ ورق الجدران بآثار خدوش الأظافر بكثافة تكفي لتشكيل نقش كامل.
بدا المكان أشبه بغرفة تشريح لعالم مجنون؛ إذ تردد صوت أنين مكتوم، وبرزت ذراع تتخبط في الهواء من خلف ستارة مسدلة على أحد الجدران، قبل أن تُسحب إلى الداخل مع صرخة مدوية.
وسُحبت قطع رطبة من اللحم عبر الأرضية نحو مكان ما، مخلفةً وراءها صوتاً لزجاً وممتداً.
«…»
ومن دون أن أملك وقتاً للتفكير، أخذتُ أضغط بجنون على زر إغلاق الباب، وفي تلك الأثناء رفرف الستار، ومدّت كتلة اللحم القابعة خلفه ذراعاً نحوي.
التقت أعيننا من بين ثنايا ذلك اللحم المشوّه ذي اللون الأحمر الداكن.
كانت مقلة عين بشرية، عيناً محتقنة بالدماء تدور في محجرها بجنون وهي تحدق بي.
أنقذني. أنقذني. أخرجني من هنا.
انغلق الباب أخيراً، وعاد المصعد ليتحرك من جديد.
نحو الأعلى.
لا، وهل كان مفهوم «الأعلى» نفسه ينطبق على هذا الوضع أصلاً؟
وعبر بصري المضطرب المهتز، تفقدتُ شاشة عرض الطوابق، فلم أجد عليها أي أرقام، بل كانت مجرد رموز وحروف حمراء تومض وتتبدل عشوائياً.
«ماذا… ماذا يحدث هنا…؟»
ترنّح المصعد وتوقف مرة أخرى، ثم انفتح الباب.
فاندفعتُ بغريزتي لأحشر جسدي في أبعد زاوية ممكنة عن الباب.
حين يشتد التوتر بالإنسان، تتمدد رئتاه حتى يشعر بضيق يطبق على صدره؛ وهكذا، وأنا ألهث طلباً للهواء، حدقتُ في المشهد الماثل أمام عيني.
تدفق دخان لاذع إلى داخل المصعد محملاً برائحة نتنة تشبه رائحة السمك الفاسد.
كانت هناك عشرات الأشجار الذابلة المزروعة في تربة متعفنة، ويتدلى من كل غصن من أغصانها بشر مشنوقون؛ بدت وجوههم المسودّة أشبه بالجماجم، وتدلت ألسنتهم خارج أفواههم بطول يضاهي جذوع أجسادهم.
وعلى الرغم من سكون الهواء التام وانعدام الرياح، كانت الجثث تتأرجح على إيقاع واحد كأنها ثمار فاسدة.
تدور وتدور.
تدور وتدور.
وفجأة، اتجهت جفونهم المتعفنة كلها شطر المصعد في آنٍ واحد.
كانوا ينظرون إليّ.
«تعال إلى هنا.»
«أنت أيضاً.»
«انضم إلينا.»
لم تتحرك أفواههم قط، غير أن تلك الأصوات اخترقت رأسي مباشرة كالمثقاب.
وانبثقت حبال من باطن التربة المتعفنة وشرعت تزحف صعوداً، وبينما كانت تتلوى متجهةً نحو المصعد كالأفاعي، ازدادت رائحة التحلل والعفن حدةً وقوة.
«ابتعدي! لا تقتربي مني!»
وحين ركلتُ أحد الحبال لإبعاده، كان ملمسه ناعماً وثقيلاً ودافئاً، وكأنني ركلتُ كائناً حياً؛ فواصلتُ ركل عدة حبال أخرى زاحفة قبل أن ينغلق الباب أخيراً.
عاد المصعد يصعد من جديد.
لا، أو بالأحرى، عاد يتحرك من جديد.
أين اختفى الطابق السابع؟ وماذا عن منزلي؟ هل دخلتُ مبنىً خاطئاً عن غير قصد؟
مستحيل أن يكون الأمر كذلك؛ فقد كان كل شيء طبيعياً تماماً حتى اللحظة التي وطئت فيها قدمي أرض المصعد.
بالتأكيد.
بالتأكيد.
شعرتُ وكأن رأسي سينفجر.
لا بد أن هذا مجرد عطل فني، أو هلوسة عابرة؛ أمر يمكن تفسيره منطقياً، بل يجب أن يكون كذلك.
قصص الأشباح، والأطياف…
لا يمكن أن تكون حقيقية بأي حال من الأحوال.
ضغطتُ على زر الطوارئ.
خشخشة.
«نعم، هنا مكتب الأمن، كيف يمكنني مساعدتك؟»
جاءني صوت حارس الأمن عبر مكبر الصوت.
«يا عم، أنا ساكن الشقة رقم 703. أعتقد أن المصعد قد تعطل، فهل يمكنك إيقافه يدوياً؟ إن شاشة الطوابق تعرض رموزاً غريبة.»
وبدلاً من تلقي إجابة، لم يصدر عن مكبر الصوت سوى تشويش إلكتروني، فأخذتُ أنقل وزني من قدم إلى أخرى بتوتر شديد وأنا أنتظر سماع صوته مجدداً.
«الطابق السابع غير موجود.»
«ماذا؟»
«الطابق السابع غير موجود في مصعدنا. الطابق السابع غيرموجودطابقيوجدالمصعـ…»
تمطّط الصوت وتشوه على نحو مروع، وأخذت الجملة تتكرر وتتقطع وسط صرير معدن يُكشط ببعضه، حتى استحالت إلى تمتمات غير مفهومة على الإطلاق.
ضجيج يتجاوز حدود الكلمات.
صوت يشبه طحن العظام ومضغها.
صرخة مكتومة تنبعث من تحت الماء.
«هناكيوجدطابقللضيفموتإقامةانتحارنحنالآن»
ثم انقطع مكبر صوت الطوارئ تماماً.
وأنا عاجز عن التقاط أنفاسي، ضغطتُ ببطء على زر التحدث مرة أخرى.
ضغطة واحدة.
ثم ضغطة أخرى.
لكن لم يصدر منه أي صوت.
«يصل المصعد الآن إلى الطابق التالي.»
ومع تردد هذا الإعلان الصوتي المألوف، شرع المصعد يتحرك من جديد، بينما ومضت مصابيح السقف عدة مرات.
تشبثتُ بقضيب الاستناد المعدني في المصعد بكل قوتي، وتكورتُ على نفسي في الزاوية.
ما الخطأ الذي اقترفته؟
هل قمتُ بتجربة طقس من طقوس قصص الأشباح دون أن أدري؟
لكنني لم أجرب أي قصة أشباح في هذا المبنى قط.
فلماذا يحدث هذا إذن؟
‘فكّر يا سون جيهيون، فما من معضلة إلا ولها حل.’
أخرجتُ هاتفي بيدين مرتجفتين.
لا توجد إشارة.
خارج نطاق التغطية.
كانت جميع التطبيقات التي تعتمد على بيانات الاتصال معطلة تماماً، وكذلك الحال مع مكالمات الطوارئ والرسائل النصية.
«…حتى رقم الطوارئ 119 لا يعمل. إن هذا حقاً…»
يبدو أنني قد عضضتُ باطن فمي دون وعي، إذ ملأ طعم الدم حلقي.
غير أن ذلك ساعدني على تصفية ذهني.
قصص الأشباح حقيقية.
انحبست أنفاسي في صدري.
صحيح أنني بحثتُ باستماتة عن قصة أشباح حقيقية، لكن ذلك لم يكن يعني أبداً أنني رغبتُ في أن أُحتجز داخل إحداها على هذا النحو.
كما أدركتُ الآن لماذا لا ينبغي لنا لوم الأشخاص الذين يختفون في قصص الأشباح لعدم اتصالهم بالشرطة.
فقصة الأشباح في القرن الحادي والعشرين تبدأ أولاً بانقطاع شبكة الاتصال.
يوجد منشور جديد في سجل الزوار!
ظهر إشعار جديد في أعلى شاشة هاتفي.
ولكنني كنتُ خارج نطاق التغطية.
فهل يعقل أن هاتفي اتصل بشبكة لاسلكية بطريقة ما؟
تشبثتُ بهذا الاحتمال الضئيل، وأخذتُ أفتح كل تطبيق وموقع إلكتروني على هاتفي.
لكن لم يعمل منها شيء.
لم يملأ الشاشة سوى نصوص متقطعة معطوبة، وصور مشوهة مروعة، وملفات صوتية مشوشة، وأصوات صرير لا تنتهي.
‘أرجوك، افتح أي شيء فحسب، افتح.’
لم تُفتح بشكل سليم سوى نافذة واحدة فقط.
كانت نافذة مدونتي، التي فُتحت عبر الإشعار المنبثق.
وحتى داخل المدونة، لم أتمكن إلا من تمييز الخصائص التي ما زالت تعمل.
البحث، وعرض المنشورات، وسجل الزوار.
ومض أحدث منشور في سجل الزوار.
≪سنقضي وقتاً ممتعاً.≫
≪نحن بانتظار ردك.≫
≪نحن بانتظار ردك.≫
≪نحن بانتظار…≫
واصلت الرسائل ظهورها تباعاً بلا توقف أسفل تلك الرسالة المتسلسلة المزعجة.
أعدتُ قراءة الرسالة المتسلسلة على عجل، فاستوقفتني كلمات لم ألقِ لها بالاً في السابق.
ساعة واحدة. مهلة. شؤم. رد.
‘أيعقل أن كل هذا قد حدث لأنني لم أرد عليها خلال ساعة واحدة؟’
مستحيل.
طردتُ تلك الفكرة المشؤومة من رأسي عنوة، وقررتُ التعامل مع المأزق الراهن أولاً.
فالإنترنت مقطوع تماماً، ومع ذلك ما زال بإمكاني تصفح مدونتي.
وعند التفكير في الأمر بعقلية محقق في قصص الأشباح، لم يكن هناك سوى تفسير واحد فقط.
فسواء أكنتُ البطل في هذه القصة أم الضحية، فإن الكيان الكامن وراء قصة الأشباح هذه يريد مني القيام بشيء ما.
لن يكون هناك أي حل منطقي تقليدي.
كان عليّ أن أفكر بمنطق قصص الأشباح، وأستنتج بقوانينها، وأهرب على طريقتها.
وذلك قبل أن يصل هذا المصعد إلى وجهة ما.
أدخلتُ في شريط البحث كلمات مفتاحية مثل #مصعد، و#عالم_آخر، و#التنقل_بين_الطوابق، وشرعتُ أتصفح المنشورات بسرعة فائقة.
وبعد تمرير الشاشة لوقت طويل، لفتت انتباهي قصة أشباح قديمة.
كانت قصة أشباح أجنبية مترجمة كنتُ قد نسختها سابقاً من أحد المواقع الشخصية.
المصعد المؤدي إلى عالم آخر.
「بمجرد أن تستقل ذلك المصعد، يمكنك الاستمرار في الصعود إلى الأبد؛ غير أن المصعد لا يتوقف عند طوابق عادية، فما إن تركبه حتى يتصل ببُعد آخر، ليظهر أمامك مشهد مختلف في كل مرة يتوقف فيها، وإذا خرجتَ من المصعد، فستظل عالقاً هناك إلى الأبد.」
مررتُ الشاشة إلى الأسفل.
「يختلف المكان الذي يصل إليه المصعد باختلاف كل راكب، ويُقال إنه يقود الركاب في نهاية المطاف إلى المكان الذي يرغبون فيه أكثر من أي شيء آخر.
وقد شهد جميع الركاب الذين عادوا أحياءً من ذلك المصعد بأنه أخذهم إلى الجنة، حيث التقوا بشخص عزيز كان قد فارق الحياة بالفعل.」
「لم تُسجّل قط أي شهادة لأي شخص لم يخرج من المصعد.」
「ولم يُعرف قط ما يقع في نهاية مسار المصعد.」
«…»
طَقّ.
انفتح باب المصعد.
وفي هذه المرة، لم تكن هناك دماء ولا حبال.
بل كانت غرفتي ماثلة خلف الباب مباشرة.
خزانة الكتب غير المرتبة، ومواد قصص الأشباح المكدسة فوق مكتبي، وشاشة الحاسوب المظلمة.
كان المشهد مألوفاً إلى حدّ أنني كدتُ أخطو إلى الخارج بلا تفكير.
‘تمالك نفسك.’
صفعتُ خدي مرة واحدة لأستفيق.
لو أنه أراني ممر الطابق السابع لخرجتُ دون تردد، ومن حسن حظي أنه عرض لي غرفتي مباشرة.
وبينما ظللتُ ملتصقاً بالزاوية دون حراك، استمر المصعد في عرض مشهد غرفتي لوقت طويل…
ثم انغلق الباب من جديد.
هدّأتُ من روعي ورتبتُ أفكاري.
أخذتُ أنقر وأقرأ كل قصة أشباح متناثرة بين التقارير والشهادات المسجلة.
طلب المساعدة عبر مكبر صوت الطوارئ والمطالبة بفتح الأبواب يدوياً: فشل.
الخروج في أي طابق ومحاولة الهرب إلى الخارج: فشل، ولم يُسجّل أي تقرير عن عودة أحدهم.
محاولة التواصل مع أشخاص خارج المصعد: فشل.
رتبتُ الحقائق والمعطيات واحدة تلو الأخرى في ذهني.
تركب المصعد، وترى المشاهد المتعاقبة، ثم إما أن تعود، وإما أن تفشل في العودة.
لنفترض أن جميع الشهادات الواردة في قصص الأشباح هذه صحيحة تماماً.
لم يُبلّغ قط عن نهاية مسار المصعد؛ وبعبارة أخرى، فإن كل من رأى النهاية إما أنه لم يعد أبداً، أو أن جميع الناجين قد عادوا أحياءً قبل الوصول إليها.
ولكن لماذا خرج أولئك الأشخاص من المصعد؟
ما الذي رأوه وجعلهم يظنون أن الخروج آمن؟
واصل المصعد التوقف وفتح أبوابه بلا انتهاء.
غرفتي، تقاطع غوانغهوامون، مكتبي في العمل، رجال إطفاء يصرخون بأن الخروج بات آمناً، منزل عائلتي، مستشفى، المتجر الصغير الذي أرتاده دائماً، ثم ممر الطابق الأول مرة أخرى…
‘لقد توقف عن عرض مشاهد خارجة عن نطاق معرفتي.’
فلم تعد تظهر تلك المشاهد التي تشبه الأفلام الدموية.
‘أيكون ذلك لأنني أفكر في أماكن آمنة؟’
توقف المصعد مجدداً.
واندفعت رائحة الدماء إلى الداخل مرة أخرى.
ظهر منزل ريفي قديم على الطراز الأمريكي، وفي منتصف طاولة الطعام غُرست فأس حادة، بينما تمدد تحتها أشخاص غارقون في دمائهم.
「شهدت مارغريت سوينتون، التي استقلت المصعد، بأن مشاهد مقتل عائلتها ظلت تتكرر أمامها بلا توقف؛ فبينما كانت السيدة سوينتون خارج المنزل، قُتل أفراد عائلتها الأربعة بفأس، وكانت هي أول من اكتشف مسرح الجريمة…」
كان المشهد مطابقاً تماماً لمنشور قصة الأشباح الذي كنتُ أقرؤه للتو.
‘ربما يكون المصعد قادراً على قراءة أفكاري… فماذا لو ركزتُ تفكيري على شدة جوعي الآن…’
«وصل المصعد.»
انفتح الباب.
فظهر أمامي مشهد المطعم الذي أرتاده بانتظام؛ رائحة الطعام الزكية، وصاحب المطعم الذي يتحرك بنشاط، كل شيء بدا مطابقاً لما تخيلته تماماً.
أغمضتُ عينيّ وأفرغتُ ذهني من كل فكرة.
لم أتخيل الوجهة التي أرغب فيها، بل تخيلتُ وجهة أخرى تماماً.
المعبر الوحيد الذي يمكن لقصة الأشباح من خلاله أن تتجاوز مجرد محاكاة الأشياء لتتصل بالواقع الأصلي.
ثم شرعتُ أضغط على أزرار المصعد.
العاشر، فالرابع، فالثاني، فالسادس، فالثاني، فالعاشر.
وأخيراً… الخامس.
‘حين تصل إلى عالم آخر، فإن إعادة الضغط على الأزرار بترتيب عكسي تبدأ رحلة عودتك إلى عالمك الأصلي.’
لقد حددتُ هذا المكان باعتباره العالم الآخر، وثبّتُ الواقع ليكون وجهتي المقصودة.
فلكي تكتمل حبكة قصة الأشباح، كان لا بدّ لرحلة العودة إلى الواقع وللمكان الذي وقعت فيه الظاهرة أن يتقاطعا ويتصلا معاً.
«كاذب.»
«…!»
في اللحظة التي ترددت فيها تلك الكلمة القصيرة عبر مكبر الصوت، أخذ المصعد يهوي بسرعة جنونية وأبوابه ما تزال مشرعة.
«لقد أردتَ العودة.»
وبينما كنتُ أهوي إلى الأسفل، شعرتُ بجسدي يطفو في الهواء.
أخذ الجزء العلوي من المصعد يتمدد مبتعداً إلى ما لا نهاية، وتطاولت المشاهد الخارجية معه.
وناداني صوت ما.
صوت أفتقده بشدة، رغم أنني أجهل صاحبه.
أتعرف؟
لا أعرف.
بل أعرف.
ذلك الشيء الوحيد الذي طالما بحثتُ عنه…
«الباب يُفتح.»
توقف المصعد.
ولاحت أضواء الفلورسنت تومض من خلف الباب الذي ينفرج تدريجياً، مترافقةً مع همهمات أناس في الخارج.
«يا إلهي، ألستَ ساكن الشقة رقم 703؟ هل كنتَ محتجزاً داخل المصعد؟»
أطلّ حارس الأمن فجأة برأسه داخل المصعد.
الجاذبية، والحركة، والوزن.
كل الأحاسيس الفيزيائية التي يفترض أن توجد طبيعياً داخل المصعد.
إنه الواقع.
اندفعتُ راكضاً إلى الخارج على الفور.
«أنا حي…!»
لا بد أن ملامح وجهي كانت في حالة يرثى لها؛ فبدلاً من أن يتضايق السكان لأنني شغلتُ المصعد كل هذا الوقت، أخذوا يواسونني ويطمئنون عليّ.
«هل ظللتَ محتجزاً لوقت طويل؟ ألم تضغط على زر الطوارئ؟»
«لقد ضغطتُ عليه عشرين مرة على الأقل…»
«يا لطيف، لا بد أن عطلاً ما قد أصابه. سأتصل بفني الصيانة في أول الصباح غداً، واحتياطاً للأمر، استخدموا السلالم ريثما يحضر الفني.»
وبصراحة، ما كان أحد ليجرؤ على ركوبه حتى لو سُمح لهم بذلك.
فأسرع الجميع نحو السلالم.
صعدتُ الطوابق السبعة ركضاً دفعة واحدة، ولم أدخل شقتي إلا بعد أن تفقدتُ الممر وباب منزلي عشر مرات أخرى على الأقل.
جثم الجوع والإرهاق على صدري دفعة واحدة.
‘سأشرب علبة جعة على الأقل.’
ولكن حين فتحتُ الكيس البلاستيكي، انبعثت منه رائحة نتنة لا تُطاق.
فقد تعفن كل الطعام الذي كان سليماً تماماً قبل قليل، وبدا وكأنه قد تُرك فاسداً لأسابيع طويلة.
يوجد منشور جديد في سجل الزوار!
كان الحاسوب المحمول، الذي كنتُ متأكداً تماماً من إغلاق غطائه، مفتوحاً على مصراعيه ويسلط ضوء شاشته نحوي مباشرة.
خُيّل إليّ أن ضحكة خبيثة تنبعث من أحدث منشور في سجل الزوار.
≪هل ستستجيب لحظك السعيد؟≫
«هاه، هل جننت؟»
وكأنني قد أستجيب له فعلاً، أطبقتُ غطاء الحاسوب المحمول بقوة محدثاً دويّاً عالياً.
يتبع ………
حساب الإنستا الجديد لأي استفسارات أو طلبات ترجمة: @ag00.ego