الفصل 109.1 - رسالة وخاتمة المجلد الأول، وصور الثلاثي
رسالة وخاتمة المجلد الأول – بقلم المؤلف: الحبار محب الغوص
تنبيه: تحتوي هذه الرسالة الختامية على حرق صريح للأحداث. إن لم تكن قد أتممت قراءة المجلد الأول من «حلقة الحتمية»، فلا يُنصح بالاطلاع عليه إطلاقًا، تفاديًا لإفساد تجربة القراءة.
✦ ✦ ✦
تختلف بنية الروايات وتتباين دلالات كل مجلد باختلاف العمل؛ وحين لاحت في ذهني ملامح حبكة «حلقة الحتمية» لأول مرة، كانت فكرتي المسبقة أن المجلد الأول يجب أن يكون تمهيدًا ومدخلًا استهلاليًا. كان عليه أن يخطو الخطوة الأولى ليرينا كيف غدا شكل العالم بعد انقضاء سنوات على أحداث الجزء الأول من «لورد الغوامض»، وما هي التحولات الجذرية التي طرأت عليه، مع رسم الخطوط العريضة لملامح بطلنا «لوميان». كل ما كان على المجلد الأول إنجازه هو غرس جملة من الخيوط المفتاحية البالغة الأهمية؛ أما سائر التفاصيل، فيمكن صقلها وإنضاجها على مهل في المجلدات القادمة.
وبعد أن استقرت الفكرة العامة، برز السؤال: كيف نجسدها واقعًا؟ في بداية الأمر، لم تكن لدي رؤية مسبقة، ورحت ألتمس الإلهام عبر قراءات مستفيضة وتأملات وخوض بعض الألعاب. وخلال تلك المرحلة، اقترح أحد القراء في تعليقات حسابي على «ويتشات» لعبة بعنوان: «ما تبقى من إديث فينش» (What Remains of Edith Finch).
لم أستطع الصمود فيها لأكثر من نصف ساعة؛ إذ لم أقوَ على مغالبة نوبة الدوار الحاد الناجمة عن مؤثرات الـ(3D)، واضطررت للاستسلام وإغلاقها. لكنني قصدت لاحقًا موقعي Bilibili وZhihu لمشاهدة مقاطع اللعبة ومطالعة مقالاتها التفسيرية، وأنهيتها بهذه الطريقة (أو هكذا أوهمت نفسي!).
وهناك لمعت الفكرة في ذهني: إن سرد القصة عبر الرموز والاستعارات أسلوب باهر وساحر؛ إذ يمنح شعورًا سرياليًا غارقًا في الغرابة، وأجواءً من الانفصال والتجرد تتطابق تمامًا مع الأثر الذي كنت أود اقتناصه وتجسيده.
متسلحًا بهذه الرؤية، قررت أن ألقي بالحذر عرض الحائط وأخوض المغامرة فـ”المرء لا يعيش إلا مرة واحدة”، لأصنع شيئًا مختلفًا كليًا في المجلد الأول.
آه من بني البشر، تباً لهم! تعتريهم دائمًا تلك النزعة للمخاطرة حتى وإن كانت تنطوي على هلاكهم، ويركبهم الغرور لتحدي أنفسهم دون اعتراف بمحدودية طاقاتهم. بيد أن الحياة قصيرة، وتكرار المرء لنفسه يبعث على الضجر والسأم.
زد على ذلك أنني تلاعبت بالرموز والاستعارات من قبل بشكل أو بآخر؛ كما في «عرش الغوامض السحرية» (Throne of Magical Arcana)، حين وظفت تسلسل حلم “شياو لو” (لوسيان إيفانز) وتأويلاته ليرمز إلى شخصيته ونزعاته وأغوار نفسه.
لذا رأيت أن بمقدوري اتخاذ الحلم أداة فنية هذه المرة أيضًا، ولكن شريطة ألا يقتصر على بضع عشرات من الفصول، وألا يمر مرورًا سطحيًا، ولا ينحصر في كونه مجرد مرآة نفسية يرى لوميان فيها ذاته؛ بل كان الهدف تفكيك الحكاية التي وقعت بالفعل [الواقع]، وتجريدها إلى عناصر موشاة بالرموز ومتباينة الاستعارات، ثم إعادة تجميعها ورتقها مع مشاهد روايات أورور التي طالعها لوميان ومع أحلام يقظته، لنصوغ منها قصة متكاملة ومرئية [الحلم] أمام أعين القراء.
يا للهول، يا رفاق! كان هذا في غاية الإثارة والإمتاع؛ فرغم أنني أروي لكم قصة بعينها [الحلم]، إلا أنها في الحقيقة قصة أخرى تمامًا [الواقع]. ومن منظور الكاتب، كانت تلك تجربة ممتعة بحق.
غير أنني، ككاتب ينشر روايات ويب مسلسلة عبر الإنترنت، كان لزامًا عليّ أن أحفظ أمرين جوهريين: سلاسة القراءة (Readability)، وجدوى الحكاية واستحقاقها (Worthwhileness).
أما “سلاسة القراءة”، فتعني ألا يغرق الكاتب في شطحات جنونه والعبث بأفكاره لدرجة تجعل القراء يتخبطون في حيرة وعجز عن الفهم. وهذا يستلزم أن تُروى القصة المعاد تركيبها [الحلم] بأسلوب بسيط، شيق، وسلس؛ مع تقديم القرائن والظواهر المريبة بنبرة واضحة ومباشرة، حتى إذا ما انقلبت الحبكة رأسًا على عقب لاحقًا، يشهق القارئ قائلًا: «آه! هكذا كان الأمر إذن!»، بدلاً من أن يصرخ غاضبًا: «ما هذا الهراء الذي تهذي به؟!».
وأما “جدوى الحكاية”، فتعني أنه لا يحق لي أن أسطر مئة فصل كاملة، ثم ألتفت للجميع لأقول ببرود: «لقد كان كل ما عشتموه مجرد حلم رآه البطل!». فهذا سيدفع القارئ لا محالة للقول: «ما الفائدة من كل هذا الهدر إذن؟». ولهذا، لم يكن من المقبول أن يقتصر هذا المجلد على كونه مجرد سرد رمزي واستعاري لما انقضى؛ بل كان لا بد له من الاضطلاع بدور تأسيسي ومحوري في البنية السردية للرواية بأسرها.
ولهذا السبب تحديدًا، وما إن تحطم الحلم [في الفصل 107]، حتى بادرت على الفور إلى استخدام السرد الزمني العكسي عبر تقرير تحقيق مستقبلي [في الفصل 108]، لأكشف للجميع أن هذا المجلد لم يكتفِ بتفكيك العالم الباطني للبطل ومنحه شعلة الدوافع لتحركاته المستقبلية فحسب، بل أبان أيضًا أن الكثير من مفاصل حبكته تنطوي على دلالات رمزية، وتستبطن مجازات لأمور لم تتكشف بعد، فضلًا عن دفن خيوط مصيرية لتطور الأحداث لاحقًا. لم تكن المسألة مجرد حلم بسيط.
وحين ننظر للأمر من هذا الأفق، فإن هذا المجلد الموسوم بـ «كابوس» يغدو بحق مدخلًا استهلاليًا؛ وتلك الفجوات والأسرار التي حفرتها وتركتها خلفي ستُردم وتُكشف تباعًا ورويدًا رويدًا. بل لعل اللغز الأكبر والأهم لن ينجلي أمره إلا في المجلد قبل الأخير، أو ربما الأخير ذاته.
✦ ✦ ✦
اسم الرواية وإلهام الحلقة الزمنية:
دعوني الآن أستطرد في استعراض ما دار بخَلَدي أثناء الكتابة وما أنجزته على أرض الواقع:
بعد أن بلورت ما أبتغيه في المجلد الأول، تقاعست عن الشروع في الكتابة حينًا من الدهر؛ بدافع الكسل تارة، ولعدم فراغي من مطالعة المراجع تارة أخرى، فضلًا عن أن موعد التدشين الرسمي كان لا يزال بعيدًا. وظل الحال كذلك حتى وقع ذلك الموقف الطريف الذي رويته في إعلان ما قبل النشر؛ إذ ذكرت أنني وضعت أمام منصة “تشيديان” خيارات متعددة لعنوان الرواية [كانت كلها أسماء لكيانات خارجية] وتركت لهم حرية الاختيار، على أن يحسم خيارهم مسار لوميان الثاني والوجهة التي ستسلكها بعض مسارات القصة.
فوقع اختيارهم على: «حلقة الحتمية» (Circle of Inevitability)! وحين طالعت الاسم، تمتمت في سري: «حلقة الحتمية، هاه؟»، ومسدت ذقني متأملًا: 🤔، وأدركت حينها أن بمقدوري إقحام فكرة “الحلقة الزمنية المتكررة” (Loop) في نسيج المجلد الأول.
فالمقارنة والمقابلة بين ما قبل الأحداث وما بعدها تضفي دلالات رمزية عميقة، وتعدد العناصر يثري بلا شك تجربة القارئ.
وهنا نضجت الفكرة تمامًا؛ بيد أن ما سطرته بيدي أول الأمر لم يكن النص الذي تطالعونه الآن، بل دوّنت القصة الحقيقية التي وقعت بحذافيرها [الحلقة صفر، أي الواقع المجرد]، متضمنةً أدق التفاصيل الجوهرية، وأسميتها: «خط القصة الحقيقي» [الواقع].
وبعد إحكام «خط القصة الحقيقي»، جاءت الخطوة التالية: استخلاص الأحداث والمفارقات المفتاحية ودمجها بعوالم الحلم وحلقات التكرار لابتكار: «خط القصة المرئي» [الحلم].
وخلال هذه العملية، كنت تارةً أُلبس وقائع «خط القصة الحقيقي» رداء الرمز والاستعارة قبل غرسها في «خط القصة المرئي»، ثم أوظف مشاهد روايات أورور وتخيلات لوميان وأحلام يقظته لرتق أي فتق أو تناقض. وتارةً أخرى، كنت أصوغ «خط القصة المرئي» أولًا، ثم أعود متأملًا أي شطر من «خط القصة الحقيقي» يليق بإسقاطه هنا، وكيف أسبغ عليه طابع المجاز. لقد كانت العملية برمتها أشبه بالتهام خيط سباغيتي من طرفيه في آنٍ واحد!
✦ ✦ ✦
ملحوظات الشخصيات ومسألة “ألاباما”:
وحين فرغت من تلك الخطوات، انتقلت لتدوين الملحوظات التوجيهية الحاكمة للكتابة:
وأقصد بها القواعد الخاصة بتناول بعض الشخصيات والأحداث؛ فعلى سبيل المثال، كانت ملحوظتي الخاصة بثلاثي المحققين الرسميين: “يجب وصفهم بأسلوبي السردي المعتاد”. أما ملحوظتي حيال أورور فكانت: “ينبغي أن تُكتب كما لو كنت أسطر تخيلات لوميان المزخرفة وانطباعاته المثالية عنها؛ كأنني أكتب تصور لوميان عن أورور كما تجلى في أعمق ذكرياته المتكررة عنها” [وبالتالي، فلا وجود لأي علاقة محرمة رخيصة ].
أما على صعيد الأحداث، فقد دونت ضرورة الاستعانة بتفاصيل الروايات للمواءمة ورتق الثغرات، مع إظهار السلوكيات الشاذة والمريبة بمقدار موزون بدقة. ومثال ذلك، قيدت توجيهًا بأن القرويين وأورور يجب أن يبدوا مع كل حلقة تكرار لاحقة “أكثر بشرية وأقدر على التفكير والتصرف بعقلانية” [انعكاسًا لتزايد نشاط شظايا أرواح أورور والقرويين المستقرة في أعماق لوميان]، وهكذا دواليك.
ولاحقًا، حين رفعت المخطط لإدارة تشيديان لمراجعته، انتزعت منه كافة الشروح والإشارات التي توضح المعاني الرمزية والمجازية لئلا أحرق «خط القصة الحقيقي»، وتركت لمحرري المنصة «خط القصة المرئي» فحسب؛ فلم أكن لأرتضي لأحد أن يسبق إلى معرفة الأسرار والقصة الحقيقية قبل أوانها، ولا حتى المحررين!
✦ ✦ ✦
ولادة العبارة المؤثرة (الصدمة العاطفية وتحويل الكليشيه إلى سكين):
وحين استقرت كل هذه الأركان، دقت ساعة الكتابة الفعلية.
بيد أن كثيرًا من القراء يسألون: هل يعني التقيد بمخطط بمثل هذا التفصيل أن عملية الكتابة اللاحقة تغدو مجرد تنفيذ آلي للخطة؟ والجواب قطعًا: لا! فالإلهام يباغتك في أي لحظة، وفي أحيان كثيرة لا يلوح لك العلاج الأوفى لمفصل درامي معين إلا حين تبلغ بقلمك نقطة بعينها في مسار الرواية.
خذوا مثلًا مشهد ارتحال ناروكا بالعربة قاصدة «باراميتا» [الفصل 40]، ومواجهة أورور ولوميان لجموع الموتى الأحياء [الفصل 41]؛ حينها استخدمت استعارة بسيطة نسبيًا [توظيف قدرة المشعوذ لدفع لوميان بعيدًا] لترمز إلى مشهد جوهري من «خط القصة الحقيقي»؛ وهو دفع أورور للوميان بعيدًا أثناء الطقس الأصلي الذي أطلق شرارة المأساة كلها [الفصل 107]. وفي الوقت عينه، رحت أفكر في كيفية نسج بقية التفاصيل وسد الفراغ.
لو تأملتم الفصل 109، سيتضح لكم جليًا أنه في «خط القصة الحقيقي»، لم تنطق أورور إلا بكلمات مبتورة: «دفـ… دفتري» وهي تدفعه خارج حلبة الطقس المشؤوم. لذا، كان على لوميان في غمرة حلمه أن يستعين بمخيلته الخاصة لسد ثغرات الحوار وتطوير المشهد؛ فاستقى ذلك من روايات أورور الرومانسية الرديئة!
وبعد طول تردد، آثرت في نهاية المطاف استخدام أسلوب كليشيهي مبتذل ومفرط في الدرامية كأنه مقتبس من “الأنمي” لترقية هذا المشهد بالذات [في الفصل 41]، ليكون أدل على أن الأمر برمته أضغاث أحلام، وأن بعض عناصره مستعارة صراحة من روايات غرامية مبتذلة تدعو للحرج.
[وهكذا ولدت تلك العبارة المؤثرة -والركيكة بنكهة الأنمي في آنٍ واحد- على لسان أورور: «أخي الغبي، عش جيدًا..» في الفصل 41].
لكنني كنت على يقين بأن مثل هذا الابتذال سيولد نفورًا وامتعاضًا لدى الكثير من القراء؛ إذ بدا نافرًا تمامًا عن النبرة العامة للعمل حتى تلك اللحظة، ومفرطًا في العاطفية بأسلوب عفا عليه الزمن.
عكفت على تنقيحها مرارًا وتكرارًا، لكن الوقت داهمني ولم تسعفني قريحتي ببديل أفضل، فأبقيتها كما هي [في الفصل 41]. غير أنني، وفي غمرة التدبر، استشعرت أن بوسعي استثمار هذا الابتذال ليغدو مسك ختام المجلد.. مضاعفةً للرهان، وصدىً مدويًا!
[ومن هنا ولدت الجملة الأخيرة في الفصل 109: «أيها الغبي، عش جيدًا»؛ عبارة من رواية أورور، استحضرها لوميان ليرتق بها حلمه في الفصل 41].
وبصنيعي هذا، حققت غايتين:
أولًا: برهنت بجلاء على طبيعة الحلم؛ وأنه خاضع لسطوة الروايات التي التهمها لوميان.
ثانيًا: حين يتردد صدى العبارة للمرة الثانية [في ختام الفصل 109]، متضافرًا مع التمهيد المسبق والذكريات المؤلمة، ومع حس القارئ الفطن الذي استشعر ركاكة حوار الفصل 41 في حينه؛ استطعت أن أحيل ذلك الحوار الرومانسي المستهلك إلى سكين نافذة تمزق الفؤاد حسرةً وألمًا (Emotional Damage)!
فليس ثمة حوار رديء أو بالٍ في ذاته؛ بل العبرة دومًا في براعة توظيفه وموضعه!
وكل هذا يبرهن على أنني لم أظفر بخاتمة المجلد الأول «كابوس» إلا حين بلغ مدادي مشهد «باراميتا» [الفصل 40]؛ أما المخطط المجرد، فلم يكن ليهبني تلك النهاية.
✦ ✦ ✦
النهايتان البديلتان:
وكانت هناك نهايتان بديلتان خطرتا لي في البدء ثم صرفت النظر عنهما:
الأولى: بعد أن ينجو لوميان بجلده، ينام في مرعى جبل ناءٍ، ويحلم بقرية كوردو، وبأورور، وبرفاقه؛ وفي الحلم بدت كوردو وادعة، متآلفة، وتفيض سلامًا. وكانت تلك الفكرة وليدة وحي العنوان: «كابوس».
الثانية: أن يقطع المشهد مباشرة نحو حانة في تراير؛ حيث يشرع لوميان من جديد في سرد حكايته: «أنا مجرد نكرة، لا أملك وقتًا لملاحظة إشراق الشمس». وكان ذلك ليبرز جمالًا هيكليًا يجسد الدوران في حلقة مفرغة وحتمية المصير.
أجل! فتلك الجملة الاستهلالية لحكاية لوميان -والتي افتُتح بها المجلد الأول نفسه- ما هي إلا خلاصة مكثفة ومقطرة لقصة المجلد الأول بأسرها؛ فكانت استهلالًا للرواية وإيجازًا لها في آن. وما دام المجلد الأول بأسره يلهو بالرموز والمجاز، فكيف لحكاية اختلقها لوميان وتصدرت صفحات الكتاب ألا تنطوي على سر دفين؟! وبالنظر إلى طبيعة لوميان، فلا شك أن حكايته كاذبة في معظمها، بينما تتدثر أجزاؤها الصادقة بالرمزية، حاجزة خلفها خيوط القصة الجوهرية. يا رفاق، لقد استعنت بتلك القصة المختلقة التي افتتح بها لوميان الرواية لأخبركم سلفًا بما سيكون عليه المجلد الأول؛ هذا هو دورها، وتلك هي دلالتها الرمزية.
✦ ✦ ✦
الاعتراف بالنواقص والعيوب الخمسة:
كان ذلك مجمل الأفكار الإبداعية وملحوظات التأليف وما راق لي في المجلد الأول، غير أن العمل شابه بلا ريب بعض القصور:
إقحام شروح السحر الطقسي: جاء بسط معارف السحر الطقسي في مرحلة تسارع الإيقاع، مما أخل بانسيابية السرد. وكان الأصوب أن أعيد ترتيبها لأعرضها قبل أن تستعر وتيرة الحلقة الزمنية، أو أن أنثرها متفرقة عبر تقنيات الفلاش باك والاستطراد.
فترة الركود السردي: بين استكشاف قبو الكنيسة وقبل صيد وحش اللهب، وقعت فترة فراغ هبط فيها زخم الحبكة؛ إذ نَفِدت القرائن الأولى ولم تكن الحوادث الشاذة التالية قد اندلعت بعد. لم أتفطن لهذا المأزق عند رسم المخطط الأولي؛ وحين بلغت تلك النقطة، كان لزامًا عليّ تهدئة الإيقاع قليلًا دون إبطاء مخل. يُضاف إلى ذلك أن استكشاف أطلال الحلم والصيد الفردي يفتقران بطبيعتهما للجاذبية الكافية لحمل الرواية بمفردهما. ومع ذلك، كان ثمة خيوط لا تزال قيد التأسيس، وحكايات صغرى لا مفر من سردها لإحكام البناء العام. فتمالكت صبري وفرغت منها رويدًا رويدًا، مع تهذيبها وتسريع وتيرتها قدر المستطاع. وقد استشعرت أثر هذا القرار قبل تلقي ردود أفعال القراء لأنني كنت أحتفظ بفصول مدخرة؛ لذا، حين رأيت تعليقات القراء تشير إلى مكمن قلقي ذاته، ابتسمت في سري لأنني كنت قد تداركت الأمر واستعددت للعاصفة، وسرني في الوقت عينه أن قلمي كصانع عمل لا يزال ينبض على إيقاع القراء.
تباين التوقعات: كنت أرجو للمجلد الأول أن يكون مدخلًا ومفتاحًا يشرع أبواب الحكاية القادمة؛ ورغم أنه يمتلك بنيته المستقلة، إلا أن كل خيوطه وأسئلته المعلقة مرجأة للمجلدات التالية لتفكيكها. غير أن قطاعًا عريضًا من القراء انتظر حسمًا كاملًا للحبكة وذروة عاصفة على غرار المجلد الأول من «لورد الغوامض». وتلك توقعات مشروعة لا غبار عليها إطلاقًا؛ بل التقصير مني أنا، إذ لم أدرِ كيف أقول للناس: “إن هذه الاستعارات الحلمية هي تمهيد مرصود لمجلدات لاحقة”، دون أن أفسد عليهم المفاجأة وأبوح بأن الأمر برمته حلم!
تضحيات في رسم الشخصيات: ضحيت ببعض أبعاد الشخصيات لصالح الفكرة المفاهيمية العامة للمجلد الأول، ولن يتسنى صقل ملامحها إلا تدريجيًا فيما بعد؛ مع أن ما أعتزم إبرازه في تلك الشخصيات قد لا يتطابق مع تصوراتكم، بل لعلها ستفوق توقعاتكم جنونًا! (هههه).
الترقي السريع في التسلسلات الأولى: كان الأجدر بي الإشارة مبكرًا إلى أن الجرعات وخصائص المتجاوزين للتسلسلات الدنيا غدت أقل وطأة في آثارها السلبية جراء اقتراب نهاية العالم؛ حتى لا يبدو ترقي لوميان السريع شاذًا أو مجافيًا للمنطق. فبعد مضي سنوات على ختام الجزء الأول، لا يستحضر كل القراء أدق التفاصيل [مثل حقيقة تراجع إرادة الحاكم الأصلي وتلاشيها التدريجي]. وحين فطن عقلي للأمر، كان لوميان قاب قوسين أو أدنى من الترقي إلى «مستفز»، فسارعت لتوظيف أورور لتبسط الشرح وترتق الخلل [في الفصل 97].
✦ ✦ ✦
الإعلانات وموعد المجلد الثاني وعنوانه:
غدًا، سأنشر بطاقات التعريف بشخصيات: أورور، ومدام بواليس، والكاهن، وثلاثي المحققين الرسميين. وعقب ذلك، وكعادتي المتبعة، سآخذ استراحة تمتد لثلاثة أيام ونصف لإحكام مخطط المجلد الثاني وشحذ طاقتي، على أن أستأنف نشر أول فصول المجلد الثاني يوم الجمعة، في تمام الساعة 12:30 ظهرًا.
وبعد طول تفكير، استقر خياري على عنوان سبق استخدامه للمجلد الثاني، لكونه الأنسب دلالة ولا غنى عنه، والعنوان هو: «الباحث عن الضوء» (Lightseeker) (تذكّر: لأنك تراب، وإلى التراب تعود).
سيكون المجلد الثاني أقصر نسبيًا مقارنةً بمجلد «عديم الوجه» في الجزء الأول؛ إذ سيناهز مئة فصل أو تزيد قليلًا، ولن يربو كثيرًا على المجلد الأول «كابوس». وبطبيعة الحال، ستكون هناك مجلدات أضخم في قادم الأيام، رهنًا بموضوع كل مجلد وبنيته وغايته.
وختامًا، أتوجه بوافر الشكر والامتنان للقارئ Livy37 على دعمه السخي [تبرع بلاتيني جديد]. ولا تنسوا دعم الرواية والتصويت لها بتذاكركم الشهرية!

لوميان لي

أورور لي

مدام بواليس

الكاهن غيوم بينيه
تعديل؛ أشار صديقنا Ash في التعليقات أن الثلاثي لهم صور في الويكي، وهو كذلك، بيد لأنها على أسلوب الـ”تشيبي” لم نحبذ وضعها، ولكن بما أنها طُلبت فدونكم إياها:

ريان فيشيير

ليا بيلوت

فالنتين دي لاكورت