الفصل 115 - النجاح والفشل
الفصل 115 – النجاح والفشل
(في ذات الوقت)
كانت الأقدام تتحرك بسرعة وهدوء، متجنبةً إحداث الضجيج، ومستعجلةً للوصول إلى وجهتها.
وصل رجل يرتدي درعًا حديديًا كاملًا باللون الأزرق، ووقف أمام بوابة كبيرة داخل قصر ذي أطراف مذهبة، يمتد على مساحة شاسعة وسط المدينة.
“سيدي!” صرخ الرجل ذو الدرع.
أمامه، في وسط القاعة البيضاء الواسعة، جلس رجلان وامرأة، بينما جلس رجل آخر بعيدًا عنهم على كرسي كبير. لم تكن ملامحه واضحة بسبب الظل الذي ألقته المكتبة العملاقة خلفه، والتي تقدمها تمثال هائل لتنين يمتد ذيله على طول جدار القاعة البيضاء، وكأنه يحيط بها من كل جانب.
التفت أحد الثلاثة نحو الرجل ذي الدرع، وهمس بصوت هادئ ومسموع: “القائد السادس، ما الذي يدعو إلى كل هذه الجلبة؟”
“سيدي.” همس القائد السادس، ثم عدّل وقفته وتنهد قبل أن يضيف: “البلورة، سيدي… لقد رصدت اقتحامًا!”
“هاااا؟!”
قفز السيد من مكانه، واندفع الكرسي الذي كان يجلس عليه إلى الخلف بعنف، فيما امتد رداؤه الأبيض طويلًا فوق الأرض.
“ما الذي تقوله؟!” صاح السيد، ووقف الشخصان الآخران كذلك. كانت ملامحهم تحمل مفاجأة كبيرة، فيما لم يُبدِ الرجل الجالس على الكرسي أي رد فعل.
“في الصباح، سيدي، نحو الساعة العاشرة…” همس القائد السادس. “رصدت البلورة اقتحام دخيل عالي الرتبة من الجانب الشرقي. كان يستخدم قوته الكامنة للحركة، وبعد وصوله إلى وسط المدينة، أخفى نفسه تمامًا مجددًا.”
“ما الذي تقوله؟!” شخرت السيدة بسخرية. كانت ترتدي عباءة بيضاء كذلك، فيما بدا أن عمرها يتجاوز الأربعين عامًا. ثم أضافت بغضب: “ألم يكن هناك قادة من الرتبة الثانية عند السور؟ كيف لهم ألا يلحظوا دخي…”
“كم لونًا؟”
قطع الصوت الحاد أرجاء الغرفة، وحل الصمت مطبقًا على المكان. كان السؤال صادرًا عن الرجل الجالس في الظل.
ركع القائد السادس سريعًا وأجاب: “أربعة ألوان، سيدي.”
“الشدة؟” سأل السيد مجددًا.
“أربعة ألوان مكتملة الشدة، سيدي.” أجاب القائد سريعًا.
“اخرج.”
سارع القائد إلى الخروج.
جلس السادة الثلاثة مجددًا، ولم يجرؤ أحد منهم على الكلام، لكن ملامحهم كانت تحمل قلقًا كبيرًا.
“سيدي…” قطع السيد الثالث الصمت. كان أصغرهم سنًا، وله شعر أشقر. ثم أضاف بقلق: “هل هو سيد رتبة رابعة؟”
“نعم.” أجاب السيد الجالس في الظل، ثم أضاف: “جدوه. اكتشفوا من يقف خلفه، وما إذا كان منفردًا… واكتشفوا ثمن تجنيده.”
….
(بعد ثلاثة أيام)
وقفت أمام لوحة المهام، وأخذت عيناي تبحثان بين المهام المعروضة، حتى استقرتا على إحداها. التقطت حجرًا، ثم واصلت البحث والتقطت حجرًا آخر، ثم ثالثًا.
“أربع مهام…” همست. “تبدو كافية لهذا اليوم.”
بعد حين، وصلت إلى أحد المنازل في منطقة الميناء.
لم تكن مدينة الشروق مدينة كبيرة فحسب، بل كانت تطل على بحر هائل، أحد ثلاثة عشر بحرًا يحيط بالأرض الثانية.
كان شاطئ البحر واسعًا جدًا، ولم يكن جزء كبير منه مخصصًا للعمل، بل كان عبارة عن مساحات للاسترخاء والمجون. أما الجانب الأصغر، فكان مكتظًا بالأرصفة والروائح العفنة.
كان ميناءً نموذجيًا كما في الأرض، تفوح منه رائحة السمك، وتمتزج فيه أصوات البحارة بسفن الصيد الكبيرة.
كانت هذه زيارتي الأولى للمنطقة. لم أكن أرغب في العمل هنا، لكنني تلقيت طلبًا لأداء مهمة.
(الحماية أثناء الصيد)
كان أحد البحارة يواجه مشكلة في صيد الأسماك الصغيرة.
وقفت أمام البحار، فبدأ يشرح لي طبيعة المهمة.
قبل ثلاثة أشهر، كانت منطقة صيده قريبة من الميناء، حيث كانت المياه ذات عمق مناسب والاضطرابات المائية قليلة. وكان الصيد متوفرًا رغم قلته.
لكن خلال الأشهر السابقة، بدأ العمل على توسيع قناة المياه للسماح للسفن الكبيرة بالرسو. وقد دفعت هذه الخطوة عشرات البحارة إلى ترك مناطق صيدهم المريحة.
ترك معظم صائدي الأسماك الصغيرة المنطقة وانضموا إلى السفن الكبيرة.
أما العجوز كوك وأحفاده الثلاثة الصغار، فكانوا معترضين.
“البحر واسع للجميع. لماذا يجبروننا على اتباع أحد غير أنفسنا في الصيد؟” قال العجوز كوك.
لم أجب، بل استمعت إليه حتى أكمل حديثه.
بعد انتهاء شرحه، اتضحت الخطة، أو بالأحرى، الخطة التي كانت تدور في ذهنه فقط.
إذا كانت منطقة الصيد القديمة محظورة، فما عليه إلا التوجه إلى منطقة أبعد، نحو حواف الجبال الصخرية.
كانت منطقة الحواف وعرة وخطيرة. لكن اضطرابات المياه وبُعد المسافة لم يكونا السبب الأكبر في ابتعاد الجميع عنها.
بل…
حوريات البحر.
نعم، عندما سمعت الاسم، تخيلت تلك الإناث الجميلات المثيرات.
لكن عند الشرح، تبيّن أن الاسم وحده هو ما يوحي بذلك، فحوريات البحر في هذه المنطقة كانت حيوانات لها ذيول أسماك، وأجساد مغطاة بقشور تشبه جلد الأفعى، وأيادٍ طويلة ذات مخالب حادة.
كانت هذه المخلوقات خطيرة جدًا في الماء، حتى إن مخالبها قادرة على قطع الحديد إذا لم يكن صلبًا بما يكفي.
فما بالك بسفينة خشبية متهالكة يملكها عجوز؟
ظلت مهمة العجوز معلقة لأكثر من أسبوع دون أن يقبلها أحد، لكنها كانت مهمة مؤقتة.
فعند قبولها، كان عليّ إنهاؤها في يوم واحد.
كل ما احتجت إليه هو الحفاظ على حياة العجوز.
بعد حين، بدأت رحلتنا.
رفضت السماح لأي شخص بالذهاب معنا سوى العجوز وأنا. وحتى مع إصرار أحفاده على مرافقتنا، كان ردي حازمًا.
بعد ساعتين من المسير البطيء للسفينة، التي بدا وكأنها ستغرق دون أي تدخل خارجي، وصلنا إلى الحواف.
فجأة…
بدأت الأصوات تنبعث من الأعماق.
“الحوريات!” صرخ العجوز، وقد تمكن الخوف منه.
“اثبت مكانك فحسب.” قلت.
في هذا المكان البعيد، لم يكن هناك أحد ليراقبنا، ولهذا قررت الاستعانة بقوتي.
أطلقت عشرات خيوط الشعلة، وأحطت المركب بشبكة من القوة.
ارتطمت الحوريات بالخيوط تباعًا، لكنها لم تستطع اختراقها أبدًا.
بقيت السفينة بأمان.
جلست في القارب مكتفيا بالتمدد، بينما بدأ العجوز بإلقاء شباكه.
استمرت الحوريات في الهجوم دون جدوى.
بعد حين، سحب العجوز شباكه. نظرت إليها بطرف عيني، فوجدتها خالية.
لم يُبدِ العجوز أي رد فعل، بل رتّبها مجددًا وألقاها.
بعد ساعتين أخريين، فتحت عيني، فوجدت العجوز يرتب الشبكة مجددًا قبل أن يقذفها.
لم يصطد أي سمكة على الإطلاق.
أما الحوريات في الأسفل، فاستمرت في الهجوم.
“سيدي.” قلت. “لقد ألقيت أكثر من سبع شباك. هل أنت متأكد من أن هذا هو المكان المناسب؟”
“نعم.” أجاب العجوز. “يمكنني الشعور به.”
بعد حين، سحب شبكة فارغة أخرى، ثم أخرى.
اقترب الغروب، وبدأت الشمس تتجه خلف الجبال.
“سيدي، لم يبقَ وقت كثير. إذا حل الظلام، فسنواجه مشكلات أكبر من الحوريات.”
لم يجب العجوز. سحب شبكته وألقاها مجددًا.
ومرة أخرى، أخرجها دون أن يجد فيها شيئًا.
وقفت، فلم أعد أطيق الانتظار.
اتجهت نحو العجوز، ثم توقفت.
كان طوال الوقت يعطيني ظهره، ولم ألاحظ ذلك قط…
كان يبكي.
صمتُّ للحظة.
“فقط أخبرني… هل تشعر بوجود مشكلة مع الأسماك؟” قلت.
“إنه… إنه…”
“ماذا؟” سألت.
“إنه لا يقترب بسبب الحوريات… إنه يخشاهن أيضًا.”
“هكذا إذًا.” همست.
أغمضت عيني. لم أكن أرى الحوريات، إذ كانت تهاجمنا تحت الماء. وكل ما شعرت به هو خيوطي التي تتصدى لضرباتها.
زادت قوتي في الخيوط، وحمّلتها بشعلة مضادة.
ثم…
بوووم!
بووووم!
بووووووم!
دوّت أصوات الانفجارات من تحت الماء، أعقبها صراخ الحوريات.
مع كل ضربة توجهها الحوريات، كان أحد خيوط الشعلة يرد عليها بضربة مضادة.
أمام سلاح متمكن، كيف لمخلوقات مثل الحوريات أن تصمد؟
كانت كل ضربة من الخيوط قاتلة.
وبعد عدة دقائق…
ساد الصمت.
ارتفعت الدماء إلى سطح الماء، ثم أخذت تنتشر وتتناثر تباعًا.
فجأة…
“إنها هنا!” صرخ العجوز. “إنها تتبع دماء الحوريات!”
رفع شبكته مجددًا وقذفها.
بعد حين، حاول سحبها، لكنه لم يستطع.
اقتربت سريعًا وأمسكتها معه.
سحبناها معًا.
ثم…
خرجت الشبكة ممتلئة بالأسماك الصغيرة.
انهمرت دموع العجوز تباعًا.
أفرغ الشبكة، ثم ألقى بها مجددًا.
وبعد ساعة، حل الظلام.
كنا في طريق العودة، وقد امتلأت سفينة العجوز بالأسماك.
طوال الطريق، ظل يشكرني.
في الحقيقة، لا أعلم…
هل ساعدته من أجل المهمة، أم من أجل الإنسانية؟
ربما كان السببان معًا، لا أعرف.
في اليوم التالي، ذهبت إليه مجددًا.
قمنا بجولة أخرى، ثم عدنا سريعًا حتى أتمكن من اللحاق بالمهمة التالية.
لكنها انتهت بسرعة بالفعل.
كان هناك نزاع بين رجلين حول أيهما أقوى.
كانا بحاجة إلى سيد يدربهما ليتواجها في منافسة تعتمد على التفكير والحظ.
قررت أن أصنع لهما لعبة لودو، ودربتهما عليها طوال يوم كامل، ثم جعلتهما يتنافسان.
في الواقع، استمتع الرجلان باللعبة كثيرًا، وسرعان ما نسيا غضبهما.
وبذلك، حصلت على حجر المهمة بنجاح.
أما المهمة التالية، فكانت مرافقة رسامة للعثور على مكان مناسب للرسم.
كان شرطها الوحيد ألا تمنحني علامة النجاح إلا بعد أن تجد المكان المناسب وترسم فيه لوحة، ثم…
إذا أعجبتها النتيجة، فستُعد المهمة ناجحة، أما إذا لم تعجبها، فلن تمنحني شيئًا.
لم يقبل أحد بهذه المهمة، فقد كانت رائحة الخداع تفوح منها بوضوح.
في الواقع، اعتقدت في البداية أنها مهمة فاشلة.
أخبرت الفتاة بذلك، لكنني أوضحت لها أيضًا أن الأمر لا يهم. كان بإمكانها النجاح في العثور على مكان مناسب، بينما يمكنني التأخر في تسليم الحجر. وفي كلتا الحالتين، سنخرج كلانا رابحين.
لم تفهم كيف يمكنني الفوز دون استغلال أتعابها.
لكنها وافقت سريعًا عندما علمت أن أموالها ستبقى كما هي.
بعد ثلاثة أيام من السير خلف الفتاة، وجدت أخيرًا عصفورًا صغيرًا جميلًا، فقامت برسمه.
عندها، منحتني الحجر معلنةً نجاحي.
لكنني لم أسلّم الحجر في الوقت المحدد، رغم صدق الفتاة في النهاية.
فأنا أيضًا كنت صادقًا؛ كان هدفي أ
ن أنجح وأفشل في الوقت ذاته، وقد حققت مرادي.
المشكلة الأكبر الآن هي: كيف سأواجه شكوك النقابة؟
من الصعب أن يصدق أحد أنني أفشل في هذا العدد من المهام.
لكنني مضطر، وليس لديّ حل سوى المجازفة. وإذا حدث شيء، فسأتعامل معه في حينه.
فالخوف من الدخول إلى المجهول هو فشل بحد ذاته.