الفصل 88 - جولة ثانية
وقف سيد الرتبة الرابعة الأشقر عاليًا في السماء…
ثابتًا… لا يتحرك…
لكن حضوره وحده كان كفيلًا بإجبار الجميع على الصمت.
الهواء من حوله بدا وكأنه ينحني…
والسحب التي كانت تعبر ببطء… تفرقت، كأنها لا تجرؤ على الاقتراب.
خفض نظره إلى الأسفل…
إلى من تبقى.
وقال بصوت هادئ… لكنه ثقيل:
“المعلومات… كانت صحيحة وخاطئة.”
توقف قليلًا…
ثم تابع:
“المساحة… ممتلئة بالموارد… لكن ساكنيها… لم يكونوا ضعفاء كما قيل.”
“بالفعل.”
جاء الصوت من الجانب.
فتاة صغيرة… ذات شعر وردي…
تقف بثقة، وعيناها تحملان بريقًا غريبًا… مزيجًا بين الفضول والجنون.
بجانبها… وقف سيد من الرتبة الثانية، صامتًا، يراقب.
أمالت رأسها قليلًا… ثم أضافت بابتسامة خفيفة:
“لقد كاد أخي الكبير أن يُقتل… على يد أحد الأتباع.”
ارتسمت ابتسامة أوسع على شفتيها…
“فتاة قوية بحق… تملك سلاحًا ذا خواص فريدة…”
توقفت لحظة…
ثم همست وكأنها أعلنت قرارًا:
“أريده.”
“لن يحدث ذلك.”
خرج صوت غليظ من الجهة الأخرى.
وقف هناك… سيد من الرتبة الثالثة…
شعره أبيض ثلجي… وعيناه تضيقان بحدة.
“السادة… هم من سيقررون التوزيع العادل.”
تقدم خطوة… وصوته ازداد ثقلًا:
“لقد خسرت حصاني…”
توقف…
“ولن أقبل… بأقل من ضعف التعويض.”
“ههههه…”
ضحكت الفتاة ذات الشعر الوردي… ضحكة ساخرة بلا أي احترام.
“وهل نحن مسؤولون عن عدم كفاءتك؟”
نظرت إليه بازدراء واضح…
“لقد خسرت حصانك… لأنك ضعيف.”
“اصمتي.”
شخر السيد ذو الشعر الثلجي، وعروق الغضب بدأت تظهر في عنقه.
“اختاري كلماتك بعناية… وإلا ندمتِ.”
“أرِني كيف.”
قالت الفتاة… دون أن تتراجع خطوة واحدة.
“حسنًا—”
“سكووووت.”
انفجر الصوت.
لم يكن صراخًا…
بل أمرًا.
سقط كالصاعقة.
في لحظة—
تجمد الجميع.
حتى السيد ذو الشعر الثلجي…
حتى الفتاة ذات الشعر الوردي…
صمتوا.
خفض سيد الرتبة الرابعة الأشقر يده ببطء…
وعيناه تمسحان الجميع بنظرة باردة.
“سيكون التوزيع… كما اتفق سادة الطوائف الثلاث.”
قالها بهدوء… لا يقبل النقاش.
“الخسائر… سيتم تقديرها من قبلهم.”
لم يعترض أحد.
لم يجرؤ أحد.
سقط صمت ثقيل.
ثم—
تحدثت الفتاة ذات الشعر الوردي مجددًا… لكن هذه المرة بنبرة أقل حدة:
“والبقية؟ اين هم ؟”
نظر إليها السيد الأشقر…
ثم قال:
“لقد هُزموا.”
سقطت الكلمات…
كحجر في بئر عميق.
الوجوه… تجمدت.
العيون… اتسعت.
“ماذا؟”
لم يكن الصوت عاليًا… لكنه خرج من أكثر من شخص في نفس اللحظة.
الخبر لم يكن مجرد خسارة…
بل…
صدمة.
بدأت الحملة…
بثلاث عشرة سيدًا.
ثلاث عشرة قوة… من ثلاث طوائف مختلفة.
قبل أشهر…
قام أحد السادة ببيع معلومات “مميزة” عن هذه المساحة…
مساحة من مستوى فوق الممتاز.
المعلومات…
تحدثت عن سيد لم يصل حتى للرتبة الأولى…
عن خدم بسطاء…
وعن أميرة من قوم القمر المنسي.
صفقة مثالية.
ثلاث طوائف…
دفعت…
ووافقت.
ثم—
تصادمت.
لكن بدل أن تتقاتل…
اختارت التعاون.
دخول مشترك…
تقاسم متساوٍ…
قيادة موحدة.
وسقط الاختيار…
على سيد من الرتبة الرابعة.
ثم—
دخلوا.
ثلاث عشرة سيدًا…
من الرتبة الأولى…
حتى الثالثة.
لكن الآن…
سبعة فقط…
يقفون.
الصدمة…
لم تكن في العدد.
بل…
في النوع.
“من بينهم…”
همس أحدهم بصوت مرتجف…
“سادة من الرتبة الثالثة…؟”
لم يجب أحد.
لكن الصمت…
كان الإجابة.
حتى سيد الرتبة الرابعة الأشقر…
لم يستطع إخفاء التغير الطفيف في عينيه.
نظر ببطء…
نحو الفتاتين.
“أين… سيد الرتبة الثالثة المرافق لكما؟”
تبادلت الفتاتان النظرات.
قلق…
حقيقي.
أجابت الكبرى أخيرًا… بصوت منخفض:
“لقد… هُزم.”
“من؟”
“أحد الأتباع.”
هذه المرة…
الصمت لم يكن ثقيلًا…
بل…
خانقًا.
“هل تمزحين؟!”
انفجر السيد ذو الشعر الثلجي.
“تابع… يهزم سيدًا من الرتبة الثالثة؟!”
“بل وكان يملك… وحش كارثة.”
أضافت الكبرى.
تغيرت الوجوه.
“كذب.”
“مستحيل.”
“هراء—”
“ولماذا… تُركتما على قيد الحياة؟”
قطع الصوت الجميع.
السيد الأشقر.
نظراته ثبتت عليهما.
باردة…
ثاقبة.
التفت الجميع نحوهما.
السؤال…
كان في أذهانهم جميعًا.
لماذا؟
لماذا تعيشان… بينما سقط غيركما؟
أجابت الكبرى ببطء…
وكأنها تعيد عيش اللحظة:
“بعد انتهاء المعركة…”
توقفت.
“تحول جسده…”
“إلى شيء يشبه الدم.”
“ثم… اختفى.”
صمت.
لكن هذه المرة…
لم يكن صمت شك.
بل…
صمت فهم.
تبادل الجميع النظرات.
نقطة واحدة…
كانت كافية.
الجثث.
كلهم…
رأوها.
رأوا كيف…
لم تبقَ جثة واحدة.
كيف تحولت الأجساد…
إلى دم.
ثم…
اختفت.
في باطن الأرض.
وقف سيد الرتبة الرابعة الأشقر عاليًا في السماء، وابتسامته تتسع ببطء…
ثم قال بصوت منخفض، لكنه وصل إلى الجميع:
“لا يهم الآن… كل ما خسرناه من سادة… ستعوّضه ثروة هذه المساحة الهائلة… ستُكافؤون أنتم وطوائفكم بشكل لم تحلموا به.”
كلماته سقطت كالمطر على قلوبهم.
القلق… اختفى.
التوتر… تلاشى.
وحلّ مكانه شيء آخر…
الجشع.
تغيرت الوجوه بسرعة مخيفة، من الحذر إلى الطمع، من التفكير إلى التخيل.
بعضهم بدأ يتخيل بالفعل…
قدرات جديدة.
خصائص مسروقة.
أسلحة عتيقة.
بل… ربما ترقيات في الرتبة.
ارتسمت ابتسامات خفيفة… ثم تحولت إلى ضحكات مكتومة… ثم إلى نظرات مليئة بالجوع.
في الطرف…
التفتت الفتاة الصغيره نحو أختها، عيناها تلمعان كطفلة وجدت لعبة جديدة.
“هل سيكافئنا الزعيم بذلك الذئب؟”
رفعت أختها حاجبها… ثم ضربتها بخفة على رأسها.
“لا تحلمي كثيرًا.”
لكن… حتى وهي تقول ذلك…
لم تستطع إخفاء بريق الطمع في عينيها.
الجميع… بلا استثناء…
بدأ يحسب.
ماذا سيحصل؟
وماذا سيأخذ؟
وماذا سيترك للآخرين؟
لكن…
وسط هذه اللحظة…
تغير شيء.
أول من لاحظه…
كان سيد الرتبة الرابعة نفسه.
رأسه… تحرك ببطء.
ثم توقف.
ثم… انخفض قليلاً.
نظرته ثبتت على نقطة أمامه… على بعد عشرات الأمتار في السماء.
ثم—
ظهرت.
عمودان.
أبيضان.
هائلان.
يقفان في الهواء… بلا أي أساس… بلا أي دعم… كأن السماء نفسها تمسك بهما.
صمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثم—
دوّى صوت.
صوت عميق… ثقيل… كأن شيئًا قديماً يُفتح بعد ألف سنة من الصمت.
تباعد العمودان ببطء.
الهواء من حولهما انكمش… ثم اندفع للخارج بعنف.
“بوابة…؟”
همس سيد الرتبة الرابعة، وهذه المرة… لم يكن صوته واثقًا.
“أي نوع من البوابات هذه…؟”
لم يجب أحد.
لأنهم…
لم يروا شيئًا كهذا من قبل.
نظر السيد الاشقر إلى البوابة البيضاء التي انفتحت أمامه،
عيناه تضيقان تدريجيًا، وملامحه بدأت تفقد ذلك الهدوء المتعالي الذي لازمها منذ بداية الغزو.
ثم—
بدأت الظلال بالخروج.
واحدة تلو الأخرى.
لكن…
الهواء نفسه تغير.
الضغط ارتفع.
السماء… ثقلت.
كأن وجود تلك الظلال وحده… كان كافيًا لفرض هيبته.
أول من خرج…
خطوة.
ثم أخرى.
ثم استقر.
“ها هو…”
همس سيد الشعر الثلجي، وعيناه انفرجتا رغمًا عنه.
“القائد…”
ارتدى الجميع رداءً أسود…
خطوط ذهبية.
مرتبة.
متناسقة.
لكن—
واحد فقط…
كان مختلفًا.
رداءه أسود…
لكن الخطوط عليه…
حمراء.
حمراء داكنة… كأنها رُسمت بدم لم يجف.
خلف ظهره…
سيف طويل.
ملفوف بقماش أسود…
لكن من بين لفائفه…
تسرب شيء…
شيء لم يكن ضوءًا…
ولا ظلامًا…
خلفه…
خمسة.
خمسة قادة.
كل واحد منهم… يقف بثبات مرعب.
وخلفهم…
أربعون مقاتلًا.
عشرة من نفس الفئة…
وثلاثون…
مقاتلو الصخور.
وقفوا كجدار.
كجيش.
كإعلان واضح…
أن المعركة… لم تنتهِ.
بل…
بدأت للتو.
“هل كان دخولًا جميلًا؟”
همستُ.
على يميني…
تحرك خيط من الشعر الفضي.
ومن تحته…
شفتان ورديتان، ناعمتان، لكن صوتهما كان ثابتًا.
“بالطبع.”
قالت مونالي بهدوء.
“انظر إلى وجوههم… وستفهم.”
نظرت.
نعم…
الفارق كان واضحًا.
قبل لحظات…
كانوا يحلمون بالغنائم.
الآن…
هم يحسبون النجاة.
على يساري…
صوت مألوف.
ساخر.
“كان سيكون أجمل… لو كنتُ أنا على يمينك.”
شخرت لويس.
ابتسمت دون وعي.
“أحب غيرة النساء… خصوصًا إن كانت عليّ.”
“تبا لك.”
ردّت بسرعة.
لك
ن…
رأيتها.
الابتسامة الصغيرة…
التي حاولت إخفاءها.
ثم
“هل هذا وقت المزاح؟”
صوت جو.
نظرت إليه.
توقفت.
شيء… كان مختلفًا.
ملامحه…
أهدأ.
لكن…
عينيه…
أعمق.
كأن شيئًا داخله…
انكسر.
أو…
تغير.
“إنه مختلف…”
همست داخلي.
ربما…
معركته السابقة…
لم تتركه كما كان.
ربما…
هذا الصمت…
ليس هدوءًا.
بل…
إعادة ترتيب.
رفعت رأسي.
ببطء.
نظرت إلى سيد الرتبة الرابعة.
ابتسمت ..
ابتسامة…
لم تكن واسعة.
لكنها…
كانت كافية.
“دخلتم… دون إذن.”
صوتي…
لم يكن عاليًا.
لكنه وصل. بالطبع وصل
لكل واحد منهم.
“وقتلتُم… دون حساب.”
توقفت.
ثانية.
ثم—
“والآن…”
تحركت يدي.
ببطء.
نحو السيف.
“ستُحاسبون.”